أخبار عاجلة

حياة مُحتمَلة (ما يشبه السيرة)

لا يزال في إمكانه أن يرى. «سعادتك مبهمة» قالت المرأة وهي تهم بتقبيله. «احسنت اللعب بماء الذهب الصباحي، لن يكون نهارك ثقيلا» قال لنفسه وهو يعيد تركيب تفاصيل وجه المرأة كما لو أن ذلك الوجه قد طلع فجأة من فضاء، ما تحته ماء وما فوقه ماء. ينتج فعل النظر رغبة في التعرف من جديد. ضحكت المرأة بعد أن رأته يحدق بها بطريقة مستفهمة. «لا شيء، هكذا، كأنك آخر» شعر في جملتها نوعا من الإطراء على فكرة أن يكون موجودا معها بهذه الطريقة لا بسواها. تكفيه ما لديه من أسباب للسعادة. ضوء النهار، أناشيد الطيور، هبوب الريح، المطر الناعم، الأعشاب الخضراء، وجوه الناس، سيقان النساء، عربات التسوق، أديث بياف، القناطر الخشبية، البط في البحيرة. يده بيدها فيما عطرها ينزلق إلى صدره. العالم هادئ من حوله. لا أحد يعرف أحدا في هذه البقعة النائية. الغرباء يخترعون بلدا. وهو البلد الذي لا يملكه أحد. في إمكان أي واحد منهم أن يقول: «هذه جزيرتي». حينها تذكر أغنية تقول : «هذه ليلتي» كان يفكر بمستويات السرد الجنسي التي تنطوي عليه تلك الجملة. كما تخيلها يوم كان مراهقا. السرير الأبيض والوسائد المترفة بريشها. ما انبعثت النار في يده إلا بعد أن تعلمت تلك اليد الكلام. لقد صارت تهوى الكلام، بل الثرثرة الماكرة. إذا سافرت يسافر معها كلامها. لا يضجرها تكرار المعاني فهي تتقن اللعب بالأشكال. دائما هنالك شكل يتناسب وحجم وكثافة وقوة التأثير المطلوب. «النساء ميالات إلى السعادة» وهن لذلك في حاجة إلى من يتخيل لهن السعادة. من يدخل بهن إلى فراديس وهمية. «كل فردوس هو وهم» كانت يدي تقول كلما بدأت بحراثة أرض جديدة. قارات مختلفة: نضرة ومعشوشبة وملساء وملتوية ومكتظة وعاكفة على لوعتها. كل جسد هو قارة. يقول لكي يكف عن الاستفهام. يكفي أن يكون المرء يائسا لكي يعثر على الرضا. 
حين شعر أن صورته العابرة هي أفضل ما يملك جعل من الارتباك اسلوب حياة. تذكر أنها وصفة نيتشوية من أجل أن تقع المرأة على شيء من قوة أنوثتها. في أعماق الكأس صور شتى. تتحرك لتتصادم كما تفعل الكلمات. بين ما قيل وما لم يقل بعد، بين ما نسيناه وما عثرنا عليه بالصدفة، بين ما يشد أعصابنا إليه وما يمسنا بخفة قدمي عصفور. الكلمات لا تؤنث بقدر ما تستدعى شفقتها. كل كلمة هي نظرة إشفاق. (الكلمة الطيبة صدقة) نبوءة مؤجلة بالرغم من أنها ممكنة في كل وقت. أحيانا يقضي المرء حياته وهو يبحث عن تلك الكلمة. أقول «أنا حر» يالها من جملة حائرة! من الذي يدفع ثمن تلك الحرية؟ المكان البعيد الذي ما فتئت أسير إليه منذ سنوات من غير أن ألمح أية إشارة تؤكد أنني أمشي في الطريق الصحيحة. يسليني العثور على مكان صغير. مكان يتسع بما ينتج عنه. بفعل لا يكون متقنا دائما غير أنه يحرص على أن لا يكون معادا. مرآة ذاته.
في (الفحيص) وهي بلدة أردنية أقمت أياما في محترف رسام صديق. كان ذلك المحترف بنوافذه الكبيرة يطل من كل جوانبه على مشاهد طبيعية خارقة الجمال. فكنت كل صباح احتاج إلى لحظات يقظة لكي أتاكد من أنني أقيم بين جدران أربعة تفصلني عن الطبيعة. حملت عزلتي يومها إلى مخيلتي أفكارا فريدة من نوعها عن لذة العيش وحيدا. ليس هنالك في تلك القرية من يعرفني. ذات مساء قدم صاحبي الرسام ومعه فتى وفتاة فلسطينيان. نشرت تلك الفتاة المرحة شيئا من أنوثتها في المكان. وهو الشيء الذي صار يذهب معي إلى النوم كل ليلة. ذهبت الفتاة غير أنها تركت ضحكاتها تملأ المكان. يومها اعتقدت أن ذلك يكفي سببا للكتابة. لدي مصباح يكفي لكي أرى من خلاله الأشباح. أرفع وجهي عن الورقة فأرى تلك الأشباح وهي تتجول من حولي. كانت تلك الصور تخرج من قاع الكأس لتقفز إلى الفضاء الذي يحيطني بزرقته. «أنت واحدة منهن، بل كلهن» المرأة لا تنتظر طويلا. إنها تقيم في لحظة نادرة. لحظة ما قبلها خواء وما بعدها فشل. وهي لحظة تنتمي إلى عالم الغيب. فجأة يمتلئ المكان بالأصوات التي يمكن الاهتداء إلى مصدرها بيسر: جسد امرأة بعينها لا سواها. أجراس وكمنجات وأبواق وطبول. كل عضو في المرأة يصدر صوتا معينا. «سمعنا وأطعنا» لا تكفي تلك الجملة. هناك ما تنتظره المرأة. وهو ما لا يجرؤ على القيام به أي رجل.
قال لي صديقي اللبناني «لقد سالت شهوتها بين أقدام الحاضرين في القاعة. فعلت حسنا وأنت تأخذها بعيدا» وهو يتذكر تلك المرأة التي أخذتني بسيارتها ذات ليلة إلى محترفها لتريني اعمالها النحتية. «هناك بيرة في الثلاجة» «لا أحب البيرة» «هناك ويسكي أيضا». لم أشرب. قبل أن أرى ذلك القضيب المنحوت من البرونز كنت قد أدركت أني قد وقعت في المصيدة التي نصبتها لنفسي بمرح استثنائي. كانت تلك المرأة المتزوجة تعيش خيال تلك اللحظة النادرة التي التقطتها أنا بيدين بارعتين. غير أني في تلك اللحظة كنت في مكان آخر بعد أن نسيت أنني قد فعلت كل شيء من أجل أن نكون موجودين بتلك الطريقة. كان المكان الواسع بكل ترفه يضيق بي فحرصت على أن لا أنظر إلى عينيها. نبيلة كانت حين سمحت لي بالفرار. وحين قبلتني وأنا أودعها عند بوابة الفندق، قبضت على يدي وقبلتهما. «لقد انتهيت» قلت لنفسي «لتذهب إلى سريرها منتصرة» ولكن هل ذهبت حقا منتصرة؟ الآن بعد عشر سنوات من تلك الواقعة صرت أتخيل قبلتها التي تركتها على يدي نوعا من استعادة الكرامة المهانة. لقد قالت لي شيئا مختلفا. ربما هو الشكر وربما هو اللعنة. «سعادتك مبهمة» تقول لي «في هذه اللحظة أنا موجود في أماكن شتى، هل تصدقين؟» لا يتسع إناء البراءة للندم. ما أن ينقطع الحبل السري حتى تكون البراءة نوعا من ماضي الفرد. لسنا أبرياء بالرغم من أن بصمات أصابعنا لم تكتشف في مكان الجريمة.
«لست مسؤولا عما جرى قبل ولادتي» يقول المرء، ولكنه يصمت حين يسأل «ولكن هل ستكون مسؤولا عما جري بعد ولادتك؟» فعل النظر يديننا. «هو الذي رأى» جلجماش، ربيب الآلهة، كان سيد الفتنة التي أودت به. لقد رأى مثلما رأينا غير أنه ذهب لكي يكون اسطورة فيما قررنا أن نكتفي بفعل النظر، مشاهدين لا هم لهم سوى متابعة الوقائع. حين غادرت العراق آخر مرة كنت على يقين من أن عودتي إليه لن تكون ميسرة، لذلك كنت أردد «مشيناها خطى كتبت علينا/ ومن كتبت عليه خطى مشاها» كل ما فعلته فيما بعد هو نوع من التنويع على ذلك البيت الشعري. في كل بقعة كانت هناك خطوة تسبقني. هي خطوتي التي لم ألقها بعد. وبعد أن صرت مؤمنا أن المنفى صار قدري صرت أتفحص خطواتي بعمق. لم يعد لدي ما ألجأ إليه سواهن. «صديقي الوحيد» تقول لي زوجتي فألمح في عينيها أشباحا. «عشنا ملوكا» «ولن نكون لاجئين كما يرغبون» منذ سنة المنفى الأولى فهمت أن الوظيفة غير الإنسان. ليس شرطا على من يقابلك بلطف في وظيفته أن يكون لطيفا معك حين يراك في الشارع، بل أنه قد يستهجن بعينيه جلوسك في المقهى الذي يجلس فيه. العنصرية هي درس ينبثق من المكان أيضا. ليت النساء اللواتي أحببتهن يحضرن هنا لنحتفل بالنهايات. للحرية ثمنها دائما. يقول المرء لنفسه بزهو «لقد نجوت» غير أن سؤالا من نوع «من أين أتيت؟» هو بمثابة المسمار الذي يثقب قارب النجاة. تمتزج الحرية بشعور مرير بالإحباط. «أنت لاجئ إذن» لا تنفع المواطنة في مثل هذه الحالات. فلن يكون مقنعا أن تقول له «أنا مواطن مثلما أنت» الحقيقة في مكان آخر. في الحديث عن دفع الضرائب يشم المرء رائحة عنصرية بالرغم من أن الإحصاءات الرسمية تؤكد أن 90٪ من المتلاعبين بالضرائب هم من الاسوجيين الأصليين، أما المهاجرون فانهم لا يتقنون المشي إلا في ممرات الفساد القصيرة والمكشوفة.
في أحيان كثيرة تهزمنا اللغة. في الحقيقة لا أحد في إمكانه أن يهزم اللغة. والمنفى اللغوي في حد ذاته مكان لا يتمكن المرء من الخروج منه سالما ومعافى. وهنا لا تهمني محاولة الهرب من مواجهة هذا القدر، وهو الأسلوب الذي يتبعه معظم المهاجرين من أجل أن لا يزيدوا من ارتباك خطواتهم. من المؤكد أن تعلم اللغة يعين المهاجر على الشعور بنوع من الراحة، لكنها راحة لا تدوم طويلا. فبعد أن يطمئن المهاجر إلى سيطرته اللغوية على حاجاته الأساسية، يبدأ سؤال اللغة في صفتها معيارا ثقافيا. ذلك لأن التحدث بلغة ما يفترض معرفة المزاج الثقافي للغة حيث تلعب تلك المعرفة دورا كبيرا في إمكانية الاسترسال مع تلك اللغة في تحولاتها. وهو ما يعجز عن القيام به المهاجر. وهنا تنفتح أبواب جحيم منفى مختلف. فاللغة ليست وسيلة اتصال مجردة من لذائذها الخفية. «حيث اللغة تنكر نفسها/ أذهب لملاقاة نفسي» يقول اوكتافيو باث. نتعرف على اللغة في صفتها مكانا مجهولا، تشتبك حواسنا بعنف بسطوح ذلك المكان غير المنسجمة مظهريا، لندرك بعدها أن هناك نغما واحدا يغلف أعماقها. هناك مواقع ناعمة وأخرى خشنة. وهناك ما ننعم بالطمأنينة حين النظر إليه وهناك ما يسبب لنا الفزع. ليس في إمكاننا أن نتعلم فن الصمت الذي هو ضالة جمالية وأخلاقية ما لم ننهمك في تفكيك أسرار ذلك السطح الذي يطيح بهدأتنا البصرية. حين يكون في إمكاننا أن نرى الكلمات فان ذلك يعني أن الطريق صارت سالكة امامنا. فالكلمة التي ترى هي حروفها وهي المسافة التي تفصلها عن سواها من الكلمات وهي بعدها الخلاق الخفي. الأمر أشبه باتصال هاتفي يصلنا من الغيب. ينبغي أن لا يكون صادما مشهد الاضطراب الذي يعيشه المرء وهو يتلقى مثل هكذا اتصال. علينا ان نتذكر ان للملائكة مهمات غير معروفة. نصمت لكي نتيح للملائكة وقتا لرعايتنا. نحن أبناء الغيب أيضا. لقد حظيت مرارا بلقاء كائنات لا تنتمي بتاتا إلى عالمنا. كائنات كانت الطبيعة من حولي تلهمني وجودها. ولأني أعتبر حياتي نوعا من الخرافة فقد كنت أقبل على الحوار مع تلك الكائنات بشهية مفتوحة. «ترى ما الذي كان يقوله بعضنا إلى البعض الآخر؟» هناك شيء من الإبهام يحيط بالكلمات التي تتعرض للمحو ما أن تقال. لا يشترط تأثيرها بقاءها. هناك حساسية كامنة تدفع بتلك الكلمات إلى الذوبان والامتزاج بمشاعرنا، بما نفكر به وبما نتخيله. هي كلمات في إمكانها أن تقولنا بل وأن تكون لنا بمثابة المعبر الذي ننتقل عن طريقه إلى ضفة أخرى. هل كانت فتاة الفحيص نوعا من تلك الكائنات الخفية التي لا يلتقيها المرء باستمرار؟ في اليوم التالي للقائنا استيقظت مبكرا. كان الفجر على رؤوس الأشجار. مشهد الطبيعة من حولي أدهشني كما لو أني أراه أول مرة. «لقد تغيرت» قد لا يكون ذلك التعبير مناسبا لما كنت أشعر به. غير أنني في الحقيقة استيقظت على صوتها الذي تركته راقدا في أعماقي. لذلك خرجت مسرعا من البيت وقبل أن أعد القهوة من أجل أن أتخلص من ذلك الصوت من خلال اعادته إلى فضائه. «هذه هبتك أعيدها إليك لأنني فشلت في حملها» قلت للطبيعة وعدت إلى البيت. كان ما فعلته نوعا من الارتجال الخيالي غير أن نتائجه كانت مدهشة. حين وقفت لأعد القهوة كنت أشعر بصفاء روحي لم أشعر به منذ زمن طويل. كانت هناك موسيقى تخرج من جسدي لتعود إليه ثانية من غير أن تصطدم بشيء يبعثرها. عدت وحيدا تحرسني عيون الملائكة. حملت فنجان القهوة وجلست قريبا من أحدى النوافذ الواسعة منتظرا بخوف أن أبصر ذلك الصوت وهو يتخفى بين الأشجار.
كغيرها من اللغات فان اللغة الاسوجية (السويدية) تحتوي على كلمات، فيها قدر عظيم من الموسيقى بما لا تكشف عنه معانيها. بل أن تلك الموسيقى تبعث في النفس نوعا من القشعريرة الشاعرية يهمل المرء إزاءها التفكير بالدلالة. (اوغراس) هي واحدة من تلك الكلمات التي أسرتني بجرسها. معناها نوع من الأعشاب والأزهار الضارة. وهي نباتات برية يتمكن المرء من العثور عليها بيسر في كل مكان. ذات يوم استيقظت على ضجيج ماكنة. نظرت من النافذة إلى الحقل الأخضر الذي يحيط بمنزلي من جهة غرفة النوم فرأيت ماكنة وهي تقطع رؤوس آلاف الأزهار الصفراء. كانت أجزاء من تلك السجادة الصفراء لا تزال موجودة حين وقفت أمام العامل الذي كان ينجز تلك المجزرة. قلت له «لم تفعل ذلك؟» فقال لي الكلمة التي علقت بخيالي بقوة «اوغراس». عدت إلى المعجم حزينا ومخيبا بإنسانية مولعة بالخراب. تركت تلك الكلمة في نفسي ما لم أكن أتوقعه من تأثير. لقد امتزج نغمها بالأوهام البصرية الذي اخترعتها حشود الزهرة الصفراء فصنعت في عيني دموعا هي أشبه بالفراشات. حين فتحت المعجم كنت أشبه بالأعمى. حينها تذكرت فتاة الفحيص. كانت الفاتنة نوعا من العشب الضار. ما يفعله ذلك العامل فعلته أنا قبله بأعوام. الوعي ضد الجمال. أهذا ما أردت أن أقوله؟ في اللحظة عينها يمكنك أن تفسر عدوانيتك من خلال رغبتك في أن تبقى حيا. عدوانية الجمال هي جزء من فكرتنا عنه. الجمال واقعة شاذة، متطرفة، ملعونة، صادمة، متشنجة، فالتة، ومتمردة على كل قياس مسبق. «ما لم تكن ضالا لن تكون جميلا». فتنة الخلخلة تقيم في كل اللغات. لم يعن فنسنت فان غوخ في حياته بشيء بقدر عنايته بتلك الفتنة. لقد نظرت بعيني فنسنت إلى تلك الحشود الصفراء فيما كان العامل لا يرى إلا وحوشا فالتة. لو كنا مزارعين: فنسنت وأنا لأدركنا الخطر. «ولكن الخطر هو الذي يجذبنا إلى تلك المناطق» يقول لي فنسنت بصوتي. وهو محق. لم يكن فنسنت إلا رساما صينيا. هذا ما قاله نقاد عصره عنه بتعال، تشم منه رائحة العنصرية. كانت لوحاته اوغراس. وحياته هي الأخرى كانت اوغراس. صاحبه الذي مضى متلهفا إلى تاهيتي كان هو الآخر اوغراس. بول غوغان وجد هناك المرأة التي يحبها ويضاجعها بعمق، ورسم اللوحة التي يحلم بها ويظنها وسيلته لتغيير العالم. لقد مكنه خطأ من القبض على روح الآلهة. حراس الدين كانوا يحصون أخطاءه. «صبية يلعبون» بالنسبة لغوغان لم يكن العالم يضيق بكلمة. الفرنسي الذي ترك المدنية وراءه لينتمي بكل حيويته إلى عالم يستمد قوته من الخرافة هو ضربة يد على طبل غير مرئي. دعاء يذهب إلى الله مباشرة من غير أن يمر بالدين. أمام مثل هذا النوع من الأدعية تشعر المؤسسة الدينية بالخطر. هناك من يفقدها سلطة احتكار المفاتيح التي تفتح بها أبواب الغيب. وهنا بالضبط يقع التناقض بين الدين والفن. مسيحيو فرنسا في تاهيتي أقلقهم أن تستيقظ أديان الطبيعة من خلال رسوم ومنحوتات غوغان. في النهاية انتصر الموت. مات غوغان فيما ذهبت رسومه إلى المتاحف. كانت حياته القصيرة كما هي حياة ارثور رامبو من قبله وحياة كافكا من بعده فكرة عن حياة لا يمكن استعادتها إلا عن طريق الفن. إن أهمية عمل من نوع (البحث عن الزمن المفقود) لمارسيل بروست تكمن في أنه ينقي المسافة بين الفرد والاله من الحكايات الدينية. ولهذا السبب تبدو قراءة هنري ميلر مسلية. فميلر الذي يحتقر المؤسسة الدينية لم يكن ملحدا. كان مثلي تماما مؤمنا بعمق. فأنا في علاقتي مع الخالق لا أبحث عن رضا أحد سواه. وهي العلاقة التي لا يفهمها الكثيرون ممن أقتنعوا بقوة الوسيط على الشفاعة. إنهم يفتقرون إلى الجرأة على إقامة علاقة مباشرة مع الرب. وهي علاقة يقترحها الله بنفسه «أينما تولوا فثم وجه الله».
في عصر المدن الصناعية الكبيرة ربما أكون محظوظا إذ أقيم في قرية. فرصة نادرة يحلم بها الكثيرون تجعلني قريبا من فكرة الخلق. في كل لحظة استثناء أهرع إلى الغابة لاستعيد توازن المعادلة في أعماقي. «أعيش حياتي بلا صفات، فلا أعرف معنى الغنى أو الفقر. حياتي كما هي، كما الفتها، مليئة بالمعاني» يقول لي الحطاب وهو يقترح علي أن أشرب معه كاسا من النبيذ في بيته. ذلك الحطاب كان غنيا بالمعنى الذي لا يشعر معه بالحاجة إلى شيء لا يملكه. «عصر الزراعة لا يمكن أن ينتهي» يريني مزرعته الصغيرة التي ذكرتني بمزرعة الرسام قاسم الساعدي في بيته بهولندا. «الثلج يدفن كل شيء غير أنه لا يقتله. هناك دائما حياة كامنة في أعماق الأرض. الأرض تشبهنا من جهة قدرتها على أن تحتفظ بالأمل بعيدا عن كل شعور بالإحباط» أنظر إلى نباتاته التي خرجت لتوها من الأرض لأنصت إلى نشيدها المبلل بنداءات الموتى. «يقيمون هناك، في كل لحظة يستعدون لولادتهم الثانية» لا أحد من حولنا فيما يصفر طائر صغير في الخارج وحيدا. ليتنا نستطيع الصفير أيضا. اتلفت بين جدران البيت الخشبي المختنقة بالصور الصغيرة. بعضها رسوم والبعض الآخر فوتوغراف. «بناه جدي بنفسه في بدايات القرن العشرين، وجددته بنفسي في الثمانينات، في كل سنتمتر منه وضعت بصمتي حيث كنت أرى بوضوح بصمة جدي» أحالني صوته إلى فكرة الاستمرار والدائرة المغلقة. البيت مستمر في الوجود، لكن من خلال بشر فانين. الكتب هي الأخرى تشبه البيوت. هناك فرق بين كتاب يقرأ مرة واحدة ومن ثم يلقى بعيدا وآخر يقرأ في كل مرة كما لو أنه صدر لتوه. ليست الصور الفوتوغرافية المعلقة على جدران ذلك البيت وحدها ما يعيد المرء إلى زمن الأسلاف، هناك أشياء عديدة لا تكف عن الامتزاج بزمن لا يزال حيا. الخزانات والأباريق والريش والشبابيك والصحون والملاعق والحطب والشمعدانات والأقداح والصناديق الخشبية وسلال حفظ الخبز والدمى الصغيرة واواني النباتات الظلية والكتب، كلها تقيم على جناحي فراشة عملاقة يخفقان فيحرك الهواء من حولهما ضباب الأزمنة ويتطاير الريش في كل مكان. في كل شيء صغير هنالك باب يؤدي إلى فكرة وجود خفي. «انظر من النافذة، أترى ذلك البئر قرب شجرة التفاح؟ لقد حفره جدي قبل أن يشيد البيت غير أنه جف منذ سنوات. هو اليوم أشبه بالمزار» ينظر في عيني كمن يتذكر «دائما هناك حياة محتملة» تكثر في حكاياتهم كائنات تخرج من العدم فجأة لتعود إليه بعد أن تؤدي أدوارها المطلوبة. أناث خارقات تركن اثرا كبيرا في نوع التراتبية الجنسية السائدة في المجتمع حاليا: المرأة ومن ثم الطفل وبعدهما الرجل. يضع البعض ساخرا الكلب قبل الرجل.
«الترف ليس الغنى» همس صخر فرزات في اذني ذات مرة «أن تكون مترفا أفضل من أن تكون غنيا» أضاف. رسومه التي تشف عن الألوان كلها كانت بمعنى من معانيها تعبيرا عن شعوره بترف الحياة، وهو الذي كان واحدا من أكثر المدافعين عن حقوق الإنسان رفعة. في المرة الثانية التي زرته فيها في بيته بباريس كانت دفاتره الشعرية هي مفاجأته التي صعقت وأنا أتخيل أسلوب ذلك الرسام في اختراع نوع من الكدح لا يتخلى عنه الجمال لحظة واحدة. «كمن يشقى في إنتظار المعجزة» «لقد تعلمت أن أعمل باستمرار. يدنا هي التي تحرض الإلهام على الحضور» يصمت «هل أقول لك: يدنا هي مصدر الإلهام» نظر في عيني كعادته حين ينهي جملة يشعر أنها لن تكتمل إلا بجملة يقولها الآخر معترضا أو موافقا، لا فرق. كانت كتب الشعراء هي دفاتره التي تترك يده على أوراقها آثار مضيها المنفعل بأناقة لافتة إلى الروح. كل كتاب من تلك الكتب هو نسخة فريدة من نوعها من جهة الرسوم التي تزينها. حطاب يسبق الغابة إلى فجرها. ليس هناك كتاب يشبه آخر. «بيتي في الجنوب كذلك. لا حجر فيه يشبه حجرا آخر» روى يومها لي قصة ذلك البيت الذي اشتراه مهجورا ليحوله عبر سنوات طويلة من الجهد اليدوي الخلاق إلى مصيدة للإلهام. كنت أنظر إلى زوجته الشاعرة عائشة أرناؤوط وأفكر بالشعر اليدوي. هي الشاهدة الوحيدة على نوع استفهامي من الصلة بالأرض، بموادها وأصباغها وطرق تفكيرها. ولأن عائشة في حد ذاتها نوع من الملائكة فقد كانت لا ترى في ذهولي أي معنى مضاد يحتاج التعرف عليه إلى نوع خاص من الأجوبة. كانت المعجزات تقع بين يديها لتستأنف من خلالها نهارها لا لتكون تلك المعجزات مواقع قطيعة. البيت الذي شيداه معا كان يستكمل بنيته من خلال أشعارها ودفاتر صخر. في ذلك اللقاء الذي حضرته الروائية عالية ممدوح وزوجتي وابنتي اكتشف صخر أن ابنتي قد رسمت صورة شخصية له فأصر على أن يحتفظ بها. في تلك الصورة ظهر صخر في صفته واحدا من نبلاء فرساي. لقد قبضت ابنتي عليه في لحظة ترف. وهي حقيقته التي لا يمكن شرحها بيسر. ذلك المناضل كان يحلم بحياة لا تستثني أحدا من كرامتها. في الطريق إلى بيته وبينما كنا نقترب من أحد الأنفاق قال لي «هل يمكن لعاقل أن يصدق أن الأميرة ديانا ماتت بسبب حادث مروري في هذا النفق؟ لقد قتلوا يومها فكرة أزعجتهم» بعدها اكتشفت أنه كان يدافع عن حقه في الحرية. كان يمزج أميرة ويلز بسجناء الرأي في بلده سوريا ليرى صورته من خلال ذلك المزيج. ومع ذلك فان عائشة لم تكن ضائعة في ظل ذلك البطل الأسطوري. ليس لأن صخرا كان ينصت إليها مثل طفل وهو أمر مؤكد بل لإن عائشة أشبه بتلك الأعشاب الرقيقة التي تشق الصخور لتفاجئ ضوء النهار بنضارتها. لا يبدو عليها العناد، المرأة التي جبلت على الترف الدمشقي بل كانت مؤمنة إلى درجة يكون فيها الجبل مقتنعا بالعودة إلى حضن طفولته المائية.
«نبيلة الخير أخرى» قلت لنفسي وأنا أتذكر صديقتي الرسامة البحرينية التي كان وجهها ينبئ بسخاء مشاعرها دائما. «ليتك تغضبين يا نبيلة لأرى الجانب الآخر من وجهك» كنت أقول لنفسي وانا أرى في وجهها ملامح إنسانية افتقدها حين أنظر إلى وجوه الكثير من البشر. كان هناك نوع من الصفاء المتسائل في عينيها ينسيني فكرة القناع الذي يضعه البشر على وجوههم. لا يرى المرء من خلالها قناعا، بل الوجه الذي خلقه الله تماما. ما يشعر به المرء وهو يرى لوحاتها من توتر لا يجد له أثرا في حركتها المتأنية التي تكشف عن قدر هائل من الصلح الداخلي العميق. لم تكن نبيلة ترسم إلا نساء. «هل كن صورتها، أولئك النساء اللواتي رسمتهن بشغف وحنان؟» حين يرى المرء الأصل ينسى المرآة. لذلك لم أكن مهتما بتلك المسافة التي تفصل بين نبيلة ورسومها. في الحقيقة كانت نبيلة بالنسبة لي أهم من رسومها. كانت اكتشافا لوجود أرضي يمكن أن تختاره السماء في انتشاء نموذجا للخليقة. كنت أرى إلى رسوم نبيلة كونها تحريرا لتلك الإرادة في التعايش مع ما هو أرضي. «غدا أفطر لديك» قلت لها من خلال الهاتف. لو انني دعيت إلى مطعم مكسيم بباريس لكان الإفطار أقل أبهة. يكفي أن نبيلة كانت موجودة. أما المائدة فقد كانت مزيجا مرهفا ومنغما من أطعمة الشرق والغرب. كانت موجودة في ذلك الإفطار بالقوة نفسها التي هي موجودة في رسومها. خيالها الذي لا يترك ثغرة إلا ويملأها بدعائه المتسامح يسلمني إلى وجوه مطمنئة، يهمها أنها وصلت أخيرا. ولأن نبيلة لا تقول شيئا عن رسومها فان تلك الوجوه تظل بمثابة لغز محير.
القناع الذي لا تضعه الرسامة على وجهها في الواقع يذهب إلى مخلوقاتها ليقترح حلا لشقائها وعزلتها. كائنات تقف عاكفة على ذواتها في الطريق إلى فكرة الرسامة عن أناها. ترسم نبيلة الخير صورة شخصية لا تشبهها لكنها تقود إليها. كل نسائها لا يستسلمن بيسر إلى النظر المباشر، هناك دائما وقت للإنتظار من أجل التعرف عليهن بدقة. وهو وقت لا تستهلكه الأسئلة بل تغذيه الأسئلة بإلهامها. أتذكر فريدا كاهيلو، الرسامة المكسيكية، فيما أفكر بمخلوقات نبيلة الخير. قريبا من تلك المرأة (أقصد نبيلة وليس فريدا) يمكنني الشعور بالأمان، ولكن ذلك الشعور قد يكون مصدر غيظ للفتيات اللواتي اختارتهن نبيلة موضوعا لشغفها بسحر الحياة. فريدا كانت مباشرة. اختارت أن تكون موجودة دائما أمامنا. واحدة من مخلوقاتها الأكثر إثارة. كل شيء عني. يمكن اختصار رسومها بتلك الجملة. رسوم نبيلة تقول الشيء نفسه من غير أن تظهر صورتها كما هو الحال في رسوم فريدا. «أتخيلهن» تقول لي نبيلة. «ربما نسيت جزء من أشكالهن» ذلك الجزء المنسي هو ما يهب الخيال عنفوانه الشقي. لقد رأيت كل شيء، رأيت ما لا يرى. لا يمكنني أن أصف مشاعرك وأنت ترسمين نساءك، وهن معجزات بصيرتك المتأنقة. هناك سيرة للامعنى ترافقنا لكي تكون شاهدا على وجودنا. شاهدا على ما لم نكنه إلا من خلال افكارنا المبعثرة. النساء الوحيدات اللواتي كنت ترسمينهن هن نساء غد يعنيك وحدك. «أنت تفكربن بغدك» لم أقلها لنبيلة. غير أن نبيلة مثل فتياتها كانت تحلم بنهار مختلف. كان معنا آدم حنين، النحات المصري ومحمد المليحي، الرسام المغربي حين قالت لي نبيلة: «سأكون معك أينما تكون» بعد سنوات قليلة أدركت أن تلك المرأة يمكنها أن تكون معي فعلا أينما أكون. فلها روح يمكنها أن تمتزج باشياء كثيرة تظهر لمرة واحدة من أجل أن تترك وراءها أثرا أبديا.
«مادة للذكرى» ألا يكشف ذلك التعبير عن قدر كبير من التعاسة؟ تلك الأرواح الحانية والعيون العميقة واللفتات المفعمة بالمودة والأيدي الضاغطة باشتياق والأفكار والتأملات والرؤى المحلقة والنزهات المترفة واللقاءات بكل صخبها وأسئلتها ودخانها وضحكاتها والكلام الذي كانت الكلمات تعجز عن استدراجه كله والوجوه التي تطرزها الرقة بزخارف تذكر بغوستاف كليمت كلها تذهب إلى مكان خفي لا يمكن أن تعود منه إلا على هيئة أشباح ليلية. تلك الأشباح التي لا تملك مزاجا مرحا غالبا ما تشعرني بالضجر. كسلها يدفع بها إلى التخلي عني حتى وإن شعرت بأني في أمس الحاجة إليها. أحاول أن أستدرجها فلا تقبض يدي إلا على رماد. كالموتى الهنود وهم في طريقهم إلى الامتزاج بالمياه. أقف عند شاطئ البحيرة حافيا لتغمر الأمواج قدمي. بين صخرتين يعلق وجه من تلك الوجوه التي كانت تغمرني بدنوها وشفافيتها ونبلها وسماحتها. أمد يدي إلى ذلك الأثر فتشتبك أصابعي بتلك الملامح التي يفقدها الماء المتدفق الشيء الكثيرمن صلابتها إلى أن تغيب. «ليس التذكر هو الفعل الإنساني المناسب» أقول لنفسي. أتامل الغروب أو ما يشبهه. «ما الذي قد فعلت بنفسك؟» أردد مطلع قصيدة الأخضر بن يوسف. كان سعدي يوسف يحن إلى المنفى الذي سيعود إليه مسرعا فيما أحن أنا إلى حياتي التي أعرف أني لن اعود إليها وأن كل محاولة لإستعادتها ما هي إلا أعتراف بالفشل. «كنت هناك» جملة لا معنى لها. أحيانا أحاول أن أتذكر السطر الأخير الذي قرأته من كتاب تركته في بيتي ببغداد مفتوحا على المنضدة ولم أعد إليه. ربما يعينني ذلك السطر على استئناف حياة صارت تتوارى بسرعة. هناك جملة لطالما رددتها : «إيها الماضي ما الذي فعلته بي» الآن التفت إلى الماضي وأنا أعيش مستقبله لأقول له «أعني». أتأمل صورة تجمعني بصديقي هيمت تعود إلى سنة 2000. جلسنا يومها سوية على مقعد صغير لا يتسع إلا لطفل أمام عدسة التصوير الفوري في كابينة صغيرة والتقطنا تلك الصورة. لكن تلك الصورة ليست هي الواقعة التي عشناها بالرغم من أنها وحدها هي كل ما تبقى من تلك الواقعة. في ساعة متأخرة من الليل اقترح علي هيمت أن نغادر شقته لنلتقي إثنتين من صديقاته في أحد مقاهي البيغال. كان المقهى صاخبا وممتلئا بالأفارقة من الجنسين وكانت الأصوات العالية تنطق بالفرنسية التي لا أفهم منها كلمة. كانتا في انتظارنا: معمارية ايطالية ورسامة فرنسية. وكان الحديث كله يدور حسب ترجمة هيمت حول مشكلة المرأة الفرنسية، التي تزوجت من رجلين وهي تعيش معهما في الوقت نفسه بسلام. ليست هنا المشكلة بل هي تكمن في حيرة تلك المرأة بنسب إبنتها. من هو أبوها؟ لقد شعرت لحظتها أن دوافع ذلك السؤال لم تكن أخلاقية على الإطلاق. كنا نجلس في الجحيم. كانت الكلمات الفرنسية تنساب على جسدي بلا أي أثر يذكر، غير أن فتاة أفريقية وقفت قريبا من المكان الذي أجلس فيه كانت قد تركت لعجيزتها الضخمة حرية أن تضرب رأسي في كل مرة يجتاح فيها الضحك جسدها دمرت كل ما تبقى لدي من استرخاء. لم ينفع حذري حيث كانت عجيزتها توجه لي ضربة في الفاصلة بين حذرين. حين خرجنا من المقهى بعد أن ودعنا المرأتين لم يكن لدينا ما نفعله سوى أن نتم هذا السفر العبثي بين قدر تلك الطفلة الفرنسية الصغيرة التي لا يعرف من هو أبوها وبين عجيزة الفتاة الأفريقية التي لابد أنها قد تركت على رأسي أكثر من أثر. كنا نضحك بسبب المأزق الذي وقعنا فيه. هيمت وجد نفسه مربكا وهو ينعى الأخلاق بصمت فيما كان ينصت باهتمام مبالغ فيه إلى أسئلة صديقته الفرنسية التي اجترحت معجزتها اللا أخلاقية فيما كنت أشعر أن عجيزة الفتاة الأفريقية لا تزال تضرب رأسي بقوة بالرغم من أننا غادرنا المقهى. لم نلتفت إلى النساء اللواتي كن يعرضن أجسادهن للبيع المؤقت في المنعطفات بل كان كل همنا أن نعثر على آلة تصوير. هرعنا إلى أول كابينة وصرنا ندس الفرنكات في فتحتها لتلتقط لنا صورا، هي ما تبقى من عبث تلك الليلة. لم نكن ونحن نلتقط تلك الصور نفكر بالذكرى. ما فعلناه من خلال الصور هو تتمة لما عشناه مهزومين ومضطربين. هل كنا نصور خسائرنا في تلك الليلة؟ يمكننا أن نعد صيادا بغزالة وهمية. لكن من المؤكد أننا في تلك الليلة كنا من أكثر الصيادين فشلا. في الكتابة يغمرني شعور من هذا النوع.
أن تفكر في شيء وتكتب شيئا آخر. ألا يعني ذلك فشلا في الكتابة؟ أسمع أحدهم يقول «لقد قررت أن أكون كاتبا» ولكن هل يحدث هذا الأمر بالصدفة أم أن المرء هو الذي يقرره؟ يمكنني أن أصف نفسي: فأنا لا أملك عملا سوى الكتابة. وقد كنت دائما أخدم ذلك الشخص الذي يعمل كاتبا والذي هو قريني وشبيهي في الوقت نفسه. صوته الصارم يستدعيني في لحظات ضنكه. «بعد أن أستيقظ من نومي تكون قد أتممت عملك، كن دقيقا ولا تنس حرفا، لا أريد أخطاء في الاملاء أو النحو ولا تغالي في الوصف» كان ينام فأكتب أحلامه. الصور التي يراها هي بالنسبة لي كلمات. لا تبدأ اية مغامرة بطلب النجدة. لذلك أشعر أحيانا بأن أحلامه هي نوع من الخيانة. لا ينفع في شيء إن قلت أني لا أفهم شيئا. سيتهمني بالخداع والتضليل مثلما يفعل شرطي في مطار. «ليس لدي ما أقوله» «وهل في إمكانك أن تقول شيئا؟» أسمعه يقول ساخرا. في تسعينات القرن الماضي اندفعت بقوة إلى الرسم. كنت أرسم يوميا غير أني لم أقرر يومها أن أكون رساما. صرت أبعث إلى أصدقائي بتلك الرسوم بدلا من الرسائل المكتوبة. نجح الرسام محمود العبيدي في تسويق عدد من رسومي تلك في عمّان وتركت عددا كبيرا منها لدى صديقي شربل داغر وهي الان تزين جدران بيته الريفي في إحدى القرى الجبلية في لبنان. كانت يدي يومها تعمل مثل ماكنة. غير أنني كنت أفتقد ذلك القرين الذي يستدعيني إلى الرسم، الشخص الذي ينام ويقول لي : «ارسم أحلامي بدقة واخلاص». لذلك توقفت عن الرسم وأنا أشعر بالأسى. لا لأني كنت أرغب في أن أكون رساما بل لأن الرسم كان يشكل منحة مجانية تجعلني استغني عن الكتابة. في الرسم كنت أدرك كيف أني صرت أرسم أفضل لكني في الكتابة لا أعرف على أية درجة من السلم تقع خطوتي المقبلة. منذ أن أدركت هذه الحقيقة صرت اكتب كالرسامين. لا كما يكتب الرسامون بل كما يرسمون. الصدفة العميقة التي ينتظر نتائجها هنري ميشو والخطوط العشوائية التي ينظر هارتونغ إلى بلاغتها بعمق وهدوء وترف وطمأنينة ماتيس وصمت أنيش كابور الديني المتأمل وانفعال فادوفا بالخطوط المتشحة بالأصباغ وكثافة وقوة التكوين لدى سيزان وعبث السؤال لدى يوزف بويز. لم تكن تلك الدروس البصرية مواد للذكرى بل كانت وسائل لنسيان الكتابة التي لم أتعلم أصولها يوما ما ولا أعتقد أني أسير في الطريق التي تقود إلى تلك الأصول. الشيء الوحيد الذي درسته أكاديميا هو الشيء الذي لم أمارسه عمليا: الخزف. لو كنت شخصا آخر لكان الخزف بالنسبة لي نوعا من تأثيث الحياة بالرغبة البدائية. عمليا فإن الطين السائل يعيدنا إلى فكرة الخلق. لكن النتائج التي غالبا ما ينتهي إليها الخزافون هي بمثابة جدار أصم. لم أكره فنا في حياتي مثلما كرهت الخزف. كان بالنسبة لي صنيعة يد غبية. تعلمت من الرسامين ما لم أتعلمه من الكتاب. وفي مراحل متأخرة كان مصورو الفوتوغراف هم اساتذتي. انتبهت من خلالهم إلى الواقع بسحره الذي يكون أحيانا خرافيا بطريقة ممتعة. الوصف هو الآخر يمكنه أن يكون نوعا من الحكمة العميقة. إذن. كان بورخيس يصف وبيسوا أيضا. وكان هيرمان هيسه مولعا بالوصف. كتب هيسه رواية، بطلها رسام. ربما فعلها غير مرة. «الصور قبل الكلمات» مصدر لكل هذا اللمعان الذي ينتج عنه الشعر. لا تمحو الكلمة الصورة بل تلتقط مواقع قوتها الخفية. ولكنها تخونها أيضا. الكلمة تخون الصورة حين تجففها وتختزلها وتتمثلها وتقطرها وتجردها من حياة قابلة للتغير في كل لحظة. لا تليق الكلمة إلا بالأشياء الجامدة، تلك الأشياء التي لم يعد في إمكانها أن تفاجئ أحدا بنضارتها. ولكن صديقي (الفاضل)، وهذا هو اسمه الذي يشارك فيه في المعارض الدولية، عرف كيف يحول الكلمة إلى صورة.
صار علي في كل مرة يصلني فيها صوته من خلال الهاتف أن أسأله السؤال نفسه:أين أنت يا فاضل؟ في أية مدينة تقيم الآن؟ فمنذ أن تخلى هذا العراقي التائه عن لقبه وأضاف إلى اسمه (ال) التعريف ليكون اسمه من بعدها صفة، صار يتخلى تدريجيا عن أشياء كثيرة، كانت إلى وقت قريب لصيقة به، بل جزء من شخصيته. لا عنوان ثابت لديه فلم يعد يقيم في المكان نفسه دائما. أما عنوانه على شبكة (انترنيت) فانه يزيد وجوده غموضا والتباسا حيث يجعله ذلك العنوان نوعا من الكائنات الافتراضية. ليس لديه هاتف ثابت، في كل مرة هناك رقم جديد، يشير إلى مكان مختلف. لا يزال محترفه في (لوكانو) السويسرية يغص بأعماله التي لم يعد يستهويه تقليبها. غير النظارة الطبية وحقيبة السفر التي يرعى محتوياتها بأناقة كوكتوية (نسبة إلى جان كوكتو) وكتب الشعر صغيرة الحجم التي يبذل جهدا كبيرا في اختيارها، لم يبق منه ما يمكن القبض عليه ماديا. قلقه القديم لم يفارقه، لكن ذلك القلق لم يعد يتجسد من خلال اليد التي تعبث برماد خيالها على الدفاتر البيضاء. (احتفظ في بغداد بعدد كبير من تلك الدفاتر ما يشكل ثروة). صارت عيناه هما فضاء ذلك القلق. «لم يعد الرسم ممكنا» قال لي ذات مرة ونحن نجلس متقابلين في مقهى فلور بباريس. «حاولت أن أرسم مؤخرا من أجل العيش على الأقل، غير أن يدي لم تعني» حتى منحوتاته ونصبه صار ينفذها بلغة رقمية. لم يعد الرسم يعني له واقعة محتملة. لذلك عبرت يده عن إخلاصها لمزاجه المعرفي حين امتنعت عن الرسم. لقد تحول العالم المرئي بالنسبة لهذا الكائن المتلفت والذي يعشق الانصات بعمق ووله إلى مجموعة من القيم والمفاهيم التي لا تستحق الثناء دائما، لكن الاعتراف بوجودها هو نوع من المساءلة. «أنا موجود لا لأرى فقط، بل لأفكر أيضا». يقول لي وهو يقصد أن أفكاره صارت هي مادة شقائه التعبيري. من خلال الفيلم المتحرك والصورة الثابتة والإنشاء والتجهيز بمواد مختلفة وجد الفاضل الطريق سالكة إلى الكلمة. فصارت جمله التي يكتبها أحيانا بالضوء بمثابة المزار الذي تبدأ وتنتهي به جولة السائحين بين لقى المعارض التي يشارك فيها. يبقى جوهر تلك الجمل الاستفهامي عالقا بعين المشاهد فيضطر بعد حين إلى العودة إلى الصانع ليعينه على فك الطلسم. لذلك اعتاد الفاضل أن يقدم محاضرة على طريقة فناني الاداء الجسدي في كل معرض جديد من معارضه. حتى صوره الفوتوغرافية فانها لا تقدم لنا مشهدا جاهزا للنظر. ذلك لأنها لا تنقل ما يمكن أن يلهم العين جمال شيء عن فكرتها. بل العكس يقع تماما: متعة بصرية يتبعها سؤال وجودي من نوع «ما الذي يحدث فعلا؟» لا تصرح صوره بمضامينها، وهي على العموم تتشبه بأبطالها المنفيين والمشردين والمطاردين والمخيبين والباحثين عن أرض تليق بتواريهم. «ليست صورتهم ما يهمني، بل فكرتهم عن تلك الصورة» مشهد الفتية المذعورين الذين يقادون إلى الإعدام في أحد أفلامه هو نوع من الذهاب إلى قيامة لا يمكن ارتجالها في كل لحظة. كانت تلك المشاهد حقيقية، ولم يفعل الفاضل سوى أنه صنع لها الحركة التي تليق بالموت. ببطء شديد كان الموت يجيء ليذهب المشاهد بإرادته إلى حفلة إعدام لم تكن متوقعة. في كل أعماله يبدو العراق مثل درس عميق في الارتجال الصوفي. لا يسعى إلى اختزاله بقدر ما يحاول أن يتعرف عليه من خلال لغة ألمه. وهي اللغة التي تكشف دائما عن خصال جديدة. في أحد أسواق تايوان صنع هرما، لكن المرآة التي الصقت بالسقف كانت تظهر ذلك الهرم مقلوبا. يمكنني أن أتخيل الحيرة التي ينتجها فعل البصر وهو لا يرى الشيء وحده بل وأيضا صورته السالبة في الوقت نفسه. لطالما لجأ الفاضل إلى المرآة. تسليه فكرة أن يكون كل شيء يراه موجودا في المرآة، حتى وإن كان ذلك الشيء هو من اختراع خياله الشخصي. حينها يكون كما أرى كمن يرتقي سلما في اتجاه مصيره الشخصي، يتحقق من خلالها من أن هذياناته كانت بمعنى من المعاني واقعية. لقد قادته تجربته في التعرف على خلاصات المواد التي يستعملها إلى منطقة يكون فيها الفنان سيد جسده وسيد كل المواد التي تنجذب إلى ذلك الجسد بسبب رغبتها في الانتساب إلى الجمال. وهو جمال متقشف وزاهد وعار إلا من رغبته في أن يهبنا ما نحتاج إليه في لحظة تخل. يمكننا أن نفهم الآن لماذا يرفض الفاضل توقيع أعماله. حياد تلك الأعمال يصنع منه مشاهدا هو الآخر. موقعه وهو يراها مثلما نفعل نحن لا يعطيه الحق في امتلاكها. وليس غريبا أن يتخلى الفاضل عن ذلك الحق. لم تفعل أعماله ما هو غريب عنه. لقد استجابت لفلسفته في التخلي. فرجل لا يملك بيتا ولا عنوانا بريديا ولا هاتفا ثابتا لا يمكنه القبول بما يقيده إلى صنائع يعثر الآخرون عليها بالصدفة. وهي صنائع تصف لحظة عابرة من حياته. لحظة لن يعود إليها بحكم سيرة المشاء التي تمكنت منه، وهي السيرة التي يعرف أنها ستصل به دائما إلى مرحلة العشاء الأخير. حين تخلى عن الرسم قال: وداعا ليديه. بلاده التي حرم من وداعها بشكل طبيعي صارت ترافقه إلى تقنياته. تتسلل إلى كل كلمة يختارها سدا بينه وبين الآخرين. تلك البلاد هي فضيحته. فكرته عن غد لا يفكر به. لقد اكتشف أخيرا أنه تخلى عن كل شيء، غير أنه لم يتخل عن ذلك الوطن الافتراضي. لا يمكنه سوى أن يكون عراقيا. في كل صورة من صوره التي التقطها في أنحاء متفرقة من العالم لابد أن يشعر المرء أنه يقف إزاء سؤال عراقي: «إلى أين نمضي؟» لقد تخلص الفاضل من شبح الرسام غير أن شبح المواطن لا يزال يرافقه.
«الحياة العائلية يمكن اختراعها أيضا» تقول جوليا بلاكمون (امريكية من مواليد 1966). الحكمة التي انتهى اليها الرسام ديفيد هوكني في سنوات مبكرة من حياته الفردية تعود إليها بلاكمون، لكن بعدسة التصوير هذه المرة. ولكن الصلة بين جوليا وهوكني لا تخلو من تبادل أدوار. كان هوكني يؤثر نوعا من العاطفة التي يختزنها المشهد المرئي، فكان يرسم كمن يصور. ليس تماما ولكن هناك في اللوحة شوق لا يخفى إلى الصورة. جوليا تفعل العكس بوضوح. صورها التي لا يمكن سوى أن تكون معدة تتوارى خلف تقنيات الرسم. عينها التي ترى تستعين بيدها التي تتخيل، وكان هوكني من قبلها يجعل يده التي ترسم تستعين بعينه التي تتخيل. في هذا التقاطع التقني يكمن الشيء الكثير من فكر يرتجي الخلاص من العزلة. هناك حياة ناقصة يفرضها نمط عيش قاس وغير رحيم هي التي يحاول الإثنان ومعهما طبعا آلاف الفنانين أن يكسرا حدودها ويتمردان على شروطها. تؤثث جوليا صورها بكل ما تحتاجه الألفة من كائنات واشياء ومناسبات ولحظات قطيعة وانتشاء وأفكار وأوهام وشهوات غير مقيدة. الأب والأم والأطفال والألعاب والأسرة والنزهات وحيوانات البيت وأدوات المطبخ وعدد العمل في الحديقة والدمى والتلفزيون وتبدل الفصول وأشياء كثيرة يمكن أن تدعونا إلى الإطمئنان لكن الصورة عينها تحرجنا حين تقول لنا «لايمكن أن تكونوا سوى مخدوعين حين تمضي بكم سذاجتكم إلى درجة التصديق بأن ما ترونه قد حدث بالفعل» «إنها صورة» وهو ما تود أن تقوله الفنانة. كان هوكني لا يرسم إلا ما يعرفه، غير أن خيال عينه يؤدي بكل تلك المعرفة إلى الإبهام. لم يكن يستجيب ليده مثلما لا تستجيب جوليا إلى عينها. يذكرنا الفن بقدرته على أن يفصل الحقيقة عن الواقع. في الحياة العائلية يحدث الأمر نفسه. ليست الثقة بالواقع إلا درجة من درجات التعرف على الحقيقة وليست الحقيقة كلها. احتمال الخطأ هو جزء من تلك المعرفة التصويرية، وهي معرفة تظهر الفنانة عيوبها من خلال تقنيتها التي توحي بغلبة إلهام الرسم. يفكر المرء في أن ما يراه لم يكن إلا كائنات سعى الرسام في لحظة تجل إلى استدراجها إلى ذلك المكان. «خيال يرتجل لحظة سعادة ممكنة على أية حال» تعيدنا هذه التقنية إلى مسرح الألماني بريخت الذي كان يعتمد على مبدأ كسر الوهم. لا شيء في صور جوليا يدعونا إلى أن نصدق أن ما تراه إنما يمثل مشهدا عائليا حقيقيا. من المؤكد أن فكرة العائلة قد تعرضت هي الأخرى إلى التشويه والتحريف في الغرب. وهو ما أشهد عليه يوميا. العائلة مزاج ماضوي يعود إليه فنانو ما بعد الجزء تجسيدا لمفهومهم المتشظي عن الفن ووظيفته في عالم استهلاكي، قوته الوحيدة تكمن في نفي ذاته وليس تأكيدها. العائلة التي ترتجلها جوليا هي ليست عائلة كل يوم بل هي عائلة المناسبة التي تجعلنا معا. أفراد مقنعون هم أشبه بالدمى التي تؤدي أدوار في مشهد تعرف أنه سينتهي في اية لحظة. كان لدى هوكني النبوءة عينها. لذلك لم يهتم كثيرا بالبعد الثالث، بالرغم من أنه كان في أحيان كثيرة واقعيا أكثر من واقعيي بدايات القرن التاسع عشر. هو على الأقل لم يكن يصدق أن الواقع في إمكانه أن يختصر معنى الحياة. وهي طريقة لكي يمنح مشاهدي لوحاته من خلالها نوعا من الأمل في حياة لا تزال مرجأة. غير أن جوليا وهي ابنة الكذبة الأمريكية في أشد مراحلها تهورا لا تهبنا مثل ذلك الأمل. أمامها فرصة واحدة: أن تعيدنا إلى الفن، في صفته نوعا من الخلاص. وهي فرصة لا تضمن النجاة دائما. حيث تكون حياة الآخرين من خلال وسائط الإتصال المعاصرة، بعد أن هجر الفنانون الأنواع الفنية المؤكدة،هي نوع من التعويض المجاني عن حياة لم يعشها في الحقيقة أحد. مثل هذا الإعتراف الذي سبق النحات السويسري جياكومتي الجميع إليه صار اليوم بمثابة القدر الذي يجد كثير من الفناني أنفسهم في مواجهته. «لنعترف بأن فرديتنا التي كانت حلما صارت بمثابة الماكنة التي تطحن رؤوسنا». جيسيكا براو (مواليد 1981) تواجه ذلك القدر بإنفعال متشنج. لا يكفي الإعتراف إذن. تضع المصورة الأمريكية لكائنات جياكوتي التي حلت في جسدها مواعيد تستأنف من خلالها مصيرها الوجودي. كل فعل من أفعالها يكتسب بعده الرمزي الذي يشير إلى خواء تلك الحياة التي تعيشها، فردا متحررا حتى من رغبته في العيش. فهي حين تضع رأسها في ماكنة غسيل الثياب فإنها لا تسعى إلى النسيان، بل إلى ما هو أبعد: أن تكون موجودة في حياة لا يمكن استهلاك معانيها بسرعة، قبل الذهاب إلى النوم. «وهي نائمة» العنوان الذي يختزل عذابات جيسيكا. لا يحيلنا نومها في العديد من صورها إلى أي نوع من الأحلام. لقد صنعت هذه الفنانة مشاهد استثنائية للنوم من جهة جمالها الشكلي، غير أنها مشاهد لا تسر من جهة ما تنطوي عليه من شقاء. فالمرأة ليست زهورها ولا منضدة الكي ولا سكاكين مطبخها ولا سلة التسوق ولا حذاء البيت ولا الصحف أو الكتب التي تقرأها. يمكنها أن تكون أخرى حين تتذكر أمها. تلك الأخرى السعيدة. الترف المستعاد هنا ينفي أية علاقة بالنمط الاستهلاكي الذي يعيشه الفرد وحيدا. كل شيء هو في حقيقته لا شيء. جيسيكا في صورها تملك كل شيء ولكنها في الحقيقة لا تملك القدرة على أن تكون موجودة من خلال ذلك الكم الهائل من الأشياء. يرافقها اللامعنى إلى النوم. في تجربتي الشخصية شيء من هذا. أقول لنفسي حين أعود إلى البيت: «لقد انتهى النهار» بالرغم من أنني أعرف أن النهار القطبي في الصيف لا ينتهي. الفرق بيني وبين جيسيكا يكمن في أن لي عائلة شرقية تحميني من تداعيات فكرتي. لا يشكل النوم بالنسبة لي فعل هروب بالرغم من أنني لا أزعم خلوي وأنا ذاهب إلى النوم من شعور بلا معنى غريب عني، وهو (لا معنى) لا ينطلق من جسدي بقدر ما هو نوع من الإستفهام الذي يعيق كل محاولة لالتهامي. جيسيكا برو ومعها مئات الفنانات العالميات ممن امتهن فن التوضيح عن طريق الجسد وفي مقدمتهن تقف مراينا براموفتش هن مرايا العزلة التي انتهى إليها الإنسان في الغرب. ربما تكون المرأة وهي الأشد اشتباكا بالحقيقة مؤهلة أكثر من الرجل للإعتراف بتلك الحقيقة. «أنا وحيدة» لا يمكن انتظار مثل هذا الإعتراف. لا تزال النسوية سادرة في غيها. لم يعد اليوم في الإمكان الحديث عن أي نوع من الإنتصار. كانت ستينات القرن العشرين فضاء ممكنا لهذيانات شعرية أثبت الزمن أن بعضها كان ضارا. وها نحن في مواجهة فن نقدي لا يساوي بين الحقيقة والواقع. فن يعني بالإعتراف وسيلة للندم. لا يمكن لمن ينظر إلى صور جيسيكا برو سوى أن يشعر أن هناك ندما عميقا، هو في حقيقته تجسيد لسؤال النسوية المعاصرة:» ما الذي فعلناه ببناتنا وحفيداتنا؟» كان ذلك مصيرا أعمى لو اثبتت جيسيكا برو أنه الحقيقة كلها. ولأن برو ومعها بلاكمون تعرضان الآن صورهما في غاليري عين في نيويورك يمكنني القول أنهما يكسبان إدعائي نوعا من المصداقية: لقد حطمت النسوية أعز ما تنطوي عليه الأنوثة من معان مستقبلية: العائلة. العائلة الإفتراضية التي تصنعها بلاكمون ليست الشفاء الذي تننتظره جيسيكا برو وهي تنتظر هبة غير متوقعة. لا تعدنا صور بلاكمان بما نحلم به. بل يحدث العكس تماما. إنها تذهب بنا إلى حافات النظر. حيث كل شيء يشبه لا شيء تماما. أما صور برو فإنها تضعنا في قلب المشكلة. لا يكفي أن نقول: «لست ضد أحد» فالتهمة أكبر من أن يتم إخفاؤها. إلا يعني كل ذلك أن الواقع لا يزال يخون الحقيقة؟
بعد كل هذا الامتزاج المصيري بالصورة صرت أكتب كمن لا يكتب. ألم اللغة وحده يتحرك بقوة في إعماقي. تسبقني لعثماته إلى الآثر الذي ستتركه نظرتي على جدار وهمي. جدار يصعب علي اجتيازه ما لم أكتب. لا تقوى كلماتي على المضي أكثر. سيكون لذلك الصوت الصامت أثره في صنع عزيمتي. مجرد افتراض وجود ذلك الصوت يقويني. يصنع مني ساحرا «أصنع الشجرة قبل أن اراها وحين تقف أمامي يكون في إمكاني أن أمحوها» عبقرية الصورة المعاصرة تكمن في قدرتها على تحاشي الضربات. فلا خلود وليس هناك من حجر في الطريق إلى الله. كل هذا الصمت من أجل أن تكون خيانة اللغة ممكنة في كل وقت وفي متناول كل إنسان. كان لدى العراقيين موعد صباحي مع فيروز يمكنهم من خلاله توقيت ساعاتهم: في السابعة والربع من كل صباح كل يوم يملأ صوت فيروز بيوتهم بحماماته البيضاء. يصلهم الصوت ليتخيلوا. «نحنا وذياب الغابات اربينا» كانت الصورة تنعشنا وهي تهبنا رشفة قهوة مضافة. لم يكن هناك تناقض بين الحياة والصدق. لذلك صدقنا الصورة المحتملة التي يقترحها الفن. الآن وأنا التفت إلى كل هذا الخراب الذي محا ملامح بغداد أتساءل: « إذا كنا قد صدقنا كل الصور التي رأيناها فعلينا أن نصدق كل الصور التي لم نرها بعد، إذن» ولكن من يصنع كل هذا القدر من الصور المتناقضة؟ أصلح النجار الباب وحين عاد به لم يجد البيت. لو أنه لم يصلحه لكان اللصوص قد دخلوا البيت بيسر. ولكن ما الفرق الآن؟ في المسافة التي تفصل بين صورة لم أرها بعد وعلي الآن أن اصدقها وبين بيت إختفى، أقف ببلاهة بستاني اكتشف فجأة انه قام بحرث أرض جاره بدلا من أرضه. كل عرقه روى أرضا لن تهبه ثمارها. يقول كارلوس فوينتس «استسلم الفضاء. بفضل الصورة نستطيع أن نصل الى كل مكان في لحظة» لم يكن الفرنسي نادار يفكر بالطريقة ذاتها، حين التقط أول صورة لمدينة أرضية من الفضاء. من فوق المنطاد رأى باريس كما لم يرها من قبل. هل كان في إمكانه أن يقول: «استسلمت باريس». هناك كذبة تتسرب من بين أصابعنا كل لحظة. لا تعذبنا الصور بقدر ما تفعل المرآة. ذلك العدو المقيم في الحمام لا يهمه سوى أن ينسى. وهو ما فعله نادار بنفسه حين التقط صورا نادرة لـ( بودلير وهوغو وزولا وجورج صاند ومانيه وكوربيه وجول فيرن وديبوسي وفرانز ليست وجيرار دي نيرفال وسارة برنار ورودان والفريد جاري وستيفان مالارميه). تلك الصور التي صارت تستعاد مثل أصنام محت حيوات كانت غزيرة بتحولاتها الجوهرية. «هوذا هوغو إذن» نرى الشيخ ولكن أين ذهب الشاب الرومانسي الذي كتب البؤساء وأحدب نوتردام؟ المرآة لا ترحم. الصورة أقسى.
أقول بصوت عال «اوغراس» كلما رأيت نباتات وزهورا، يشتبك بعضها بالبعض الآخر بشغف شهواني فاتن. ربما هي ليست اوغراس. لكن جمال المشهد يغري بالشبهة بل وحتى بالخطأ. أحسد تلك النباتات لأنها تعيش خارج المرآة. تلك الكائنات التي لا تبحث عن أسلوب للآلفة، بقدر ما ترغب في فرض قوانين جمالها البدائي المتشنج. تطلع من أبد مبهم لتذهب إليه. كما يفعل النمل تغزو بهدوء الحقل المجاور لتصنع سجادتها الصفراء. وهي تعرف أنها لن تبقى هناك طويلا هناك. غير أنها تعرف أيضا أن في إمكان صورتها التي تسلمها للنسيان أن تبقيها في عمق المرآة. «ألا يعني هذا أني أرى اوغراس كلما تطلعت إلى وجهي في المرآة كل صباح ؟» يشعرني منظر المتغطرسين والمغرورين والمتباهين بأنفسهم وبممتلكاتهم والمنافقين بالحرج، لذلك أتحاشى النظر إليهم لئلا أرتكب بسبب الغضب خطأ قد أندم عليه. ذلك لأنهم أدنى من أن يكونوا اوغراس. الطبيعة لا تنتج إلا ما هو نقي. أما البشر فانهم لا يتركون وراءهم سوى ما يشكل تهديدا وهدما لذلك النقاء. غالبا ما تخلق النباتات الضارة مشهدا جميلا، فيما البشر الضارون لا يتقنون سوى صناعة القبح. بل هم أرباب مهنة في ذلك المجال. ربما لأن الطبيعة هي مصدر كل فكرة جميلة فيما لا يفكر البشر إلا باليأس الذي ينتجه انفصالهم القديم. لقد طرد آدم من الجنة، فهل يعقل أن لا يكون مخربا وقد كان انتقاله إلى المجهول عقابا؟ الجنة التي يتمنى المؤمنون الذهاب إليها هي ليست بالتأكيد الجنة التي طرد منها آدم. لو كانت كذلك لخلقت واحدة تتشبه بها على الأرض. لهيأوا أنفسهم للذهاب إليها على الأقل. هنالك فرق واضح بين العودة وبين الذهاب. اقترح البشر في مراحل مختلفة من حياتهم وفي أماكن متباعدة جنات متخيلة كثيرة. «كل حزب بما لديهم فرحون». فكرة الجمال الأبدي لا تتناقض مع الجمال الذي يعيشه المرء في حياته الزائلة. ولكن هناك من يضع العذاب شرطا لإختراق الغيب. هناك من يفكر بالقبح وسيلة لاستفزاز الملائكة. لا أحد يفكر بمصير آدم. بالتأكيد لم نرث من آدم غصته. ربما فعلها مارسيل بروست في رائعته (البحث عن الزمن المفقود)، ربما الأمام علي فعلها في حياته الغاصة بالأسى والندم. فعلها أبو حيان التوحيدي حين أحرق كتبه ولم ينتظر أن يحرقها الآخرون مثلما حدث لكتب ابن رشد. كان آدم وحيدا وسيعود إلى جنته وحيدا، بل وسعيدا لأنه لن يصحبنا معه.
البومات صور نحملها معنا أينما مضينا. ما معنى كل هذا؟ هناك من لا يتخلى عن ملابسه وأحذيته القديمة. يمتلأ المخزن الذي لا يفتح أحد بابه بالهواء الفاسد. حين ننظر إلى صورة ما لا نتذكر شيئا، ربما الصورة هي التي تتذكر. وبالرغم من أن الأشياء التي تقولها الصورة لا قيمة لها فاننا نوهم أنفسنا بالانفعال. نضحك أو نبكي، لا فرق. فهناك ما يجب أن نفعله لقاء الوهم الذي تقدمه الصور لنا. وهو وهم يقف إلى جوارنا ولا يخترقنا. نحن نضفي معنى ملحميا على صورنا القديمة. بالرغم من أن ذلك المعنى لن يكون موجودا فيها بالضرورة. حين أدخل إلى بيت ما وأرى جدرانه قد امتلأت بالصور الشخصية والعائلية أشعر بالإختناق. يود أصحاب البيت لو سألتهم: «من هؤلاء؟» غير أني من أجل أن أغيظهم أمثل دور من لا يرى تلك الصور. في الكثير من الحالات فان من يعلق تلك الصور نادرا ما يلتفت إليها. علقها ونسي السبب الذي دفعه لتعليقها. لا لشيء إلا لأنه لم يعد ينظر إليها. ألا نشهد نزاعا بين الأحياء والأموات على جدار أصم، هو في حقيقته أشبه بحائط المبكى؟ «صورتك هذه؟» «لا، هو جدي» «يشبهك تماما» «أنا أشبهه» في خضم هذا البحر من الحوار العابث نخوض فيما أشعر أن الوجوه كلها تتشابه. كانت كذلك أو أصبحت هكذا. لا يمكن التفريق بينها. لقد محت الصورة الأشكال. الذكرى هي الأهم. غالبا ما أشعر أن هناك تناقضا صارخا بين تلك الصور والنباتات الظلية التي تنتشر في البيت. غالبا ما أسأل أصحاب البيت عن نباتاتهم الظلية. يشعر البعض منهم بالإحباط. تربكهم الحيرة «كما لو أنه لم يجد شيئا يثير اهتمامه فصار يتسلى بصمتنا».
حين هاجر أحمد وهل إلى الاردن، وكان مصرا على اعلان رغبته القاطعة بعدم العودة حيا إلى العراق (وهو الوعد الذي أعانه القدر على الوفاء به حين مات في الاردن بعد سنوات) ترك لي نخلة منزلية صغيرة. كانت نخلة حقيقية غير أنها لا تثمر. وضعتها بجوار عدد من المنحوتات الخشبية في أحدى زوايا البيت وأنا لا اقصد أن تكون تمثالا. كلما نظرت إليها كنت أرى على كل سعفة من سعفاتها عيني روضة زوجة أحمد. كانت روضة تراقبني إذن. لقد وهبتنا تلك الشجرة نوعا من الرفقة الخيالية. كانت روضة تسألني عنها كلما ذهبت إلى عمّان وهي تعرف أنها لن تستعيدها أبدا. يومها تذكرت أنني في طفولتي كنت أمرح سعيدا في بساتين الماجدية بميسان في الجنوب العراقي وكنت كلما احتضن جذع نخلة أصرخ «نخلتي». غير أن أي شعور بالامتلاك لم يكن يخامرني إزاء تلك النخلة المنزلية. كنت أنظر إليها دائما في صفتها ضيفا مؤقتا. غير أن انتسابها إلى العراق غالبا ما كان يغريني بالحديث إليها، وهو ما لم أفعله مع كل نباتات البيت الأخرى. عراقية مثلي. مثل أبي عبد الله الصغير الاندلسي الذي لم ترافقه نخلة منزلية إلى منفاه. قبل أن أغلق باب بيتي للمرة الأخيرة التفت إليها. كانت هادئة ومترفعة بل ومغرورة كعادتها. هذه المرة لم أر عيني روضة على أية سعفة من سعفاتها بل رأيت عينين تشبهان عيني. «أيها المسافر لك نظرة هنا» لا يزال في أصابعي أثر من رقة سعفها ولكن لا تزال صورتها تسكن عميقا في عيني. قلت صورتها وأنا أقصد شيئا آخر. ربما لن أجد تلك النخلة حين أعود إلى منزلي يوما ما. فأنا لم أسأل عنها طوال سنوات المنفى. كنت أرجئ السؤال عنها لكي لا أشقى. لكي لا أبدو متهالكا. «لا رغبة في العودة ولكن رغبة في الاطمئنان». هل كنت أكذب؟ تحضر صورة الوطن مثل مربع، حدوده من نار. بعد أربعين سنة من العيش المباشر اكتشفت أن هويتي صارت تضيق. لقد خنت مواطنتي الكونية حين اعتكفت في منزلي ببغداد بحجة رغبتي في البقاء في بلاد صارت تتداعى. كانت صورة الوطن في حقيقتها نوعا من الوهم. كانت هناك دائما سلة من الذكريات غير أن الدخول إليها لم يكن يعني سوى أن يتحول المرء إلى نوع من المجترات النبيلة. كنت محاطا بكائنات ترى الوطن جميلا فيما كان القبح يحيط بها من كل جانب. كانت تلك الكائنات في حقيقتها إنما تتذكر. كانت الصور تملأ جدران مخيلاتها. كنت محاطا بعدد هائل من عبيد الصور. كائنات تخترع أسبابا للترف الذي يضمن لها حق العيش بسلام. لذلك لم أكن أفكر باستعادة شيء ما. كنت أنظر إلى المستقبل بعينين فارغتين.
أشلاء وبقايا وفتات وهشيم وخرائب واطلال هي كل ما تبقى من تلك البلاد. «يمكنك أن تتعرف عليها بحدسك مثلما تفعل الأم مع أبنها الضائع» كذبة تجر كذبة ليكون الحنين جاهزا مثل وسادة ما أن يضع المرء رأسه عليها حتى يكتشف أنها فارغة. لا قطن ولا صوف ولا اسفنج. فراغ تذهب إليه الجمجمة لتتلقى دروسا ليلية في الرعب والهلع والبكاء والهروب. حين حصلت على الجنسية الاسوجية قلت لنفسي بأسى «الأوطان هي الأخرى يمكن اختراعها إذن» الوطن ليس ذكريات، بل حياة. ليس ضعفا بل قوة. ليس واجبا بل حقا. ليس أمنية بل انجازا. حقيقة أني كنت حزينا يومها، غير أنني في الوقت نفسه كنت أردد «الآن صار لي وطن» ما معنى هذه الجملة؟ حين استعيد العراق الآن وأدافع عن حق شعبه في الحياة الكريمة فأنا لا أفعل ذلك لأنه كان وطني بل لأنه المكان الذي عشت فيه وأعرفه جيدا وأدرك أن شعبه كان يستحق دائما وضعا أفضل مما هو فيه. لم أكن في يوم من الأيام التي عشتها في العراق مواطنا. ذلك لان وجود البشر في العراق كان ولا يزال لا يخضع لمعيار المواطنة الحقيقي وكما أظن فانه سيبقى كذلك إلى أمد طويل. لم تكن صفة المواطنة تليق بنا ونحن نعيش عبودية نعثر على تجلياتها في كل لحظة عيش. لقد صنعنا أصفادنا بأيدينا. في طنجة وقفت عند سور (المعجزين) وهو سور بني من أجل أن يتمكن المعاقون جسديا من رؤية البحر من ورائه. لحظتها لم أر البحر بل رأيت العراق. كانت الملائكة تهبط على الموج لتترك أثرا من أجنحتها هو عبارة عن بقايا وطني. بطريقة أو بأخرى فأنا معاق. بهذا المعنى أكون أنا أيضا اوغراس. صرت كذلك. حدثتني سيدة مغربية لا تزال تعيش الترف الأندلسي عن العراق في صفته فردوسا مفقودا. يالها من فكرة كئيبة. قلت لنفسي «لقد انتهى الأمر إذن. صارت بغداد نوعا من قرطبة أو غرناطة» لن اعترف لأمي بذلك بالرغم من أنها تعرفه جيدا أكثر مني. يكفينا أن ننصت لتأوهاتنا من خلال الهاتف. أهذا كل ما تبقى من العراق؟ أرى ما يراه الآخرون لكن بعينين يائستين. «أبق هناك» لا احتاج إلى تلك الوصية التي يكررها أبي. أعرف أنني صرت اوغراس. هنا أو هناك، لا فرق. لكن حياتي لا يزال لها معنى. وهو المعنى الغامض الذي يلهم آخرين قوة لا يمكن التنبؤ بها، على الأقل بما تفعله من أجلهم. أنا موجود لأنهم يجدون ضرورة في وجودي. يمكنني أن أصدق هذه الكذبة. «أنت شخص خيالي» «بالتأكيد لست واقعيا» سأؤجل الشرح إلى وقت آخر. أعتمت الطريق إلى العراق. لا مصباح ولا ضوء في نهاية النفق. بائع التوابل في طنجة قال متفائلا. «العراق حصتنا من التاريخ» ولم ينظر إلى وجهي وهو يقول جملته. كنت أشبه بالميت.
«صورته» «من تظنه» «لا أعرف. إنه يشبه شخصا أعرفه، كما لو أني عرفته يوما ما» «حاول أن تتذكره» «صعب. يخيل لي أني رأيته كثيرا» «أوعشت معه ربما» «ربما رأيته في حلم عابر» «الا يمكنك النظر إلي» «هو أنت إذن». شيء من هذا القبيل صار يقع لي دائما. ينظر الآخر إليك ولا يراك. لا الصداقة ممكنة ولا الود ولا اللقاء ولا تبادل الخبرات ولا العواطف. تمر مثل عابر فيما العيون كلها من زجاج. أنت موجود في اللحظة ذاتها التي تكون فيها غير موجود. اللغة هي ما تفتقده. واللغة ليست وسيطا بل هدفا يصل إليه المرء بعد تجربة حياة كاملة. حين التقيت حسونة المصباحي بعد عشرين سنة من الفراق بدأنا حوارنا من الجملة الأخيرة التي قلناها في لقائنا الأخير. تغيرنا غير أننا بقينا ممسكين بالخيط الناعم نفسه: اللغة التي تتستر بها أرواحنا. تلقى حسونة الدرس الألماني كاملا فيما لا أزال أتلقى الدرس الأسوجي غير أن روحينا الهائمين كانا يستخرجان السؤال العبثي من النبع القديم ذاته: لغة قلقة تنقب في التيه بحثا عن السلم الذي يقودها إلى السماء الأولى. لا يصلح حسونة دليلا إلا لذاته. هو ابن مختبره وصنيع تجربته في الفن كما في الحياة. عاد إلى الحمامات (لا الى القيروان التي ولد فيها) بعد عشرين سنة من الوله بهاينة وريلكه وهولدرين. تونسيا انتهى مثلما بدأ. دورة أتمنى لو أني أعثر على كلمة السر التي تقود إليها. أفكر بالخط الذي يقف عنده المرء ليقول: من هنا بدأت. لم يختصر حسونة المسافة بل على العكس فعل الشيء الكثير من أجل أن تكون حركته بطيئة ومن أجل أن تكون المسافة طويلة. ولان النهايات كانت تقلقه فقد اكتشف في الرحيل المستمر نوعا من عدم الاعتراف باستسلامه وهزيمته. كائن يسبقه تمرده أينما حل حسونة هذا. هو ابن التمرد الذي لا يحسن سوى الكلام بلغة واحدة: الكون وقد استعاد لحظة خلقه الأولى. «بيتنا لا يزال في طور الإنشاء» يقول وهو يقصد الوطن الذي يعذبنا.
خرجت البشرية من الغابة وها أنا ذا أعود إلى هناك وحيدا. فعلها الكثيرون من قبل. لكن أحدا منهم لم ينج من مصير غامض لا أعتقد أنه سيلاقيه لو أنه انصت إلى حشرته الإجتماعية واطاع أوامرها. ليست الغابة مكانا بل هي طقس أسطوري. طقس يقترب المرء من خلاله من فكرة وجوده عاريا. صورته مخلوقا غير محكوم بغاية بعينها. موجود لا من أجل أن يؤكد وجوده بل من أجل أن يتماهى لذائذيا مع ذلك الوجود. يكتشف المرء بضربة حظ واحدة أن باب منجم غاص بالثروات ينفتح في أعماقه وما عليه سوى أن يتقدم ليلتقط تلك اللقى التي تصدر لمعانا ليليا. تمتزج القدم التي تسير بالطريق الذي يمتد تلقائيا، العين التي ترى بالشيء الذي يطلق بريقا، اليد وهي تمحو بالكتابة التي تعطر الهواء بأبخرتها، المعبد بالرهبان، الجزيرة بالقراصنة، الكنز بالشهقات المميتة. يستأنف المرء وجوده الفردوسي من لحظة تخل عميقة تلقي به خارج جسده. هل ذهبت ساق ارثور رامبو قبله إلى الجنة؟ صرت أتساءل وأنا أتأمل أكوام الورق التي تحيط بالأشجار. ذات مرة رأيت جلد أفعى ولم أر الأفعى. كانت مختبئة في مكان قريب ما. مكان قد يكون هو جنتها المفترضة. صار حضور الملائكة لا يفاجئني. ما كان يقلقني فعلا هو أنني قد أجلس في مكان كان قد اختاره قبلي ملاك لم أكن أراه مكانا له. حينها يخيل لي أني محاط بهيئة ذلك الملاك أو أنني اتخذت صورته. صرت الملاك الذي لم أعرفه. من تلاشى في الآخر، الملاك أم أنا؟ مياه الساقية لا تظهر صورتي، بل تخفيها بين أعشابها. قال لي الحطاب عابرا: «إنه نوع من القصب». لم أعد أتذكر آخر مرة رأيت فيها القصب. أعرف أن ناي الراعي هو قصبة تسللت إليها ملائكة لتغني من خلالها. الشياه لا تنصت إلا لأصوات القادمين من الغيب، اولئك القديسين الذين نظفوا أفواههم من الكلام الأرضي، بل من كل كلام. اتكئ بظهري على شجرة فيمر حشد من الغزلان المسرعة. أتوقع أن ارى بينهن واحدة من النسوة اللواتي عرفتهن فيما مضى. واحدة على الأقل. في مكان بعيد، ربما يتاح لأحد يشبهني أن يرى تلك السيدة. أحث خطاي ولا التفت. «صار لدي ما أفعله» يضحك الملاك «ولكنك لا تجرؤ على أن تسميته» «هل تكتم السر؟» «خزانة أسرارك أنا» «لا يمكنني أن أسمي ما لا أعرفه» «لم تعد المعرفة سببا لوجودك» حينها تذكرت أنني منذ أن عدت إلى الغابة لم أتساءل. رأيت عشرات، مئات، الالاف الأشياء التي لم أشاهدها من قبل ووقعت لي أحداث لم أعشها من قبل واخترقت رأسي أحلام لم أواجهها من قبل غير أن سؤالا ما لم يطرأ على ذهني. لم يعد يعنيني أن أفهم ما يجري لي بقدر عنايتي بالتماهي مع الدرس. لا شيء يعد بالحكمة. ما الحكمة إلا قناع. «لقد بلينا فجددنا» يقول أبو حيان التوحيدي وهو ما فعلته تلك الأفعى مباشرة من غير دعاء. «الحياة في مكان آخر» قال رامبو قبل أن تسبقه ساقه إلى الجنة. هل يحلم المرء ما يعيشه؟ أعرف أننا نحاول جاهدين أن نعيش أحلامنا. في الغابة كما في الجنة ليست هناك استعادات. لا وجود لخيال بروستي. أنت موجود هناك لأنك موجود وليس لأي سبب آخر. يا لروعة أن يكون المرء موجودا حقا.
«لست أوغراسا بل أنا لست أنا» اقول بإرتباك وحيرة. تتحقق حريتي من خلال هذا الخلاص. لا أرغب مرة أخرى في الذهاب إلى نفسي ولست معنيا بمغادرتها. أنا هنا من أجل شيء آخر. شيء لا يعيدني إلى الماضي ولا يثقلني برؤى المستقبل المبهم. لقد كذب الجميع علي. سلموني أسماكا فاسدة واوقفوني في السوق لبيعها. خيانة مزودجة كان الناس ضحيتها والسمك. الأفكار هي ذلك السمك الميت. سأحرص على أن لا يتبعني أحد. ذلك لأني لا أرغب في أن أعد أحدا بشيء. عليك أن لا تتأملني كثيرا يا صديقي، فلن يكون في إمكانك أن تراني ما لم أخاطبك (لولا مخاطبتي إياك لم ترني). لذلك لا تنتظرني. ما من أحد ينتظر خطأ! ليس لدي ما أقوله لك بعد أن تعلمت شيئا من لغات الطحالب والأعشاب والقنافذ ونقاري الخشب والضفادع والقنادس والأشجار والثلوج والأرانب البرية والقطط المتوحشة والغزلان. وهي لغات لا يمكن أن تشكل كلماتها جملا نافعة لك. كل فكرة ميسرة لابد أن تكون مآوى لرؤى معقدة. من حقك أن تعتبرني أوغراسا. أنا كذلك بالنسبة لحياة تعيشها أنت. حياة تكتفي بما هو نافع. وهي حياة مقننة تحرص على ما أكتسبته وتأسف على ما فقدته. وما بين عالمي الملكية والخسران تتشكل لغتك. وهي لغة لا تخذل ولا تقبل بالهزيمة عنوانا. إنها لغة المنتصرين الذين يراهنون على الارادة. من المؤكد أن أحدا منا نحن الإثنين لن يستطيع إنقاذ الآخر من مأزقه. كل واحد منا صار في فضاء.
أكتب من أجل شيء آخر. ليس هو الحنين بالتأكيد. لقد قررت أن لا استعمل الكتابة في الكذب. هناك ما أحن إليه بالتأكيد، لكنني أعرف أن ليس في إمكان الكتابة أن تحضره إلي. أشم في الذكرى رائحة عفن، أحاول أن اهرب منها مسرعا. مثل أغاني البلوز يطاردني صوت (سعدي الحلي) «حبيبي أمك متقبل من أحاجيك، روحي معلكة بيك». أرغب فقط في أن أنقي ذلك الصوت من فحولته الفائضة. أن لا أتوقف أمام معانيه القاسية. سأكون الآخر الذي يسبقني أو الذي يتبعني أو الأثنين معا، لا فرق. المهم أن يكون ذلك الآخر موجودا من أجل أن أتحقق من وجودي. لن أحن إلى شراكة عنوانها اليأس. كنا ذاهبين إلى المحرقة ونحن نتحاشى الكلام كما لو أنه عدو. وها أنا أرى أن الناس بعد كل ما عاشوه من يتم لم يتعلموا سوى الانتقام. الفعل الوحيد الذي يجعل وعيهم التاريخي يستيقظ. أن أحن إليهم هو شيء أشبه بالبلاهة. فبعد أن هربت من ذلك المصير الأسود سأكون أحمقا لو أني مجدت تلك الشراكة الإنسانية القديمة: لقد صنعنا الوحش بأيدينا وهو الذي صار يلتهمنا واحدا أثر آخر. ترتكب الإنسانية أخطاء تتفوق على أعمدة الحكمة من جهة قوتها في التأثير. أنا في الغابة لكي لا أرث أحدا، ولكي لا أتكلم بلسان أحد. حتى لو كان ذلك الأحد هو أنا السابق الذي محوته. وأنا أكتب من أجل شيء آخر. شيء لا أراهن عليه لأني لا أعرفه غير أني متمسك به لأنه خياري الوحيد. ربما هو الصوت الذي لم ينطق به أي لسان بعد. ربما هو نظرة الغريب التي يلقيها من غير أن يشعر بالندم. «هي ذي الصخرة التي يرتطم بها جناحا طائر فينطلق نغم يلف الكون بأسره» أمشي بقدميه، شبيهي الذي لا أعرفه لكي لا أصل. كل هذا من أجل أن لا أرث شيئا. من أجل أن أكون وفيا لعزلتي التي تقولني بصدق. يقول اكزوبيري في بريد الجنوب: «أنا الخطأ في الحساب». وحين التفت إلى الوراء أكتشف أني كنت ذلك الخطأ. لم اشعر بالانسجام يوما مع مؤسسة أو كيان مقنن ولم تغرني الأحزاب والجماعات الفنية والأدبية بالإنضمام إليها. كان منظر القطيع الإنساني يشعرني بالجزع. ولم أكره مفردة سياسية بقدر ما كرهت مفردة (الجماهير). تلك المفردة التي كنت كلما سمعتها تحضر أمامي صور مؤلمة شتى: الرأس المكلل بالاشواك ذاهبا إلى الصليب، كتب ابن رشد وهي تحرق، أسواق البورصة، سور الصين والأهرامات وقناة السويس، عصابات المافيا، حرس الخميني، مذابح الموصل وكركوك التي ارتكبها الشيوعيون في العراق، عصابات الخمير الحمر، عصابات الارغون الصهيونية، فدائيو صدام، المسيرة الخضراء، إبادة الهنود الحمر الجماعية، سفن العبيد القادمة إلى نيويورك، هجرات المسلمين واليهود من الأندلس. لقد محي مفهوم الإنسانية ليحل محله مفهوم غامض هو الجماهير. وهو مفهوم مرتجل لا يعبر إلا عن الاستغناء عن الإنسان، قوة وعي خلاق من جهة اختلافه. كرهت أن يصبح الإنسان مادة للحرث. يؤلمني أن يكون الإنسان ماضا. فلا تظهر في الأفق سوى الرؤوس المتشابهة ذات العيون المعصوبة والآذان المشدودة الى النشيد الجماعي والأفواه التي لا تفهم ما تقول. أول الجمل التي قلتها فيما كانت قدماي تحطان على أرض الشمال الأوربي هي (لقد نجوت). وسأقضي العمر المتبقي لي وأنا أشعر بالندم لأني قلت تلك الجملة. ذلك لأن خلاصي الحقيقي يكمن في خلاص النوع الذي أنتمي إليه من الأكاذيب التي ألصقت به. في صفتي عراقيا يمكنني القول أن شعبي كان مؤمنا بالله بعمق قبل أن تدوسه أحذية تجار الدين المعممين وكان ذلك الشعب تواقا بشجاعة إلى الحرية قبل أن تستعبده شركات النفط القادمة بجيوش دول لا ينافسها أحد في الدفاع عن الحرية. بكل هذا الأسى تتقدمني الملائكة في الغابة وهي تعرف أنني أكثر قربا منها إلى الله. صورتي هي صورته.
 
 
 
 

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …