أخبار عاجلة

حيادية السرد وعريه في «عصافير النيل»

تجمعت للروائي «إبراهيم أصلان» مجموعة من عصافير النيل فدعاها لتحلق تحليقته الخاصة، ولتخلق مجموعة من المشاهد المتناثرة والممتدة في الزمن لأكثر من أربعة أجيال متعاقبة، يبرز أحد هذه العصافير مستنداً على الراوي المفارق، معتمداً على تقنية الفلاش باك المتراوح والمتزاوج مع القص في لحظة السرد الآنية في النص ليغرد تغريدته السريالية للتشكيل الزمني والمكاني، ويبدو السرد في حالة اندماج بين القص من خلال أصوات متعددة لكنها من خلال الراوي المفارق، مشكِّلة منطقة حائرة بين صوت الشخصية وصوت السارد.
(1)
يرتفع أحد العصافير في تحليقته الخاصة، يتحدث عن لحظته الحاضرة ثم يدلف إلى استدعاءات من الذاكرة غير المنتظمة، منتقياً من الأحداث المكتنزة الدلالة، والقادرة على رسم ظلال وأبعاد ذات أعماق متعددة، ثم يهبط ليصعد عصفور آخر في جولة طائرة يلقي فيها لحنه الخاص الذي يتشكل من نتف أو شذرات ذات توترات عالية، تخصه أو تحكي عن المحيطين به، من خلال مشاهد ملقاه في كهوف الذاكرة فيستدعيها ويجعلها تحكي ذاتها، أو في عرى الواقع ودلالته الذاتية.
دعوني أعرفكم بعصافير إبراهيم أصلان أو شخصياته «هانم الجدة، نرجس، البهي عثمان، عبد الرحيم، دلال، أفكار، بسيمة الموضة، انشراح، عبد الله، سلامة، إحسان، عبد الله الصغير، ونرجس الصغيرة مرة أخرى».
ما يميز شخصيات «إبراهيم أصلان» أنها نماذج بشرية فوق العادة، فقط بما تحمله من عاديتها المفرطة، وإبراز ما بها من تموجات متتابعة ومتغايرة متوالية، دون عواصف عاتية، حتى وإن برزت درامية بعض المواقف والأحداث، فللروائي قدرة خاصة على تمريرها وتلاشيها في تذويبها في الزمن، ومن خلال نزوع إلى السحرية العميقة المجدولة بأشد الأحداث تعقيداً.
تمر على الشخوص تحولات كثيرة وأحداث درامية، لكنها تبرز بالعمل وكأنها تموجات الحياة المتتابعة والمتغايرة والتي يجب أن تمر في متوالية حياة قدرية، تشبه تتابع موجات هذا النهر الأزلي.
ويرصد الروائي تحولات شخوصه ضافراً إياهم في منظومة المكان والزمان، فيوظف التراكم الزمني والتاريخي ليصنع ما يشبه الطبقات الجيولوجية داخل كل شخصية على حده، وفي كينونة الزمان والمكان الخاص من خلال حركة المجموعات البشرية أو عصافير النيل الحائمة فوق النيل.
ولأصلان طريقته الخاصة في بناء وتشكَّل شخوصه، لقد تخير أن يصفهم بعصافير النيل. تلك الطيور الهشة الجميلة، ذات العمر القصير، التي تحلق لفترة ثم تموت، ليبقى المكان هو الثابت، المتعين الراسخ، الذي تعود إليه العصافير أو الشخصيات يبدأ أحدها طيرانه حين ينتهي الآخر، أو يبرز تشكيل لطيران جماعي ثم ما يلبث أن ينمحي ليظهر آخر.
(2)
وبالرغم من أن السرد في الرواية من خلال راوٍ مفارق يستخدم الأصوات المتعددة، لكن السرد لا يتبنى أية أيديولوجيات جاهزة أو مستقرة، يقص الروائي الحياة دون صخب أو تبرع من السارد بمحاولة التفسير وإعطاء تحليلات منطقية، تبرز من خلالها بعض الرؤى الفكرية الخاصة بالروائي، طريقة بنية النص ذاتها، ونسج العمل على هذا النحو المشهدي، ينبئ أن هناك رؤية جمالية تشكيلية تفضي أو تفصح عن رؤية فكرية وفلسفية تجاه الحياة. فالروائي مبدع من جيل الستينيات الذين تخيروا مجاوزة الشكل المستقر للسرد التقليدي، فكان مع «محمد البساطي» و«صنع الله إبراهيم» و«بهاء طاهر» من الذين ولعوا بالبحث عن شكل كتابي يحقق لهم أهدافا رؤيوية من داخل هيكلته دون خطاب مباشر.
