خميس قلم صورة العيّار والشاطر الذي تحول إلى شاعر

خميس قلم شاعر عماني شاب أثبت عبر مجموعاته الشعرية الأربع الصادرة حتى الآن أنه قادر على أن يحجز له مقعدا بين الجيدين من شعراء هذا البلد عن طريق موهبته وقدرته غير المشكوك فيها على المزج بين عناصر القدامة والحداثة في شعره على نحو بعيد عن التلفيق والادعاء. فهو يكتب القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة بنفس الكفاءة والفاعلية. ومعرفته بالقصيدة العربية القديمة مبنى ومعنى تزيد في الواقع على المعرفة السطحية وتتجاوز الأنماط التقليدية المكررة. إنه يستظل بظل هذه القصيدة ويتصيّد الجوهر المعبر عن الحالة الإنسانية لدى هذا الشاعر أو ذاك من شعرائها، ويحاول أن يكتشف حالته ووضعه البشري من خلالها ومن خلال ما يتوفر له من ثقافة وتجارب شعرية وغير شعرية حديثة. وقراءة مجمل شعره توقفنا على مجموعة من الخصائص التي يتفرد بها دون غيره من شعراء عمان المحدثين. ومنها بقاء هذا الشعر أو إبقاؤه على أصولية اللغة والتزامه بثوابت البناء الشعري الكلاسيكي أو روحه من لغة ووزن وقافية حتى في الحالات التي يكتب فيها قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، كما أن شعره معنيُّ بالتعبير عن شخصية صاحبه “المسافر في ذاته”، لصيق بتطلعاته القريبة من تطلعات الخارج على أعراف القبيلة، الرافض لتقاليدها، القريب في صورته العامة من صورة الصعلوك ابن الصحراء في القصيدة العربية القديمة، أو العيّار في المدينة العربية  الملفّقة في تشكلها وبنائها المادي والأخلاقي مثل “عش تقاسمته القبائل”.خميس قلم شاعر عماني شاب أثبت عبر مجموعاته الشعرية الأربع الصادرة حتى الآن أنه قادر على أن يحجز له مقعدا بين الجيدين من شعراء هذا البلد عن طريق موهبته وقدرته غير المشكوك فيها على المزج بين عناصر القدامة والحداثة في شعره على نحو بعيد عن التلفيق والادعاء. فهو يكتب القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة بنفس الكفاءة والفاعلية. ومعرفته بالقصيدة العربية القديمة مبنى ومعنى تزيد في الواقع على المعرفة السطحية وتتجاوز الأنماط التقليدية المكررة. إنه يستظل بظل هذه القصيدة ويتصيّد الجوهر المعبر عن الحالة الإنسانية لدى هذا الشاعر أو ذاك من شعرائها، ويحاول أن يكتشف حالته ووضعه البشري من خلالها ومن خلال ما يتوفر له من ثقافة وتجارب شعرية وغير شعرية حديثة. وقراءة مجمل شعره توقفنا على مجموعة من الخصائص التي يتفرد بها دون غيره من شعراء عمان المحدثين. ومنها بقاء هذا الشعر أو إبقاؤه على أصولية اللغة والتزامه بثوابت البناء الشعري الكلاسيكي أو روحه من لغة ووزن وقافية حتى في الحالات التي يكتب فيها قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، كما أن شعره معنيُّ بالتعبير عن شخصية صاحبه “المسافر في ذاته”، لصيق بتطلعاته القريبة من تطلعات الخارج على أعراف القبيلة، الرافض لتقاليدها، القريب في صورته العامة من صورة الصعلوك ابن الصحراء في القصيدة العربية القديمة، أو العيّار في المدينة العربية  الملفّقة في تشكلها وبنائها المادي والأخلاقي مثل “عش تقاسمته القبائل”.نعم هو صعلوك في رفضه وهامشية خطابه وكرم روحه المستعدة لتوزيع جسمه في جسوم عديدة، وعيار مستعد للقتال في كل الجبهات داخل المدينة، وهو لا يمتلك غير كلمته البسيطة المعلقة على”سطح البراءة” وعري الروح وكأس الماء القراح أو الخمرة الصرف التي تحرر هذه الروح من القيود والالتزامات والمفارقات الاجتماعية الثقيلة وتشعرها بقدر ضروري من الاستقلال والتحدي. الخمرة لدى هذا الشاعر بشكل خاص أداة وسلاح. أداة للتحرر من القيود الداخلية والخارجية والشعور بالوجود البشري الطبيعي الحر المتعاطف مع البشر والأشياء والمنجذب إليها والقادر على فهم لغتها وإقامة حوار معها، مثلما هي سلاح يشهره بوجه شيوخ القبيلة وفكرها العتيق كعلامة على الرفض والمفارقة والخروج على الأعراف السائدة. هناك في عالمه الأول هذا أمكنة “حرة رحبة بالمعاني” وفضاء مسحور قابل للإفضاء والحوار.. “جميزة تحفظ القرآن عن ظهر ساق” و”حمّاض يحتضر حزنا” و”سدرة صباح”  تبدو عنده مثل “عجوز تجلس على سريرها تحرس بوابة الحارة القديمة”.    جدل القرية العمانية الصغيرة المنعزلة التي نشأ فيها  الشاعروجاء منها، والمدينة المفتوحة المتحضرة التي آلَ إليها وطمع في سعة فضائها وفضائلها، يمثل ثيمة أساسية من ثيمات هذا الشعر الذي نشعر بانحياز صاحبه إلى التمرد والثورة وما يرافقهما من قلق وتردد وعدم ثبات ورغبة في البحث عن كل ما هو جديد ومفارق عبر الواقع، وعبر الحلم الذي اختص خميس قلم بصناعته منذ طفولته المبكرة. هذه الطفولة (الحامضة) بحموضة شجرة الليمون التي عاشت بمزارع قريته في ظل النخلة وغذّت جسمه وخياله بحب حامض وذاكرة حامضة :شجر الليمون فينا  يعبق         يبسط الذكرى ظلالا تورق يبعث الماضي ربيعا رائقا    بأهازيج صبانا يعبق قد رضعنا منه حبا حامضا    ورضعنا الحزن، كدنا نشرقيكتسي بالثلج صيفا ندفا      مثلما عانق أنثى زنبق***شجر الليمون عرقي عرقه روحه الماء وروحي الغرقُوقصائده ذات الطابع الرعوي مثل هذه وغيرها مما ضمته مجموعته الأولى “طفولة حامضة” المنشورة عام 2006 وكُتب قسمها الأول قبل عام 2000، لا تكاد تخرج عن هذا الإطار المحدد بحدود هذه الطفولة، بما تنطوي عليه من (ذاكرة خضراء) و(براءة) و(حنين) و(أمكنة) و(وجوه) أقام حواره معها وبقيت ترافقه طيلة رحلته تلك مع الحياة والشعر. يقول في لقاء معه نشرته صحيفة (الصباح الجديد) البغدادية بتاريخ 8/5/2006:    “القرية بحموضة صيفها نبهتني إلى عوالم الروائح والألوان وعمّقت حواسّي حيال الطبيعة بطينها وشمسها، صخرها ونباتاتها، كنت أكتشف ذاتي في الأشياء، ارتبطت مع موجودات الطبيعة بعلاقة خاصة حتى أصبحت الأشجار أمهاتي، تحنو عليّ وتطعمني، ما زال مذاق السدر، الليمون، الفرصاد، السفرجل، الجوافة، التين الجمّيز، الزّام، التوريان، والتمور في فمي.القرية، بسذاجة أهلها، وغلظة طباعهم، بقذارة أطفالها والذباب يطن حول مناخيرهم اللزجة، بتجاعيد كهولها ولحاهم الكثة، برضى نسائها وهنّ ذاهبات إلى حصاد النخيل، بانكسار فتياتها وهنّ عائدات بالمواعين على رؤوسهنّ، القرية علمتني الملاحظة.تشربت بروح القرية، قططها أخواتي، ترافقني في أزقة الحارات، أحملها على رأسي فيقشعرّ بدني لذة، جبالها مراكبي، أبحر عليها لأصطاد قمرا مكتملاً، كم حاولت أن أنقبه بسعفة طويلة دون جدوى، نمالها أصدقائي الأقزام، أكلت الحشرات: الجراد، والفنازيز، أسقطت أعشاش الدبابير لأسف ديدانها، ما ألذ الجراد مقلياً! وما أشهى الديدان مشوية! شربت من ماء الفلج المختلط ببول الضفادع، سرقت بندقية أخي لأصطاد العصافير الدقيقة، أنتشي بوقوعها ثمّ أشفق عليها حين ترتعش بين يديّ ارتعاشتها الأخيرة.” والقصيدة التالية من (طفولة حامضة) نموذج لهذا النوع من الشعر الذي ما زال الحبل السري لمجمل لغته معلقا بـ (ميلاد) ذلك الطفل واكتشافه للعالم من حوله ورؤيته لذلك الواقع الذي سرعان ما تحول إلى حلم وذكريات ما فتئت تولد وتتوالد من جديد باشكال وصور مختلفة مع كل قصيدة في هذه المجموعة:ميلاد”الطريق الزراعي يولد من خطوات المسافر في ذاتهالطريق الزراعي يولد من جريان العذوبة يولد من كائنات المسافة تهربمن نظرات الغريب إليهاويولدمن مسجد شاهق بتراتيلهمن كنيسة حبومن رفرفات الحمام على برجهاالمتهدممن بحّة البلبل الحرّ وهو يمرّغ في العشب شهوتهللغناءويولد من مشهد نازف لغروبنهارٍ “هنا”  من أزيز الجراد يطارده لؤلؤ الأفقحين تغطي شراهته خضرة الروحيولد من ذكريات المسافر(طفل يحدّق مرتجفافي حكايات جدتهالراحلات إلى مدن الجدطفل يدس شقاوتهفي سكون الظلامويندس في الأغطية)هكذا يولد الحلمأوتولد الأغنيه”. وهي، في مجملها، “شقاوة” الطفولة وشقوقها أو ثقوبها المنفتحة على وعي مبكر ولكنه  شقي، وقابل للتطور والنمو مع مغادرة القرية واتساع التجربة في أمكنة وأزمنة أخرى مختلفة. وستكون مجموعة الشاعر التالية (ما زال تسكنه الخيام) الصادرة عام 2006 شاهدا على هذا النوع من الوعي الذي يعرّض صاحبه إلى ما يشبه الامتحان والمحنة التي تحاول إعادة بناء الهوية بعد “غرق الأحلام” و”اعتزال الغناء” و”ضيق الصحراء” وقلق (الأم) و(الزوجة) على البحار الذي أمعن في الرحلة، والغواص الذي ينثال في “مخرافه” شيء من رئات الصبر. “ما زال تسكنه الخيامُمغاضبا يمضي إلى لاشيء، أو شيء به كلُّ النهارللبحر آيات وإني في انتظار”  والتحول في الإيقاع وتغيّر نغمة الخطاب الشعري على مستوى الدلالة على هذا النحو متأت هنا من هذه المفارقة التي تتحول فيها (الخيام) التي كانت محلا لسكن الشاعر إلى فضاء مادي وثقافي يضيق برؤاه وأحلامه، ولكن شكلها ورائحتها ما زالا يلاحقانه وينفذان إلى ذاكرته ومسامات وعيه، مع أنه يحاول طردهما والخلاص منهما وبناء رؤاه وكتابة قصيدته الجديدة بعيدا عنهما. وقد يكون ضياع وحدة الموضوع وارتباكه أو افتقاد بعض النصوص للثيمة الأساسية واحدا من النتائج المرافقة لهذا النوع من التحوّل في الخطاب الشعري في مراحله الأولى على أقل تقدير.  ” هل كانت الأحلامُ تغرق في مواويلٍترددها النوارس خلفهكي لا يتاجر بالثغاءأم ملّ ناي الروح فوضى الرعي واعتزل الغناءما بين كثبان الأناشيد المجففة الإزارهل ضاقت الصحراء شبرا”؟ وضيق الصحراء هنا يعني اتساعا وتبدلا في طبيعة العبارة والرؤية المرافقة لها. فلم يعد التمرد والخروج على أعراف القرية والعيش في حدود ذكرياتها، ولا الاتصال بأشياء الطبيعة من شجر وبحر وصحراء كافيا لتأثيث القصيدة بوهج شعري  يستنفد كل ما في أعماق الشاعر من طاقات ورؤى جديدة مراوغة وغير محددة على مستوى لغتها وثبات قيمتها واستقرار رؤيتها. وهو يقول في اللقاء المشار إليه آنفا:       “إني أكتب لأتحرر من سطوة الواقع، وأفرغ روحي المشحونة بالقلق بالدخول إلى عوالم الحلم السرمدية؟ .. أكتب لأختزل الزمن وأكثف اللغة في سطور، أخبئها في جيوب الذاكرة، أو لعلّني أكتب لأؤرخ آلامي وأجدد آمالي في الحياة”. وهكذا لم يعد المنحى الرومانسي في التفكير والكتابة الشعرية متاحا بنفس الأسلوب والطريقة القديمة على ما كان يعتورها من تفاصيل  حياة مؤرقة تنتشر رائحتها و(حموضة) فضائها في كل الأرجاء. وفي مجموعة الشاعر الأخيرة (شجرة النار) حيث تزداد النصوص النثرية القصيرة وتصبح أكثر هدوءا وميلا للتأمل وقدرة على إجراء الحوار مع الذات ومع الآخر، هناك إعلان (رسمي) بهذا الـ (خروج) الذي بدأ يحسّ به “غريب ضاقت الصحراء بأحلامه”، و”رهن للرمضاء ناقته”، و”تعلّق بجناح طائر فولاذي”، و”أطعم لذئاب الغياب ثغاء صباحاته”، و”كسر ناي ذاكرته برائحة التبغ”، ليتدحرج على مساء مسفلت”وليس وراء هذا “التدحرج” الدائم على “مساء مسفلت” أو غير مسفلت غير الشعور بوجود أزمة وجودية تشمل الحياة وطريقة التعبير عنها، وتستدعي التوقف لإعادة النظر والتفكير بالمنهج المتبع في كتابة القصيدة.  وادعاء انتظار “ولادة رطبة”  لقصيدة “تبلّ شفتي” الشاعر اللتين “يشققهما الجفاف” واحد من مظاهر هذه الأزمة. انتظار القصيدة هنا ذو علاقة بانتظار كأس الخمر، إذ لا وجود، فيما يبدو، للثانية دون وجود الأولى، فهي الداء والدواء الذي انفق أبو نؤاس حياته في البحث عنه دون جدوى. وهو، مثل ابي نواس أيضا، لا يريد أن يُسقى سرا إذ أمكن الجهر، لأن الخمرة كالأنثى لا تعطي سرها إلا لمن تسقيه جهرا.” كالبحر هي الخمرةُما أوغلت فيها لستَ تدري غورهالا تثق إلاّ بأحزانك فالخمرةُ أنثىليس تعطي ( غير من تسقيه جهراً) سرّها”وهو (جهر) مخادع  وغريب لأنه يقود إلى مزيد من العزلة التي تتحول الأنثى أو الوردة فيها إلى (كأس) تقطر العزلة منها . (صارت الوردةُ في كفيّ كأساً تقطرُ العزلة منها)وتكرار القول عن حراسة “هدوء القرية وأحلام الكادحين” التي أصبحت بعيدة نائية عن نظر الشاعر وذاكرته بُعْدَ القمر في سمائه، يبدو مجرد تعلّة وسبب لتبرير الهرب والانسحاب مرة أخرى والنجاة بالنفس من مسؤولية التعبير عما ينطوي عليه ذلك الهدوء من أحلام قديمة خلفها الشاعر وراءه ولم تعد، على المستوى الواقعي، غير ذكريات وصور تلوح من بعيد كما تلوح بقايا الوشم في ظاهر اليد..    “شفتاي يشققهما الجفافأقضي الليلة انتظر قصيدة رطبةالقمر وأنانحرس هدوء القرية وأحلام الكادحينمتى تطلعين يا قطرة الندى؟” لقد ابتعد الشاعر وسافر في المجهول ودخل “المكان الملتبس” كما يسميه، ولكن الخيط الذي يشدّه إلى أرضه وبحره وسمائه الأولى لم ينقطع تماما، وبقي موجودا مثل نبع يغذي، رغم جفافه الظاهر، قصيدته ويمدّها بحنان الأمومة وحليب الطفولة الأول. وكأن الهرب من المكان والمنزل الأول لا يقود إلا إلى المكان والمنزل الأول عينه.” يا لغربة الروح في هذا المكان الملتبس لا إلى هؤلاء، ولا أولئك(البريمي) مطهر الشاعر المعلقبين فردوس الحب وجحيم الحنين”.(البريمي) التي تمثل منطقة عبور بين دولتين وعالمين تبدو هكذا (مطهرا) رمزيا بين مكانين وعالمين مختلفين: (فردوس الحب) الموجود في الخارج  و(جحيم الحنين) المتراجع إلى الداخل. وذات الشاعر المترددة بينهما مثل بندول لا تعرف التوقف عند (هؤلاء) أو (أولئك) بسبب عدم وضوح المكان والتباسه،  وعدم وضوح رؤية الشاعر والتباسها. وهذا الحضور المكاني المتأرجح بين ضفتين وفضاءين يظل بحاجة إلى ولادة مستوى آخر من الوعي والقول الشعري الراصد لوجود هذا الالتباس وتعيين المفارقة والانشقاق الداخلي الموجود في أعماق الكائن و(غربة الروح) لديه من أجل ألا يظل حبيسا ببئر النوايا.”حُبِستُ ببئر النوايا الرديئة متهما بالخروج عن الظل،هذا الظلام الكفيفامتداد الحقيقة في داخليوطيور مناقيرُها كالمناجلتنهش من خبز رأسي  ملح اليقين”  (ما زال تسكنه الخيام ، ص 34 – 35) لم يعد الشعر عند هذا الشاعر،كما كان، (كلاما متراصا)، (كتف اللفظ) فيه بـ (كتف المعنى) كما يقول في (كرنفال الكتابة ص23). بل هو يبحث عن (روح الصوت) و(ظل الإيقاع)، وعن ضرورة فصل هذا الصوت عن آلاته لأنها “مجرد قناطر تعبرعليها قطعان المشاعر المخاتلة”. ( كرنفال الكتابة، ص 27). وهو بسبب ذلك، ربما، يلجأ إلى هذا النوع من الكتابة النثرية التي تقع في موقع وسط بين قصيدة النثر والخاطرة ذات الأداء أو الروح الشعري المركّز، وهو يعرف أن الشعر بما هو، لا بما يريد أن يقول، وأن اللفظ فيه جسد ينطوي على الروح ولا ينفصل عنها مثلما لا ينفصل الصوت عن آلته، وأن وظيفة الإيقاع بمختلف مستوياته تكتسب في الخطاب الشعري ضرورتها من هذا النسيج أو التلاحم الضروري بين الصوت والمعنى الموضوعين في عملية (النظم) بطريقة مخصوصة. غير أن الكتابة النثرية أو الكتابة هكذا بالنثر تتيح له على كل حال فضاء أوسع لممارسة لعبة الكتابة الحرة التي يقول إنها لا تخلط بين (الأفعال البصرية) و (بصيرة الأفعال)، حيث ينظر من لا يرى، وقد يبصر من لا عين له. تبادل مستمر بين الرؤية البصرية والرؤيا القلبية التي تصبح الذات معها أكثر قدرة على التعيين والتمييز، خصوصا حين تقف عارية أمام المرآة. وكأن هذه المرآة تجسيد للضمير الغائب الذي ينكشف وينسحب من غيابه ويصبح متاحا في مجال الرؤية. إنها نوع من الميتا ? كتابة التي يهمها أن تكتب وتعيد الكتابة وهي محكومة بمراقبة نفسها وهي تكتب ، وترى الكيفية التي يتم فيها اختيار هذا اللفظ دون ذاك، ورؤية أكثر من صورة واحدة للجسد الواقف أمام المرآة.  ( تعرّ، ص 30)  بعض هذه النصوص النثرية يمكن أن تتخذ بعدا مجازيا أو كنائيا على الرغم من دلالتها المباشرة. هناك، مثلا، في نصه المعنون (في البلعوم شوكة) شوكة حقيقية تنشب في البلعوم بعد أكلة سمك، ولكنها تتخذ في النهاية هذا البعد الكنائي المتمثل في امرأة رقيقة يحملها باقتدار بينما هي (تؤلمه فيه) مثلما تؤلمه تلك الشوكة الحقيقية.   غير أن كل هذه المظاهر الاحتفالية الخاصة بـ (كرنفال الكتابة) لا تغطي على بعض مظاهر العجز الذي تعاني منه بعض مفاصل هذه اللغة في ملامسة وعود النص الشعري الذي يطمح خميس قلم لكتابته، هذا النص الذي كانت مجموعته الشعرية (شجرة النار) المذكورة آنفا تعبيرا أكثر قدرة على تحقيقه. وعلى الرغم من أن عديدا من نصوص هذه المجموعة هي في الواقع نصوص نثرية إلا أن علاقتها بالخطاب الشعري الحديث تبقى أكثر قوة من حيث تكامل نغمتها الداخلية والخارجية، وخلوصها من عنصر الإنشاء أو التوالي اللفظي الحر غير المحكوم بضوابط البناء الشعري الحديث على ما فيها من توتر وانزياح وتبادل رؤى ومواقع بين المادي والمجرد ، الواقعي والمجازي.
ومرثيته الأخيرة المنشورة في هذه المجموعة يمكن أن تكون شاهدا على ما نقول:  المرثية الأخيرة”أربو كأيامي، بلا معنىبلا خجلٍ من الآتيولا ندمٍ من الماضيوذاكرتي الخرابُ.أنا آكِلُ الأثداءِ، مصاصُ الدماءِسليلُ آلهة الحروبِأنا الضياعُ، أنا العذابُوطني القبور، على شواهدهامجديوتحت ترابها عرشيوأوسمتي الجماجمُ والعظامُ.جُندي الجرادُأبُثّها في خضرة الأيامِوالغربان من رسليوآثاري رمادٌ وانتقامُ.في النار في الإعصارِفي العنب اللذيذِوفي الحديد، وكلِّ شيءٍكامنٌ بطشيوأنفذ من مسام الوقتِأخطف مَن أشاءُبمخلبيَولا أنامُضاقت سماءٌ عن معانيهافجاءت بيلأزرع في قلوب الأمهاتِوساوسَ الليلِ الثقيلةَأو لأحصدَ خيبة الأحلامِمن أطفالهنّ..وجئتكمأنتم طرائد أسهميوأنا، أنا قوس المشيئةما لكم عني حجابُ.وحدي انتزعتُبقسوتيمن تربة الأرضِ الجبانةِقبضةًلتكون لحماًراكباً في ظهرها، وعلى مناكبهاهو الإنسانُ نابُ.يا لابسي الأكفانَفخري أنني غيبتُكُمْعن جوعكمْعن جهلكمْعن خوفكمْعن حزبكمْأدخلتكم بوابة النسيانِفالتمسوا لأنفسكمخلوداً زائفاًفيما يغادركم من الأسماءِ والأشياءِإنّ مصيركم عندي ظلامُ.والآن أجثوا باكياًوحدي أمام اللهِ :”أتممت المهمةأيها الجبارُ لكنكلّ مَنْ غيّبتهم في الأرضِقد حضروا هناوعيونهم نحوي ضباعٌ” أيها الجبارُآبوا … “الآن أُذبحُبين نارِ الإثمِ والفردوسِمن غيبتهم حضروا هناوأنا الغيابُأنا الغيابُأنا ا ل غ ي ا بُ”   قصيدة مدوية ،كابية، يبسط الصعلوك فيها، هكذا على مستوى البنية اللفظية التي تمزج بين انفتاح أفق القصيدة وتمددها اللانهائي، وبين القافية الميمية أو البائية التي تأتي في النهاية لتضع حدا للتدفق اللفظي والإيقاعي في جملتها الشعرية وتضع كذلك حدا آخر لانفتاحها الدلالي، أقول يبسط الشاعر في هذه القصيدة سلطانه المزعوم على ما حوله، ويحقق أمنياته المستحيلة مع الآخرين، معلِنا على نحو صريح وواضح منهجَه في الخروج والرفض الشامل للأسماء والأشياء المتصلة بهم لينتهي، هو الآخر، عند نقطة الغياب والتلاشي اللفظي والدلالي الذي كان قد جعله من حصة أولئك الآخرين الذين (غيّبهم) وأدخلهم (بوابة النسيان)، بعد أن أتمّ المهمة وجثا باكيا وحده أمام الله.   ***     منذ طفولته المبكرة الحامضة في القرية وجوها الملبّد الكئيب، عرف خميس قلم تجربة الانفصال، أحس، على نحو ما، بغيريته واختلافه عن الآخرين وقدرته على الابتعاد عن طريقهم وطرائقهم المتبعة في هذه الحياة الدنيا، ولم يجد غير الكلمة الشعرية وسيلة مناسبة للتعبير عن كل ذلك. لقد أراد أن يشق طريقه الخاص بنفسه، كما يمكن أن يقال، ولكنه بقي غير قادر على تحمّل مسؤلية ذاته المفردة هذه و”ينفذ من خلال الوقت” عن طريق العيش في تأمل ساكن أو الاكتفاء بالذكرى أو التفكير المجرد. ولذلك فهو يجد في كل مرّة نفسه مضطرا للعودة إلى قريته والمجتمع الكبير من خلالها ليكون في الموقع الذي يمكنه من أن يكون ضدّهما، منتميا ولامنتميا، صعلوكا آثما، ومعلما حكيما، في الوقت نفسه. تراجع ونكوص وعودة مستمرة إلى الوراء يقابلها هروب مستمر إلى الأمام ممزوج بشعور لا ينضب من الكبرياء والسخرية والرغبة في تعرية الذات التي لا يبل ظمأها امتيازات أو مظاهر اجتماعية متاحة (بيت وزوجة وأطفال ووظيفة). شيطنة الطفل القديم وأساليبُه في الاحتيال والمراوغة في اللعب التي كانت تجعله مميزا بين أقرانه وعائلته، تتحول مع الزمن إلى موقف دائم، واستراتيجية ثابتة تغذّيها ثقافة الاختلاف وإدمان قراءة الخارجين الكبار على قوانين المجتمع والقبيلة من أبي نواس والمتنبي إلى بودلير ورامبو وسيف الرحبي. وهو، في هذه العودة المتكررة نحو الماضي، لا يني يحاكم نفسه أمام أولئك الذين اختارهم ليكونوا قضاته… أمه التي يريد أن يبتعد عنها وعن طعامها المغذي بقدر ما يقترب منها ويحبها لأنه، شأن أصحابه الصعاليك القدماء، يفضّل “لحوم الحمر الوحشية والجواميس البرية والأصلات والثعابين المكتنزة والسحالي البضة التي يسيل لعابه كلما شاهدها في حديقة الزواحف”، وكذلك صغاره الذين يوصيهم بـ (الابتعاد عن طريق أبيهم) فيروّعهم بقدر ما يلتصق بهم ويشتهي حبهم.    العودة إلى الحياة في حضورها المباشر العنيف لا يوازيه عنده غير عزلة الذات المستوحدة التي تتغذى بمساعدة الخمر وأحلام اليقظة على بؤسها ومواطن السعادة الملونة في أحلامها، وتجتر ذكرياتها الملأى بالحموضة.    القصيدة تبدأ عند هذا الشاعر العماني غالبا من حدث أو مشهد آني يوقظ لديه حدثا سابقا أو ذكرى بعيدة في زمنها، ولكنها باقية على حالها، قريبة، حيّة على المستوى الداخلي، فتكون (=القصيدة) هكذا حصيلة مركّبة من هذه العناصر الزمنية الآنيّة والقديمة، واضعة كل ذلك في إهاب الإبداع ولغته المنتقاة بعناية ممزوجة بآراء خاصة وفلسفة تبتعد وتتمرد ولكنها سرعان ما تعود لتطامن وتشعر بالرضى على الرغم من كل شيء.    هذه الطفولة التي عمدنا في هذه الدراسة على التشديد على الدور الجوهري الذي تلعبه في حياة الشاعر ونصه تنطلق من الشرط الذي يضع الشعر وحلم اليقظة في مستوى واحد لا يستغني فيه أحدُهما عن الآخر، وعلى نحو يمكن أن نقول فيه إن القصيدة تصبح في صورتها النقية العامة تكملة لحلم الطفولة ذاك وألعابه الباهرة، تحقيقا وتعويضا له على هذا النحو أو ذاك. وصورة (البطل) غريب الأطوار الذي يتفرج فيها على أفعال الآخرين ويرسم مصائرهم كما نراها في مثل هذه القصيدة الأخيرة، هي في الواقع صورة مستعارة من ذلك الحلم القديم – الجديد إياه.

 


ضياء خضير

شاهد أيضاً

الهوية فـي (سيقان ملتوية) لزينب حفني

تستثمر الرواية النسوية الخليجية إخفاقات وصعوبات حياة الأنثى في المجتمعات الخليجية ، بالعديد من التابوات …