أخبار عاجلة

دانيلو كيش: «الحلم اليوغسلافي الممزق»

حين غيّب الموت عام 1989، الكاتب «اليوغوسلافي» دانيلو كيش (مواليد عام 1935)، قال الجميع إن رحيل صاحب «حديقة، رماد» و»موسوعة الموتى»، هو رحيل قبل أوانه، إذ لم يشهد انهيار الأنظمة الشيوعية الذي طالما تمناه، كذلك لم يشهد الحرب الأهلية والتفتيت اللذين أصابا «قبائل يوغوسلافيا» (كانا أمرا حتميا بالنسبة إليه وتحدث عنهما مطولا في كتاباته). إذ لم يتوقف، على مرّ كتبه، على أن ينقل إلينا تجربته في الحياة والأدب. من هنا تبدو إعادة قراءته ضرورية لنكتشف كم أن هذه القراءة لا تزال تملك درجة الانفعال والتفاعل نفسها، لا تزال تقف على ذات درجة الإعجاب منها. من هنا، ثمة عزاء ما، إذ هناك حقا بعض الكتّاب الذين لا يغيبون. كم مرّة خلال هذه الأزمات «اليوغوسلافية» المتعاقبة لجأنا إلى كتب كيش، لفهم بعض ملامح الاتنيات المتصارعة. كم مرّة طرحنا على أنفسنا السؤال التالي، ما كان رأي كيش بهذا الذي يجري كله؟ لقد وقف دائما وبالرغم من أعدائه أصحاب الامتياز، أي «ايديولوجيي اللحظة الراهنة تلك» ضد جميع أشكال القومية والتوتاليتارية، وعبّر عن بغضه العارم لها. فهو مثال الشخص «الذي ليس نقيا من الناحية الاتنية، إن الندرة الاتنية التي أمثلها ستختفي معي» كما كان يردد دائما. لذلك حمل في جسده هوس الألم والشر الذي نجح، عبر الأدب، في أن يعطيه معنى ما.  التجربة المرة  ثمة كثيرون في أيّ حال، لا يرغبون اليوم، أن يسمعوا ما قاله دانيلو كيش. أما الذي رغب في أن يتعرف إليه جيدا، من يريد أن يعرف غناه الداخلي، فثمة كتاب قد يكون مدخلا حقيقيا لفهم مناخاته، انه كتاب «رواسب التجربة المرّة» (منشورات فايار 1995). كتاب يجمع مختارات جميلة من الحوارات التي أجراها مع الصحافة اليوغوسلافية والأجنبية بين عامي 1972 – 1989 في كلّ من بلغراد وبودابست وستوكهولم وساو باولو وباريس. لقد تحدث دائما بوضوح. ومنذ البداية، اكتشفنا عند هذا الرجل المشغوف بالسياسة، رفضه قصر كتّاب أوروبا الشرقية على كتّاب ذوي بعد سياسي فقط، أو إحالتهم إلى دور حاملي رسالة ما «الانحياز إلى أدب، يمثل فقط شهادة ما أو عملا صحفيا كبيرا، أمر يفقر الإنسان والأدب». هكذا كان يردد دائما. من هنا، جاء أدبه بأسره، كأنه إجابة ما على تعقيدات أصوله وقدره، وذلك عبر عمل أدبي مضيء توزع على جميع الأنواع، رواية ومسرحا وشعرا وترجمة ومقالات وبحثا.  فحين يتحدث دانيلو كيش عن طفولته، التي تشكل نواة عمله يتحدث برحابة عن «التباساته»، وعن انحراف «اختلافه المقلق». يقول «عشت بين ديانات ثلاث: الأرثوذكسية واليهودية والكاثوليكية، عشت بين لغتين: المجرية والصربية الكرواتية، بين بلدين زيادة على فرنسا، وعرفت عالمين سياسيين مختلفين». وُلد كيش في «سيتنجي»، وأمضى طفولته في عاصمة «فويفودين» في «نوفي ساد»، في الرابعة