وللشخوص في عمل أصلان «عصافير النيل» أبعاد تتجاوز تلك الحياة الواقعية التي تحياها، نستطيع أن نتلمسها بأن نطلق عليها حياة صوفية أخرى، عالم يتخيلونه ويحيون بداخله، حياة موازية للواقع، أكثر شفافية، تنشط فيها هلوساتهم ورؤاهم وتتجسد أمامهم الشخوص التي يتمنون عدم ذهابهم، فيتحدثون معهم ويشاهدونهم مشاهدة خاصة. وغالباً ما ترتقي الشخوص إلى تلك التغريبة المفارقة الصوفية» في نهايات رحلة الحياة على هذه الأرض، وفي ذلك الظرف المتعين مكانياً «وزمانياً»، كما تعبر هذه التحولات والرؤى عن رحلة الإنسان العمرية ذاتها، وكيف ينتهي بداخل عوالمه الخاصة الباطنية التي تحلق فيها طيوفه وأمنياته.
تحيا «هانم» الجدة وسط أسرتها الصغيرة في حالة من الحضور الغيبي الأثيري، تعبر عن ذلك دلال زوجة ابنها، وتشعر به يقول السارد: «وهالها وجه العجوز وهو يطفو مضيئاً بالخضرة، في الجو المعتم وراء الزير، ويختفي» ص176 هذا بالإضافة إلى أحاديث مع أولادها وأخوها وزوجها الذين رحلوا جميعهم، ورفضها لفكرة مغادرتهم لهذه الحياة.
ويقول «عبد الرحيم» في لحظات احتضاره «لمى رجلك بعيدة عن الميه يا نرجس، نرجس مالت ونظرت تحت قدمها المدلاة، ورأت البلاط الجاف، ولما سألته عن مكان هذه المياه قال: «في القناية» وهي استغربت وقالت في سرها: قناية إيه يا أولاد؟ هو إحنا في الغيط؟! ده إحنا في المستشفى» ص31، عند قراءتي لتلك العبارات التلقائية شديدة الصفاء تذكرت «جدتي» وما تستدعيه ذاكرتها من مواقف غريبة تعبر عن مرحلة بعيدة من حياتها تحدث أمها وأخواتها الذين رحلوا، تستدعيهم وتقيم حوارات معهم في صورة مشوشة. شعرت أن الحياة تخترق النص أو أن النص يبرز عريها وحقيقتها غير المنطقية.
لم تسلم معظم شخوص الرواية من نوع من التوهان والهلاوس والتخيلات مثل شخصية «البهي عثمان» الذي أنهت الحكومة خدمته مبكراً، فمات مرتدياً الزنط الذي تسلمه مع العهدة، واعتبره آخر شيء تعلق به وفي حوزته من هذه الوظيفة التي قضى بها حياته ودخلت في نسيج خلاياه. وتنتهي حياة محمد أفندي الرشيدي والشك واتهام الآخرين والتوجس فيهم، هو الهاجس الملح الذي يتملكه.
ويتبدى «عبد الرحيم» شخصية بسيطة قدرية، لكنها تعتز بذاتها ولها خصوصيتها واجتهادها المميز، مثل ما حدث في موقف السنارة، وكيف صنعها طويلة لتصل إلى وسط البحر «النيل» ليلتقط صيداً كبيراً، لكن توقعاته باءت بالفشل، وخرج في سنارته عصفوراً بعد أن اشتبك بها لحظة خروجها من النيل، فهلع وجرى، ما يميز شخصيات هذا العمل هو تلك السلاسة والحيادية والاستسلام للأقدار، يميزها تلك اللامبالاة تجاه ما يجري من أحداث في صميم وعماد حياتها، مثل الأرض التي ورثها عبد الرحيم ونرجس مع آخرين عن طريق أمهم هانم، ولا يعرفون عنها شيئا محددا، ثم ينتقل البحث في شأن هذه الأرض إلى عبد الله ابن نرجس، وهو لا يعرف كيف يصل إلى أحقيتهم فيها. فهو حين يتعامل مع شخصية عبد الرحيم يسقط الكثير من الاستنباطات التي كان من الممكن أن تسمح بها ما مر عليه من مواقف وتجارب بالحياة، لكنه تعامل معه من خلال المشاهد الخارجية المتحركة والتي لها قدرة تفسير نفسها بنفسها، مكتفية بذاتها، في بناء دال ومحكم محتف بالتكثيف، دون تدخل مباشر من الكاتب سوى بصياغة المشهد المتحرك والنابض بما يحمل. ورغبته في ترك المشهد يبعث بغناه الدلالى، وقدرته في علاقته الخاصة مع كل قارئ للنص أن يقدم طقسه الخاص وظلاله المتنوعه. كأنه يقتنص الحقيقة من الواقع ومن البصر، أو ما تقع عليه العينان فقط. يسجل للمشاهد زخمها وما تحفل به من اكتناز الدلالات، يستنطق مفردات المشهد وأشياءه واضعاً في اعتباره أن علاقة الإنسان بالأشياء تحتوى على غنى وجداني شديد الرهافة والحساسية، هذا الغنى الذي يعوض الفقر الفكري والعقلاني في المجتمعات الشرقية.
لم تتطرق سردية أصلان «إلا نادراً» لتبلغ عن إحساس الشخوص أو استبطان دواخلهم عن طريق الراوي أو ألاعيب السرد وأدبياته، فله طريقته في السرد العاري، يقدم لقطات شديدة الإيحاء والتكثيف، وترك هذا النسيج البصري المتنوع ليتحدث عن نفسه وعن شخوصه، ويتجلى البناء الفني، والتشكيل الهيكلي للعمل في اتجاه معين، هو ما يضبط الإطار العام للعمل دون تدخل مباشر أو سافر من المؤلف، وهو ما عرف عن إبراهيم أصلان منذ مجموعته القصصية الأولى «بحيرة المساء» 1971م، ثم روايته المبدعة «مالك الحزين» وفيها تبدى الروائي أحد المبدعين الذين حرصوا على أن يعبر البناء والتشكيل الروائي عن الحياة. وعن واقع ثقافي وسياسي واقتصادي واجتماعي تتخبطه الكثير من الأيديولوجيات التي مجتها نصوص أصلان، ويعد فيها المؤلف أن يقدم نصه معطى جاهراً لمتلق لا يشاركه إبداعه ولحظته الخاصة في الخلق، وأتصور أن الكاتب أراد أن يجسد إنسان هذا الظرف الاجتماعي التاريخي والثقافي الذي يحياه المجتمع المصري، ويمثل عبد الرحيم نموذجاً يعبر عن منتج هذا الظرف وهذا السياق، لنا أن نلاحظ دفع الحياة له، واضطراره أراد أم لم يرد لقبول أحداث في الحياة، مثل انفصاله عن انشراح أو بسيمة الموضة، أو تركه للعمل بعد واقعة المصعد في مصلحة البريد، إنسان لا يستطيع الاختيار أو الإصرار على موقف.
ويلمح الكاتب لبقايا إرادة في هذه الذات التي تفعل فيها الحياة ما تريده، ذلك حين يشير لموقفه من «أفكار»، ورفضه للزى الذي أرادت أن تفرضه عليه، أو طبيعة السلوك أو نوع الحديث، أيضاً حين قرر العودة إلى البلد وترك الوظيفة ورفض بيع الأرض، كما أنه يشير لمعتقد ومعنى يفيض بالشخصية المصرية وهو رضوخها للأقدار مهما تقلب عليها من أحداث أو متغيرات، وتأقلمها وتعايشها مع كل ما يقع على كاهلها.
ما يميز شخصية «عبد الرحيم» أيضاً هو بقاء شغفه وعشقه لبسيمة الموضة برغم خجله من جرأتها، وهو ما التقطه المخرج «مجدى أحمد علي» في المعالجة السينمائية التي صنعها لعصافير النيل؛ ولذا بعث الحياة في هذه الخيط الدرامي، لبيان محورية هذه العلاقة في حياة عبد الرحيم، وطبيعة شخصية بسيمة القادرة على المواجهة دون أقنعة.
وتظل شخصية «البهي عثمان» برغم اعتدالها قادرة أيضاً على المواجهة؛ تطالب بحقها، ولفوضى تلك المرحلة التاريخية في حياة مصر؛ ينالها الظلم الذي يدفع بها إلى نوع من الهوس العقلي، واليأس العدمي ومن ثم إلى الموت.
ومن خلال شخصية البهي عثمان يمتد التاريخ الأدبي بظلاله المتعددة الأوجه إلى ما لا نهاية لنلمح شكاوى الفلاح الفصيح، ذلك النموذج الذي بدأ في الأدب الفرعوني وتنوعت معاجلاته حتى امتد لعصافير النيل؛ ليصور طقس الموظفين في مجتمع بيروقراطي تتعفن فيه الأنظمة، دون أن يصيبها أدنى تغيير.
(3)
هذه الطبيعة السردية التي تتسم بالعري والحيادية يتخللها مفردات حوارية مرحة ولطيفة يشوبها كثيراً من السخرية الراقية، وأتصور أن الروائي داخل هذه الدراما القدرية شديدة الوطأة، التي عبر عنها بحيادية دون الإفصاح عن أيديولوجية معينة، إلا ضمناً من خلال التشكيل وما يحتويه، يريد أن يقول أنه بداخل الحياة تمتزج المأساة والملهاة معاً فتضيع الحدود، وتصبح أكثر اللحظات مأساوية هي أشدها مدعاة للضحك والمفارقة، مثل مشهد موت «عبد الرحيم» ورغبة «دلال» في استعارة لباسه لتتمكن من الكشف الطبي عليها ص128، 129.
بجانب هذه الميلودرامية تتميز الجمل الحوارية عند إبراهيم أصلان باعتمادها على اللهجة العامية المصرية التلقائية التي تنساب بطبيعية حتى أن القارئ يشعر أن جسده يشف، ويتسرب طوعاً «في ثنايا النص، يشارك شخصوصه الحديث؛ لأنه بالفعل يسمع الحوارات التي تحيط به في الحياة دون أدنى افتعال أو تزيد، وتعبر عن طبقة شعبية تقليدية تمثل الغالبية من المجتمع المصري. ويقوم الروائي هنا بتحويل الواقع إلى بناء تشكيلى يتغيا علاقات لغوية ترسخ لفكر ضمني غير مصرح به لكنه ينثر شواهده وتجلياته في كل مفرداته، يقول السارد. نرجس مصمصت بفمها الخالي من الأسنان وقالت «يادي الخيبة على حكاية النور دي يا ولاد» وصمتت قليلاً: «ياريتك يا أبو عبده لما اموت، توصل إلى سلك بلمبة في التربة..».. وقال دي تضرب يا ولية» ص21.
وبجوار هذه اللهجة العامية الطبيعية تبدو طريقة كتابة عدد من صفحات الرواية وكأنها كتابة لقصيدة نثرية برغم اعتمادها على السرد وأتصور أنها تعبر عن تحول ما في ذهن الروائي، تقدم تلك الفقرات قفزة لروح الشعر، رمزية من نوع خاص.
تحكي تلك الصفحات عن فخاخ العصافير التي يصنعها أصحاب عبدالله ابن نرجس والبهي عثمان – ص118 لطبيعة هذه المشاهد الرمزية توسل المخرج في رؤيته السينمائية للتعبير عنها بمشاهد سريالية ومزجها بأحداث متباينة ودموية مثل الصدامات بين قوات الأمن والجماعات الإرهابية وتنظيمات فكرية يسارية، ومشاهد عنف متعددة تحدث في المجتمع المصري.
(4)
والمشهد البصري المدمج ببعض الأوصاف هو البطل الرئيسي في رواية عصافير النيل، فرغم أن الرواية كلها تنطلق من السرد الذي يعتمد على تقنية الفلاش باك، والذي كان من شأنه أن يعطى مساحة من الحكي المتتابع، إلا أن الروائي تفنن في تنويع مشاهده، وترك كل مشهد ليضفي أبعاده الخاصة على العمل، فهو حين يريد أن يعبر عن اليأس الذي تملك البهي عثمان في سعيه لأن ينال حقه في تمديد مدة عمله بمصلحة البريد يقول معتمداً على تغيرات وتحولات الملامح؛ ليختصر تحولات تحدث في اتساع زمني، واختلافات نفسية تذهب إلى منطقة اليأس والقهر، «كان يبدأ يومه بحلاقة ذقنه أمام المرآة وهو يتطلع إلى وجهه الطفولي المشرب بالحمرة، وعينيه الجميلتين، ويسوي شاربه القصير الذي شابه البياض، ويرتدي بذلته البنية ورباط عنقه اللامع، ويحمل ملفاً فيه صور عدة من شكواه الأولى ويتجه إلى المصلحة، أما الآن، فقد جعلته النتائج السلبية يفقد نضارته تماماً، كان يبدأ يومه بارتداء ثيابه على عجل، يتناول الملف الذي تضخمت وذبلت أوراقه، دون حلاقة، ويندفع دون تمهل.. ومع الوقت تخلى تماماً عن عاداته السابقة؛ فهو يرتدي أى بنطلون أو قميص يخصه أو يخص أحداً من الأولاد ما دام قريباً من يده» ص40.
ويوظف إبراهيم أصلان تحولات الضوء في مشاهده لتتوافق مع الهواجس النفسية الداخلية للأبطال بقول نرجس: «وقفت حتى سمعت يده وهي تنكش في علبة الكبريت، ورأت النور الخفيف وهو يأتي من الطرقة، وراقبت خيال الفوطة المعلقة في المسمار وهو يكبر على الحصيرة، ثم ينسحب إلى الجدار ويصغر، أمام لمبة الجاز التي جاء يحملها بين يديه الإثنتين» ص17، كأن الروائي يصوغ سرده بتقنيات وآليات فن السينما، ويوظف العين والمشهد البصري لتكثف وتختصر حكي وقص كثير، يوظف الحركية والتتابع وحركة الظلال من أجل بعث الحياة والتدفق في لغته فيفجرها على نحو جديد بلغة البصر والتأكيد على حاسة العين وحركية الحياة.
ومن خلال المشهد، وفي جملة مكثفة وموحية للغاية، يوحي الروائي بطبيعة العلاقة بين الحكومات التي تتابعت على مصر وتوظيفها للسلطة الدينية، يقول معلقاً على مرشح الحكومة في إحدى جلسات الحملات الانتخابية «يقوم يلعب في ذقن الشيخ على السني!» ص36 فمن خلال المشهد وجملة شديدة التكثيف، محملة بدرجة عالية من السخرية يلخص علاقة ملتبسة وحائرة في ذهن طوائف مختلفة من الشعب المصري، علاقة لم تعد تخفى على البسطاء.
(5)
ولقد استعان الروائي إبراهيم أصلان بتقنية «الفوتو مونتاج» الذي يعتمد على تجاور وانتقاء مشاهد متعددة، لا يوجد فيما بينها رابط زمني أو مكاني مباشر، لكنها تحتوي حيوية التجاور والانتقاء، الذي يجعل بنيتها أساساً جوهرياً في التعبير عن الفكرة التي يشكل المبدع إطاراً عاماً لها، التشكيل المشهدي هنا يؤدي وظيفتين متناقضتين، فهو يسعى وراء نفي المعنى المحتمل الذي يمكن أن يؤول له السرد التقليدي أو المستقر، وهو في ذات الوقت يذهب لمنطق الإطار العام أو المغزى أو الفكرة من خلال البناء والعناصر المتعددة التي تشكله، فانتقالات القص ذاته تشبه طيران العصافير، صعودها ثم هبوطها وتلاشيها من خلال رؤية فكرية تحكم أداء المبدع لعمله واختباره لتقنياته. إنه يدفع بالعمل والنص إلى منطق النسيج بدلاً من الحبكة المعهودة وهي الذروة التي تتعقد فيها الأطراف ويشتد عندها الصراع، إلى منطق النسيج المشهدي الذي تتوزع فيه التوترات إلى الاقتراب من منطق الحياة ذاتها وتشكلها اليومي والواقعي كما يذكر «موبسان» فالحياة ليست كلها لحظات فارقة أو أحداث كبرى، تتعقد في لحظة بعينها، إنما هي سلسلة من الأحداث والتوترات العادية والهامشية والعابرة، وتتجلى قدرة الفن الحقيقي في التقاط ما في هذا العابر وتسجيله والاحتفاء به، وعدم تركه هكذا في حالة التلاشي العدمي، فهناك غنى وجداني وتعبيري في كثير من الأشياء والأحداث العابرة في حياتنا.
(6)
وتبدو علاقتنا بالأشياء من حولنا ترنيمة عشق وتوحد، أو زهد وتنافر، وكأنها تداخلنا وتصبح مكوناً من مكوناتنا، فذاكرتنا مجال نحيط به أنفسنا، ونرضى فيه عن ذواتنا هكذا، في ذلك المحيط المادي الذي ساهمنا بشكل ما في تشكيله من عناصره.
يحكي السارد موقف نرجس من عرائس أعمدة سريرها القديم يقول «ينتهي النهار وهي قاعدة على الكليم، المنديل انحدر عن شعرها الذي شابه البياض، وتراكمت حولها الكراكيب التي كانت تحت السرير، وتحت الكنبات وتحت الكرسي الكبير، والتي كانت في المطبخ، وفي منضدة التلفزيون المقفلة، والدولاب، والهدوم المخزونة، والزنط الذي بحث عنه البهي وارتداه يوم رحيله، كانت مرمية كلها على الأرض، وعلى المساند المقلوبة، وهي تجلس هكذا وقد أغلقت فمها الخالي من الأسنان، وجف وجهها الملتهب، تتأمل العروسة، وتقلبها في حجرها، وتمسح الغبار عن نحاسها القديم المنقوش، وتفكر في مكان تضعها فيه بحيث لا تغيب أبداً عن عينيها» ص147 كأننا بإزاء حفلة وداع تقيمها الأشياء لنرجس، أو بالأحرى تودع نرجس أشياءها وهي عروسة، شابة مقبلة على الحياة. يقدم الروائي الكائن البشري في المجال الذي يخلقه ويعيش فيه، ويحوَّط نفسه بعلاقاته، كان هذه العروسة هي ما تبقى من نرجس ذاتها في رحلة عمر طويلة، بقايا ذات تداعت وضاع منها الكثير.
لا يتحدث الروائي عن موت نرجس سوى من خلال علاقتها بأشيائها، وفي تلك الفقرات يمكن للقارئ أن يستشعر أن هناك موتاً قادماً، فهو بعد أن يعدد ما ضاع وتهشم من طقمها الصيني وأشياء أخرى من جهازها يقول «نرجس تفكر في ذلك وتستغرب، لأنها لا تشعر برغبة في تعويض شيء من ذلك كله، هي تحمد ربنا على أن هذه الأشياء كانت عندها في الأوقات الصعبة، وأن ثمنها سترهم بين الناس، ولكنها تمنت طول الوقت، أن تعوض طبق الأرز القيشاني الطويل، وسلطانية الشوربة الكبيرة، بوردها الخفيف وغطائها الذي تعلوه الكرة الذهبية المدورة. أشياء كثيرة ضاعت وهي قاعدة مكانها في ملتقى الكنبتين. ذكراها تعاودها، مثلما تعاودها ذكرى الناس» ص146، دائماً هناك مشهد ومكان وشخوص، أو أبطال للمشهد حتى وإن كانت أشياء، تلك الحاجيات التي يكسبها ويهبها الكاتب حياة وروحاً، ويجعلها شبيهة الكائنات الحية، تلك التكوينات السردية لا تأتي تبرعاً بالوصف الخالص، لكنها توظف لتحمل معاني لا يصرح بها مباشرة، هي من تبوح بالمعاني من خلال السياقات، وما يضعها فيها من علاقات مع البشر من حولها.
بعض المشاهد في النص الروائي «عصافير النيل» يمكن أن تشكل نصوص منفصلة لقصص قصيرة قائمة بذاتها، ولها نفس تقنيات القصة القصيرة مثل درجة التكثيف والتقطير العالية، أو اللغة البصرية المشهدية، أو زاوية الالتقاط ذات التوترات العادية، وغيرها من سمات، انتهاء بلحظة التنوير أو المفارقة الساحرة مثل مشهد «المصعد» الذي ضبط فيه عبد الرحيم عارياً مخموراً بعد علاقة عابرة مع عاهرة، المشهد بمفرده لو أنني أخرجته من العمل يمكن معاملته على أنه قصة قصيرة مكتملة الأركان الفنية، وقد نتساءل ما الهدف من ورائه في النص الروائي، المشهد فيما أتصور يدلل على رحلة عاطفية متخبطة مر بها عبد الرحيم بطل العمل، لكن ولأن نهج الروائي تلك المتجاورات وعدم المباشرة والبعد عن توجيه خطاب صريح، يأتي هذا المشهد القائم بذاته ليدلل عن مرحلة وانتقاله في حياة الشخصية، وتتوالى بالعمل تلك المشاهد التي توظف كل منها لتعبر عن فكرة ما، وتتراوح هذه المشاهد بين الواقعية والرمزية الشعرية كما سبق وأن ذكرت، هذه المشاهد أيضاً تعبر عن منطق كتابة يتيح الحياة كما هي في حالة من الانفتاح والتداخل، والشرذمة والانفصالات في الوقت ذاته.
في مشهد وحيد يتحدث الروائي عن «أحمد الرشيدي» والد محمد أفندي الرشيدي وما جرى له على يد جماعات السنية ليدلل على العنف الذي أصبح سمة لمجتمع كان يعرف بالتسامح والبعد عن التعصب ص140، ليدفع بالخوف سمة أساسية من سمات الشخصية المصرية في هذا العصر.
(7)
ولقد انتابني هاجس سيطر علىَّ عند قراءتي للرواية وهو أن «فضل الله عثمان» كائن بشري، وأنه أحد شخوص العمل الرئيسيين، وبرغم إدراكي منذ الصفحات الأولى أنني بإزاء أحد الشوارع، إلا أنني تصورت أن له عينين عميقتين، وشاربا أسود غزيرا، وملامح منحوتة، وأنه يتأثر بالشخوص فيجالسهم ويحاكيهم، ويرضى ويغضب، ويصاحب ويهجر، وأتصور أن الروائي قدَّر للمكان بمحمولاته الاجتماعية والجغرافية حياة ممتدة حتى أنه يمر بمراحل البشر ذاتهم من طفولة فشباب فرجولة، ولكنه لا تعتريه الكهولة أو الموت مثل الإنسان، فالمكان هنا هو الثابت والعصافير أو البشر هم المتغيرون.
يقول الروائي واصفاً صحبة عبدالله وسلامة أخيه «كانا يتقدمان في فضل الله عثمان. والأستاذ لاحظ أنه صغر، أو ضاق عما كان، وملأه العجب من أرضه التي ما زالت تعلو هكذا، بحيث أن المداخل على جانبيه ظلت تزداد انخفاضاً مع الأيام» ص111، 112.
يدلل الروائي على علاقة عكسية بين ثبات المكان ورسوخه وتبدل البشر وفنائهم تختنق حياة البشر وتظلم المداخل وتملؤها الرطوبة، ويعلو المكان بما يتراكم فوقه من حركة سعى الزمن، ومروره فوقه تاركاً بصماته.
ترتفع قيمة الأماكن في رؤى أصلان الفكرية وتصبح حاوية للمتغيرات ومعبرة عنها، متضمنة ما تعاقب على مصر من متغيرات متوالية ومتسارعة، وكلها تشكل أضداداً فكرية يصعب على المجتمع تحمل عناء تقلباتها، فتصيب أفرادها بالتخبط والعشوائية وتفرغهم من فاعليتهم وأدوارهم المنوطة بهم، يلتقط المبدع دكان محمود السمكرى الذي قبض عليه بعد حادث اغتيال جمال عبد الناصر في شارع فضل الله عثمان ويقول عنه «سنوات طويلة وهو على هذه الحال، ثم تعاقب المستأجرون، مرة رآه محلاً للحلاقة، ومرة رآه ممتلئاً بأكياس الأسمنت الورقية الفارغة بينما جلس أمامه رجل يقوم بفك هذه الأكياس وقطع زوائدها، ليقوم آخر بتحويلها الأكياس أخرى صغيرة، الآن في ضوء النيون، وراء الطاولة الزجاجية وبرطمانات الحلوى وأكياس الشيبسي والبوزو واللبان، والبالونات الملونة المعلقة، كانت البائعة الشابة واقفة تعبث بالمسجل الصغير» ص114.
كأننا بإزاء عرض لما مر على مصر من مراحل الاشتراكية والتصنيع، ثم التحول للرأسمالية والانفتاح غير المنضبط، الذي أدى إلى فوضى وحياة سطحية خادعة لمنتج لا قيمة له.
نفس تلك التحولات التي تطال المكان بمصر تطال شخوصها، يتحدث الروائي عن راشد الميكانيكي، وفي البلد يقول «وراشد الميكانيكي الذي كان يعود في آخر قطار ويصيح في العتمة وهو مخمور أيام الانتخابات ويقول: «يسقط ربنا «ويصيب أهل القرية بالرعب، ثم أطلق لحيته ولبس الجلباب على اللحم وصار من أولياء الله الصالحين..» ص116، 117 لنا أن نلاحظ أن العصافير أو الشخوص تذهب دائماً في النهاية إلى منطقة تفقد فيها العقل أو المنطق ويصبح وجودها وجوداً مغيباً عشوائياً.
تتردد الإشارات المتعددة التي يدفعها الروائي بالنص عن العلاقة بين الدولة أو السلطة وسلطة الدين ولا يتم التصريح بهذا إلا من خلال رمز ساخر ص36.
(8)
ويمكننا أن نلمس ملمحاً مهما في تقنية كتابة أصلان لنصه، وهو أن مشاهده احتمالية لا تقدم يقيناً ما، شأن الحياة وما لا تتحمله من سذاجة من يبحثون عن اليقين. المشاهد تحمل توقعات، تكنهات، تفسيرات فردية لا تدعي احتواءها الحقيقية الواحدة الجاهزة.
ويوظف المبدع الملامح الجسدية على نحو خاص، حين يشير إلى ما يداخل شخوصه من مشاعر الكراهية أو الحب للآخرين، ولا يصرح بها بل يقدمها من خلال التقاط ذكي، فالروائي يريد أن ينقل ويدلل على مشاعر البهي عثمان من محمد أفندي الرشيدي يقول «وهو يشعر بالكراهية له وللشعر القصير الذي يتدلى من فتحة أنفه المقرفة» ص32.
تقدم اللغة وصياغتها الوصفية الإحساس باتجاه معين، عناصر تضبط في آليات مفتوحة، وتترك للقارئ ليشيَّد انطباعاته الخاصة التي غالباً ما يشارك في إبداعها، وتظل يخاتلها التساؤلات، لا الركون إلى معني محدد.
وتشكَّل الأسماء وتكرارها من جيل لآخر دلالتين لهما أبعاداً فكرية ووجدانية عميقة، أولهما: أن الحياة دورات حين تموت نرجس الأم، تنضج نرجس الصغيرة وتفور أنوثتها، حين يلوح اليأس في نفس عبدالله لا يتيقن من استطاعته أن يرجع أرض أمه وخاله، يظهر عبدالله الصغير إبن عبد الرحيم ويلوح الكاتب بقدرته على التعبير، من خلال حديثه عن جدته هانم ص175.
كما أن الأسماء بتكرارها على هذا النحو تكرس لترسيخ اسم الرواية ومدلولاته النفسية والوجدانية فكلهم عصافير تتعاقب وتتوالى على النيل، تحلق دورتها ثم تفني في الآخرين أو في النيل ذاته.
(9)
يختار إبراهيم أصلان لنصه مفردات ذات دلالات مادية حقيقية لا تعرج على المجاز إلا نادراً، وله قدرة استنطاق اللغة في تجريدها أو في درجتها الصفر، بما يتفق مع فلسفته في الكتابة، فهو يستند الى الواقع ينزع عنه عاديته ويستنطقه، بأن يشير إلى ما يحتويه من اكتناز وأبعاد إنسانية وروحانية يحملها في ذاته دون وسائط لغوية، يكشف بملمسه وتكوينه المادي من جمال ربما اعتادته العين، فيزيل عنه أتربته ويقدمه مغسولاً مما يمكن أن يحمَّل عليه، ولذا تخير أن تكون المفردات والصياغات المعبرة عنه مثله تقدم الحقائق نضرة، عارية، دون أقنعة، ودون وسائل تبعدها درجة أو درجات عن صورتها الأولى المجردة، فلا مجازات أو استعارات إلا ما يأتي عفواً، وفي صورة تبدو وكأنها طبيعية، يقول وهو بصدد حديثه عن علاقة عبد الرحيم بانشراح بعد طلاقه لها» كان يستعيد تفاصيل ما جرى بينهما وهو في حالة هياج دائم، وعافت نفسه الأكل ولم يعد ينام، ويفكر أنه أيام خطبته لأفكار لم يتعب هكذا، ولا حتى أيام حبه لبسيمة الموضة، مع أن بسيمة كانت أجمل ألف مرة، وصغيرة. ولما تذكر بسيمة شعر أنه يكره إنشراح من قلبه ولكنه يريد بأي وسيلة أن يراها مرة أخرى» ص81. الشخصية هنا بصدد مشاعر معقدة وهناك مقارنات بين عدد من النسوة المتمايزات، لكن اللغة تأتي كالطلقات المسددة إلى قلب الحقيقية مصوبة بعناية؛ لتعبر عن مشاعر لا تقبل المراوغة برغم تداخلها وتعقيدها. 
أمـــاني فــــؤاد
كاتبة وأكاديمية من مصر

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …