أخبار عاجلة

ذلك المتسول….الأرستقراطي !

شرف التسول…. يجرح قلبي
                           (رامبو )
لعل صديقي أراد أو قد جلسنا لتوّنا على طاولة في المقهى الشعبي الذي أتردد عليه يوميا تقريبا , لعله أراد أن يفاجئني أو يسبب لي نوعا من الصدمة عندما أخبرني بلهجة موضوعية بأنه بعد طول تفكير وتدبّر قرر أن يحترف مهنة التسول. مع العلم , ودعني أوضح ذلك الآن , أن صديقي متعلم ومطلع إلى حد كبير وقد عمل بشكل متقطع في الصحافة , ولكن الأمور كانت تسوء بعد بعض الوقت من تسلمه العمل, ولما سألته عن السبب الحقيقي في تركه العمل المرة تلو المرة, أجابني بأنه لا يطيق الجلوس وراء أي مكتب , إذ إنه يحس بسرعة أن سقف الغرفة قد أخذ يطبق عليه , وهنا فكرت أنه ربما هو مصاب بالسقف «فوبيا» وهو مصطلح ارتجلته لتوّي , فإذا ما التقطه أحد هؤلاء «السايكاترستس» أي أطباء علم النفس الذين يعالجون الأمراض النفسية والعقلية بالكيمياء , فلربما يدخل قاموس علم النفس.
لم أتفاجأ بما صرّح به صديقي. وبالأحرى استطعت أن أبدو بأنني لم أتفاجأ وقلت له على الفور بأن مهنة التسول هي مهنة موجودة ورائجة في مجتمعنا , ونحن نتحدث هنا عن التسول المباشر بمد اليد وبقية عدة الشغل المعروفة لدى المتسولين والمتسولات , ولا نتحدث عن «التسول الآخر» حيث ينخرط الجميع فيه كل بأسلوبه , إذ أنه بات من الصعب الاستمرار في هذه الحياة الصعبة دون ممارسة شيء من التسول بطريقة او بأخرى..
ولكنني نبهت صديقي إلى أن مهنة التسول كأي مهنة أخرى لها أصولها , كما أن على المتسول أن يمتلك بعض المميزات الجسدية. حيث من المفضل أن يكون له عاهة  -عين أو ساق مفقودة – فإذا لم يتوفر ذلك فعلى الأقل على المتسول أن يبدو شاحبا ضئيلا سيء التغذية حتى يصدق الناس أنه جائع..
أما أنت يا صديقي فباسم الله ما شاء الله , فإن وزنك فيما أقدر لا يقل عن تسعين كيلوغراما, كما أن وجهك يبدو صحيا , وأما وجنتاك فتبدوان وكأن الفيتامينات ستقفز منهما بين لحظة وأخرى. فكيف لك بهذا المظهر أن تكون متسولا ناجحا؟ ومن سوف يصدقه أنك جائع , في حين تبدو وكأنك ابن نعمة حظيت بثلاث وجبات يوميا على الأقل منذ أن بدأت بالأكل..و ضع في اعتبارك أن الناس سيعلقون عليك قائلين بصوت مرتفع: انظروا إلى هذا «الشحط»..يتسول مع أنه مثل البغل..لا تزعل مني فهذا ما سيقولونه دون خجل.أجابني صديقي بهدوء بأنه يعرف كل ذلك , وقد درس هذه المسألة من جوانبها المختلفة , ولذلك فهو لا يريد أن يصير شحاذا عموميا وإنما شحاذ يعمل في القطاع الخاص..أو بتعبير أكثر دقة شرح لي بأنه يريد أن يميل على المثقفين تحديدا في هذه المسألة ,و هنا  تذكرت على الفور بأنني رأيته ملتصقا بأحد الشعراء بعد أن حضرنا معا نشاطا ثقافيا في إحدى المؤسسات حيث كان صديقي هناك أيضا , وقد سألته بالمناسبة:
– كم حصّلت منه؟
– أجابني:
– دينارا وربع بعد أن عصرته لأكثر من ربع ساعة..
– أترى؟ قلت له..هذا الشاعر ميسور الحال , كما أعلم.. ومع ذلك لم تحصل منه إلا دينارا وربع –طب كان خلاهم دينار ونصف – قلت في نفسي , أترى؟ ثم أن معظم المثقفين طفرانين وأعرف ان عددا منهم لا يجد ثمن علبة السجائر أحيانا ولماذا نذهب بعيدا..خذني أنا شخصيا , فأنني في أحسن حالات كرمي لا أنفحك إلا بنصف دينار وأحيانا سيجارة أو سيجارتين مع أنك صديقي..و السبب هو الطفر المزمن..فالحياة هذه الأيام صعبة وقليلون من أمثالنا يدبرون أمورهم وهكذا. يا صديقي دعك من جيوب المثقفين فهي خاوية غالبا , وبهذا وحيث أنك لا تستطيع أن تعمل شحاذا عموميا لافتقارك إلى المؤهلات الفسيولوجية على الأقل , وبما أن طريق المثقفين مسدودا مسدود فلم يبق لك إلا أن تحاول أن تلعب دور ذلك المتسول اللبناني والذي كنت أراقب أداءه التسولي بإعجاب على طول شارع الحمراء بدءأ من مقهى الاكسبرس «سابقا» في أول شارع الحمراء وانتهاء بسينما فرساي «سابقا أيضا» في نهاية الشارع.. وكان ذلك في عام 1978 أو 79.
– وهل تعرفت عليه شخصيا؟ سألني صديقي بفضول..قلت له لا , لم يكن هذا ضروريا , ولكنني وربما بسبب اهتمامي الاستثنائي بالشحاذين وأساليب فطنتهم , كنت أراقبه باهتمام شديد , كان رجلا في منتصف العمر , ذا مظهر مقبول بملابس نظيفة مرتبة ليس فيها أي لطخة أو رقعة.. ويرتدي نظارتين سوداوين تحجبان عينيه بحيث فكرت ذات مرة بأنه ليس أعمى كما يحاول ان يوحي , ولكنه لم يكن يبذل إلا جهدا بسيطا , ولكنه مرهف بحيث لا يمكن للمرء أن يتأكد فيما إذا كان أعمى أم بصيرا..
ثم أنه كان يسير بشيء من الخفة , كأنه ذاهب إلى نزهة برفقة صديقته, «يخرخش» بالليرات الفضية بيده كشاب نزق قليل الصبر..و كأن لسان حاله أو خطابه الذي يعبر عنه بلغة الجسد يقول للسابلة بأنه في الحقيقة يمنحهم فرصة نادرة لتسجيل بعض النقاط في سجل الأعمال الصالحة..و بهذا بدا لي وكأنه المحسن الوحيد بين جموع لا حصر لها من المتسولين العابرين..أرأيت؟ قلت لصديقي: هذا هو التسول الذي يليق بشاب مثقف مثلك..فهل أنت قادر على أداء هذا الدور؟
أجابني صديقي على سؤالي لا بالكلام , ولكن بقهقهة متشنجة مصحوبة بحركات عصيبة:
– أنا..هذا الدور؟ من أين؟ ثم انتبه وهو يقول:
– أنت فقط تستطيع أداء هذا الدور.. بل لعلك تمارسه في الواقع..
كانت لفتة ذكية جدا من صديقي والذي رغم مظهره الغبي عموما فإنه قادر على مفاجأتي بتعليقات ملهمة من هذا الطراز.. ولذلك لم يكن أمامي إلا التسليم بملاحظة صديقي قائلا:
– مع استدراك بسيط..هو أننا كلنا ذلك الرجل…و لكن كلّ بأسلوبه.
رسمـــي أبوعــــلي
كاتب من فلسطين

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …