أخبار عاجلة

رجل في الظلام

قام من مجلسه أطل برأسه من النافذة، كان الظلام الدامس يعم كل شيء، الاشجار والأغصان تمرجحها الرياح فكر، هذه الليلة حالكة السواد، يبدو ان الليل في منتصفه والقمر والنجوم مختفية حجبتها السحب السوداء، والعمل الذي بدأت به في النهار يجب اكماله في هذه اللحظة. إذن ما علي سوى أخذ عصاي المعكوفة فهي من شجرة الحنقص، فقد استغرقت مني وقتا طويلا لانتقائها من جذع الشجرة وكيها فوق النار حتى تتساوى حدباتها، ولقد دلكتها بالسمن البلدي حتى صارت تلمع، واصبحت قوية كالحديد.
سآخذ معي ايضا الكشاف اليدوي ليضيء لي الطريق.
أمسك عصاه بيده اليمنى والكشاف بيده اليسرى، خرج من منزله ابتعد عنه كثيراً، رياح الشتاء تهب يسمع هديرها، ساورته افكار ما الذي جعلني اخرج في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ هل العمل يتطلب انجازه  لهذه الدرجة؟ لقد كنت مستلقياً في الفراش هادئ البال! كاد النوم يغلبني يا لها من هواجس، والآن ماذا لو تقابلت مع أحد الوحوش؟ ماذا سأفعل؟ كان يمشي سريع الخطى، يرفع عصاه قليلا عن الأرض ثم يخفضها حتى يسمع وقعها، لتكون له أنيساً يده اليسرى قابضة على الكشاف ومسلطاً الضوء أمام قدميه كان يسمع تكسير الاحجار تحت قدميه، كان يرتدي معطفاً وجلابية تصل الى أخمص قدميه ورغم هبوب الرياح في الشتاء الا ان الاجواء لم تكن باردة! فقد لطفها كثرة اشجار السدر المتناثرة على طول الطريق وفي اطراف الحقول، اما الأرض الصالحة للزراعة فقد كانت قاحلة.، لأن موسم الامطار لم يحن بعد وكذلك شحته في هذا الفصل من السنة، اصبح تفكيره منصبا على الطريق المتعرجة والممتلئة بالأحجار المتناثرة، وكثيراً ما كان يتخيل ظل شجرة بأنه انسان قادم نحوه او وحش يريد الانقضاض عليه، لوح بعصاه الى الأعلى، وسرعان ما يكتشف انه ظل شجرة او احد الطيور الليلية تطير من شجرة لأخرى.
بدأ يجمع قواه وتثبيت خطواته ليكون أكثر مراساً. كان يتذكر والده عندما كان في أوج قوته وتلك الحادثة التي حصلت له، عندما كان يمشي في منتصف الليل والظلام يحيط به لا يكاد يرى شيئا.
وأنه كان متمرساً المشي ليلاً وكان يحب ذلك لان معظم أعماله يقضيها في الظلام. في تلك الليلة الحالكة الظلمة وثب أمامه نمر وقف أمامه بشجاعة ولم ترتعد فرائصه وقف أمامه ليميز نوعه وما هي الطريقة التي سيتعامل بها معه. كان يلبس قميصاً أبيض ومعطفا كاكيا ذا لون رمادي، الخصر معصوب بحزام عريض وسيف معلق من الجهة اليسرى استل ذلك السيف بيده اليمنى، أخذ يلوح به في الهواء يميناً وشمالاً كان السيف لامعاً بحيث تستطيع رؤيته في الظلام وساعده على ظهوره النجوم التي بدأت تضيء في السماء تقدم النمر ببطء مكشراً عن أنيابه، يريد الانقضاض عليه لكن لمعان السيف منعه من التقدم أكثر، فكلما دار حوله استدار الرجل نحوه وهو ممسك سيفه، كان النمر يتحين الفرصة لأن يفلت السيف من يد الرجل، أو تخور قواه فيسقط أرضاً، كان يعلم في داخله ان الرجل لا يخشاه، وانه يريد الفتك به، كانت رائحة الرجل تصل الى أنفه وبهذه الحالة يستطيع تمييزه، هل هو خائف أم شجاع، وهل يريد القتال وعدم الاستسلام، كان الرجل يرى الموت أمامه،ولكن اصراره على الصمود وعدم الاستسلام جعله أكثر ثباتا، فكلما تقدم نحو النمر ازداد الرجل شجاعة وجرأة للوثوب عليه سنحت الفرصة للرجل ورفع صوته ليصل للمنازل القريبة لانقاذه، وقد هب رجال كثيرون نحوه، وما ان رآهم النمر حتى ولى.
تذكر تلك الحادثة وأصبح أكثر مراساً ورفع رأسه لاعلى وتقدم بخطوات قوية، رفع صوته بالغناء، لم يكن يحفظ كلمات الاغاني وانما يخرج نبرات صوته بالألحان لأن اللحن الذي يخرجه يتناسق مع تلك الكلمات التي يتذكرها. لان عقله الباطن لم يتح له نطقها، شيء ما كان رابضا فوق الشجرة رفرف بجناحيه بقوة، اهتزت الاغصان انحنى نحو الأرض التقط حجراً، قذف به نحو الأغصان تحركت معظم فروع الشجرة فزعت عدة طيور وطارت وحطت مرة أخرى، تحرك الى الامام بخطوات ثابتةن سمع وقعاً لأقدام في الخلف قال: لابد ان يكون حيواناً مفترساً جاء في هذه الساعة المتأخرة إذا لابد من الحيطة والحذر، اندفع الى الامام بأقصى سرعة صعد فوق أقرب شجرة، كان القادم له رأس دائري، وشعر كثيف في رأسه حتى رقبته، العيون سوداء براقة داكنة كانت يداه الاماميتان مرتفعتين قليلا عن قدميه الخلفيتين كان له ذيل بطول خمسين سنتيمتراً وينمتلك مخالب قوية في يديه أحس بالرجل عندما صعد الى الشجرة فاندفع نحوه بلمح البصر دار حول الشجرة دورتين، ثم انطلق بسرعة قصوى، ثم عاود حاول الصعود فلم يسعفه ثقل جسمه وعضلاته القوية على التسلق للشجرة حيث هي مرتفعة بجذورها عن الأرض زأر بأعلى صوته، كاد الرجل ان يسقط من الخوف، دار حولها كان الرجل ممسكاً بأحد الفروع بقوة، تشنجت أعصاب يديه كان قلبه يخفق بشدة، فكر لو انه ظل على هذه الحالة لانهارت قواه، ولسقط أمام الأسد، كان الشال مربوطا حول رقبته، لفها بفرع الشجرة وربطها جيدا بحيث تساعده على عدم السقوط، هدأت نفسه قليلا، لكن الاسد كان مصراً على عدم مبارحة المكان، فكان يحفر بمخالب يديه حول الشجرة زأر مراراً دون جدوى، لاح الشفق في الأفق، الظلام ينزاح امامه، أدرك انه لو بقي مدة اكثر من اللازم في هذا المكان فسوف يمسك به غادر المكان، بينما كان الرجل قد فارق الحياة من شدة الرعب.

سعيد محمد الحمادي
قاص من اليمن

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …