أخبار عاجلة

خليل صويلح يصطاد غزال الذكريات الهاربة

تأتي رواية خليل صويلح* السادسة: «سيأتيك الغزال ـ2011» (1) بعد «عين الذئب1995م», و«ورّاق الحبّ 2002م», و«بريد عاجل ـ2004م», و«دع عنك لومي 2006 م», و«زهور وسارة وناريمان 2008م». وهي تعزّز مساره الإبداعي الذي ينهل من ينابيع طفولته وسيرته الذاتية التي تتشابك مع سِيَر ومصائر شخصيّات عدّة يعايشها سواء من الأقارب, أو الأصدقاء, أو المعارف, أو تلك التي سمع بها أو قرأ عنها أو تخيّلها, مشكّلا بذلك ملامح سيرة روائية لشريحة ريفيّة من جيل الستينيّات بدءا من مسقط الرأس في الجزيرة السورية بقراها المتباعدة ومدنها الصغيرة, وانتهاء بالغربة والإقامة في دمشق وامتداداتها العشوائية البائسة. 
يعود الراوي بعد أربعة عقود من عمره إلى الوراء مستذكرا طفولته البعيدة يوم كان في السابعة, وبعينيّ ذلك الطفل وإحساسه يعيد صياغة فردوسه المفقود, ذلك الفردوس الذي يبدأ بمشهد يلحّ عليه ويطارده منذ أشهر! مشهد الطفل في البريّة الواسعة الذي يمسك بخيط مربوط بذيل يربوع خائف يجري أمامه كي يدلّه على مخابئ اليرابيع الأخرى! ومن هذا المشهد تنداح صور الماضي البعيد ومنها صورة جدته الناصعة فضّة الجاسم التي كانت «تروي وحدته بماء الحكايات ص15», فلا ينسى حين كان يوقظها في الليل لتسقيه ماء فتجيبه من قلب النعاس: «نمْ نمْ…سيأتي الغزال حاملا قربة ماء ويرويك ص16»! فينام الفتى منتظرا ذاك الغزال الذي سيأتي ويرويه! وفي الصباح لا يعرف إن كان قد أتى أم لم يأت لكن مخيّلته التي تتفتح على قصص الجدّة وأساطيرها الشائقة تنشغل بغزالها, فيصبح ذلك الغزال مع مرور الزمن فاتحة للذكرى, وعنوانا للرواية التي يكتبها بعد أربعة عقود كاملة, وكأنه بكتابتها يستعيد على الورق تلك الطفولة في براري الجزيرة المنسيّة من جديد, ويعيد ترميمها بعدما خسر براءتها وألقها وزخمها وسحرها في دمشق التي يعيش فيها تصحّر المشاعر وجفاف الروح!
 ومن مشهد اليربوع بذيله المربوط إلى مشهد الطفل الخائف الذي يمسك بثوب أمّه أمام خيمة والدركيان يلقيان القبض على أبيه بسبب حيازته بندقية غير مرخّصة, إلى ممالك النحل, وإخراج العقارب من جحورها والتداوي بترياق سمّها! هكذا يمضي الراوي/الطفل في اكتشاف البريّة الواسعة بنباتاتها, وحشراتها, وحيواناتها, وأوديتها, ومغاورها, متأمّلا أماكن هبوب الكمأة في الأرض البكر, وأماكن بزوغ الفطر, ونبتات التويس, والرعاة, وحفلات شواء اليرابيع في الأودية المعشوشبة عند تخوم مناجم الملح. 
ويبدأ التحوّل النّوعي في حياة الراوي/ الطفل عند انتقاله على درّاجة أسعد الفاضل الهوائية إلى قرية جده للالتحاق بالمدرسة الابتدائية بمعلمها الوحيد, وهناك يكتشف دار جده الواسعة المكونة من ست غرف طينيّة متقابلة تشبه قصرا قديما في طرازه المعماري الفريد, كما يكتشف بستانه الكبير الذي تحرسه أفعى ضخمة من الغرباء! ويتعرف إلى زوجتيه الاثنتين, وعدد من الخالات وأبناء وبنات العم. وفي هذه البيئة الاجتماعية الجديدة يثبت حضوره فينتقل بنجاح من صفّ إلى آخر.
 من التنقّل في البادية وبراري العجاج بقراها الصغيرة, إلى مدينة الحسكة حيث يعاود الفتى رحلته لإكمال دراسته الإعدادية ثم الثانويّة. وهنا تبدأ المحطّة الأبرز في تكوينه الثقافي واكتشافه لأنماط جديدة من العلاقات الاجتماعية. فيتعرّف إلى مكتبة الحرية, وإلى السينما, فيقرأ «البؤساء» و«خمّارة القطّ الأسود», كما يشاهد: «ما زال اسمي ترينتي», و«كلنا فدائيون» الذي توّج حينذاك برؤية بطلته هالة الشواربي شخصيا في سينما القاهرة! 
 وفي حيّ غويران تبدأ أولى علاقاته العاطفية وأولى قبلاته مع ميساء ابنة الجيران ثم شيرين التي تتخلى عنه, ثم حورية الحسن عاملة التطريز التي تصبح ملاذا له ولعدد من زملائه الحالمين بوصالها! كما يبدأ تعرفه إلى عالم السياسة على اثر تقديمه طلبا للانتساب إلى الحزب بدعوة من مدرّب الفتوّة!
 بعد حصوله على الثانوية العامة يعود إلى قرية جدّه معلّما وكيلا في المدرسة ذاتها التي تعلم فيها! ثم يغادرها بعد ذلك إلى دمشق التي سيدرس في جامعتها, ثم يستقرّ فيها حتى كتابته روايته هذه: «سيأتيك الغزال» بوصفها استعادة لماضٍ جميل افتقده لكنه ما زال ثاويا في أعماقه الدفينة. هذا الماضي الذي تنكؤه جراح وعذابات مليون مهجّر من الأرياف البعيدة الذين استوطنوا مخيّم كناكر وسواه من العشوائيات في دمشق بحثا عن فرص العمل والعيش بعد سنوات الجفاف والقحط التي جعلت من قراهم أثرا بعد عين!
 تلك هي ترسيمة السياق العام الذي تنتظم من خلاله مجمل الشخصيّات والأحداث والفضاءات الزمانية/المكانية للرواية, عبر تقنيات فنيّة تستوجب الوقوف عندها بشيء من التفصيل.
ـ الشخصيّات:
 يبرز الراوي بوصفه شخصيّة محورية يتوالى السرد ويتنامى على لسانها بصيغة ضمير المتكلّم التي توهم بتطابق سيرته مع سيرة المؤلف نفسه, وتضفي هذه الصيغة طابعا واقعيا يتوّخى الإقناع بحقيقة التجربة الذاتية التي يسردها للقارئ.
 وإلى جانب الراوي/المتكلّم تزدحم الرواية بشخصيّات كثيرة يكاد عددها الذي يتجاوز الثلاثين يشكّل عبئا على القارئ من حيث رصد مساراتها وتفاصيلها ودورها في الأحداث. وترتبط كل شخصيّة من هذه الشخصيّات بثيمة مركزية تميزها من سواها وتسوّغ حضورها بهذا القدر أو ذاك.
فمحمد الحمود: «كان على يقين تام بأنه قد ورث قدرات سحريّة في علاج المرضى عن جدّه الذي خطفته السعلوة ذات يوم بعيد إلى أعماق النهر, وأنجبت منه بنتا قبل أن يغافلها ويهرب ص11»!
 وأسعد الفاضل حارس مضخّة الماء ومشغّلها يهجر عمله ويلتحق مريدا بإحدى الطرق الصوفيّة! وشوّاخ المفتاح يعشق المغنيّة زهور ويتبعها من مخيّم إلى آخر طوال ثلاث سنوات حتى يفقد آخر هكتار من أرضه! ويوسف البرّاك يطلّق زوجته بعدما اكتشف أنها حشت وسادته سرّاً بتمائم سحرية من عظام الهدهد, والخرز, والودع, كي لا يتخلّى عن حبّها! ونوفة العبود تموت بسرطان الحنجرة بعدما تعاقب عليها عشّاق كثيرون وراء مخزن الحطب! وسمير العقلة مدرّب الجمباز يختفي فجأة من حيّ غويران ويعود بعد سنوات بثياب عسكريّة مرقّطة, ثم يختفي للمرّة الأخيرة في تشاد! ومصعب مطر الحسّون يحل مكان أسعد الفاضل «مكنسيانا» للمضّخة بعدما كان طاهيا على باخرة يونانيّة! وحموّد الأخرس المغرم جنسيا بالحيوانات يذوب أخيرا بعشق «كلبة»! وهلال الجربوع يهتدي إلى موقع «الكامب» الذي غادرته الشركة الأجنبية ويسطو على مخلفاتها, ثم يتفرّغ للتهريب بين سوريا والعراق! وتضطر زوجته مطرة السويلم أخيرا إلى بيع كل ما لديها لإخراجه من السجن! وأحمد الحجازي شوهد مرّات يمشي وغيمة فَراش غير مرئية تظلل رأسه وتحميه من لهيب شمس الصيف! وطه عبد الرحمن المعلم الوحيد القادم من الشام إلى الجزيرة يتنقّل مع تلاميذه من مخيّم إلى آخر في البادية الواسعة بحثا عن الكلأ والماء! وبشير الجاموس لا يتوقف عن سرد حكاياته مع المومسات وعلاقته بزوجة الجنرال الشقراء! وشمسة الفرحان خارقة الجمال كلما حظيت بعريس مات قبل الاقتران بها, وفي كل ميتة تخرِج ثوب عرسها الأبيض وترتديه وتظل صامتة حتى صباح اليوم التالي! وعلاقة العشق بين خرمة العلي وجلّود السبهان تنتهي نهاية مأساوية! والآشوري خوشابا دنخا يترك قريته الساحرة على الخابور ويهاجر إلى أمريكا! وفيّاض بائع الصحف الوحيد في الحسكة يلفّق الأخبار على طريقته ليبيع جرائده البائتة! ومسعود أصفر والياس نجار يستمطران الغيوم بتجربة رائدة لريّ أراضيهما الشاسعة المزروعة قمحا!
 وتَرِد أسماء كثيرة أيضا لشخصيات علميّة وسياسيّة وأدبية وآثاريّة ورياضيّة في سياق علاقتها بأحداث مفصليّة في تاريخ الجزيرة بخاصة وسوريا بعامة, مثل: عبد الناصر, وشكري القوتّلي, وعبد العزيز المسلط, وأغاثا كريستي, وماكس مالاوان, وأوستن هنري, والمصارع جان خابوط, والملاّ سراج, والخيّاط العصري أنطون, والمصوّر كبرائيل, والخطّاط كارات, وسواهم. 
 إن عددا من هذه الشخصيات الحقيقيّة والمتخيّلة يصلح كل منها لقصّة أو لرواية, وقد اكتفى الراوي بتقديمها برقيّاَ, نائيا بأسلوبه عن النمذجة والاستبطان اللذين يعمّقان الإحساس الجمالي والمعرفة العميقة بشخصيّاته. ولعل ذلك يعود إلى محاولة صويلح كما في أعماله السابقة الخروج عن المألوف والدخول إلى ميدان التّجريب والتحديث بحثا عن أشكال وأساليب جديدة في السرد الروائي, تنحو منحى التلميح والتكثيف, وكسر خطيّة الزمن والحبكة, والاتكاء على ذاكرة الراوي الأحادي المهيمن على البرنامج السردي عبر ضمير المتكلّم الذي يموقع الشخصيات على تنوّعها واختلافها بما يخدم رؤيته الخاصة لمجمل العلاقات المحيطة به والأحداث التي يمرّ بها. 
ـ الفضاء الزماني/المكاني: 
يمتد زمن المتن الروائي ما بين عاميّ( 1959م) و(2010م). أي ما بين تاريخ ولادة الراوي المرتبط هنا بالتسمية الشعبية لمواليد هذه السنة باسم «سنة ناصر» تيمّناً بزيارة جمال عبد الناصر إلى الجزيرة, وتاريخ كتابة الرواية في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة. ويتميز هذا الزمن بتحوّلات سياسية واجتماعية هامّة, لعل من أبرزها: الوحدة, والتأميم, والانفصال, وثورة آذار1963م, ونكسة حزيران 1967م, والحركة التصحيحية 1970م, وحرب تشرين, والحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي, وتفكّك الاتحاد السوفييتي, وثورة الاتصالات, وسوى ذلك. وتلمّح الرواية إلى انعكاس هذه الأحداث على حياة ومصائر أبطالها بدرجات متفاوتة. كما في التلميح إلى كسر رجل الراوي ثلاث مرّات متباعدة وما يحمله هذا الكسر من دلالة معنوية على الانكسارات والخيبات والمواجهات التي عاشها من جهة, وعلى التحوّلات المصيرية في حياته وحياة بلده من ناحية ثانية. 
 أما زمن المبنى الروائي فقد تناوب ما بين ماض وراهن ومستقبل عبر تقنيات تخطيبه الفنيّة المتمثّلة في الاسترجاع والتلخيص والاستباق. 
 فالاسترجاع يبدأ مع الاستهلال: «هناك مشهد يطاردني منذ أشهر ص7». وغالبا ما يتم تعزيزه عبر صيغة الفعل الماضي الناقص «كان» في إشارة إلى زمن مضى. أما الاستباق فيأتي ليشيَ بأحداث متحقّقة أو قابلة للتحقق في المستقبل: «بعد صيفين أو ثلاثة , سيعلّمني أسعد السباحة, بناء على توصية من والدي ص19». «سوف أسأل أسعد الفاضل لاحقا عن ذلك الموّال, فيردّده أمامي بحنين ص18». ويأتي التلخيص مختزلا فترات زمنية محدّدة لإضاءة جانب من حياة الشخصيّة: «لكنّ الأيام والأشهر والسنوات ستعبر بطعم الحنظل من دون أن تهبّ نسمة هواء واحدة تكسر هذه العزلة الأبدية التي اختارها يوسف البرّاك مرغما, وباتت جزءا من سلوكه اليومي ص66».
في هذا الفضاء الزماني يتموضع المكان أيضا ما بين القرى والبراري التي يلوّنها العجاج بالأصفر الداكن, مثل: عجاجة, والرشيدية, والشدادي, أو تلك التي تغفو في حضن الخابور واخضرار حقوله, مثل: تل تمر, وتل هرمز, وتل سكرة, أو تلك التي تحمل أسرار من كتبوا على الطين, مثل: تل حلف, وتل براك. أو ما بين المدن بأثنياتها وأديانها المتعايشة, مثل: الحسكة, والقامشلي, اللتين كانتا تضمّان العرب, والأكراد, والآشوريين, والأرمن, والسريان, وسواهم, وصولا إلى دمشق وعشوائياتها ومخيماتها, مثل مخيّم كناكر الذي ابتلع حياة الكثير من المهجّرين من قراهم البعيدة في الجزيرة على أثر الجفاف وفقدان فرص العمل والخدمات وتقصير الجهات المعنية في مشاريع الرّي واستصلاح الأراضي الزراعية. وبذلك يغدو المكان (مسقط الرأس) في الجزيرة السوريّة ثيمة مركزية أليفة وثابتة, فيما الشخصيّات متحوّلة في ابتعادها عنه ومواجهتها لمصيرها القاسي في أمكنة مختلفة وعدائية سواء في أحزمة البؤس حول دمشق أم في المهاجر البعيدة. ولعل هذا ما يقف وراء النزعة النوستالوجية الغامرة التي تعبّر عنها تلك الشخصيّات في حلمها بالعودة إلى فضاء سكناها الأوّل.
 إن التناغم بين الأرياف والمدن, والماضي والحاضر, ورصد التحوّلات في سياق ذلك أضفى حيوية خاصة على البرنامج السردي للمؤلف, وتنوّعا جماليا بيئيا عزّزته عدة أمثال شعبيّة, مثل: «الديرة طلبت أهلها», و«هذي الجزيرة ما تجي إلا بالسيف». وبذلك يكون خليل صويلح قد قدّم تجربة ممتعة على مستوى المكان والزمان والشخصيّات وتقنيات السرد الحديثة.
هامش
 (1) سيأتيك الغزال, خليل صويلح, دار رفوف, دمشق, 2011م.

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …