أخبار عاجلة

رجال من جبال الحجر التناسلية.. وأشياء أخرى

أظنها رحلة مرهقة.. لغيري مثلما هي لي تلك التي صعدت وهبطت فيها جبال الحجر.. مرارا.. خلف الشيخ حمود الجبلي وحين شد الرحال الى العاصمة… تعقبته.. حتى في نوبات فانتازيته.. كنت أحاول أن أمسك بتلابيبه لأواجهه.. أتفحص عينيه..أغوص تحت جلده.. استقريه في جيناته بيانات هويته.. سواء تلك التي انتقلت اليه من أبويه.. أو تلك التي حفرها غبار جبال الحجر.. ثم ما طمس منها وعدل في رحلة اللهاث وراء المال والأحلام.

واعترف كقاريء.. انني لم أوفق كثيرا.. ربما يتحمل مسؤولية ذلك.. سعود المظفر نفسه، فقد غيبه عشقه للوصف البلاغي.. حتى أنه لم يترك لا الجبال ولا الطرق.. ولا حتى لحى وشوارب شخصيات اللحظة العابرة.. كمراسل أو خادم أو زائر دون وصف دقيق.. فتلاهى عن الغوص أكثر بين خلايا حمود الجبلي.. ليجيب عن سؤال شغلني. لماذا أصبح الشيخ الجبلي هكذا؟! أهو الفقر القديم..:؟! السواد الأعظم كانوا مثله. ولم يصبحوا مثله ؟! أحادث مر به في طفولته، بدا كنصل غائر في كبرياء فقير، وشعر أنه لا شفاء لكبريائه إلا بالمال والمزيد من المال ؟! لم يقل لنا سعود المظفر هذا..

فانتهت رحلتي في رواية "رجال من جبال الحجر.." ولم أعرف لماذا أصبح الشيخ الجبلي هكذا!!

***

فإن تجاوزنا لماذا تلك.. فمحاور الرواية ثلاثة.

1- الكمية

2- الشيئية

3- الكيفية

ومن حيث الكمية.. فنحن أمام العمل العماني الروائي الأضخم، والأكثر جهدا.. وهو سبق يحسب لكاتبنا كمحور قائم بذاته ومن حيث الشيئية فجرأة هائلة من كاتبنا أن يقترب.. بل يقتحم عالم حمود الجبلي ويمزق أمتاره… لنرى بعينيه… مستورا لم تكن أجهزة استشعار الانسان العادي بقادرة على أن تدركه.. وهذه أيضا تحسب لسعود المظفر.

لكن الجرأة تصنف تحت بند ماذا حدث، والأدب ليس فقط ماذا حدث.. بل أيضا والأهم.. كيف حدث ؟!

وهذا هو محورنا الثالث.. الكيفية ؟!

***

الرواية أية رواية. حياة والحياة ترتكز على نظرية التناسلية..

فماذا عن التناسل في رواية رجال من جبال الحجر؟: تناسل الشخصيات والأحداث ؟!

الحدث الأب في هذه الرواية.. التغيير.. ولقد جاء على لسان شيخ العشيرة، حين تلقى خطابا من الوالي:

– "أبشركم باعتلاء السيد الابن.. دفة الحكم.. وامور الرعية.."

هذا الحدث الأب هو كبير عائلة ضخمة من الأحداث والشخصيات.. فهل كار تناسل هذه الذرية منطقيا؟

بداية.. كان ينبغي لهذا الحدث الأب أن يخصب النفوس، لتلد لنا حدثا ابنا.. أو حوارا يلد بدوره حدث الانتقال الى العاصمة.. لكن الحدث أو الحوار الابن.. الذي يمهد لرحلة الانتقال.. لا وجود له.. فقط.. عبارة فقيرة في الصفحة الثالثة عشرة..

– تفرق الرجال وهم في يومهم ومن أمرهم في شأن..

وبعد ذلك نقلة فجائية لرحلة الشيخ الجبلي وشقيقه سيف وابن عمهما أحمد الى العاصمة.. كان على الكاتب أن يستنطق الحس الحضاري لأحدهم، وليكن كبيرهم حمود الجبلي، في حدث أو حوار يظهر من خلاله رؤيتهم للتغيير الذي تم وتأثيره عليهم كأفراد..

لقد بدا الحدث الأب.. التغيير.. وكأنه أنجب مباشرة حفيدا.. "الرحلة " !! وهذا بالطبع مخالف لنواميس الطبيعة !!

***

وظهور حارث الوارثي في عالم حمود الجبلي يشبه بالضبط امرأة تحمل وتلد في تسع ساعات لا تسعة أشهر لنقرأ قليلا في صفحة سبع وخمسين.

– ما اسمك..؟

أجاب محركا كأسه يسارا قليلا:

– حمود الجبلي

قال بعد أن شرب جرعة كبيرة..

– أنا حارث الوارثي..

وكما نرى.. لا معرفة سابقة على الاطلاق بين الاثنين.

سأل:

-أنت عضو هنا؟!

-نعم وأنا حفيد رجال عظام قادمين لحرث هذه الأرض، واخراج ذهبها.. أخرجه لنفسي أولا وبأية وسيلة. ثم يقول له:

– أنصحك بعدم الثقة إلا في نفسك وقدرتها.. ثم يسأله

-لمحتك تتحادث.. من الرجل الذي تحدث معك؟!

أجاب حمود الجبلي في استغراب

-صديق.. أسكن في ممتلكاته

قال باندفاع باد:

-استغله الى حين تستوثق.. لا تنس الطموح ولا ترض بالقليل أبدا… الديك شركة أو مؤسسة أو أنت من العمال الرسميين ؟! أجاب حمود بانقباض خفي.

-لدي مؤسسة.. لكن لم أمارس أي نشاط بعد.

 قال مقاطعا..

-أعرف مشكلتك.. الأرض.. لا تهتم.. أنا ارتحت لك ونفسك طيبة.. أنا سكرتير مؤسسة الأراضي.. سأساعدك كثيرا، لكن لا تقل لأحد.. هذا سر بيننا.

وبعد ذلك ينصحا بالا يخبر صاحبه بما دار بينهما.. انه في أول لقاء. يلقي بكل ما بداخله على طاولة شخص لا يعرفه على الاطلاق.. ثم يقول له: لا تخبر أحدا.. ولا تثق إلا في نفسك ؟!

وربما يقول قائل إن هذا أمر طبيعي.. طالما أن المبادر بطلب التعارف "حارث" يستمد شهيقه من قعر كأس في يديه.. فلا يعي ما يكون عليه زفيره !!

وهذه الملاحظة تبدو منطقية تماما اذا كان جسر الاتصال بينهما قد انقطع بنهاية اللقاء.. لكن هذا اللقاء كان قاعدة لهرم من الفساد خطط له الرجلان "حارث الوارثي وحمود الجبلي"  بذكاء وحكمة.. فكيف يولد هذا الهرم العملاق من الفساد.. من رحم لقاء عابر بين اثنين لم يسبق لأحدهما أن ألتقي بالآخر من قبل ؟!

ويبدو أن الكاتب لم يكتشف هذا التناقض إلا في الصفحة السابعة عشرة بعد الخمسمائة فحاول الاصلاح.. من خلال ملفات موجهة الى الشيخ الجبلي.. أوصى الوارثي الا تفتح إلا بعد موته.. ومن بينها خطاب يقول له فيه: الآن سأكشف السر.. ان سبب تقربي اليك.. نابع من حبي لأختي.. كان أبوها من عشيرة الجبلي !!

هل هذا مبرر كاف للانفتاح اللامحدود بين الطرفين وفي أول لقاء بينهما..؟ بالطبع لا.. خاصة وأن هذا المبرر يصبح خاويا حين نعود الى الصفحة السابعة والخمسين، حيث تم اللقاء الأول بين الوارثي والجبلي.. وسأل الوارثي حمود عن اسمه.. فأجاب.

-حمود الجبلي.

فقال الوارثي بعد أن شرب بسرعة كبيرة.

-أنا حارث الوارثي..

لا شيء يدل على شعور مفاجيء بالدهشة المصحوبة بالسعادة من جانب حارث، لأنه تعرف بشخص من عشيرة الجبلي، التي تزوجت منها أمه..

علاقة الجبلي بالشيخة..

تناسل منطقي طالما تلك هي الأجواء التي تحيط بالجبلي. صفقات وحفلات وأمسيات ثملة بالفساد.. تلك الأجواء رحم جيد لتشكيل علاقات من هذا النوع.. لكن السؤال الذي يحيرني. هل تحابا؟! لنقرأ هذا في الصفحة الثامنة والسبعين بعد المائتين.

عيونهما تناجي بعضها.. دقات قلبيهما تسمع بعضها.. الجوارح المثارة تنادي بعضها.

أليس هذا وصفا لأحوال المحبين:؟!

وخلال حديثهما تقول له: لا أدري ما حل بي منذ تلك الليلة، وقبل ذلك تقول: أريدك لي وحدي.. أنا غيورة حين أهوى وفي الصفحة الخامسة والسبعين بعد المئتين يقول: أريد أن أقيدك:

أترضين؟

تسأله الشيخة..بماذا؟!

يقول: بسلسلة ذهب.. اريدك ان تلبسيها حول خصرك دائما.. اريد ان اشعر انني اطوقك في كل زمان.

وأسأل: أليس هذا حبا..؟!

نعم.. بالتأكيد من سيقرأ هذه الكلمات دون الرواية سيقول انه الحب.. ومع ذلك فهي تخبره انها للجميع بل وقوادة، ولا يباغت.. بل أكثر يعطيها رقم سيارة امرأة حسناء لتأتي بها اليه.. أهو مريض ليحب قوادة..:؟ لم يقل لنا الكاتب هذا..

وكما قلت.. تكور جنين علاقة الشيخ والشيخة في رحم هذه الأجواء طبيعي جدا.. لكن ان يكون حبا؟ الأمر في هذه الحالة يشبه طفلا يولد ويربى على الأخلاق الدينية وحب العلم في ملهى ليلي؟!

***

المأتم.. أقصد الاحتفال بعاشوراء.. هذا حدث آخر لا ندري من أي رحم في الرواية انبثق، وفي رأيي لا علاقة له بالأحداث على الاطلاق.. لو جاء هكذا. انه مثلا. أعني الشيخ الجبلي.. كان في طريقه لمقابلة عبدالخالق في بيته لأمر يتعلق بأعمالهما التجارية. لكنه فوجيء بعبد الخالق غارقا في الطقوس الاحتفالية في المأتم.. بذلك يصبح المأتم نسيجا من أنسجة الرواية.. أما وهو هكذا كما قرأناه… فيصله كقماشة جيدة.. لقصة قصيرة.. أو مقالة..

ويشبه ذلك حدث العصبة.. التي احتجت، جاءت موازية لسياق الاحداث دون ان تتماس او تتداخل معها. لسياق الأحداث دون أن تتماس أو تتداخل معها.

وانتهى الحدث هكذا: طارت كلمات كريح عاصف: العصبة ووروا أعماق التراب ؟!

ما علاقة حمود بهذا..؟! لو جاء الحدث كالتالي.. ان معاملة للشيخ الجبلي كان يود انهاءها على عجل لكن حظر التجول الذي ساد البلاد لثلاثة أيام تسبب في تأخير انهاء المعاملة.. أو ان الموظف المختص.. أحد أفراد العصبة.. أو أخ له فتغيب.. هكذا تبدو ولادة الحدث منطقية تماما..

إلا أن ثمة علاقات وأحداثا كانت ولادتها طبيعية.. مثل علاقة حمود وعبدالله.. وحمود وشعاع.. والى حد ما علاقة حمود وعبدالخالق.

***

وبالطبع.. ثمة ملاحظات على اللغة الروائية للكاتب.. فهي باستثناء الفصلين الأول، والثاني حوارية في سوادها الأعظم.. وفي كثير من الأحيان يظن القاريء أنه أمام سيناريو سينمائي.. وليس رواية أدبية.

ولنقرأ هذا..

انسابت سيارة في شارع مضاء مغسول.. قال السائق وهو ينظر يمنة.. سأل الجالس وهو ينظر أمامه.. أجاب وهو يوقف السيارة بجانب أخرى.. قال وهو ينزل.. سأل وهما يقتربان من البوابة.

حوار استغرق صفحة ونصف الصفحة الى أن نعرف أن السائق والجالس بجواره هما عبدالخالق والجبلي.. هذا تكرر كثيرا.. بل هو السائد.. كاميرا سينمائية تصور الأبطال من الظهر أو من بعيد.. ثم تقترب بطيئا بطيئا لتعرف انهم أبطال الفيلم.. ربما في اللغة السينمائية يروقني كمشاهد هذا.. لكن في الأدب لا أعتقد.. لقد شعرت أحيانا بالانزعاج.. وأنا أرى بعد صفحتين من الحوار.. ان المتحاورين ليسوا ضيوفا جددا على الرواية.. بل هم حمود الجبلي وحارث وعبدالخالق !!

***
التصوير

كان رائعا جديدا في كثير من المواضع، معقدا، غير مفهوم غير موفق في مواضع أخرى..

مثلا في صفحة خمس وتسعين.

"الجبال تظهر أكثر سوادا.. أكثر تلاحما ببعضها.. كالنافقة ما في جوفها منذ الاف السنين ".

صورة جيدة وأظنها غير مسبوقة.. وأعتقد أن هذه الصورة لاحت في ذهن الكاتب وهو يطل من نافذة طائرة على جبال عمان.. فهكذا تبدو هذه الجبال من على.

صورة أخرى رائعة في الصفحة الرابعة والستين بعد المئة.

"وقفت محدقة كأن لون زرقة عينيها سيتدفق بغزارة.. وليته حذف كلمة لون.. فكلمة زرقة تكفي"

لكن الكاتب كان مسرفا في استخدام تعبير "حزمة الضوء".. إما للتعبير عن الجمال..أو لوصف أضواء الشوارع.. كما كان مسرفا في استخدام كلمة "جامد".. عيون جامدة وجه جامد.. وفي كثير من الأحيان لم يكن موفقا في استخدام الكلمة مثلا في الصفحة السبعين بعد المائتين. يدخلون باسمين.. جامدي الوجوه ؟! "هكذا في النص " كيف يكونون باسمين وجامدي الوجوه في وقت واحد؟!

في الصفحة السابعة والثلاثين ؟ نظر سيف خلفه نظرة جامدة.. هذا عن سيف وهو يودعهم بعد أن أصبح من رجال الامن.. فلماذا نظرته جامدة، والموقف يفترض أن يكون مشحونا بالانفعالات !

في الصفحة التاسعة والخمسين بعد الأربعمائة.. حمود الجبلي يخاطب محاميا: "قدم الاستدعاء للشيخ ليستعد لأيام مملة قادمة ".. تشبيه غير دقيق.. ربما كان أفضل "لأيام عصيبة قادمة "..

كما أن هناك افراطا في استخدام كلمة "شيء" كعشبه به.. مثلا في الصفحة الأربعين "بدت البيوت الكالحة المتداخلة حينا.. المتفرقة أحيانا كشيء يحاول التنفس برئة جديدة".. وهذا دلالة نقص في قدرة الكاتب على أن يأتي بمشبه به مناسب. أيضا لنقرأ هذه العبارة:

"امتدت بقعة ضوء صادرة عن مصباح يدوي.. بين أزقة مظلمة "..

الامتداد هو الانتشار.. فهل هذا يتأتى لبقعة ضوء لمصباح يدوي ؟! الأفضل.. تحركت أو حبت بقعة ضوء لمصباح يدوي بين أزقة مظلمة..

في صفحة (40) تعبير رائع.. "البحر روح المدن " البحر بحيويته وثرائه كالروح في جسد المدينة الأسمنتي..

وأخيرا ثمة بعض الجنح.. ارتكبها الكاتب..وربما المطبعة.. في حق اللغة والنحو تحديدا.. فمثلا كلمة "ذووا" دائما تنتهي بألف وكأنها تعامل كالأفعال الخمسة.. حين تنتهي بواو الجماعة !!

في الصفحة الحادية عشرة "أدارا دلتا القهوة.. والصحيح (دلتي)

في صفحة ست وثمانين "سيصبح الرجال الطيبين وحوشا"… والصحيح "الطيبون ".

في الصفحة التاسعة والأربعين بعد الثلاثمئة "لكن هؤلاء المجلوبون.. يعملون ليل نهار"… والصحيح "المجلوبين ".

ولعلمي بمدى غيرة أصدقائنا النحاة على اللغة.. فأظنهم سيكونون أشد قسوة. على سعود المظفر. من حمود الجبلي نفسه.. ان كان قد قرأ الرواية !!

ورغم هذه الملاحظات.. فالرواية عمل فريد في استلهامها من إحدى أهم وأعظم مراحل التاريخ العماني.. فإن كان هذا يحسب للروائي سعود المظفر.. فهو أيضا دعوة للمبدع العماني أن يستلهم من روح المرحلة.. كما فعل ويفعل مؤلف رجال من جبال الحجر في كل أعماله..
 
 
محمد القصبي ( كاتب مصري مقيم في عمان)

شاهد أيضاً

«الحنين العاري» لدى عبد المنعم رمضان

يعد الشاعر المصري «عبدالمنعم رمضان» المنتمي لجيل السبعينيات شاعرًا إشكاليًّا، تشكل قصائده حالة من الحجاج …