دمى النسبية وحرب الطواحين

(قالت السوفسطانية والمتجاهلة: إنه لا يصح علم لأحد بشيء، وذلك أن الرجل يصح عنده الأمر ثم يبطل فيصح عنده ضده، وقد كان ضده قبل ذلك عنده ثابتا، فلما كان ذلك لم يصح علم ثابت في الحقيقة، ولكنه علم من اعتقده، وباطل عند من اعتقد خلافه) سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري (ت ق5هـ)
لا تكاد تقرأ دراسة أو مقالا لأي من كتاب الجيل الجديد المشتغلين بالفكر والفلسفة إلا وتجده مشحونا بالحديث عن النسبية، ليس من خلال بعدها الفيزيائي الذي انتصر له علماء الفيزياء، بل باعتبارها المخلص المنتظر للانغلاق المعرفي والحضاري الذي تواجهه الإنسانية، وبالتوازي مع هذا الاحتفاء المُقدِس للنسبية تجد في كتاباتهم تجريحا للمطلق وتحقيرا للحقيقة، حتى لقد أضحى المطلق هو شيطان الماديين الذي لن تهتدي الإنسانية إلا برجمه، وباتت الحقيقة هي الصنم الذي لن تتحرر الإنسانية إلا بتحطيمه. فاتسعت هوة الفراغ الوجودي لدى أبناء هذا الجيل، وازدادت حيرة الشباب بانتظار المخلص المنتظر.
النسبية المخلص المنتظر:
في قرن الحربين العالميتين الأولى والثانية، ساد شعور عارم بفشل جميع الفلسفات الشمولية والمناهج ذات البعد الإنساني، ومع جمود الطرح الديني وانحسار تأثيره الاجتماعي، عاشت البشرية لحظة تيه وجودي حتمت ظهور الفلسفة الوجودية التي تعتبر وجود الإنسان سابقا على ماهيته، وهذه الماهية لا تحددها أي إرادة خارجية لا إلهية ولا اجتماعية وإنما تحددها إرادة الإنسان واختياره، بالتالي فالإنسان هو جوهر الكون وأساس حركته، وهذا الرأي وإن كان موافقا لقول المعتزلة في الإسلام والبروتستانت في المسيحية إلا أنه يبدأ في الانفصال عنه حين يذهب إلى إنكار وجود الخالق وإنكار البعث، والقول بأن كل شيء آخر خارج هذا الوجود الحسي خالٍ من التأثير، وأن على الإنسان أن يعيش الحياة كما هي لا كما يتمنى، وأن مرارة الحياة ليست سوى تجلٍ من تجليات الوجود الذي اخترناه بإرادتنا لذلك علينا قبوله وعدم التذمر منه.
لقد كان لهذه الرؤية حين نقلها جان بول سارتر من ميدان الجدل الفلسفي إلى ميدان الأدب تأثيرا عميقا على الشباب، فقد أصدر سارتر روايته الشهيرة «الغثيان» عام 1938 أي قبل أشهر قليلة من بدء الحرب العالمية الثانية عام 1939، ومع نهاية الحرب عام 1945 أحدثت الرواية دويا هائلا، واعتبر سارتر وفلسفته نجوم المرحلة خاصة حين رفض استلام جائزة نوبل عام 1964لأنها في نظرة نتاج المؤسسة البرجوازية التي انتجت كل إخفاقات الإنسانية.
لقد كانت الوجودية هي موضة الفلسفة في الخمسينيات والستينيات، وهي مع احتفاءها باستقلال الوعي الإنساني، واعتمادها الإنسان كمركز للوجود إلا أنها أغلقت أمام هذا الإنسان كل أفق للتغيير، وسدت أمامه كل نافذة للأمل، وأوصدت في وجهه كل باب للرجاء، لأنها غالت في إعطاء الواقع حمولات تأثيرية لا يمكن حتى للأمل أن يحلم بتغييرها. لقد كانت الفلسفة الوجودية أشبه بمرثية حزينة لتأبين الفلسفات الشمولية والأديان الوضعية، لذلك ما لبثت أن برزت حتى ابتدأت في الأفول.
تزامن تراجع الوجودية مع الانقلاب على الحداثة ومناهجها، وهبوب رياح الفوضى الفكرية التي عرفت بعصور «ما بعد الحداثة»، حيث تم الانقلاب على البنيوية القائمة على دراسة العلائق بين الأشياء، وإعادة خلق بنى اجتماعية أو لغوية جديدة يتم من خلالها إنتاج المعنى، وتم استبدالها بالمنهج التفكيكي الذي ينفي القصدية، ويلغي دور صاحب العمل أو النص، وبرز في النقد الأدبي ما عرف بـ«موت الكاتب» و«ولادة القارئ» حيث مراد الكاتب لا قيمة له ومقولة «المعنى في بطن الشاعر» لا معنى لها، بل القيمة التي ينبغي العناية بها والاحتفاء تتمثل في ما يفجره القارئ من معانٍ أثناء القراءة، كما يفترض أن المواضيع (الأفكار، والأحداث، والنصوص، والأشخاص، الخ) يجب أن تدرس مفككة ومنفصلة عن بعضها.
ساهمت الرأسمالية في فوضى ما بعد الحداثة من خلال تسويقها ثقافة الاستهلاك وترويجها ثقافة الوجبات السريعة والمتع الرخيصة، وانهمك الناس في البحث عن مصدر للدخل لتلبية نزعتهم الاستهلاكية، وفي حمى البحث عن المتعة أهمل الناس الأسرة، وصار الزواج آخر اهتمامات الأفراد، ولم يعد هناك أعراف ينقلها الأباء إلى الأبناء، لأنه ليست هناك بيئة أسرية تسمح بهذا الانتقال، وحصلت فجوة أخلاقية كبيرة لدى الأجيال الصاعدة، وقد تجلت هذه التغيرات على المستوى السلوكي في الارتفاع الهائل في معدلات الجريمة والانتحار وانتشار المخدرات وظهور تقليعات الهبييز، وعلى المستوى الفكري في انتشار ظاهرة الإلحاد والعدمية.
وقد عبر الأديب الوجودي كولن ولسون في عام 1965 عن هذه الظاهرة بالقول: «من المتوقع أن تصف الأجيال الآتية النصف الأول من هذا القرن بأنه «عصر اللامعنى»، ففقدان المعنى والهدف يجثم على أدبنا وفنّنا وفلسفتنا، هذا الشعور العام بأن التأكيدات التي يمنحها الدين قد ضاعت ولا يمكننا استبدالها، فتحليل العلم للمشكلات العلمية يزيد في اتساع هوة الفراغ المؤلم، ومن خلال هذا تبدو الثقافة الغربية تعاني من الانهيار والإنتكاس لما لا يقل عن مائة سنة، إذ أن الأمر ليس إلا مسألة تفكير في معرفة المدة التي تستمر فيها قبل أن يلتهمها الإفلاس الماحق»(1).
ولأن الإنسان متفائل بالطبع، مناضل بالفطرة، إيجابي بالتكوين، لم يستسلم للقدر الذي حددته المادية الجبرية، ولم يتخل عن أحلامه التي بشرت بها الأديان قديما بأنه سيكون سيدا للكون وأنه سيحيل الأرض جنة تُملأ قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا. لذلك ما أن استفاقت البشرية من سكرتها الوجودية حتى بدأت في التفتيش عن طريق جديد، وقد كانت المثالية والنسبية هي ذلك الاكتشاف الذي استدعته ضرورة اللحظة من متاحف التاريخ للتخفيف من وطئ «حقيقة» الانهيار الذي يحاصر البشرية والتيه الذي يمزق روحها.
تقوم المثالية على مبدأ أن الحقائق ليست سوى وهم يخلقه ذهن الإنسان، وأن الأشياء لا توجد إلا بوجود الإنسان، ويذكر إمانويل كانط أن الإنسان لا يمكنه معرفة الأشياء في ذاتها، وكل ما نعرفه عنها هو مجرد تصور ذهني. أما النسبية فهي أيضا تنتصب على قاعدة إنكار الحقائق، فكل احتمال قائم الوجود، ولا يمكن القطع بصحة أمر على حساب نقيضه، لأن صواب الشيء أو نقيضه أمران واردان، لذلك على الإنسان أن لا يصرف جهده في تأكيد شيء على حساب آخر باعتبار أن هذا عبث وتبديد للطاقة، وأن لا ضرورة للبحث عن المعنى في الحياة، فالمعنى واللامعنى سواء.
وكما كان الانتصار للمثالية الحديثة المرتبطة بالتفكيك ونظريات ما بعد الحداثة نتاج رغبة لا شعورية بالتغلب على الكون والسيادة عليه بعد أن أثبت العلم الحديث عظمته وشدة تعقيده، إضافة إلى رغبة من مختصي العلوم الإنسانية تضخيم أنفسهم من خلال الزعم بأن الكون وعلوم الطبيعة التي انفرد بها علماء الطبيعة والأحياء ليست سوى علوم خيالية لهذا الوهم المسمى الواقع الذي يخلقه ذهن الإنسان الذي يقدمون أنفسهم باعتبارهم الأوصياء على معارفه. كانت النسبية كذلك ردة فعل ضد الخطاب الديني الذي يقدم دلالات النصوص الدينية وأقوال الفقهاء باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل الجدل.
ليست النسبية النافية للحقيقة والملغية لها سوى جزء من ردة فعل مضادة للخطاب الديني الذي يرفع كل آرائه إلى درجة الحقائق القطعية المقدسة التي لا تقبل الجدل. وقد استثمرت الرأسمالية هذا الإلغاء الديماغوجي للحقائي من أجل تعزيز استبداد أباطرة المال والسياسة على المجتمعات، وبين تطرف النسبويين النافي للحقيقة، وبين غلو رجال الدين المتعصب لها تاهت الحقيقة وتشوهت.
النسبية… المعنى والمبنى:
يتحدث دعاة النسبية عن النسبي والمطلق باعتبارها مفاهيم جلية واضحة، ومصطلحات نهائية مغلقة. كما تشعرك ثقة هؤلاء بلاهوت النسبية وكأن العالم يعيش لحظة احتضار ناسوت الحقيقة، وأن من لا يسبح بحمد النسبية ويقدس لها كائن رجعي أحفوري من بقايا مريدي الوهم المطلق.
ما لا يدركه وعاظ النسبية -أو لعلهم يدركونه ويتجنبون مواجهته بموضوعية- هو أن مفهومي النسبي والمطلق ما تزال حديثة قياساً بعمر الفلسفة الممتد آلاف السنين، لذلك ما تزال هذه المفاهيم محل سجال وجدل لا في اشتقاقها وتاريخها فحسب بل وفي دلالاتها ومضامينها كذلك. إنها مفاهيم لم يتم التوافق عليها، فضلا عن أنه لا يوجد تعريف جامع مانع لها بحسب الأصوليين وعلماء الكلام. فعلى سبيل المثال يورد الفيلسوف الفرنسي أندريه لالاند صاحب أهم موسوعة للمصطلحات الفلسفية، والتي صدرت عن جمعية الفلسفة الفرنسية في عدة أجزاء ابتداء من عام 1902م إلى عام 1923م، خمسة معان للـ «النسبية»، وثلاثة عشر معنى لـ «المطلق».
فمن بين معاني النسبية يورد لالاند المعاني التالية: ما ينسب إلى غرض معين، وما يشكل العلاقة بين حدّين، وما لا يمكن إلا في نسب أو في علاقات، وما يتوقف على حدّ آخر، وما لا يمكن إقراره دون حصر أو تقييد(2). ومن بين معاني المطلق التي أوردها: الكامل المكتمل، وما يدل على ألفاظ تعبر عن مفاهيم مستقلة، والمستقل عن كل دليل، وما لا يحتمل أي حصر أو تقييد، والمرادف للقبليّ أي الأفكار التي لا تصدر عن تجربة، وما لا يتعلق بأي شيء آخر ويحمل في ذاته علة وجوده، والشيء بذاته والوجود كما هو موجود في ذاته بمعزل عن تمثله، وكل ما يكون خارج كل علاقة بوصفه تاما كاملاً، والجمال المطلق والحق المطلق والخير المطلق الموجود بذاته بمعزل عن كل تحقق خاص(3).
وهذه المعاني المتعددة للنسبي والمطلق إنما تعددت نتيجة لتعدد مستويات النظر إلى القضايا المختلفة، وعجز الفلاسفة عن إيجاد مصطلحات لغوية موازية لتعدد المعاني، ويرجع ذلك في جانب منه إلى محدودية اللغة -أي لغة- عن إيجاد مفردات جديدة لانهائية، ويرجع في جوانب أخرى إلى تطور الفكر الإنساني وتعقده، وبروز ظواهر جديدة تستدعي التعبير عنها وتحليلها إلى مستويات جديدة من التأمل والنظر، وقد أدت هذه الفوضى الاصطلاحية إلى وقوع كثير من الباحثين فضلاً عن القراء في غوايات اللغة ومكر مفرداتها، وقد عبر محرروا موسوعة لالاند عن هذه الفوضى بالقول: «بعد المناقشة التي دارت في جلسة 29\5\1902 تبين للجميعة الفلسفية أن التباس هذه الكلمة لا يمكن أن يزال تماما»(4). لكن العجيب أن دعاة النسبية تعاطوا مع دلالات هذه المفاهيم بإطلاق وحسم بعيدا عن النسبية التي يبشرون بها.
أما فيما يتعلق بالمطلق فإن لالاند ينبه على أنه مصطلح مشتق من معنيين متمايزين، الأول: حلَّ وأعتقَ، والثاني: أتمّ وأكمل. ويؤكد لالاند أن المعنى الأول لم يتعزز سوى لدى الفلاسفة المحدَثين، أما الاستعمال الأقدم للمطلق فيتمثل في المعنى الثاني، خاصة في معرض الكلام على الله أو أسمائه أو صفاته(5).
إن الكمال هو ذات المصطلح الذي اختاره فلاسفة العرب للتعبير عن فكرة المطلق، والكمال في التراث العربي لا يوجد إلا مرتبطا بالصفات الإلهية، وكل ما سوى الله فهو قاصر عن الكمال، أي أن كل ما دون الله لا يمكن أن يكون مطلقا، وبالتالي يمكننا الزعم بكثير من الثقة أن التراث العربي هو أول من قرر فكرة «النسبية» بمعنى النقص وعدم الكمال التي يتوهم أنبياء النسبية أنها نقيض الدين ومعول هدمه.
لا تجد في التراث العربي هذه الأزمة المفتعلة بين المطلق والنسبي، كما لا تجد فيه أي إقحام لهذه المفاهيم في دائرة الإيمان والماروئيات. بل لم يتم التطرق إليها عدا في سياق واحد وهو سياق الفعل الإنساني، سياق مفردات الأمر والنهي، سياق ألفاظ الترك والفعل. لذلك لا تجد ذكرا للمطلق والنسبي في كتب الفلسفة العربية المعروفة بـ «علم الكلام»، وإنما تجدها حاضرة وبقوة في كتب «أصول الفقه» حيث يتم التفريق بين «المطلق» و«المقيد» أو النسبي بلغة المعاصرين. لذلك تجد الفخر الرازي (ت 606هـ) يبوب القسم الرابع من كتابه «المحصول في علم الأصول» بعنوان (القسم الرابع من كتاب العموم والخصوص في حمل المطلق على المقيد)، ويورد فيه تعريفا كاشفا للمطلق والنسبي أو «المقيد» قائلا: «بينّا أن المراد من المطلق نفس الحقيقة، والمقيد عبارة عن الحقيقة مع قيد زائد»(6).
المدهش في هذا التعريف العربي للنسبي أنه لا يوجد فيه نفي للحقيقة، بل النسبي مثله مثل المطلق كلاهما يفيدان «الحقيقة» ولكن أحدهما «المطلق» يفيد الحقيقة بدون قيد أو كما يعبر عنه الرازي بالقول «كون اللفظ دالاً على الحقيقة من حيث هي هي مع حذف جميع القيود»(7). أما الآخر «النسبي» فهو الحقيقة المقيدة، لذلك عبر عنه بـ«المقيد».
إن هذه الدقة العربية في سك المصطلح ونحت المعنى لا تعبر عن جزالة لغوية فحسب بل وتشي بحس متيقظ ووعي بالرؤى المتطرفة التي حاولت قديما التعدي على معبد الحقيقة كما تحاول النسبية المعاصرة أن تفعل، فأين صادف فلاسفة العرب مثل هذه الاتجاهات؟
السفسطائيون الجدد:
إن إنكار الحقائق وادعاء عدم أهميتها ليست ظاهرة حديثة في تاريخ الفلسفة، فقد ظهر أصحاب هذا الاتجاه في عهد سقراط (ت 399 ق م) وكانوا يعرفون باسم السفسطائيين. ظهر السفسطائيون في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد بعد انتصار اليونان على الفرس، وكان ظهورهم علامة على الترف الفكري، وانشغال الناس بالمعارضات الفكرية وبزوغ النزعة الفردية بعد تلاشى خطر الحرب وعدم الحاجة إلى الجماعة، وقد انصبت محاورات السفسطائيين على الموضوعات المتعلقة بالإنسان خاصة تلك المرتبطة بالسياسة والقانون والأخلاق، وشرعوا في تأسيس نظريات الخطابة والجدل وإقامة الحجة على الخصم دون التزام أخلاقي بصدق الحجة ولا بصحة المقدمات، لذلك صارت «السفسطة» رديفة للتضليل والتمويه والخداع والتزييف.
اشتق اسم السفسطة من Sophia والتي تعني الحكمة والسفسطائي Sophist هو رجل الحكمة. يعتبر بروتاجوراس (480 ق م- 410 ق م) من أهم رموز السفسطة وكان مبدأه يقوم على أن الإنسان هو مقياس كل شيء، الحق ما يعتبره حقا، والباطل ما يراه باطلا. وقد واجه سقراط السفسطائيين واختار تواضعا اسم محب الحكمة Philosophy حيث Philo تعني الحب وSophia تعني الحكمة. بدلا من رجل الحكمة Sophist التي زعمها السفسطائيون لأنفسهم. وتابع أفلاطون (ت 347 ق م) خطى أستاذه وألف مجموعة محاورات في الرد على السفسطائيين، مثل: محاورة بروتاجوراس، ومحاورة جورجياس، ومحاورة هيبياس، ومحاورة السفسطائي التي يقدم فيها عدة تعريفات للسفسطائي منها أنه «جنس لكسب المال ينتمي إلى فن المشاحنة وفن المناقضة وفن المنازعة وفن المعاركة وفن المصارعة وفن اقتناء الثروة»(8).
وقد تعرف العرب على السفسطة والسفسطائيين من خلال اطلاعهم على الفكر اليوناني، وقرروا تعريفات لها تنطبق تماما على ما يسمى اليوم بـ «النسبية». يقول مطهر بن طاهر المقدسي (ق 4هـ): « أقول أن طائفة من الجاحدين سماهم السوفسطانية، معنى هذه اللفظة عندهم المموهون الممخروقون، وقد سماهم أرسطاطاليس الملحدين، أبطلوا العلوم كلها رأساً، وزعموا أن لا حقيقة لشيء من العلوم والمعلومات، فأنكروا موجود الحواس، ومعقول البداءة، ومستنبطات الاستدلال»(9). ويقول أبو عمار عبد الكافي التناوتي الوارجلاني (ت 569هـ): «وأما السفسطائية المتجاهلة، فإنهم زعموا أن لا علم يثبت، ولا معرفة تستقيم، فزعموا أن لا شيء موجود على حقيقة من الحقائق، ولا موصوف بصفة دون صفة من الصفات، فقالوا: إنك متى ما اعتقدت شيئا على صفة واعتقده غيرك على صفة أخرى تخالف الصفة الأولى، فإن ذلك الشيء موجود بكلتا الصفتين جميعا، وليس واحدة منهما أولى به من الأخرى»(10).
وقد جعل ابن حزم الأندلسى (ت 456 هـ) السفسطائيين على ثلاثة أصناف، «فصنف منهم نفى الحقائق جملة. وصنف منهم شكوا فيها. وصنف منهم قالوا هي حق عند من هي عنده حق وهي باطل عند من هي عنده باطل»(11). وهذا النوع الأخير من أصناف السفسطة هو الذي يقترب من أحد معاني النسبية الذي أورده لالاند في موسوعته أي «ما يتوقف على حد آخر، والذي في غيابه قد يكون المطلوب لا معقولا، مستحيلا، أو غير صحيح»(12). وهو ذات المعنى الذي استثمره الفيلسوف العربي ابن رشد (ت 595هـ) حين اضطر بعد حصار فقهاء الشريعة له إلى القول بأن تجلي الحق يتفاوت بتفاوت مرجعية الشخص فما يراه الفلاسفة حقا قد يراه الفقهاء باطلا، وما يراه الفقهاء حقا قد يراه الفلاسفة باطلا. إلى هنا لم تزل النسبية في أوج اعتدالها، فهي تحمل معنى حميدا، استفاد منه المفكرون المسيحيون الأوائل مثل توما الأكويني وغيره للقول بأن العلم لا يعارض الكتاب المقدس وإنما هو تجلّ الحقيقة يختلف هنا وهناك، ومن هذا المدخل ابتدأ التنوير الأوربي الذي اعتبر المنطق هو أساس اليقين وليس الكتاب المقدس.
بيد أن النسبية ابتدأت في الابتعاد رويدا رويدا عن هذا المعنى العربي الرشدي، فتحولت مع الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (ت 1650م) إلى المعنى الذي يعتبره ابن حزم الصنف الثاني من أصناف السفسطة، وهو الصنف الذي يشك في الحقيقة ولكنه مع ذلك لا ينفيها. بيد أن الأثر الأكبر لهذا الاتجاه الارتيابي من الحقيقة تمثل في تعاطي ديفيد هيوم (ت 1776م) مع الأخلاق حيث اعتبر الأحكام الأخلاقية أحكاما ذاتية متغيرة وليست معيارية مطلقة. ومع تراجع الاعتبار للأخلاق تم استحداث مصطلح «قيم» Value بدلا من «الأخلاق» Morality باعتبار أن القيم متغيرة، ترتفع تارة وتنخفض تارات، وهي تعود إلى الإنسان عكس الأخلاق التي كان ينظر لها باعتبارها معانٍي مطلقة إلهية المصدر(13).
من نيتشة انقدحت شرارة الفكر الوجودي، وأن الإنسان هو من يصنع ماهيته، وحمل هايدجر (ت 1976م) راية هذا الفكرة، ثم تحملها بعد ذلك جون بول سارتر (ت 1980م) الذي انطفأت الوجودية بموته أو بعده بقليل، ومع انحسار الوجودية لم يبق في الأفق ما يملأ الفراغ سوى النسبية وحدها، ولكنها نسبية متضخمة، نسبية متطرفة لا تؤمن بالحقيقة، ولا تقر باليقين، إنها النسبية المتحدرة من ذلك الماضي الطويل وعبر كل تلك السلسلة الطويلة من الجدل والنزاع بين أصحاب الآراء. إنها نسبية الصنف الأول المتطرف والخطير من أصناف السفسطائيين الذين ذكرهم ابن حزم، إنهم السفسطائيون الجدد.
اليقين والدون كيشوتيون الجدد:
لا يوجد مفهوم تعرض إلى محاولات التحطيم من قبل فرسان النسبية أكثر من «اليقين» الذي ارتبط لديهم بالتسليم السلبي للأفكار دون فحصها، والانقياد للآراء دون محاولة للتفكير بمصداقيتها. إن هدم اليقين عند جنود النسبية يساوي في النتيجة سقوط الدين، لذلك استنفد هؤلاء ذخيرة كبيرة من الأفكار والنظريات في الحروب والمحاولات التي رامت تحطيم اليقين واجباره على التنازل عن عرشه في قلوب المؤمنين لصالح نبوءة النسبية والأرباب الذين يقفون ورائها.
اعتمد دعاة النسبية في محاولتهم إسقاط اليقين على حقيقة أن العلوم الطبيعية أثبتت بطلان الكثير من القضايا التي كانت تعد مسلمات لدى أصحاب الديانات، مثل فكرة خلق العالم قبل أربعة آلاف عام، وقضية أن الأرض هي مركز الكون، وأن الأرض مسطحة وليست كروية، وكثير من القضايا التي تشير إليها نصوص التوراة والإنجيل والأحاديث المنسوبة إلى نبي الإسلام، وإذا بهذه الأفكار التي كانت حقائق مسلمة وقد تحولت بعد أن بددها برهان العلم إلى أوهام لا تذكر إلا من أجل التدليل على سذاجة اليقين وحقائق الدين.
بيد أن هذه المقاربة لا تخلو من اختزال لغوي ونفسي واجتماعي كبير، فاليقين هو التصديق الخالي من الشك، وهذا التعريف البسيط خالٍ تماما من تلك الحمولة الإيديولوجية التي يحاول دعاة النسبية إلصاقه بها، ذلك أن التصديق هو عملية معقدة تقوم بها ملكات عقلية متعددة كالعاطفة والوجدان والذاكرة والتفكير، فهناك من يصدّق بعاطفته دون إعمال فكره، وهناك من يصدق بسبب توافق الفكرة مع صور نمطية مختزنة في ذاكرته، وهناك من يصدّق من خلال تفعيل ملكات عقلية متنوعة كالتأمل والتدبر والمراجعة والتفكر.
إن التصديق القائم على العاطفة والوجدان، وذلك القائم على موافقة الفكرة للصور النمطية المختزنة في الذاكرة هما الأكثر شيوعا بين الناس. لأن التأمل والتفكر والمراجعة والتدبر عمليات عقلية تحتاج من المرء جهدا وطاقة وبحثا وتدريبا ينفر منه أغلب الناس الذين يميلون إلى الراحة والدعة، والأجوبة الجاهزة السهلة، خاصة تلك التي توافق تطلعاتهم، وتقترب من أحلامهم. لذلك يميل أغلب الناس إلى تصديق القضايا المتوافقة مع رغباتهم، وقبول الصور القريبة من خيالاتهم، والاستسلام للأفكار المتسربة إلى اللاوعي من خلال نوافذ العاطفة وشقوق الذاكرة، إنه يقين منصوب بالرغبة «الهوى»، أو مجرور بالعادة «العرف» أو ساكن بالذاكرة «التقليد».
بيد أن هذا اليقين برغم ما فيه من سذاجة إلا أنه عادة ما يكون تصديق عاصف، تصديق هادر، تصديق جازم، تصديق حاسم لا يلابسه شك ولا يزايله وهم، إنه اليقين في أعظم تشوهاته. وهذا اليقين الأشوه هو تحديدا الفزاعة التي يحاربها دعاة النسبية، إنه طواحين الهواء التي يحاربها الدون كيشوتيون الجدد. إنه اليقين القائم على الدين المحرّف الذي اعتبره ماركس أفيونا للشعوب.
لقد مايز الفلاسفة قديما وحديثا بين اليقين المنتصب على أعمدة التأمل والتفكر والمراجعة والتدبر وبين أوهام اليقين التي تخدر عقول البسطاء. إن التصديق القائم على التفكر في الموضوع والتدبر في الخلفيات والتأمل في الحيثيات والنظر في البراهين لن يورث سوى يقين عميق، يقين راسخ، يقين متأسس على مشاعل العلم وأضواء المعرفة، كاليقين بأن الإنسان كائن حي، واليقين بأن الإنسان يحتاج إلى الطعام والشراب، واليقين بأن النار تحمل الحرارة، واليقين بكروية الأرض، واليقين بأن الأرض تدور حول الشمس إلى غير ذلك من حقائق لا يلابسها أي شك. إنها حقائق تراكمت في عقول الناس وترسخت يوما بعد يوم بالمشاهدة والتجربة، فهي معارف يقينية راسخة.
إن اليقين القائم على العلم يتميز بالانفتاح النقدي والقابلية للمراجعة. لا يتوطد اليقين العلمي إلا من خلال سلسلة طويلة من العمليات العقلية تبدأ من الإنصات والنظر والتفكر والقراءة والتدبر والمراجعة، إنه طريق شاق من البحث والاعتبار، والتجربة والاختبار. أما يقين التقليد ليس سوى استسلام مطلق لآراء ومقولات لم يتم فحصها، ولم يتم مخضها ولا اختبارها. نعم قد تكون هذه الآراء صائبة في ذاتها، لكن طريقة تلقيها عند هؤلاء هي طريق خاطئة، إنها طريقة التقليد والمحاكاة والتلقين، إنها طريقة الاستسلام للفقاعة التي تخلقها الجماهير. لذلك لا يلبث هؤلاء أن يتخلو عن تلك المقولات ويستبدلونها بمقولات جديدة قد تكون مناقضة للأولى بمجرد دخول الجماهير في فقاعة جديدة.
إن من يخلق الفقاعات ويتحكم في عقائد المجتمعات هي ذات القوى التي تحاول التحكم في الأفكار، إنها القوى التي تعمل على إعادة صياغة مبادئ المجتمعات ومفاهيمها من أجل السيطرة على الثروة والإنسان، إنها القوى التي تقف وراء الحروب العبثية التي تقودها دمى النسبية على الفضيلة والأخلاق.
فضاء الأخلاق وسجون الفاشية:
يرى دعاة النسبية أن الفضيلة والأخلاق ليست معانيٍ مطلقة، بل هي قيم نسبية يتفاوت الناس في تعاطيها وتمثلها تبعا لاختلاف مجتمعاتهم وخلفياتهم المعرفية، فما يعتبر مرفوضا عند شعب ما يعتبر مقبولا وربما مقدسا عند شعب آخر. لذلك فكل ما نتلقاه من المجتمع هو نسبي وغير موضوعي بسبب دخول تأثير المجتمع في صياغته وتشكيله. كما ينبغي نزع القداسة عن الأخلاق وعدم اعتبارها ذات أهمية في المجتمعات المدنية التي يقوم فيها القانون مقام الأخلاق، لأن القانون ملزم للجميع عكس الأخلاق الذاتية.
لا تخلو هذه المقاربة على قوتها من التباس كبير، فهي لا تفرق بين الأخلاق في جوهرها وبين تمثّل الناس وطريقة ممارستهم لها. فالأخلاق كثيرة، والناس تتفاوت في تقديم بعض الأخلاق على الأخرى، وعدم التزام بعض الناس أو بعض المجتمعات ببعض الأخلاق إنما يعود إلى تفاوتهم في تقدير مصالح الذات والعلاقة مع الآخر.
إن الذي يكذب، والذي يغش، والذي يسرق، والذي يزني ويقتل لا يفعل ذلك لأن الصدق أو الأمانة والحفاظ على الأعراض والأرواح وغيرها من الأخلاق التي تنظم سلوك الإنسان مع الآخر باتت خاطئة عنده، بل لأن هذه الأخلاق باتت مزاحمة بطباع ذاتية كحب النفس، وحب المال، وحب الرفاهية، وحب الجنس، وهذه جميعا طباع يرى فيها هؤلاء مصلحة لأنها ضرورية لبقاء الذات وسعادتها. إن تضخم النزعة الفردية على حساب الأخلاق هو الذي يؤدي إلى الاضطراب السلوكي وخراب المجتمعات.
أما اختلاف طعام الناس وشرابهم وأزيائهم، فهو يرجع إلى المعرفة التي تختلف باختلاف التجارب، وإلى الوفرة والعوز التي تختلف باختلاف الدول، وإلى المناخ بردا وحرارة. بالتالي لا يمكن اعتبار اختلاف أطعمة الناس وأزيائهم دليلا على نسبية الأخلاق، ولا يجوز استعمالها معولا لهدم المجتمعات من خلال التشكيك في قدسية الأخلاق.
لو لم تكن الأخلاق والفضيلة معانيٍ مقدسة لما اتفق المصلحون من فلاسفة ومفكرين وأنبياء وقديسين على المناداة بها على مر التاريخ ورفعها في مواجهة كل انحراف اجتماعي. إن الحرية والعدالة والمساواة هي المبادئ الأخلاقية التي انتصبت عليها وما تزال كل دعوات الإصلاح الاجتماعي، وستظل كذلك ما بقي الجنس البشري، لأنها تمثل الكمال الإنساني، إنها مبادئ مطلقة بلا قيد ولا شرط. إنها مبادئ لا تقبل النقص والنسبية.
إن القول بنسبية الأخلاق قد يؤدي كما يقول بيتر كريفت إلى نتائج مدمرة حين يتعلق الأمر بقضايا إنسانية كبرى كالعبودية والتطهير العرقي وظلم الأقليات واغتصاب الأطفال، فالنسبية تمنع من تقديم أي اعتراض أخلاقي ضد الممارسات اللاإنسانية طالما قبلتها المجتمعات، ويستشهد لتأييد هذا الرأي بأن موسيلني قائد الحزب الفاشي في إيطاليا قد استدل ضد خصومه بالقول، طالما كانت الحقيقة نسبية، وأن من حق كل إنسان أن يعتقد ما يراه صوابا وأن يجاهد من أجل مبدئه الذي رآه صوابا فلا يحق لكم تخطئتي إن أنا اخترت الفاشية مذهبا(14).
عبيد الرأسمالية:
ينشر السفسطائي داء الشك لكنه يمتنع عن قبول دواء اليقين. لا يثق السفسطائي في شيء لذلك يهرب من كل شيء. إن كثرة تشككاته وحيرة الناس أمام ارتيابه يثير في نفسه شعورا بالتفوق. إنه يظن نفسه إمبراطور الأفكار حين يفجر ثوابتها، ويتخيل ذاته قيصر المعرفة حين يبطل مفعول إجاباتها. يتوهم السفسطائي أنه حين يحذر الناس من اليقين أنه صار حرا من أسر ثقافة القطيع، بينما هو في الواقع ليس سوى دمية تتلاعب بها القوى التي تريد التحكم في مبادئ الناس وأعرافهم وعقائدهم.
يذهب عبد الوهاب المسيري في رحلته الفكرية إلى أن النسبية المعرفية والأخلاقية التي طبعت الثقافة الغربية قد أدت إلى نزع القداسة عن العالم وجعلت الأمور سواء، الظلم مثل العدل، والثورة مثل الاستسلام، والصدق مثل الكذب والوفاء مثل الخذلان. صار من العسير على الفرد أن يتخذ أي قرار بشأن أي شيء، وصار سهلا التفكير عنه والهيمنة عليه سياسيا واقتصاديا.
لقد أضحى الظلم والاستبداد مسألة نسبية مثلها مثل العدل وتداول السلطة لا فرق بينها إلا من الزاوية التي ننظر إليها وكذلك الأمر بالنسبة للاحتكار والفساد المالي والرشاوي كلها أمور نسبية لا تستحق أن يتحرك الإنسان للمطالبة بتغييرها، وكل ما تفعله الحكومات المستبدة والمؤسسات الاحتكارية صحيح نسبيا أو خاطئ نسبيا ولا يستلزم ذلك تبديد الجهد لمواجهتها.
لقد قوضت النسبية الإنسان من الداخل، وجعلت منه شخصية هشة مترددة وغير قادرة على اتخاذ أي قرار، مما جعله فريسة سهلة لهمينة المؤسسات السياسية والاقتصادية، وعوضاً عن أن تصنع النسبية من الإنسان شخصية ثورية جعلت منه شخصية رجعية محافظة، وأدى تآكل المعايير الأخلاقية والاجتماعية إلى غياب الفضيلة مما زاد في نزعة التعصب والانغلاق على الذات، وليس السعار الجنسي والاستهلاكي الذي يجتاح المجتمعات سوى تعبير عن رغبة لاشعورية في الوصول إلى نقطة ثبات يقينية في عالم النسبية المتحرك(15).
لقد تعاملت الرأسمالية مع الأخلاق كسلعة والمجتمع كسوق، ولأن قيمة السلع غير ثابتة، فالأخلاق كذلك ليست سوى قيم متحولة، وارتفاع القيمة الأخلاقية مرهون بقانون العرض والطلب، فحين تدر العدالة قدرا كبيرا من المال تمثل قيمة رفيعة، وحين يستطيع الظلم استدرار قدر أكبر من الأموال فإن قيمة العدالة تنحط وترتفع أسهم الظلم وقيمته.
عملت النسبية على التخلي عن الأخلاق التي انتجها المجتمع وقدستها الرسالات السماوية، واستبدلتها بـ «القيم» التي اخترعها الفرد ودنستها المؤسسات الرأسمالية، لذلك يرى بيتير كرفت أن النسبية المدعومة رأسماليا قد أدت إلى التحول من المجتمع الذي تضبطه الأخلاق الثابتة إلى المجتمع الذي تحدده القيم المتغيرة، وصارت المجتمعات البشرية عبارة عن مجموعة من الأفراد الذين يفرضون قيمهم على الآخرين، الأغلبية على الأقلية، الحكام على المحكومين، ووسائل الإعلام على عامة الناس(16).
لقد ساهم الإعلام الذي تسيطر عليه المؤسسات الرأسمالية العابرة للحدود في ترسيخ النزعة الفرداينة، وخلقت من الإنسان كائنا استهلاكيا لا هم له سوى إشباع حاجاته الشخصية ورغباته البدائية دون مبالاة لا بمشاكل الفقر ولا بتدهور الصحة ولا بتلوث البيئة ولا بتشوه الطبيعة الناتج من توسع تلك المؤسسات التي عملت على تحصين نفسها من النقد من خلال التترس بالنسبية، وتجنيد طابور طويل من عبيد الرأسمالية الذين لا هم لهم سوى نقض الحقيقة، ورفض العلاقات الاجتماعية والقيود الأخلاقية، رغبة منهم في إشباع نرجسياتهم والتعالي على المجتمع الذي يرونه متخلفا يمكن التلاعب به بمجادلاتهم وماحكاتهم.
تؤدي النسبية إلى كبح رغبة الإنسان في إصلاح المجتمع، لأنها لا تعترف بأن هناك حقا مطلقا ينبغي السعي إليه، كما لا تعد أي خرقٍ اجتماعي انحرافا أخلاقيا لأن الانحراف لا يكون إلا عن خط معياري ثابت والنسبية لا تعترف بالثوابت. كل شيء في النسبية متغير، وكل مبدأ لدى أصحابها قابل للتحول، لذلك أضحت النسبية الأخلاقية خطراً داهما يهدد بانهيار المجتمعات وتفكك الأسر وتحطيم الجماعات.
إن هذه النسبية المتطرفة التي تشل إرادة التغيير، ليست سوى إيديولوجيا للخنوع والتبرير. إن الإنسانية اليوم بحاجة إلى سقراط جديد لمواجهة السفسطائيين الجدد. الإنسانية بحاجة إلى بدء معركة مقدسة ضد الظلم والقهر وضد تخدير وعي الإنسان واستلاب إرادته. إن معركة الشرفاء ضد الاستبداد والظلم العالمي لا يمكنها أن تكلل بالنصر إلا بقشع الضباب المخيم حول مفهوم النسبية الذي تستخدمه الرأسمالية وكل المؤسسات الإمبريالية العالمية لتخدير الشعوب وإخضاعها.
ليست معركة الإنسانية اليوم مجرد حرب سياسية واقتصادية ضد الطغيان والفساد بل المعركة الأهم هي معركة الأفكار، معركة المفاهيم والمعاني والمضامين، معركة إسقاط أقنعة النسبية وكشف حقائق العلم والمعرفة، إنها معركة الوعي وكشف التزييف وتشويه الحقائق. إنها معركة رد الاعتبار إلى العقل والبرهان واليقين والوجدان. إنها معركة الانتصار للإنسان على شهوة المال وشيطان المؤسسات الرأسمالية.

الهوامش
1 كولن ولسون «ما بعد اللامنتمي»، ص 15. ترجمة يوسف شرور وعمرو يمق. دار الآداب، لبنان. سنة 2009.
2 أندريه لالاند «موسوعة لالاند الفلسفية»، ص 1196-1198.
3 أندريه لالاند «موسوعة لالاند الفلسفية»، ص 4-8.
4 أندريه لالاند «موسوعة لالاند الفلسفية»، ص 9.
5 أندريه لالاند «موسوعة لالاند الفلسفية»، ص 8-9.
6 فخر الدين الرازي، «المحصول في علم الأصول»، ص378.
7 فخر الدين الرازي، «المحصول في علم الأصول»، ص378.
8 أفلاطون «السفسطائي»، ص 83. ترجمة الأب جرجي بربارة.
9 المطهر بن طاهر المقدسي «البدء والتاريخ» ج1ص10
10 أبو عمار عبد الكافي «الموجز»،
11 ابن حزم «الملل والنحل» ج1ص3
12 أندريه لالاند «موسوعة لالاند الفلسفية»، ص1197.
13 Peter Kreeft. A Refutation of Moral Relativisim. Ignatius Press. USA, 1999. Page 37-44
14 Peter Kreeft. A Refutation of Moral Relativisim. Ignatius Press. USA, 1999. Page 47
15 عبد الوهاب المسيري «رحلتي الفكرية». طبع دار الشروق، القاهرة، ط5، سنة 2013.
16 Peter Kreeft. A Refutation of Moral Relativisim. Ignatius Press. USA, 1999. Page 47

 زكريا بن خليفة المحرمي

شاهد أيضاً

النزعة الدرامية فـي شعر رياض الصالح الحسين

كان لزاما على الشعراء في ظل تطور البشرية وتشعبّها، وتزايد مشكلاتها وقضاياها؛ تبني موقف شعري …