أخبار عاجلة

دُمى السارد وصفيح الحكاية لعلي الفارسي

حمود سعود*

عتبات المجموعة
في تجربته القصصية الأولى يطل علينا القاص العُماني علي الفارسي بمجموعته المعنونة (دُمى الصفيح).
ومن خلال عتبة العنوان يتبادر للمتلقي أمران، الأول مفردة الدُمى تُحيل إلى الطفولة والبراءة والفرح، وكذلك تُحيل إلى اللعب، فالدُمى دائما مرتبطة باللعب والمرح، ومن هنا نستطيع أن نستشف من المفردة الأولى في العنوان أن ثمة من سيدخلك في لعبة السرد وملعب الحكاية، أما الأمر الثاني فمفردة الصفيح فتحيل القارئ إلى دلالات مُتعددة ومُتفرعة في ذهنه، فهذا الصفيح يحيلك إلى الفقر والحاجة والهامشي، وقد يحيلك كذلك إلى دلالة السخونة وعدم الثبات والتحول وإلى النسيان والمتحرك ومدن الصفيح.
ومن خلال هذا العنوان يقف المتلقي في حيرة من أمره، كيف استطاع هذا القاص الجمع بين متضادين في المعنى بين البراءة والطفولة والمرح من جهة وبين الفقر والهامشي والبسيط من جهة أخرى؟
هل ثمة لعبة سردية يحاول القاص أن يندس خلفها ليشاهد حيرة المتلقي؟ وهل ثمة دُمى أخرى غير دُمى الصفيح يمكنها أن تلعب في هذه المجموعة؟ وهل يمكن لهذا الصفيح أن يكون محركا أساسيا في أحد نصوص هذه المجموعة؟ كيف صنع القاص الدُمى في واقع ملتهب بالتناقضات والظلم والطبقية وفقدان العدالة الاجتماعية؟ ولماذا جعل لهذا الصفيح دُمى كثيرة وليس دُمية واحدة؟
لا أُريد أن أطرحَ إجابات جاهزة للأسئلة السابقة بقدر ما أريد من القارئ أن يفكر في دلالات النصوص، فهذه المجموعة التي تكونت من اثني عشر نصا قصصيا، والتي تُعتبر التجربة الأولى للقاص في النشر، جاءت نصوصها مُحكمة في الأساليب السردية، وبلغة رشيقة مصقولة جيدا، وبثيمات مختلفة، بالرغم أن القاص علي الفارسي ينحاز ويميل في عوالم نصوصه إلى الهامشي والصادم والمفجر للأسئلة والرمزي، وقد اختار ثيمات نصوصه بذكاء ووضع مسافة بينه وبين الشخصيات، وجعل النهايات عالقة وموجعة في ذهن المتلقي كنص بوذا المسلم ونص دُمى الصفيح.
ومن العتبات التي لا يستطيع القارئ أن يتجاوزها في هذه المجموعة، عتبة الإهداء التي وضعها القاص في الغلاف الخلفي للمجموعة، ليكسر بذلك المألوف والمعتاد، وجاء في الإهداء ” أيها الفقراء، والمحزنون، والبائسون، والمحرمون، والملتحفون عن البرد بالبرد، والجائعون، والمشردون……….
إن آلامكم وخزات دفعتني ـ كما فعلتْ بكثيرين غيري ـ إلى التفكير والكتابة عن هشاشة الحياة وزيف الأخلاق. ولكم فقط أهدي هذه المجموعة”.
من خلال التمعن في كلمة الإهداء التي وضعت في نهاية المجموعة القصصية، ندرك لمن يكتب القاص، وما الذي دفعه إلى الكتابة ونشر هذه المجموعة في هذا التوقيت، بعد سنوات طويلة من الممارسة والاشتغال على الكتابة القصصية.
من خلال كلمة الإهداء يتكشف لك كذلك عوالم وثيمات المجموعة، وكما قلنا سابقا فعلي الفارسي ينحاز بشكل كليّ وجمالي وفني إلى الهامشي، ولا يقول ذلك بشكل مباشر وتقريري، بل من خلال الفن وفعل القص، ومن خلال اللغة التي تحيل إلى مضامين كثيرة بقليل من المفردات.
ربما عتبات المجموعة تكشف جزءا من عوالمها، ولكن بكل تأكيد لا تكشف ما بداخل هذه المجموعة، لذا اشتغل القاص جيدا على عتبات مجموعته ليجذب المتلقي إلى لعبته القصصية وصفيح عوالمه وثيماته.
الدخول إلى صفيح السرد ودُمى الشخصيات
في النص الأول من المجموعة الذي أخذ عنوان المجموعة الذي عنون بـ ( دُمى الصفيح) أنت أمام نص عميق جدا في فكرته، ومتعدد الشخصيات بالرغم من وجود شخصية مركزية تُدير لعبة الحكاية، هذه الشخصيات المشتركة في تصعيد الحدث ينعدم بينها الحوار، وكأن القاص يتعمد بأن لا يدلنا على من هو الظالم ومن المظلوم في النص ومن الجلاد ومن الضحية ( بكل تأكيد هذه ليست وظيفة السارد أو الكتابة، فالكتابة السردية تثير الأسئلة والهواجس الإنسانية وتسبر مشاعر الإنسان نوازع النفس البشرية) وكذلك خلوه من الأسماء لكي يدفعك لتصديق حدوث هذه الحكاية في أي مكان وأي زمان.
وإن يجعل الصوت السارد للحكاية هو بطل القصة، يجعل من هذا النص مربكا، لأنه ليس هناك صوت آخر يكشف لك ما حدث في النص، وخاصة لو عرفنا أن السارد سرد حكايته التي حدثت بعد ثماني سنوات، وأن الجزء الثاني من الحكاية موجود في مكان آخر، في حيدر آباد في الهند. وهذا البعد المكاني والزماني بين زمن وقوع القصة وزمن سردها جعل السارد / الشاب / البطل يتخفف من الشعور بالندم أو تأنيب الضمير، بالرغم أننا نشك بأن لبطل القصة هذه المشاعر، فهو شارك في أحداث القصة بمحض إرادته وبتصميم وتخطيط مسبق منه، وكذلك لم يرد في النص ما يشير إلى أي مشاعر أو أحساس بالندم أو الشعور بالذنب.
النص قائم على فكرة المتعة العابرة التي حلم بها بطل النص، هذه المتعة التي تتحول في نهاية النص إلى مأزق إنساني ضحيته فتاة هندية لم تتعد سن الرابعة عشر، وطفل متشرد بملابس مرقعة وقدمين حافيتين تجوبان شوارع حيدر آباد.هنا متعة خطط لها بطل القصة وهي متعة جسدية، ومتعة أخرى وهي متعة حكي الحكاية؛ وهي غير واضحة، لكنك تكتشفها في نهاية النص عندما يحكي بطل الحكاية القصة لأصدقائه. وهنا تظهر مقدرة القاص في مزج المتعتين متعة الحكي ومتعة الجسد بخيط سردي شفاف.
والصادم بأن بطل النص وهو يحكي الحكاية لأصدقائه؛ وما الذي فعله قبل ثماني سنوات في حيدر آباد لا يعلم عن الطفل المتشرد ولا عن الفتاة التي نام معها لمدة أسبوع في فندق ” الهوليدي إن”.
لا أُريد شرح القصة وتلخيصها بقدر ما أريد أن نفكر في معنى الضحية ومعنى الجلاد في هذا النص، وكيف يفعل الثراء بنفوس البشر وماذا تفعل سكاكين الفقر كذلك بآلام البشر؟
عندما نعيد قراءة النص، سنجد أن ثمة شخصيات شاركت في تصعيد الحدث والمشاركة في أن يحقق الشاب القادم من بلاد النفط متعته ويرتكب جريمة بشعة بحق فتاة صغيرة من قرية فقيرة في حيدر آباد. والغريب بأن الشخصيات التي ساهمت بشكل حقيقي في تصعيد أحداث النص لم يكن بينها حوار، وكأن النص قائم على تصعيد صامت، أو كأن هناك فعلا مشينا أو جريمة ستقع، فمدة ثلاث ساعات من الفندق الذي أقام فيه البطل ” الهوليدي إن” إلى قرية الفتاة في ضواحي حيدر آباد لم تخلق أي حوار بين السائق والمترجم والمُلا وبطل النص. وكذلك الست أيام التي قضاها بطل النص مع الفتاة في غرفته بالفندق لم يكن بينهما أي حوار. لا أدري هل هذا خلل في النص أم أن القاص كان متعمدا على عدم وجود أي حوار حتى لا يفسد لنا جمال النص؟ ماذا لو تكلم المترجم أو السائق أو المُلا أو بطل النص خلال الساعات الثلاث؟ حتى لو كان الكلام على تقنية المنولوج الداخلي. هل هذا الكلام أو الحوار ـ لو حدث ـ سيكشف نوايا كل شخصية في النص ودوافعها؟ عدم وجود الحوار أفسد أي تعاطف مع شخصيات النص.
*** *** ***
عندما نعيد تأمل النص بعين محللة ومدققة سنكتشف أدوار المشاركين في الجريمة ودائما ثمة ضحية. فهذا الشاب الذي قدِمَ من بلاد متخمة بالنفط؛ ولكنها قاحلة في جوانب كثيرة، هو ضحية لمجتمعه الذي ربط مفهوم الرجولة بالمقدرة على ممارسة الجنس مع فتاة. هذا الشاب الذي يعيش تناقضات غريبة في تربيته، فهو يبحث عن الحسنات حيث إنه دفع راتبه الثالث للفقراء يستجدي به دعواتهم له بالتوفيق والتقدم في عمله، وبعدها مباشرة يصرف راتبه الرابع والخامس في المغامرة/ الجريمة، والتي سنعرف في نهاية القصة بأن نهاية المغامرة سيكون هناك طفل بعمر السابعة متشرد في شوارع حيدرأباد.
وفي هذا النقطة يدعونا النص إلى إعادة التفكير في معنى التدين، وخطورة فهم الدين من جانب المنفعة، فهذا الشاب الذاهب إلى الهند لممارسة مغامراته، لا ينسى ترديد دعاء السفر في الطائرة ولا ينسى صلاة الفجر، لكن دموع الفتاة الحيدر آبادية الصغيرة خارج غرفته قبل مغادرته إلى المطار للعودة لبلاده، وهي متشبثة بساقه، لم تحرك أي عاطفة دينية ولا إنسانية بداخله. وربما هذا الفهم السطحي للدين هو ما يزيد من الصراع الداخلي بين نوازع الشر والخير حسب المفهوم الديني.
كما قلنا سابقا هناك مشاركون في تصعيد أحداث القصة، والمشاركون كذلك في إتمام مغامرة الشاب البطل، فوالدا الفتاة الصغيرة دفعهما الفقر المدقع لتسليم ابنتهما / الطفلة إلى رجل غريب مقابل حفنة من الدولارات، وكذلك رجل الدين الذي أتم عقد التسليم شارك في الحدث واستلم نصيبه من الدولارات، والمترجم الذي ترجم الكلام للشاب والفتاة ورجل الدين (المُلا) ووالد الفتاة استلم نصيبه من الصفقة، ولكنه لم يترجم نتائج الألم للفتاة بعدما تركها الشاب القادم من بلاد النفط أمام غرفة الفندق؛ وهي تبكي؛ لدرجة تبللت الدمية التي بيدها بالدموع، والسائق الذي قاد الشاب والمترجم والرجل الملتحي إلى قرية الفتاة في ضواحي الهند شارك في الحكاية / المتعة / الجريمة. حتى الفتاة نفسها شاركت في الجريمة بعد أشهر، حيث رمتْ بالطفل قرب كومة من القمامة.
بعد سنوات من الحكاية، سنرى طفلا صغيرا لم يتعد السابعة، يتعذب في شوارع حيدر آباد. فالمفارقة الصادمة التي فجرها القاص في نصه، وفي نهاية النص بالتحديد، حيث انتهى الشاب من سرد القصة التي حدثت قبل ثماني سنوات، وفي اللحظة ذاتها كان هناك طفل يمشي في شوارع الفقر والتشرد والبؤس، وكأن القاص يقول للشاب الذي سرد القصة، صحيح أن متعتك قد تمت بدون معرفة أحد من أهلك، لكن ثمة روحا تتعذب في الأرض، لا ذنب لها سوى إنها ولدت في جغرافيا الفقر.
إذا كان النص الأول سافر بنا إلى الهند لنرى جغرافيا الفقر ومآلاته، فإن النص الثاني من المجموعة يغوص بنا في عالم الطفولة التي تُهتك بسبب الفقر، فعنوان النص (حلم صغير في مستنقع كبير) فالأب الذي لم يستطع شراء دراجة هوائية لولده الوحيد بالرغم من تفوقه في المدرسة، وحصوله على المركز الأول، يجعل من هذا الولد يغرق في مستنقع كبير لا يستطيع الخروج منه، كما توضح لنا نهاية النص ” قبيل المغرب عاد إلى البيت ساحَّا دموعه، وجارّا الحبل كفارس نفقت فرسه في صحراء مقفرة. ولم يعد بعدها الولد يحلم بشيء سوى أن تتوقف الأفواه الكثيرة عن تهديده، وظلَّ يمنحها أجر سكوتها الذي لم يتحقق.
فالحلم الصغير للطفل الذي لم يتعد الثانية عشرة، تحوّل إلى كارثة عليه، فهذا الأب الفقير لم يستطع شراء دراجة لولده، فغرق الولد في مستنقع كبير، ونعود مرة أخرى إلى دور المجتمع وتكوينه للأفراد، فهتك عرض هذا الطفل بسبب فقره ولأنه وحيد. فالمجتمع له دور في غرق هذا الطفل في مستنقع التوحش والتنمر.
فالنصان الأول والثاني قائمان على فكرة متعة جسدية عابرة تمشي هذه المتعة في مسرح الفقر، والمتفرجون على مآلات الفقر يساهمون في تصعيد الحدث نحو الكارثة وهتك عوالم الطفولة.
وفي سياق ثيمة الفقر، يمكننا أن نقترب من نص ثالث في المجموعة يندرج في هذا السياق، ولكن اللاعبين يختلفون والنهايات مغايرة عن النصين السابقين.
النص بعنوان (بوذا المسلم) العنوان يفضح النص، هذا المفارقة بين المفردتين تدعوك للفكير ما الذي جعل بوذا مسلما؟
في هذا النص المبني على المفارقة، استطع القاص أن يصنع لنا بطلا وحيدا ينتصر على مجموعة من البشر وعلى فقره، من خلال فهمه لفكر هذه المجموعة البشرية، فهذا العامل البوذي البسيط والفقير، ومن خلال فهمه للإطار الفكري والاجتماعي والديني للمجتمع استطاع خداع هذا الجمع، من خلال تضليلهم، وإيهامها بالدخول في الإسلام، وبهذه الخدعة واستغلال العاطفة الدينية لمجموعة من البشر استطاع هزيمة فقره، وذلك من خلال جمع التبرعات له، عندما أخبرهم بفقره وفقر أطفاله، فجمعوا له مالا، لم يكتفِ هذا العامل بهذه الحيلة، فنكتشف في نهاية النص بأنه سرق صندوق التبرعات التابع للمسجد. ولكن الصدمة الكبيرة للقارئ ولجماعة المسجد بأنهم وجدوا تمثال بوذا داخل صندوق التبرعات في غرفة العامل الذي هرب بالمال.
هذا النص له دلالاته المتعددة، ولكل متلق له الحق في تفسير حسب الزاوية التي يراها في النص، ولكن السؤال العميق والمهم في النص: كيف يمكن للفرد أن يهزم مجموعة ويخدعها في محيطها؟ وهل يمكن للدين أن يكون وسيلة للخداع؟ وما الذي دفع هذا العامل البوذي لاستخدام وسيلة الدين لكي يتخلص من فقره؟
هذه الأسئلة التي يطرحها النص بشكل رمزي ومن خلف السطور، تدعو المتلقي بأن يحلل بنية النص، ويطرح أسئلته الخاصة، حول الدين وحول نظرتنا نحو الآخر المختلف.
حضور الآسيوي في المجموعة
في هذه المجموعة يحضر الآسيوي في ثلاثة نصوص، ويكون المحرك الأساسي، مع اختلاف الأدوار، وهذا يدل على وعي من القاص لكيلا يكرر النظرة السائدة للآسيوي، بل يقول للقراء بأن هذا الآخر الآسيوي له مثلك من مشاعر ومن جوانب إنسانية، وأن الفقر هو الذي دفعه إلى بلادك ليدفن فقره العميق.
النصوص الثلاثة التي حضر فيها الآسيوي هي ( دُمى الصفيح، وبوذا المسلم، وشمس حارقة) هذا الحضور يختلف من نص إلى الآخر، ويختلف كذلك دور الحضور والمشاركة في فكرة النص، ففي النص الأول دُمى الصفيح وبما أن جزءا كبيرا من النص تقع أحداثه في الهند من الطبيعي بأن مشاركة الآسيوي تكون كبيرة وأساسية كما أشرنا إلى ذلك سابقا، ولكن المدهش بأن بطل النص القادم من بلاد النفط، استطاع خداع الفتاة وأهلها وهم في بلادهم، ولكن نص بوذا المسلم بدّل القاص الفكرة، فهذا العامل الآسيوي استطاع هزيمة مجموعة كبيرة من البشر وسرقة أموال المسجد وهو في دارهم.
أما النص الثالث ( شمس حارقة) ففكرته مختلفة، وهو يبين لنا علاقة الآسيوي بالآسيوي في بلاد الغربة، فهذا العامل البسيط الذي يعمل في محطة تعبئة البترول تحت الشمس الحارقة لا يشبه ذلك الآسيوي الثري، فهذا العامل البسيط وفي لحظة تأمله لسيارة الآسيوي الثري أخذ يراجع ويفكر بأحلامه. لذا لا يتعادل حالة العامل البسيط مع الحالة المادية للثري الآسيوي الآخر.
وكأن القاص يقول لنا بأن الآخر كذلك ليس كتلة واحدة، فهناك العمال البسطاء الذين يعملون تحت أشعة الشمس الحارقة في محطات البترول وفي الشوارع وأعمال البناء والتنظيف، وهناك طبقة أخرى أرستقراطية لها وضعها الخاصة ونمط حياتها المترفة.
إذا نلاحظ تعدد مستويات الخطاب في النصوص الثلاثة، ومن خلال هذا التعدد في المستويات يُريد القاص أن يقول لنا بأن هذا الآخر الذي يعيش بيننا له كذلك نوازع الخير والشر وله أحلامه الخاصة، فهناك الفقير الذي يعمل تحت أشعة الشمس الحارقة، وهناك الثري الذي يعيش أفضل من حياة المواطن.
الحيوان كرمز
ومن ضمن التقنيات التي استخدمها القاص في مجموعته، استخدام الحيوانات كأبطال في نصوصه، فحضر الحيوان في نصين (الكلاب الجدد، وسكاكين) ففي النصين، استطاع القاص تمرير أفكاره الإنسانية من خلال استخدام عوالم الحيوانات، وربما يريد أن يمزج بين ما هو إنساني وما هو حيواني.
في نص الكلاب الجدد، يناقش القاص فكرة الاغتراب والتدجين الذي يحصل لأي كائن، وماذا تفعل المدينة بحياة الكائن، فبطلة هذا النص كلبة قادمة من سهوب البادية إلى المدينة، ولكنها لم تتأقلم مع كلاب المدينة، فاختارت العيش في منطقة فارغة بين شارعين، ومع تقدم النص وأحداثه نكتشف تحول هذه الكلبة إلى آكلة للعشب.
يمرر القاص فكرته بطريقة ذكية ومتقنة، فكرة التحول الذي يلحق بالكائن وماذا تفعل به حياة المدينة وحداثتها.
أما نص سكاكين كذلك يناقش علي الفارسي فيه فكرة إنسانية متداولة باستخدام الحيوانات، فبطلا النص هنا ثوران، والفكرة التي يريد أن يحللها ويناقشها هي فكرة الحرية، وفكرة أننا أحيانا ندخل في قضايا جانبية وهامشية وحروب وهمية، ونترك قضايا تمس حياتنا وكرامتنا وحريتنا.
” بينما تراقب ثيران الحظيرة ثيران الفسح ببلادة وهي تهرس التبن اليابس بين أسنانها، أما الثوران القويان فقد عميا عن الحرية التي تنعم بها الحياة على ثيران الفسح من حولهم، وانشغلا بالصراع للسيطرة على جزء من الحظيرة المتواضع”
ففكرة الحرية أحيانا يتقاسمها الإنسان والحيوان، لكن القاص مرر لنا فكرته عن صراعات البشر على فكرة الحرية والعبودية من خلال استخدام أبطال من عالم الحيوانات.
أستطيع القول بأن علي الفارسي ومن خلال نصوص مجموعته قدم لنا عوالم مدهشة من القص، مبتعدا عن اللغة التقريرية والمباشرة والوعظية، وتنوعت المجموعة في عوالمها وثيماتها وشخصياته، بالرغم بأن هناك ثيمات ربما تتكرر لكن بشكل مختلف من نص إلى آخر. ففي صفيح هذه المجموعة شاهدنا عوالم الفقر والطفولة المنتهكة ومشاعر الشر والخير، وعالم العسكر، وعالم الحيوانات.
مرر القاص أفكاره عن الحياة والآخر والدين وغياب العدالة الاجتماعية وعالم التسلط وغياب الحرية والاغتراب والطبقية بشكل فني قصصي محكم بعيد عن المباشرة، وكذلك لكل نص يمكن أن يٌقرأ من زاوية معين، وهذا من صفات النصوص العميقة، فهي لا تعطي مستوى واحدا من التأويل، بل هناك مستويات متعددة لكل نص.

شاهد أيضاً

«تَنْبيْهُ الحيوانِ إلى أنسابه» لسليم بركات: كتابة مُنهكة للذاكرة

عماد الدين موسى* مع صدور كل كتاب جديد، شِعراً كانَ أم روايةً، يُثيرُ الشاعر والروائي …