من عمره، اعتنق الاورثوذكسية («وهذا ما أنقذ حياتي»)، أي اعتنق ديانة والدته، وقد رغب دائما في أن يدفن على الطريقة الاورثوذكسية. في السابعة من عمره، كان شاهدا على مجزرة رهيبة، ذهب ضحيتها اليهود والصرب على أيدي الفاشيين المجريين «في ذلك اليوم، نجا والدي بأعجوبة. لقد تلخصت تلك الأعجوبة في أن الحفر التي ثُقبت في جليد الدانوب، حيث رميت الجثث، طفحت بالأجساد: لذلك أوقف لمدة سنتين قبل أن يرحل إلى أوشفيتز. وهناك، اختفى مع عائلته كلها. تماما مثل ادوار سام، الأب المختفي، الذي يشكل الشخصية الرئيسية في كتابه «سيرك العائلة» وهو «لوحة ثلاثية» استعمل فيها وبشكل مخالف كليا أحداث حياته في الحقبة ذاتها. بعد دراسته للأدب المقارن في بلغراد، أصبح مترجما للشعر: فنقل إلى اللغة الصربية الكرواتية أعمال الشعراء الروس، مارينا تسفيتاييفا وماندلشتام ويسنين وأعمال المجريين اندره اودي وبيتغن. والفرنسيين كينو وبودلير ولوتريامون. مع بداية الستينيات جاء إلى فرنسا، لا ليلعب دور المنشق وإنما ليعيش في ذلك «المنفى الجويسي» (نسبة إلى جويس)، بحسب قوله. فعمل مدرسا في ستراسبورغ وبوردو ورين، قبل أن ينتقل إلى باريس. «ان تأتي من مكان مختلف، أن تكون كاتبا يوغوسلافيا في باريس، معناه أن تكون وحيدا. لقد كانت الثقافة الفرنسية مألوفة إلي منذ زمن طويل بيد انه لم يكن هناك أي تبادل».  فراغ ميتافيزيقي  من هنا، بدا كيش في بعض كتاباته ثائرا، كان يحس انه قريب من بورخيس بسبب عالم الفراغ الميتافيزيقي، من أرثر كوستلر، بسبب هذه المغامرة الثقافية المثالية أضف إلى ذلك، انه احتفظ بإعجابه الشديد بكبار كتاب أوروبا الوسطى، غير المعروفين كثيرا (ما عدا ايفو اندريتش) أمثال بروخ وكوستولايني وكرليزا…  كان بامتياز، كاتبا من وسط أوروبا، إلا أن وطنه الحقيقي هو الأدب، أي انه انتمى إلى ذلك الخط الذي يضم بابل وبيلنياك وأوليشا وشولتس وكافكا. ثمة جانب من بروست فيه أيضا، لكن على طريقته الخاصة، أي بحثه ذاك، الأدبي، عن الزمن الضائع المسكون بمشكلة اليهودية على أنها رؤية تراجيدية للعالم والحياة. «لقد اقتربت من هذا الموضوع، وسأقترب منه دائما، بحذر شديد، لأنني أكره الكتب التي تتناول الأقليات والتي ترسخ المذهبية، التي تشكل حجة لهذه الأقليات، مما يعطيها، أي الكتب، سمة ما فوق أدبية تجعلها تلقى استقبالا حارا عند الجمهور، مع العلم أنها لا تمت بصلة إلى الأدب، ما أنوي قوله انه في الأدب اليوغوسلافي الصربي والكرواتي تعود شهرة بعض الكتّاب، بالضبط، إلى هذه المذهبية. نجد، عند هؤلاء الكتّاب، أن النعت ينتصر على الاسم الموصوف، فهم قبل أي شيء، صرب وكروات، ومن ثم كتاب. في الحقيقة، إن كنا نقرأ كتابا فقط بسبب انه يتكلم عن السود أو عن اليهود أو عن المثليين أو عن النساء، فهذا أدب لا يهمني كثيرا وبالأحرى لا يهمني مطلقا».  الأدب الذي يهمه يتردد بين الواقع والكابوس، وسنجده محددا في الأقاصيص الست التي نشرت بعد موته، في كتاب «العود والندوب». وهي تصور مصائر مأساوية على خلفية أنظمة جائرة، وعلى خلفية مناف سياسية لا تزال تظهر فيها كتابة دانيلو كيش، على أنها توق إلى حياة أخرى، أي أنها الطريقة الوحيدة لتوسل الموت.  من هذه الزاوية، جاءت روايته الموسومة «قبر من اجل بوريس دافيدوفيتش» (1977)، وهي أول رواية «يوغوسلافية» عن مخيمات الاعتقال والتعذيب الستاليني. وقد أثارت يوم صدورها، العديد من ردات الفعل المنددة لها، حتى أن الكثير من النقاد اتهموه بالسرقة الأدبية. حكاية هذه السرقة في واقع الأمر، لم تكن سوى المراجع التي اعتمد عليها كيش في كتابة الرواية، فهو يعود فيها إلى كتب التاريخ، والصحف، والأرشيف ليني عالمه الخاص، أي تاريخه الخاص. فعلى قول دانيلو كيش: «حين يدعي كاتب أن التاريخ حقيقي، علينا أن نشك في أن يخدعنا. ليس هناك تاريخ حقيقي، هناك تاريخ عليه أن يصير كذلك».  هذه الأزمة مع التاريخ، هي شيطان لذلك الجيل الذي ولد على مشارف الحرب العالمية الثانية، والذي وسمته سنوات ما بعد الحرب، أي القطيعة في العام 1948 بين تيتو وستالين، و»الفراغات التي توجب إكمالها». لذلك، نجد ذلك الحلم، الذي يشاهده بطل الرواية، الراوي، أي انه جبل مقسوم إلى نصفين بسكين مطبخ، نصف ميت والنصف الآخر لا يزال يعيش في داخل هذا الحلم. 
الحلم اليوغوسلافي 
 أهذا هو الحلم اليوغوسلافي؟ كل أدب دانيلوكيش كان تنويعا (بمعنى ما) على هذه الفكرة التي أنجبت قبائل متناحرة، قبائل سياسية واتنية وحتى مذهبية، تماما كما في كتاب «الأسود الميكانيكية ومسرحيات أخرى»، والذي يضم مجموعة مسرحياته التي كتبها في حياته. مسرحيات مركزة، ذات كثافة في الكلام، حتى لتبدو كأنها روايات قصيرة حوارية. كتبت بين عامي 1968 و1980، وارتكزت أيضا في خلفيتها، على التاريخ السياسي لأوروبا الوسطى، وعلى الهيمنة التوتاليتارية ولعب الذاكرة المضطربة. أفكار تبدو واضحة، بخاصة، في المسرحية الأولى «ليل وضباب» والتي تتحدث عن شاب يعود لزيارة مدرّسته، بعد عشرين سنة. لم يكشف هويته في لحظة اللقاء الأولى، بل وضع هذه المرأة في قلب عملية تعذيب أخوية. فخلال الأحاديث يذكر زوجا بالعديد من الحكايات والذكريات، تفاجئ الزوج ويدخل بسببها في قلب «أزمة ذاكرة».  أحاديث، لا هم لها، سوى إعادة تشكيل الوعي الممزق، الوعي الكاذب، أي بمعنى آخر، جاءت مسرحيته هذه لتكون مسرحية عن العذاب البشري. عذاب لم يعرف كيف يتخلص منه، كيش، وبقي مطبقا عليه، حتى لحظاته الأخيرة. لقد كان ذا وعي حاد بالتاريخ وبالكتابة، لذلك، لم تكن كتابته يوما، بديلا من أي شيء. كانت كتابة، في قلب الأدب، علّنا نعود ونتذكرها.

إسكندر حبش
شاعر وناقد من لبنان

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …