أخبار عاجلة

ديوان النثرِ العربي يوسف القويري أنموذجا

لا الفجرُ يُخلفُ ميعادهُ ولا الخريف.
كلاهما يأتي في أوانه، كلاهما يذهبُ في أوانه، ولاشيء يبقى سوى الحقائق التي صنعناها.
ففي سنٍ مُعينة لا محيد عنها يعرفُ الإنسان أنثى أو ذكر ــ أعراض البلوغ، وأعراض الوهم أيضا، فلهذه السن أحلامُها المجنحة وأوهامُها الخاصة.
ذلك هو فجرُ البدنِ والنفس.
ويطولُ هذا الفجر حسب معدلِ نمو الأشخاص، وتتحققُ بعض الأوهام أولا يتحققُ شيء على الإطلاق، فالمثابرةُ في متابعةِ الوهم ضروريةٌ كالمثابرةِ فيم تابعة الحقيقة، ربما لأن الوهمَ يمتصُ كثيرا من دماءِ العُمر لكي تدب فيه الحياة مثلهُ في ذلك مثل الحقائقِ الصغيرةِ الهينة التي نصنُعها، والتي بمقدور أي شخص أن يصنعها.
فوراء كلّ حقيقةٍ كبيرةٍ وهم عظيم.
وقد يبدأ الوهمُ ساذجا وبسيطا وقليل التأثير منذ السنوات الأولى للبلوغ، ثم يزدادُ عمقا وتركيباً وقوة تأثير مع مرور الوقت.
وربما يذبل ذلك الوهم حين يترسب وئيداً في ذاكرة الإنسان الناضج.
وهذا أمر كثير الحدوث، بل أنه يحدث لدى الغالبية العظمى من الناس.
ولعلهُ لهذا السبب بالذات تظل الأوهام العظيمة وبالتالي الحقائق الكبيرة قليلة ونادرة في الحياة.
فالوهمُ العظيم لا يولد في الصدور الضيقة …
وإن ولد ــ فلنفترض ذلك- فسرعان ما يجهض وتواريه التجارب الأولى، ثم يصبح بعد ذاك مجرد ذكرى مضحكة.
أما الأوهامُ الصغيرة التي تعمرُ معظم الصدور، فهي تدوم لأن ثمة سهولة في تحويلها إلى حقائق.
وإذا كان الفجرُ يأتي في أوانه وموعده، فإن الخريف، ذلك الفصل القلق من فصول العمر، يأتي بدوره دون أن يُخلف ميعاده حاملاً معه تلك المواجهة الحتمية القاسية واللينة، حيث يقفُ المرء أمام مُنجزاته وأوهامه معا.
وليس من الضروري أن تكون المنجزاتُ الكثيرة برهانا على نجاح الفرد.
فالوهم العظيم الذي لم يتحقق قد يكون مدعاة لوضع الفرد في مرتبة أرفع.
* يوسف القويري: قطرات من الحبر.الطبعة الأولى 1975
1 – النثر
يقولُ صاحبُ اللسان ابن منظور: «النثرُ نَثرُكَ الشيءَ بيدك ترمي به متفرقا مثل نثر الجوز واللوز والسكر،وكذلك نثر الحبّ إذا بُذر». إذاً النثرُ في المعني اللغوي يعني الشيء المُبعثرالذي لا يقوم على أساس في تفرقته وبعثرته، أي: لا يقومُ على أساسٍ من حيث الكيف،والكم،والاتساع. لقد بدا أن النثر الانفلات، واقتضاء الحال، والكلام دون ظلال، حيث لا نور يشتد، والمعنى الذي على قارعة الطريق على طريقة الجاحظ والكاتب. كما لو أن المنثور الكلام على عواهنه،والمفارقة أنه الخبر وأنه السارد، فهو في مقام المقامات وليس في مقام القصيد، ولذا ليس للنثر ديوان الذي إن دخلهُ النثر فلا بد من لازمة أي اصطلاحا مثلما الشعر المنثور أو قصيدة النثر، ومن هذا إذا استقبح الشعر قيل أمسى كلاما منثورا وإن استحسن النثر قيل كأنه الشعر.
لكن منثور صاحب اللسان منثور الجوز واللوز والسكر، حتى وإن لم يعلق في عكاظ فإنه جاذب الأفئدة عند الخطابة، عند ديوان الرئاسة، عند الخبر، عند السارد، بذا النثر ما لا ديوان له وسع الكون وشغل اليوم ومع ذلك كثرُ الشعراء وقلَ النُثار.
وكأنما ذلكم، أي المنزلة التي ليست بالمنزلة، لأن النثر مُنفلت دون جموح،دون غموض، دون ايقاع مقعد،فهو ليس الشعر هو كلام كُهان وعامة الادباء، لكن ذلكم لم يعقل جماح قريش من أن ترى القرآن شعرا، قريش العُكاظية التي ترى الشعر مقعدا كما سنرى في بحور الخليل فيما بعد.
وبهذا ثمة شجون بين ذي المنزلة الشعر، والنثر ما لا منزلة له غير اللغة، وحسبهُ منزلة الوجود حسبما هايدجر.
وبهذا فإن ضاقت العبارة على الشعر فإنها تتسع بالنثر وتسعه وتتلون وتتنوع به وفيه، فالنثر في هذا كما المترادف لا يكل به ولا يُمل منه، والتوليد الذي يصبو لاحتواء المعنى وجعله الجلي الواضح وما على قارعة التوحيدي وفي الطريق…فالنثرُ هكذا العقد المنثور والاحجار الكريمة في فطرتها الاولي دون مستغلق العقد.
وما هذا مديح النثر، لأن النثر عند العرب ليس له في المديح ولا الهجاء، وإن كان من قول الحكماء ومحبة الحكمة، كما المعري الذي وإن كتب ببحور الخليل بعض مما كتب فإن ذلك في مقام «اللزوميات»، وعند أمثال الجرجاني من لزوم ما لا يلزم فهو قول حكيم لا شعر شاعر، وما مثل هذا نظم فعل النّظام من يركب بحر الخليل كناثر، وليس كما رباعيات الخيام حيث الشعر يركب مركب الحكمة ولا تركبه كدابة لها.
السؤال هنا لمَ الشعراء يهيمون في كل وادٍ، و»المقفع» يُكبل بالأصفاد؟
لمَ لليلى مجنون،وليس في النثار مجنونا؟
لمَ الصحف لإبراهيم وموسى،وللشعراء السفر؟
لمَ النثر تكهن، والشعر جنً؟
لمَ للمعري الحكمة،والشعر للخيام؟
لمَ النثر نثر،والشعر شعر؟
2 – النثر الليبي
قيل تلخيصٌ للمسألة: ما بعد المتنبي الهمذاني. لكن الغريب أن الشعر حين جزر اتخذ النظم المركب كالإخوانيات وبات في التكايا والكتاتيب وما شابه، وأن النثر بعد المقامات دخل الكهف ولم يوقظه من سباته إلا بوق الصحافة في العصر الحديث.
وهكذا كان مد النظم في ليبيا عاليا حيث انتشرت الكتاتيب فالتكايا، وأن النثر صابه وباء السجع … وهلم، وبذا لم يكن للمقامات المقام في هكذا ثقافة خلال مرحلة ما بعد المتنبي حتى العصر الحديث لما نهض الشعر العربي في قصيد الكلاسيكية الحديثة، وعندها مع القرن التاسع عشر الميلادي انبثقت الصحافة كالفجر ما فيه تجلى المنثور في جريدة «طرابلس الغرب» 1866م فغدا المنثور غذاء الناس اليومي، والشعر للمناسبات: الصحافة ديوان النثر العربي.
ومن ذا أصبح صُبح الكتابة الليبية المنثور ما كان النسج المتين والعلم المرفوع في الصحافة كما نجد في مجلة «ليبيا المصورة» التي فيها للمقالة القلب والقالب، وما عرف حينها بالمقالة القصصية مع مطلع القرن العشرين ما قرنت المقال بالسرد وسبك اقترانهما وانتشرت النوعية في الصحف عامة وفي المجلات المختصة.
سباق ساحته الصحف كان يخوضه النثر ما بات الفائز في السبق بفضل أن هناك كتابا جعلوا من الكتابة النثرية الفن الذي يسلب الألباب بالتبسيط والحبك والسبك والإيقاع، النثر المنساب المتجلي ما رمى السجع عنه هو ما يقرأ القارئ ويطالعه صباح مساء، ومن ثم السرد الذي هو النثر في صيغة أخرى فأمسى القص ثم الرواية لازمة الصحف…ومنذ بزوغ الصحف الليبية كان للسرد المكانة فنشرت المقالة القصصية فالقصص القصيرة وتوجت الرواية مسلسلة، إلى جانب ما كان يُترجم من نصوص نثرية وحتى الشعر تُرجم نثرا من ذا أضحى النثر ديوان العرب منذ القرن العشرين وحتى الساعة، وأن بعض الشعراء العرب البارزين نثرهم يضاهي شعرهم. ولقد بدا أن الكتابة النثر وأن الكاتب من نثر: «النثر نَثرُكَ الشيءَ بيدك ترمي به متفرقا مثل نثر الجوز واللوز والسكر.»، فكان (أحمد راسم قدري) كاتب «ليبيا المصورة» في ثلاثينيات القرن الماضي.
واني أرى أن الكتابة في ليبيا أُعيد صياغتها وكان بيانها جيل 57، أي مع مطلع عام 1957م قد حدثت نقلة نوعية في تلكم الكتابة التي باتت نثرية سردية، حتى أن القصيدة النثرية بدأت حينها.
وإن كان للوطن الشاعر (أحمد رفيق المهدوي)،فإن الناقد (خليفة التليسي) من توج الشاعر باللقب حينها، بدأ الناثر من جعلهُ النثر كاتبا مبرزا: لغة مفرداتها بسيطة أليفة، فالعبارة تتسعُ للمعنى الجلي، وأن ليست لها ذاكرة حافظة فهي سهلة الترديد، وممكن إدراك معانيها وتداول المحتوى، وأنها تغترف من اللهجة المحلية للغة العربية تراكيبها وبلاغتها، وتُعيد أحياء مفردات معجمية لكنها حية ومتداولة في اللهجة والمحكي.
في هذا سيكون نجم النجوم (الصادق النيهوم) الناثر الكاتب من أسلوبه سيأسر القُراء، ويجعلهم كالمُريدين في وله بجملته ما سيقلدونها وأحيانا يحفظونها كتميمة شعرية، جملته حيوية رشيقة فيها من الصحافة والبيان الشعبي ومن البلاغة الكلاسيكية وروح الإنجليزية المترجمة عربيا، خلائط ومزج وسبك جعل جملته متفردة وقائمة في النص ككائن نابض بكينونته لكن في سياق النص. وما جذب القارئ أن الجملة وبيانَها قريبة إليه وأنها جملته في الآن، وكما تبدو سهلة التراكيب وطيعة فإنها عميقة المحتوى ممكنة التأويل لها حيز لكن لا يحدها. وهو كاتب مقالة السرد من مكوناتها، وكاتب قصة سردهُ تقريري، وفي المقالة والسرد نثرهُ مربوط بالحبل السري لمخيلته: المسافة بين ناتاشا تحتسي الفودكا والحاجة مْدللة تُعلق: خرفي! هي المسكوت عنه في الجملة التي تستفز مخيال القارئ وتجعله ينقلب ضاحكا. التهكم والسخرية هما ما يدس (النيهوم) في نثره حتى وهو يكتب الجملة: ضرب مثلا او ما ذهب حكمة. وبهذا أعاد للهمذاني الحياة وجعل النثر ينهضُ من سباته، فأضحى القارئ يقرأ كما لو كان يتلقى المدون مشافهة، في نثر (النيهوم) ليس ثمة مسافة للغة بين ما ترى وما تسمع،وفي هذا ما يُحيل على نثر (طه حسين) مثلا، لكن نثر (النيهوم) أخف ظلا وجملته رشيقة لعوب وصوتها مرئي وإيقاعها خفيف خفي.
لقد جعل النثر نثر النيهوم والجملة جملته، وحتى المفردات والعبارات التي يغترف من المتداول تكون كما لم تكن، ورغم أنه يرتكز على التفاصيل والإعادة فالتوكيد، فإنه في هذا كما الكاريكاتيري الفنان (محمد الزواوي) مقتضب مقتر، بحيث أن القارئ يركز على النقطة الهدف واليها يصوب القراءة.
إن (النيهوم) كناثرٍ بارز اخترع قُراءه بأن جعل النثر «نَثرُكَ الشيءَ بيدك ترمي به متفرقا مثل نثر الجوز واللوز والسكر.»… وبهذا الناثر ومن مثله أمسي النثر الديوان الليبي.
3– يوسف القويري الناثر
المُعلم التنويري كان يوسف القويري من كتابته شعاع العلم،لأجل ذلك شغف بالبرهان لا البيان، لكن بلاغة البرهان بيان الفنان عند يوسف القويري صاحب الرسالة من يصطف مصف محب الحكمة، مثل ذا كمثل الكهان من لديهم ما يبلغون لكن ليس مثلهم في أنه مرسل لحقائق العلم وليس مراسيل الالهة.

صرامة العلم تقتضي لغة مقتضبة واضحة محددة، تقول القول الضرورة دون استرسال ولا حواشي، كأنها القول الفصل لكن الناثر يوسف القويري وهو في مقام العلم يتخذ من اللغة سبيلا للمتعة والخيال فيأتي نثره مشوبا بروح طليقة مُفتك من المعجمية ومن التعقل المحض، جملتهُ المُرسلة كعصفور طليق لا تجمح جموح الشعر وليست منقبضة وجافة وصقيلة في نفس الحال، وبهذا تتدفق محملة بالمعنى المحدد وطليقة من جفافه وخشونته، ريانة بمفردات مُنتقى بعفو الخاطر وسليقة السارد، حيث السرد هو أنا كما عند ريكور.
المعلم الناثر كان يوسف القويري يكتب جملته المنثورة بانتباه وروية وينظم جمله ويعقد عقدها في نسج محبوك، لكن هذا النظم لا يحول دون أن يكون للجملة كيانها الخاص، هذه الخصوصية هي ما تمنح الجملة أن تكون الموضوع، هو في هذا كما المعلم الذي يعطي الدرس على جرعات، هو بجرعاته/ جمله يبث في الجملة النثرية مكنة الحكمة والمثل ما استقهما النثر من الكهانة. وككاتب تنويري اهتم كثيرا بالطريقة كما اعتناء بالفكرة، وراء أن النثر فن صعب المراس، فالوضوح مثلا يمكن أن يبسط الكتابة ويجعل الجملة فجة ونيئة، لهذا ركز على بنية المقالة وكثافة اللغة وغور الدلالة المتعددة المستويات.
لقد كتب الرأي في عموده الشعري «شموع» كنص محمل بأفكار وقضايا وإن مستقى من اللحظة الراهنة لكنها تخص البشر في أي مكان وفي أزمنة عدة، وضمت كتاباته هذه في كتب كـ «قطرات من الحبر» و»خيوط رفيعة» و»على مرمى البصر» الذي يبين أن ما يتحسس ويتناول في كتاباته من سرديات مجتمعية ثقافية هي على مرمى البصر ولكن أي بصر؟، ولهذا جملته موسومة بالنظر فهي صورة وإيقاعها مرئي في ظلال من شموع وخيوطها الرفيعة هي الخطوط التي يشكل بها لوحته، وتعدد المشهدية في المقالة الواحدة تتبدى كسيناريو…
عقل يوسف القويري النثري والصارم علميا، وما في مقام المعلم، جعله يكتب مقالة مكثفة كما المقالة الرقمية في هذه المرحلة، مقالة كما السرد تتداعى الفكرة في بنية لغوية غير استطرادية، وفي اهتمام ملحوظ باللغة تبدو المفردات والعبارات مقتناة بعناية والجمل ملنظومة بتؤدة:
جملة مفتتح «لا الفجر يخلف ميعاده ولا الخريف.» في المقال من كتابه «قطرات من الحبر»، الجملة التي مفتتحها الفجر وختامها الخريف في إشارة لماحة إلى العلاقة الزمنية بين البدء بالفجر والخاتمة بالخريف، هكذا تراكيب «يوسف القويري» وجمله مباغتة بالمعتاد وهذا المدهش فيه: جمله وقضاياه وطرقه على مرمى البصر: «كلاهما يأتي في أوانه،كلاهما يذهب في أوانه،ولا شيء يبقى سوى الحقائق التي صنعناها.»، الفجر كما الخريف يأتيا ويذهبا في أوانهما هذه الحقيقة تأتي في جملة كمدهشات للمفارقة بين مفردتي الفجر والخريف من ناحية ومن أخرى مع مفردة الأوان، أما المفارقة فتبقى فيما يبقى التي هي الحقائق التي صنعناها، ثمة كشف بأن الفجر والخريف حقائق الطبيعة ليست الحقائق التي نصنع وبالتالي تذهب، هكذا جملة مكثفة قائمة في مستويات عدة سهلة وممتنعة وإيقاعها مثل صور تتداعى لنص هو مجمل هذه الصور/ الأفكار: «فالوهم العظيم لا يولد في الصدور الضيقة» و»أما الأوهام الصغيرة التي تعمر معظم الصدور، فهي تدوم لأن ثمة سهولة في تحويلها إلى حقائق.»، الوهم العظيم في صيغة المفرد والصغير في صيغة الجمع وكأنما العظيم حصيلة الجمع وهذا مسكوت عنه في النص، أو كما ظلال الجملة التي تشتد بالنور المسلط على «الوهم» الموصوف بالعظيم، والأوهام التي هي الحقائق ما صنعنا في الختام: «وليس من الضروري أن تكون المنجزات الكثيرة برهانا على نجاح الفرد. فالوهم العظيم الذي لم يتحقق قد يكون مدعاة لوضع الفرد في مرتبة أرفع.».
الختام صادم عادة سيد الدهشة يوسف القويري فالوهم العظيم غير المتحقق في منزلة الحقائق التي صنعنا، هذه المفارقة مضمرة في المدخل في المفردتين الفجر والخريف وفي المفردة / النص «الوهم» التي هي قماشة الموضوع ونسجه أو حريرة الحوك، (الخيط الرفيع) ما هو منثور النص على مرمى البصر، لكنه بصر رجل لم يولد بعد بصيرته قماشتها المستقبل شغل الناثر الذي يرى ما لا نرى مستبصرا بما يرى ونرى.
المألوف/ المفارقة ما يرتقي بنثر يوسف القويري هذا الذي يجعل كتابته نثرية رفيعة وليست شعرية فإيقاعها مرئي خافت وهادئ، يضج بالفكرة الفلسفية العميقة دون تخرصات أو ادعاء أو تملق للقارئ بل تحفيز للتفكر وإعمال للذهن، فالناثر من يرتقي الجملة وبالفكرة يرتقي بتؤدة وبساطة وسلاسة عذبة وتمحيص ودقة دون أي حذلقة أو غي باللغة ومساربها، ان يوسف القويري العارف ما يعرف وما يكتب وما النثر و….
4-
* لم يُولد بعد لكنهُ كتب مفكرته عن عام 2565م …
لم يكُن العقل الباحث عن مأوى يوسف القويري، من في حدة السكين وهو ينحتُ مفردته، مُحدد مُكثف، جملته مُقتضبة ولكنها جلية جياشة تكتفي بأن تقول القول الفصل، هذا الصارم العقلاني يعيش مبعثرا في الكون هو من الأرض ليس عليها، كائنٌ من الفضاء وهو قابض على المستقبل
قدماه راسختان على الأرض،وثوقي حد التشكك في ما مضى فالماضي: كان ما سوف يكون، لكن هنا و الآن بمُكنة الإنسان أن يجعل المستقبل يبدأ الآن.
شاردٌ عما هو لأنه مشغول فيما يرى فالأحلام مُستطاعة و الماهوية ليست شغله، شغله عقل نحلة يُنتج مدينته الفاضلة بالشغل الدؤوب، السماء لا تُمطر إلا ما يريد، فالسماءُ أرض أخرى يمكن ترويضها، كما روض «صحراء سرت» في روايته المُستقبلية «من مفكرة رجل لم يولد» جعل لحوضها بحيرة عذبة تمخرها مراكب برمائية تطير أيضا عند اللزوم، لم يكن يكتب ذلكم في مطلع العقد السادس من القرن العشرين بل عاشهُ فترك لنا مفكرته لما جرى له عام 2565م.
يوسف القويري لم يولد بعد وإن عاش معنا لكن لم نعش معه هو من ولد عام 2565م.
وهو يحثُ الخطى في درب التبانة قُبض عليه مُتلبسا بأحلامه بأن ما سيكون كائنا فينا، فسُجن عام 1954 في مصر حيث ولد من قبل جمال عبد الناصر الذي يضيق بالعصافير الطليقة، كما فعل ذلك معمر القذافي عام 1973م، لما كان عاد من مهجره إلى موطنه حيث لا مواطنة له. هذا المواطن الكوني ضاقت عنه بلاده كما ضاقت به بلاد المهجر، فسكن الغد واتخذ العقل مأوى مساره درب التبانة فما سيكون يكون، كما أن قلبه تيسر لأن اليُسر في اليسار، تعلم ذلك من وبطريقة «سلامة موسى» الذي لم يهادن بالمرة كان المعلم، وكان العلم مشكاة الطريق فالعلم دينه وديدنه.
ديوان النثر المستقبلي منثوره ما شغفه وما استقاه مما يرى، وما يرى قائما أمام عينين نابهتين وعقل يقظ وأيدٍ تشتغل وأرجل ثابتة ونفس تواقة، دأبهُ النثر فالسرد، فالكتابة تلتقط المعتاد والمتوفر والجلي لتجعله نسيجا كما ليس مثله شيء، نابض وحيوي لأنه عصارة تجعل لكل قارئ قراءة، خاصة القارئ الذي لم يُولد بعد.
يوسف القويري يخطو خطوات في الحياة كما يتيسر ولكن بغضب ينظر للخلف متمردا عما يحيط، وفي الكتابة يكتب ما لا يتيسر هو في هذا نسيج وحده كتاباته يسيرة ومتاحة لكنها مقتطفة من ديوان النثر العسير على غير ذي همة وإدراك وتأنٍ. ما كتب قماشة مرسومة من كلمات كأنها ليست الكلمات، بأفكار منيرة لروح وثابة، فنان خطوطه/كلماته المُحددة العقلانية تنبض من قلب محب، هو عاشق ولهان يتعقل جملته وينظم عباراته ويصيغ أفكاره …
وانه لو لم يكتب إلا «من مفكرة رجل لم يولد» فهو كتب الكثير، لكن أيضا الكتب العديدة التي نشر ديوان النثر المختزل ما لا زوائد له ولا غموض كأنه السهل الممتنع، أكثر ما كتب قصير التيلة. كلماته معدودة ومحدودة لكنها ثرية وأفكاره جلية، مقاله سرد هو السارد المُكتفي بالإشارة، علاماته مفرد ة تضيق كلما اتسعت العبارة، يقص القصص ليمتع ويضيء النفس قبل الطريقة.
الضليل لم يضل عن الضوء لكنه مُريد للظلال حيث كلما اشتد ظله اشتد ضوئه، السراج المُنير من حامل سراجه كما «ديوجين» في وضح النهار ليسرج الظلم.
نثر النهار في مدوناته و سردياته، واختزل بفصاحة وبيان الرقيمة قبل أن تكون، في ركينة كمُؤانسات التوحيدي ارتشف من النثر العربي الكلاسيكي سلافه، وأعاد في نفسه صوغه حتى تبين له الصبح في نثر «قويري» حداثي متفرد لكنه في نسيج النثر المستساغ: نثر الآن وهنا… فإنه الناثر في صيغة السارد الذي في صيغة النثر، فالشعر عنده مجس الغموض وهو جلي متجل.
وإن كانت الحياة استعصت عليه، فإن الكتابة مجدافاه المطوعان لسباحة في مواجهة تيارات الحياة العاتية وأمواجها السالبة.
ساح في الدنيا وعاش على حافة الحياة لكنه ككاتب غامر وغاص في غورها،كتب نثره كما مأثور في جمل نابضة وحيوية، جاعلا من المقالة نوعا أدبيا مميزا، من النثر الكتابة الأدبية التي انفرد بها وسجل هدفه، وفي هذا هو «توحيدي» زمانه وفيه أيضا صاغ بيانه، كما «بورخيس» ليس من زمرة أحد ولا همه «النوع» الأدبي فهو غفل عن التصنيف، و كـ «كيليطو» كتب النقد كي يُمتع القارئ بكتابته العقلية الشعرية وبتأمله واستنتاجاته وطريقته إليها.
في كتابه الأول «الكلمات التي تُقاتل» ثمة مفارقة بين اسم الكتاب/ غلافه وبين متنه، فالكلمات التي تقاتل تبعث الحياة والنماء والخصب كما «تموز»، المتن سوح في ملكوت الكلمة التي كانت الفعل الأول: كن، فكان يوسف القويري مُفكرة رجل لم يولد.
* يوسف القويري 1938-2018م
كتب يوسف القويري في ستينيات القرن العشرين «من مفكرة رجل لم يولد»:
«وفي مجلة صباح الخير المصرية كتب الروائي المصري عبد الله الطوخي سنة 1972 مقالة وصف فيها» من مفكرة رجل لم يولد» بأنها رحلة إنسانية عظيمة نحو المستقبل. وفي سنة 1973م أذاعت محطة «بي بي سي» باللغة الإنجليزية مختارات من هذا الكتاب. وحذت حذوها الإذاعة الفرنسية في نفس السنة فأذاعت يوميات مستقبلية من هذا الكتاب باللغة الفرنسية. ومنذ ثلاثين سنة تقريبا قامت المستشرقة البولنديةEva Machut- Mendeckaأستاذة كرسي الآداب الشرقية بالجامعة في العاصمة البولندية بمطالعة الطبعة الأولى من كتاب»من مفكرة رجل لم يولد» ثم كتبت حوله دراسة تحليلية نشرتها في ذلك الحين، و قد وردت الإشارة إلى تأريخ تدوينها التحليلي في إحدى محاضراتها القيمة. وقد ترجم مستشرقان تشيكيان مختارات «من مفكرة رجل لم يولد» ونشرا ذلك في كتاب عن الآداب العربية بعدما أضافا إليه دراسة عن المفكرة.
إن يوسف القويري لو لم يكن غزير الإنتاج واكتفn بـ(مفكرة رجل لم يولد) لعد غزيرا، هذا الكاتب الذي لم يولد بعد،فما كتب رهينا بأن يُقرأ غدا…
أذكر أني التقيت الشاعر عبد الوهاب البياتي ببغداد وكان نشر عن دار العودة -اللبنانية المختصة حينها بنشر الأعمال الكاملة للشعراء-أعماله الشعرية في مجلدين بمقدمة يوسف القويري، فقلت له أنت شاعر شهير كتب عنك وعن أشعارك بالعربية وغيرها الكثير فما جعلك تختار مقدمة أعمالك لمغمور وان كان ثاقب النظر فيما كتب عنك؟،قال سألت وأجبت.
في يوسف القويري صرامة العلم، روح الفن، دقة التقني، تأمل الفيلسوف، حرص المعلم، ونتاجه يتسم بالكثافة واليُسر وعدم الإطالة فما كتب كتابة ما قل ودل، لذا العلم عنده البصيرة والبصر وأن الكون الشعر،وفي البدء كان الكلم…
يوسف القويري الرجل الذي عاش لنا عام 2565 في عام 1965م وإن لم ننتبه.


أحمد الفيتوري*

 

شاهد أيضاً

من الخالدين أبومسلم البهلاني (ت 1920م)(1)

محمد بن ناصر المحروقي* ما هو الأثر الذي تركه “أشعر العلماء وأعلم الشعراء”: أبومسلم البهلاني؟ …