أخبار عاجلة

ربما لا يقصدني!

 

«ربما لا يقصدني!… ربما هو غارقٌ في التفكير بشيء ما!…». طمأنتُ نفسي، وأنا أحاول مرة أخرى أن أتجاهل نظراته التي أصبحت تزعجني بحق.

كان يوماً خريفياً بارداً؛ لكنه كان مشمساً لحظة وصول الباص إلى محطة الانتظار. كان الباص قد تأخر كثيراً كعادته، حتى كدتُ أتجمد من البرد، خاصة أنني كنت قد نسيت كعادتي أن ألبس قبعتي الصوفية.
أظهرتُ تذكرةَ الباص الأسبوعية للسائق، فهزَّ رأسه بطريقة آلية دون أن ينظر إليها. جلستُ متهالكاً في مقعد بعيد عن الباب، الذي كانت تنفذُ منه سكاكينُ رياحٍ باردة.
لم يكن الباص قد تحرك عندما التقت عيناي بنظراته الحادة أول مرة. ابتسمتُ له بتصنُّع، ونظرتُ بعيداً كما جرت العادة في مثل هذه المواقف. كان كهلاً متذمراً يجلس في المقعد المقابل لمقعدي، له وجه ممتعض؛ أحمر وسمين، وشعرٌ أبيض كثيف، وكان يمسك عصاه الطبية بكلتا يديه كما لو كان يخنقها، وقد مطّ شفتيه إلى الخارج أكثر من اللازم.
عندما تحرك الباص نظرتُ نحوه بتعمد فوجدته ما يزال يحدق نحوي بنظرات حادة ومستقرة، وقد ارتسمت على وجهه علامات غضب جارف. قررتُ ألا أتجاهل نظراته هذه المرة؛ فلا بد أن نظراتي المصوَّبة نحو عينيه مباشرة ستجعله يستيقظ من شروده وتشعره بالحرج، وبالتأكيد ستجبره على النظر بعيداً… هكذا تنتهي الأمور عادة! أعرف هذا من خبرتي البسيطة. لكنه لم يفعل؛ بل كنتُ أنا، تحت وقع المفاجأة، من أرسل نظره بعيداً، وقد شعرت بالخجل والانزعاج أيضاً.
«لماذا ينظر نحوي هكذا؟!»، سألت نفسي، وقد شغلني هذا الأمر عن الاستمتاع بالدفء الحنون الذي بدأ يتسلل إلى عظامي الركيكة المتجمدة؛ عظامي التي لم تكن قد تعودت على هذا البرد، ولا كان صاحبها قد تعلم كيف يلبس كما ينبغي اتقاء له، منذ جاء مهاجراً غير شرعي، بعد عناء شديد، إلى هذه الجزيرة الغنية.

كان الباص قد انعطف يساراً نحو «شارع بيتسمور» عندما لملمتُ شجاعتي، وقررتُ أن أنظر إليه مجدداً… كان ما يزال يحدق بي، تكاد شفتاه تطلقان سيلاً من اللعنات نحوي، أو هكذا تخيلت. أشحت بوجهي نحو النافذة، محاولاً أن أقلِّب ذاكرتي، فربما أكون قد صادفته في مكان ما!… كلا!… لم يكن وجهه مألوفاً… ليس من الجيران بالتأكيد… نعم… لم أكن قد رأيته من قبل.

«ربما لا يقصدني!… ربما هو غارقٌ في التفكير بشيء ما!…»، طمأنت نفسي، وأنا أحاول مرة أخرى أن أتجاهل نظراته التي أصبحت تزعجني بحق.

«هل يعرفني؟!»، سألت نفسي بينما كنت أتظاهر بتصفح جريدة «المترو» المجانية… «ربما التبس الأمر عليه وشبّهني بشخص يعرفه!… هذا محتمل… أوه! مازال ينظر إليَّ!… ماذا يريد بحق الجحيم؟!». تمنيتُ حينها لو أنه أفصح عن الأمر وتحدث، أو حتى قذف بشتائمه عليّ… لا يهم!… على الأقل سينتهي كل شيء حين يدرك أن في الأمر خطأً ما، وأنني لست الشخص الذي يظنه!… نعم، سينتهي الأمر على أية حال؛ أما هكذا فقد أصبح الأمر مزعجاً حقاً!…

كان الباص قد توقف في إحدى المحطات لنزول بعض الركاب. انتهزتُ الفرصة وقررتُ أن أنهض وأجلس في أحد المقاعد الخلفية الفارغة بعيداً عنه، متعمداً اختيار مقعد في الجهة الأخرى من الباص، حيث يصعب عليه ملاحقتي بنظراته، أو هذا ما كنت أظنه، فما إن جلستُ في مقعدي الجديد، متوارياً عنه، حتى غيَّرَ مكانه، ليجلس في مقعد مقابل غير بعيد عن الذي كان جالساً عليه من قبل، وبدأ في التحديق نحوي مرة أخرى.

لا أعرف كم مرَّ من الوقت؛ لكن الباص كان قد قطع مسافة لا بأس بها، وكان هو لا يزال يحدق نحوي متمتماً بصوت مرتفع بما أدركت أنه كان سبّاً مقذعاً دون شك. كان كصياد عثر على فريسته التي حاولت الاختباء دون جدوى. إذن، لم يكن غارقاً في التفكير كما ظننت، أو كما أحببت أن أظن؛ بل هو يقصدني دون شك!… ماذا عليَّ أن أفعل؟! قررتُ أن أتجاهل الأمر تماماً هذه المرة، فأنا في غنى عن أية مشاكل إضافية، فمنذ أن قررت الهجرة إلى هنا وأنا في سلسلة غير منتهية من المشاكل والمغامرات غير محسوبة النتائج، ولولا أن ما قد أنفقته من جهد وصبر ومال حتى الآن أكثر بكثير مما توقعته لسلمتُ نفسي طواعية إلى مكاتب الهجرة، وطلبت منهم ترحيلي إلى بلادي مرة أخرى. «!too late»، هكذا يقولون هنا… وهكذا هو الأمر معي.

مرَّ بعض الوقت ولا يزال الوضع على ما هو عليه. حينها لملمتُ شجاعتي وقررت أن أذهب إليه وأسأله، وأنهي هذا الأمر الذي أصبح مهيناً حقاً؛ لكنني تذكرت أنه ربما لن يكون باستطاعتي فهم ما سيقوله، ولا الرد عليه بما يجول في رأسي من حججٍ دفاعية مقنعة تضع حداً لسلوكه غير المهذب، فلغتي الانجليزية لا تزال دون المستوى، ولهجته اليوركشيرية ستزيد الطين بلة… نعم، سأمنى بفشل ذريع دون شك. قررتُ أن أتأنى في ردة فعلي، وأن أشغل نفسي بتقليب الاستمارات الكثيرة التي تسلمتها من مكتب الإعانة الاجتماعية المقيت؛ فهو دون شك سينزل في محطة الانتظار القادمة، أو ربما التي تليها، وإن لم يفعل نزلتُ أنا قبله، ولن آبه لما سيقوله لي. سأتجاهله تماماً، فليست المرة الأولى التي أضطر إلى أن أستلهم فيها روح صنم متحرك. نعم، سأتجاهله تماماً مهما حدث!

لم ينزل في المحطة كما تمنيت… ولا يزال يحدق نحوي؛ وشتائمه ترتفع أكثر من ذي قبل… وها هم الركاب بدأوا ينظرون نحوي أيضاً! «يا إلهي! ما الذي يحدث؟!». غمرني قلقُ مهزومٍ، وشعرتُ بالخوف وبجفاف مباغت في حلقي. قررتُ إن هو لم ينزل في المحطة القادمة نزلتُ أنا فيها، وأكملتُ المشوار سيراً على الأقدام. صحيح أن الجو بارد، وقد أصاب بالزكام؛ لكنني لم أعد أحتمل! المشي في الأرصفة الباردة أرحم بكثير من كل هذه الوجوه التي بدأت تحدق نحوي بغضب واستهجان مخيف. لا بد أنه كسب تعاطفهم! لا يهم… لن أعيرهم أدنى اهتمام؛ بل إنني حين أمرُّ بجانبه سأحدثه بشجاعة. سأقول له أي شيء؛ إذ لا يمكنني أن أخرج هكذا دون كلمة. سأقول له مثلاً: «Good bye»… ماذا؟! بالطبع لا!… لا يستحقها. سأقول له: «What do you want?»… انتظرْ! هذا سؤال سيتطلب منه إجابة… لا!… ليس لديّ الوقت، ولن أتيح له أية فرصة للنيل مني. حسناً، سأقول له: «You are not a nice man»… هذا ممكن… أو أي شيء من هذا القبيل… لا يهم… المهم أن أقول له شيئاً يرد لي اعتباري!

ترقبت اقتراب محطة الانتظار، وقبل أمتار قليلة من وصول الباص إليها ضغطتُ على زر التوقف الأحمر، ونهضتُ من مقعدي، وتوجهت بسرعة إلى باب الباص غير آبه لتلك الوجوه الغاضبة التي كانت تتابعني بنظراتها العدائية، ولا بشتائمه… كنت بالفعل قد استلهمت روح صنم متحرك. عندما توقف الباص وفُتح الباب لملمتُ شجاعتي مرة أخرى ونظرت إليه بتحدٍّ؛ لكنني لم أقل له شيئاً، بل اجتزته بكبرياء… حينها، ويا لهول المفاجأة، شعرتُ به يقف ويستدير نحوي رافعاً عصاه عالياً… فعل ذلك بسرعة كما لو كان شاباً في العشرينيات من العمر يطارد لصاً هارباً!
ابتعدتُ بسرعة، وقذفت نفسي خارج الباص، وانبطحت أرضاً، لتتبعثر أوراقي وأشيائي التي كنتُ أحملها في كيس بلاستيكي انبطح هو الآخر بعيداً عني… كانت السقطة مؤلمة حقاً… عضضت على أسناني من الغيظ والتفتُّ إلى الخلف… كان باب الباص الزجاجي قد أُغلق، ووجه ذلك الكهل الأحمق قد التصق بزجاج الباب، مكشراً عن أنيابه، بينما كانت كفه اليمنى تصنع بأصابعها إشارة بذيئة استطاعت أن تحرك بعنف أمواج الطيش والحماقة بداخلي، فما كان مني إلا أن التقطتُ، بلا وعي، حجراً من الأرض صادف وجوده بجانبي، ورميتُ به بعنف نحو ذلك الوجه الملعون، ليتهشم زجاج الباب تماماً قبل أن أطلق لساقيَّ المرتعشتين العنان، وأفرُّ بسرعة، مخلفاً ورائي الباص، ووجه ذلك الكهل اللعين، وأشيائي المبعثرة على الأرض، وصوت السائق الذي ظل يصرخ بي دون جدوى…

في مكتب زجاجي صغير، في الدور الأول من مبنى «سنتر بوينت» في وسط المدينة، أخرج المفتش «جيمس كروك» من صدره زفرةَ ملل وهو يقلّب أوراق الملف الذي بين يديه قبل أن ينظر نحوي بهدوء قائلاً:
– مستر كاسيم! لا بد أن تفهم أنك ارتكبت عملاً تخريبياً يستوجب العقاب القانوني…
وقبل أن يتسنى لي أن أفتح فمي أكمل كلامه، الذي كنت قد سمعته مراراً:
– كما أن التحريات أثبتت أنك تعيش في هذه البلاد بشكل غير قانوني…
– أااا…!
– نعم، نعم… أعرف ما تريد قوله… لقد سمعنا مبرراتك أكثر من مرة؛ لكننا، كما تعلم، قد أخبرناك من قبل أن سائق الباص أكد أنك كنتَ الراكب الوحيد عندما سقطتَ أرضاً، وأن كل ما ذكرته عن ذلك الرجل العجوز، أو بقية الركاب، لا أساس له من الصحة… لا يبدو عليك أنك تتعاطى أي نوع من المخدرات مستر كاسيم؛ لكن عليك أن تعرف أنك في وضع حرج!
كنت أريد أن أقول شيئاً مختلفاً هذه المرة؛ لكن المفتش «كروك» كان قد نهض من مقعده، حاملاً معه الملف، وغادر غرفة التحقيق التي امتلأت جدرانها الزجاجية بعشرات الوجوه الغاضبة التي كانت تحدق نحوي بلا رحمة، وتصنع بأصابعها إشارة بذيئة.
شيفلد، انجلترا 2013

 
همدان زيد دماج \
\ قاص وباحث من اليمن

شاهد أيضاً

جارتي الصينية وبغداد ونائمات كاواباتا

فاروق يوسف * أوحي إلى يدي لتكون يدا أخرى، أصابعها وهي تنظر إلي توحي إلي …