أخبار عاجلة

خوان رامون خمينث وجيل الحركة التحديثية في أسبانيا

 تجوال الذات في البحث عن الذات
خبايا عالم شعري قلق ومقلق
« ايها الذكاء..
امنحني الاسم الحقيقي للاشياء !
… أن تخلق الكلمة نفسها مجددا ًمن روحي»
خوان رامون خمينث
تجوال محموم ومتكرر بين السماء والارض في رحلة بحثية وتعقبية للجمال الخالص وتسمية الذات هو مختصر ما نصف به مكاشفات معقدة ومنفتحة للشاعر الاسباني خوان رامون خمينث(1881- 1958) الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1956 وذلك في كتاب واحد ترجمه وقدم له الكاتب العراقي عبد الهادي سعدون.
 يعتبر خوان رامون خمينث أهم صوت شعري لما سمي في الادب الاسباني الحديث بجيل 1914 الذي جاء بعد جيل 98 او ما يسمى بجيل الحركة التحديثية آخذا منه ما يؤسس لذائقته الخاصة وعوالمه المغايرة. واحتوى كتاب المختارات الشعرية الذي يقدم هذا الشاعر لأول مرة في العالم العربي منتخبات شعرية شاملة وعلى مراحل متنوعة لحياة الشاعر المليئة بالمطبات والتهاويات النفسية  والتي شرعت فيما بعد خصوصية رؤاه الشعرية المتقلبة.
و في كتاب القصائد المنتخبة( من سيتجول في حديقتي ؟ ) والذي اختار عنوانه عبد الهادي سعدون بعناية فائقة من احد قصائد هذه المجموعة بذكاء فذ يقود القارىء للتقصي وتنقيب عوالم هذا الشاعر المترامية على جوانب مشهد يتمدد ويتقلص بين السماء / الحلم أو الحياة المبتغاة  وبين الارض / الموت, يفصح الشاعر في كل نص عن تشظيات تختلف, تنطلق باحثة عن ماهيتها لتعود وتعرف الذات في اعماق اعماقه.
أيها الذكاء../ امنحني الاسم الحقيقي للاشياء!/… أن تخلق الكلمة نفسها مجددا ً من روحي./ أن يمر بي جميعُ من لم يتعرف بعد على الاشياء./ أن يمر بي جميع من نسي للآن الاشياء.
تبدو رغبة خوان رامون خمينث في اعتلاء الاسم واضحة وبمثابة مطلب وجودي يناهض به اللاشيء كما وينال به من  غاية الجهل ويتطاول به على الزوال. وهذه الرغبة تتكشف علنا ً أو ضمنا ً لإجلاء قلقه الدائم وتوهمه بالذوات الكثيرة المنشطرة عن ذاته الكامنة في البعيد  وسرعان ماتأخذ مداها الاكبر المنبثق منه لالباس العالم أشيائه التي فقدت اسماءها وسيملك هو فقط قدرة تسميتها من جديد, فيكون الاسم  في قاموسه دلالة ايجاد وحالة عثور متجددة, بل تعريف مادي, وثيقة مرور وحق اعتراف.. وتلك غايته الأم التي تظل تتكرر في منجزه رغم اختلاف وسائلها:
نبتكرُ الاسماء./ فتجرف البشر, بعد حين تهزم الاشياء / يبقى فحسب عالم الاسماء/ حرف الحب الانساني وألم الازهار./ الحب والازهار/ لا مجالَ لأحدٍ سوى الاسماء./ نبتكر الاسماء !
تبقى رغبته بالوجود متيقظة ملتهبة,لذا يتكرر كثيرا وعلى طول منواله الشعري حوار داخلي ليس سوى بحث جدي عن الذات في محاولة لمعالجة فصام يتحسسه فعليا كلما فتح بصيرته على العالم / الجوار, اذ يجد بمحاذاته اشباها لطفولته وشبابه ورغباته المبادة, فيبدو لهاثه موجوعا في عدم قدرته على امساك ذاته أو على الاصح ذواته الاخرى ودمجها بذاته المبصرة لهذا الانفصام وهو يمتد حتى كتاباته الاخيرة:
لا تجري, أمضي ببطء/ فما عليك سوى ان تجري نحو نفسك.
أمضي ببطء, لا تجري/ فالطفل الذي فيكَ هو أنا / وليد للتو وأزلي/ لا يستطيع أن يلحق بك !
و يستمر تناثر وجود خوان رامون خمينث المفقود ليتوزع على الجهات وهي تنفتح على جوانيته القلقة مثيرة وعيا وتوجسا ً ذهنيا ً يقوده لكتابة النص الذي يعتبره دفاعا عن الغياب الذي يعتريه رغم وجوده, فينولد نصه متعجنا ً بالنسيان والتذكر رديفا للغياب والحضور:
ها أنت أمامي, أجل./ ما أكثر ما أنساك مفكرا بك.
تتفاقم غيبوبته ازاء موقفه من ذاته مع تنامي محترفه الشعري ليبدو الانشطار صفة فارقة في نصه الباحث عن الخلود, فنراه اثنان متناقضان ومحتدان بين الفعل ورد الفعل, متضادان ايضا في الحضور والغياب, الاخر عنده هو الابقى والمستمر في ممارسة العيش, ربما هو شوق غيبي للاستمرار ورؤية الحياة من نافذة علوية تطل على عالمه في كل وقت أو هروب من المحتوم على البشر:
أنا لست أنا / أنا هو هذا الذي الى جواري دون أن اراه./ والذي أحيانا ً أمضي لرؤيته وأحيانا ً أنساه./ الذي يصمت هادئا ً عندما أتحدث / الذي يغفرُ عذباً عندما أكره/ الذي يمضي أينما لا أكون/ الذي سيبقى على قدميه عندما أموت!
و تتبطن نصوصه فيما بعد بانكار نفسه / المتكلم والاستعاضة عنها بالمخاطب(لست أنت, يدان عند القلب. صمت في زاوية. غيابات عند الشرفة.. لا. لست أنت. نظرات تطفر. مصلحة متهورة. ضربات أيد وأقدام… لا.. لست أنت. مثل الريح تتنهد. مثل المطر يبكي. تنتحب مثل البحر… لا.. لست أنت ) وهذه الانكارات تتجاور مع رغبته في الامتداد بين السماء والارض( قدماي, يا لتوغلهما في الارض ! جناحاي يا لعلوهما في السماء ! يا لألم قلب مبعد ! ) وأيضا ً( جذور وأجنحة. إذا ً لتروى الاجنحة ولتحلق الجذور. ). ربما تكون هذه الرغبة في الامتداد وانكار الذات الكائنة فيه انما هي رغبة للتطهر والتحرر ومحاولة التخلص من اللاجدوى في عالم محفوف بالكوابيس ومحاولة خلق صورة مرغوب فيها بين السماء والارض / عالم الشاعر الدائم, وايضا خلق نموذج جديد للذات لا يعرف الويلات والقهر والتي يحاول ربطها هنا بمفردات بيئته الطبيعية. هذه المرحلة من الكتابة تعلن انفصالا يتسع اكثر واكثر بين الشاعر وداخله وكما وتشير الى قناعة خوان رامون خمينث بضياع سيمتد الى الابد:
عرفتك,/ لأنني وأنا ألمح آثار قدميك في الطريق/ آلمني قلبي الذي دست عليه./ ركضت كالمجنون, بحثت في كل يوم ككلب بلا صاحب./ كنت قد مضيت !/ قدماك تسحقان قلبي بهروب بلا نهاية / كما لو أنه هو الطريق الذي يمضي بك الى الابد.
ينشد خوان رامون خمينث التوحد مع ما تناثر منه حوله راتقا الغلاف الفاصل من خلال نصوص مصيرية يكتبها كل مرة لعلاج الصدع والوقوف على اطلال المعنى الذي اراده طويلا لمحاربة الغموض واحلال المعرفة وهذه النصوص قد لا تخلو أحيانا من بعض الهذيان او التضاد مع نفسها, ومن خلال صرار خوان رامون خمينث دائما ً على امساك الطبيعة بين عينيه تنكتب مناجاته موحدة بين كائن الارض وكائن السماء بدلالاتها الاحيائية في عالم هذا الشاعر, والذي يصر عليهما دائما في ترحاله الشعري مؤكدا مشهده الممتد من الاعلى الى الاسفل:دمعتي والنجمة اصطدمتا / وفي اللحظة تشكلتا دمعة واحدة / تشكلتا نجمة واحدة./ أصبت بالعمى/ أصيبت, من الحب, السماء بالعمى./ أصبح كل العالم – ولا شيء آخر –/ ألم نجمة ونور دمعة.
و يستمر في مزاوجة الأعلى/السماء بالاسفل/الارض  مؤكدا انشطاره بينهما أو ربما روحه الممتدة كمن يريد تحقيق عدالة مفقودة في عالمه الخاص الذي ينمو بشكل عمودي:
في الأعلى يغرد الطير/ وفي الاسفل تغني المياه
– في الأعلى وفي الأسفل تتفتح روحي –.
تستحق النجمة العصفور/ والزهرة تستحق المياه
– في الأعلى وفي الأسفل ترتعش روحي -.
كما واوجد خوان رامون خمينث نظاما ذهنيا يعبد الطريق الذي سعى اليه بين السماء/ الحلم / اللاشيء  وبين الارض/ الموت / الأكثر عمقا ً واستعاره بدلالة ثابتة على طول منجزه الشعري رغم تطوراته وتضاداته وتقلباته:
 حلم, موت  / شقيقاي اللامرئيان / شقيقاي في الأكثر عمقا ً
شيقيقاي في اللاشيء.
 إن التجوال في حديقة خوان رامون خمينث المزروعة به والمعلقة بين السماء والارض, يكشف عن عالم شعري قلق ومقلق لشاعر منفرد أعلن صدامه الدائم مع الطمأنينة وتعود على انشطاراته وانفصاماته المتكررة, مبتكرا ً نمطا بحثيا غير مألوف لتسمية المفردات كدلالة تعريف وايجاد, عاكفا على ملئ فراغات ذاته المركبة الطامعة:
لو كنت أنا/ مثل مكان في البحر او في السماء/ الشيء نفسه والآخر أيضا ً/ لكنت بجناحين الشيء نفسه والآخر دائما ً
لكنت مع الغيوم ثابتا ً وشريدا ً/ شاكا ً ومتيقنا ً
طليقا ً ومحبوسا ً/  الآخر والشيء نفسه مع غيومي وجناحي.
*( من سيتجول في حديقتي ) مختارات شعرية للشاعر الاسباني خوان رامون خمينث
* ترجمة: عبد الهادي سعدون
* الناشر: سنابل للكتاب بالتعاون مع الاسبانية المصرية للكتاب/  سنة2008

رنا جعفر ياسين
كاتبة من العراق

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …