خوان غويتسولو والربيع العربي وصية للروائيين العرب

لم يكن خوان غويتيسولو مقيما في العالم العربي وحسب، من خلال نزوله في طنجة، منتصف القرن الماضي، أو مدى إقامته الطويلة في مراكش، أو إقامته الأبدية، اليوم، في مقبرة العرائش، إلى جانب جان جينيه، بل ظل غويتيسولو مقيما، على الدوام، في قلب الأسئلة الحارقة التي تؤرق المجتمعات العربية، وفي طليعتها سؤال الديمقراطية.
بل إن صاحبنا لن يرحل من غير أن يترك وصية للكتاب والروائيين العرب، بعد أن تقاسم معهم خريفهم الطويل، وربيعهم العابر، وأحلامهم المؤجلة التي حاول انتظارها قبل أن يستسلم للرحيل. مثلما ترك وصية للمجتمعات العربية من أجل التحرر والتحليق عاليا، بعيدا عن أغلال الاستبداد.
خوان العربي
خلف الكاتب الإسباني خوان غويتيسلو وخلد من ورائه دراساتٍ دقيقةً، ومقالاتٍ عميقةً عما يفتعل ويعتمل في العالم العربي، ومقالات أخريات أفردها لتاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، ومختلف الرواسب والمخلفات التي جعلت من البلدين جارين متباعدين، وصديقين لدودين، على حد وصفه. هذا إلى جانب انشغاله بالمغرب والعالم العربي كله، واحتفائه به في رواياته، من مراكش إلى طنجة، ومن البيضاء حتى القاهرة، وصولا إلى بغداد، كما فعل في «الأربعينية» و»المقبرة» و»أسابيع الحديقة» وغيرها.
انشغال غويتيسلو بما يصيب العالم العربي الرهيب لم يكن انشغالا ثقافيا، بل كان إنسانيا، أساسا، بسبب ما تعرض ويتعرض له العرب من «حصار الحصارات» في المهجر (جغرافيا)، أو في (التاريخ): «حالة طرد وترحيل المورسكيين»، وما يجري على الحدود الشائكة لمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين، أو يحصل للعرب على يد أنظمتهم المستبدة بالدنيا، أو جماعاتهم اللاهوتية المستبدة بالدين. وهذا ما شدد عليه غويتصولو في الخطاب الذي ألقاه أمام العاهل الإسباني، قبل سنتين، بمناسبة فوزه بجائزة سيرفانطيس.
مع اندلاع الربيع العربي الدامي، وانطلاقته التراجيدية المفجعة، سيكون خوان غويتيسولو في مقدمة الكتاب الإنسانيين الذين واكبوا ما جرى ويجري من أحداث ودماء عربية فصيحة. ولقد كُتب لصاحب هذا المقال أن يشرف على جمع مقالات الكاتب الإسباني في كتاب صدر سنة 2011، بعنوان «الربيع العربي: الإسلام والغرب والديمقراطية»1، وهو الكتاب الذي قدم له خوان غويتصولو، ويعد في طليعة الدراسات والمتون التي تناولت ما سمي ربيعا عربيا.
والكتاب من ترجمة الصديق الراحل عبد الرحمن بن الأحمر، وكنت نشرتُ كثيرا من مقالاته مفردة عندما كنت مسؤولا عن القسم الثقافي لجريدتي «الصحيفة»، ثم «الحياة»، قبل إغلاق الأولى، وانسداد فرص الحياة أمام الثانية. وكان الصديق عبد الرحمن بن الأحمر هو سبيلي نحو اللقاء بخوان غويتصولو والتعرف إليه منذ سنة 2004. ولقد ظل خوان حريصا على مد أصدقائه من المثقفين العرب بهذا الكتاب، غِبَّ الربيع العربي، كيما يطلعوا على موقفه من هذا الربيع.
صدر الكتاب ولم يضع الربيع العربي أوزاره، وكان لا يزال يدنو من دول عربية أخرى، أتى اليوم على ربيعها ويباسها، وعلى تراثها الإنساني العريق الذي تعرض للخطف أو تساقط بكل باسطة مثلما سقطت أرواح الملايين ممن ضاقت بهم الأرض واستحالت إلى مقبرة.
استقبل هذا الكتاب قراءه بمقالين كتبهما «خوان» بمداد السخرية السوداء، تلك السخرية التي كانت سبيله نحو مواجهة الألم والقساوة، على نهج معلمه الكبير والأثير ميغيل أنخيل دي سيرفانطيس. مثلما استمد روح تلكم السخرية من دعابة أصدقائه المراكشيين، كما يصرح في هذين المقالين، ومن تحليلهم الساخر و»الكافر» بالديمقراطية العربية العظمى. كانا مقالين عن العقيد العربي، أحدهما بعنوان «أنا الدولة»، حيث يصفه بدقة متناهية، وعنه يقول: «حبه المفرط للأزياء ومشاهد «الأصالة البدوية» فريد من نوعه. قبعة عسكرية، بذلة رسمية، أوسمة، كتفيات، لباس البحرية العسكرية، أو ألبسة عسكر الإمبراطورية النمساوية المجرية، أو العثمانية، عمامات قبلية، برانس زرقاء في تناغم مع أغطية رأس من ذات القماش، ستارات رهيبة من كل ألوان قوس قزح… أقام خيمته المتحركة، وهو على تلك الحال، في روما وباريس ومدريد ولندن… لم يرد على تحدي شرطة جنيف، التي أوقفت ابنه لاعتداء جسدي على خدمه بسحب أمواله من البنوك السويسرية، وإنما هدد بمحو الكنفدرالية السويسيرية من الخريطة الدولية، وتوزيعها وفق تعددها اللغوي، بين ألمانيا وفرنسا وإيطاليا…». أما في المقال الآخر، فقد تنبأ غويتيسولو بسقوط العقيد ودنو نهايته، ليس بسبب صلته بالعالم العربي ومجرياته، وإنما بسبب المدونة الروائية الكبرى التي اطلع عليها، والتي تحفل بنصوص رسمت صور المستبدين وفككتها وكشفت عن زيفها وأسقطت عنها القناع. وفي هذا المقال، سوف يوجه خوان دعوة إلى الروائيين العرب من أجل الاشتغال على صور هؤلاء الزعماء وسجلهم الغرائبي. فأياما قبل سقوط العقيد، صرنا، يقول خوان، أمام «طاغية حاصرته ذكريات المجد والطموح إلى قيادة العالم، والذي يستقبله أقرانه المتعطشون للنفط بالأحضان والابتسامات، وقد عاد إلى رشد امتزج مع استيهاماته كملك لإفريقيا».
سخرية خوان من حكام الربيع وقبلهم من الرئيس العراقي المشنوق، تقابلها سخرية لاذعة من النظام الأمريكي «العلي الكريم، واهب الحياة وضامن التاريخ»، أو الولايات المتحدة الأمريكية، التي تضحي من أجل «حرية الغرباء»، ومن أجل تحرير الشعب العراقي الذي يرزح تحت نير الاستبداد».
كما أن سخرية خوان من العقيد تقابلها سخرية أكثر من جامعة إسبانية كبرى، في العاصمة مدريد، سبق لها أن احتفت بصورة الزعيم بصفتها صورة عبقري مستشرف لـ»نظرية عالمية ثالثة»، من خلال كتابه الأخضر المبجل. فقد تم تنظيم محاضرة، تم نقلها عبر الفيديو، توجه فيها العقيد إلى طلاب الجامعة، لشرح نظريته العصماء. مثلما ظل خوان صوتا مزعجا في إسبانيا وأوروبا، وها هو يسخر من رؤساء حكومات أوروبية، ووزراء إسبان، استقبلوا العقيد بالحفاوة والأحضان، طمعا في احتياطي البترول الهائل المعتق في آباره الخاصة، وجمهوريته الشخصية.
وصية غويتيسولو
نعم، لقد ترك خوان غويتصولو في هذا الكتاب ما يشبه وصية للكتاب والروائيين العرب، وهو يزعم، يقينا، أن «حدثا تاريخيا من الحجم الذي يعيشه العالم العربي اليوم سيجد يوما ما المبدع الذي سينقله بدقة وحرفية لقراء المستقبل». وكثيرا ما قَلّبَ الكاتب الإسباني الراحل في حياة القادة والمستبدين العظام «النخرة»، الذين سقطوا في الربيع إياه، على الطريقة العربية، ليقترح علينا مشاريع روايات يدعونا إلى كتابتها بما ظل يسميها «أسلوبية مجنونة». بل ويضع خوان خطاطة سردية في هذا الكتاب، داعيا إلى إعمال «خيال بصري» ثاقب، من أجل استحضار الكليات، والتقاط التفاصيل والعناية بها: «إن الانتقال المفاجئ من الزوجين بن علي والطرابلسي السعيدين، إلى صورة ممزقة للمستبد، في ظهوره الأخير أمام الكاميرا، أو التغير العميق للفرعون الودود في أجل صوره إلى عجوز لا يقوى على المشي، مدفوعا نحو سلالم الطائرة التي ستقوده إلى منفاه غير الآمن، إن ذلك ليستدعي خيالا بصريا يمكن أن ينقل أدبيا، اعتمادا على لعبة التقابل: تقابل الكراسي الضخمة، ذات الدعامات الذهبية والأقمشة المزركشة المصممة، كما يتهيأ لي، لاستراحة مؤخرة رئاسية أو سيادية».
والحق أن خوان غويتيسولو لم يتنبأ بنهاية العقيد، ولا بالربيع العربي فقط، بل تنبأ بعواقبه أيضا، وبما ستؤول إليه الأمور لاحقا، وذلك قبل ثلاث سنوات خلون من انطلاقة الربيع العربي. ففي مقال نشره في جريدة «إلباييس» El Pais بتاريخ 13 يونيو 2008، بعنوان «لا تتخيلوا أجنحة، بل اعملوا على تحريكها» No imaginar alas, sino moverlas، جاء في كلام خوان: «إن النزعة التسلطية للأنظمة السياسية العربية تجد سندها في خوف زعمائها من تعبير شعوبهم عن استيائهم وإحباطهم، بفعل التعارض الصارخ بين من يتمتعون بكل شيء، ومن يفتقرون إلى أبسط الأشياء». وبفعل انغلاق النظام وصلابته، ونتيجة افتقاد النزعة الوطنية التي كانت وراء الحركات الاستقلالية، وأمام لهو الأحزاب الفارغ، والتي فقدت صلتها بالمجتمع، أضحت النزعة الإسلامية أفضل معبر عن الغاضبين، وعن مطالب التغيير».
في هذا المقال العميق، نعثر على الوصية الثانية التي تركها خوان للمجتمعات العربية، من أجل التحرر. ففي نهاية المقال، يرى الكاتب الإسباني الراحل أن «الإصلاح البراغماتي» هو الوسيلة الوحيدة الكفيلة بالحد، تدريجيا، من الانغلاق والظلم اللذين يجثمان على صدر المجتمعات العربية. وهذا أمر يتطلب، في نظره، البدء بما أسماه «تربية مدينة ونقدا اختباريا»، في سبيل بناء مجتمعات متحررة.
ينتظم الفصل الثاني من الكتاب في العنوان الفرعي «الإسلام والغرب والديمقراطية»، ويحكي لنا رؤية خوان غويتيسولو للحرب على العراق وقبلها حرب أفغانستان، مثلما يحكي عن التدخل الأمريكي والموقف الأوروبي، عن الغرب وموقفه من الآخر واستعلائه باسم أضغاث التاريخ ومعدات الحرب الجهنمية القاتلة «مثل مبيد بشري مجرب وسريع المفعول»، بتوصيف الكاتب. أما الفصل الثالث من الكتاب، فكان عن المغرب وإسبانيا تقاربا وتباعدا، وضمنه مقال ينطلق من ملهاة ما سمي سنة 2001 «جزيرة ليلى»، تلك الصخرة الجامدة التي يسميها الإسبان La isla de perejil، أو «جزيرة البقدنوس»، والمقال الثاني عن «المورو» كما تصوره السياسات المتطرفة والأحكام الجاهزة في الشمال «أوروبا»، التي تعتبره مهاجرا غير شرعي، بل غير شرعي قبل أن تسميه مهاجرا، وهي الصورة التي تجد سندها التاريخي الفظيع في المقال الأخير من الكتاب، وهو عن ذاك «المورسكي المزعج»، أو الضحية التاريخية الذي تحولت إلى ذريعة لتأصيل العداء الذي يزرعه السياسيون المتطرفون المحافظون في إسبانيا لرفض الآخر المغربي أو العربي، سواء بسواء.


مخلص الصغير

شاهد أيضاً

الاستضافة العكسية النصوص الشعرية في المتن الروائي

1- لم نعهد في نقدنا العربي الحديث مقاربات مفصلة وجادة عن وجود (الشعري في السردي)، …