أخبار عاجلة

رحلات ابن بطوطة بالعربية

1 – سرديّات الرحلة في التراث العربي:
يقع هذا الكتاب الذي يحمل عنوان “المرشِد إلى قارئ رحلات ابن بطوطة بالعربية The Travels of Ibn Battuta; A Guided Arabic Reader”، الصادر عن مكتبة ومطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ضمن مدوّنة الدراسات التي اشتغلت على أدب الرحلة العربي. وهو كتاب موجَّه إلى القارئ الغربي الذي يهتم بالثقافة العربية بالأساس من جهة أولى، أو الطالب غير الناطق بالعربية الذي يريد الارتقاء بمستواه اللغوي والمعرفي عبر تحصيل عدد كبير من المعلومات والأساليب والتراكيب والمفردات العربية الجديدة من جهة ثانية. أما مدوّنة أدب الرحلة العربيّ فهي مدوّنة عريضة للغاية؛ لأنها ممتدة في المكان والزمان والأحداث. ومن الجدير بالذكر القول إنه لا يندرج تحت مُسمّى “أدب الرحلات” ما أبدعه الرحّالة والشعراء والكُتّاب العرب القدامى عن رحلاتهم المتنوعة التي قطعوها نحو أماكن ومواضع وبلدان عدة فحسب، بل يتضمن المفهوم عددًا كبيرًا ولافتًا أيضًا من الدراسات التاريخية والثقافية والنقدية الحديثة التي اشتغلت بالدرس والتحليل والتفكيك على بعض متون هذه المدوّنة الثريّة في تراثنا النثري. لقد أصبح مما هو معلوم بالضرورة في سياق الحديث عن تاريخ الأدب العربي القديم، وتاريخ النثر الفنّي منه بصفة خاصة، القول إن مدونة أدب الرحلة العربي أمست رافدًا بالغ الأهمية والتأثير في تأسيس، وتدشين، ما عُرف لاحقا باسم “السرديّة العربية القديمة” التي تمتاح جذورها وأنساغها من متون “ألف ليلة وليلة” و”فن المقامات” و”حكايات الشُّطّار والعَيّارين” و”قصص الأنبياء والرسل والملوك”، وكثير من المرويّات الخرافية والأساطير، وغيرها من المرويّات الشفاهية التي لم تعرف إلى التدوين سبيلا إلا متأخرا جدا. وكلها روافد سردية ومعرفية ألهمت حتى الكثيرين من روائيينا وقصّاصينا العرب المعاصرين إلهامات شتّى، كما هو مسجّل في تاريخ الرواية العربية الحديثة في أكثر من مصدر أو مرجع، سواء على مستوى الثيمات والأفكار أو الصور والتمثيلات المختلفة للشعوب والحضارات المجاورة (راجع مثلا كتاب: عبد المحسن طه بدر: تطور الرواية العربية الحديثة في مصر (1870- 1919)، دار المعارف، القاهرة، ط4، 1983).
وكتاب “تُحْفة النُّظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن يوسف اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة، العائش في القرن الثامن الهجري (703هـ/1304م- 779هـ/1377م) أقرب إلى نصّ السيرة الذاتية لصاحبه -كما يصفه بنسالم حميش- الذي قضى في جمع مادته، عبر رحلاته المتعددة، قرابة ثلاثين عامًا، حيث انطلق من بلدته طنجة عام 1325م، ولم يعد إلى وطنه المغرب إلّا عام 1355م (راجع: بنسالم حميش: عن سيرتَي ابن بطوطة وابن خلدون، كتاب الدوحة، أبريل 2014، ص:18). وقد تمّ تدوين نص الرحلة عام م1355 بأمر من السلطان المغربي أبو عنان على يد الكاتب الأندلسي أبي عبد الله محمد بن جُزيّ الكلبي، على غرار الحكايات التي رواها الرحَّالة شفويًا. ورغم تقدير معظم الباحثين الأوروبيين لنصوص الرحلات باعتبارها وثائق تاريخية مهمّة، فقد كان من الغرابة أن كتاب “رحلات ابن بطوطة” لم يكتسب شعبيته في الغرب إلّا في مرحلة متأخرة كثيرا. ففي القرن التاسع عشر، حينما ازداد التواصل مع أوروبا وتم تقديم الكتاب هناك ليترجم إلى الإنجليزية والفرنسية ولغات أوروبية أخرى، بدأت تظهر اهتمامات الباحثين والمؤرّخين به وبتقديم البحوث والدراسات حوله.
2 – البنية والمنهج:
يتكون كتاب “المرشِد إلى قارئ رحلات ابن بطوطة بالعربية” للمؤلِّفَين ديفيد ديميو وإيناس حسن من مقدمة وعشرين فصلا (أو “درسا”) قصيرا، فضلا عن معجم لغوي عربي/إنجليزي مصغّر، وقائمة بأهم القواعد النحوية (العربية) التي تغطّيها الفقرات العربية في الكتاب، ومعجم أعلام، ومعجم أماكن باللغتين الإنجليزية والعربية. أما الفصول -أو الدروس- العشرون فقد حذا فيها المؤلفان حذو التسلسل أو النسق الذي اتّبعه ابن بطوطة في كتابه “تُحْفة النُّظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، حيث تضمّن ما يلي: 1- انطلاق أعظم رحلة، 2- منارة الإسكندرية واحدة من عجائب الدنيا، 3- السلطان المملوكي بمصر، 4- القدس وقبّة الصخرة، 5- دمشق جنة الشرق، 6- رحلة الحج والمدينة، 7- الحج إلى مكة، 8- بغداد مدينة الخلافة، 9- اليمن بوابة آسيا الشرقية، 10- الخليج الأفريقي، 11- الرحلة عبر الخليج، 12- الحشد الذهبي لروسيا المغولية، 13- القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، 14- سلطان الهند، 15- ديلهي عاصمة الهند الإسلامية، 16- قاضٍ في جزر المالديف، 17- مملكة الصين الغنيّة، 18- إسبانيا الإسلامية (الأندلس)، 19- العودة للديار، 20- الرحلة إلى مالي وتمبكتو.
وكما يذكر المؤلفان ديفيد ديميو وإيناس حسن في مقدمة كتابهما، وفي أكثر من وضع، فقد صمّماه من أجل شريحة من الطلاب الذين يطمحون إلى تحقيق مستوى احترافي بعينه في تعلّم اللغة والثقافة العربية؛ إذ يسعى هذا الكتاب إلى تقديم صورة دقيقة عن طبيعة الأدب العربي القديم عبر دراسة تشريحية مفصّلة، وموجّهة في الوقت ذاته، لواحد من أهم الأعمال الإبداعية التي تنتسب إلى حقل الأدب القديم؛ أقصد إلى كتاب “تحفة النظار..” لابن بطوطة. ففي مثل هذا الكتاب، سوف يعثر الطالب أو الباحث غير العربيّ -عبر عدد كبير من الاقتباسات العربية المُستلّة من نص ابن بطوطة مباشرة- على صورة دقيقة، وواقعية، للنص الأصلي الذي ألّفه الرحّالة العربي الأشهر، جنبًا إلى جنب عدد كبير من الملاحظات الشارحة التي تجعل من ذلك النص العربي القديم نصًّا مقبولا إلى درجة كافية لدى الطلاب الذي يدرسون اللغة أو الثقافة العربية في السنة الثالثة أو الرابعة. من هنا، يقدّم هذا الكتاب -عبر منهجه الوصفي الذي ينحو منحى تفسيريًا حينًا وتأويليًّا مقارنًا حينًا آخر- سلسلة وافية من التدريبات اللغوية التي تهدف إلى قياس مدى فهمهم ومدى تطور مهارات القراءة النقدية لديهم؛ الأمر الذي يجعلهم يستطيعون تطبيق مثل هذه البِنَى التركيبية اللغوية الموجودة في نهاية كل فصل في أثناء ممارساتهم القرائية أو الكتابية في نصوص أخرى. وبعيدًا عن موضوع احترافية تعلّم اللغة الذي هو واحد من أسباب تأليف مثل هذا الكتاب المهمّ، يمثّل كتاب «تحفة النظّار.. « نافذة ثقافية مهمّة تطل على الثقافة العربية وقطاع كبير من تاريخ العالم في تلك الفترة. أما مؤلف النص الأصلي، وهو ابن بطوطة، فقد كان واحدا من أكثر الكُتّاب ذيوعا وانتشارا في حقبة العصور الوسطى، بحيث يمكن القول إن كتابه الذي اشتُهِر، لاحقا، باسم مختصر هو «رحلات ابن بطوطة» يقدّم عددا كبيرا جدا من الصور (أو البورتريهات Portraits ) غير المتوازية عن طبيعة المجتمعات الشرق أوسطية، وعن عدد كبير من البلدان الأفريقية والآسيوية، خلال أزمنة قديمة كان التأثير الأقوى فيها للسلطة الإسلامية. وفي هذا السياق، يعترف مؤلِّفا كتاب “المرشِد إلى قارئ رحلات ابن بطوطة بالعربية” بأنه لا يوجد أفضل من كتاب ابن بطوطة ذاته في قدرته على رسم تلك الصورة التي تمنحنا رؤية دقيقة لعظمة الحضارة الإسلامية في امتدادها وتوسّعها وامتزاجها بالكثير من البلدان والثقافات شرقا وغربا، وذلك بفعل انتشار الدين الإسلامي في عدد كبير من البلدان الإفريقية والآسيوية، خصوصا تلك الدول غير الناطقة باللغة العربية. باختصار، يمثل هذا الكتاب فرصة كبرى للطلاب والباحثين من غير العرب ممّن يطمحون إلى التعرّف عن قرب على بعض النصوص العربية القديمة التي تعكس علاقة اللغة العربية بأبعادها الثلاثة التاريخي الحضاري والمعرفي، كي يتمكّنوا من تلمّس تاريخ بعض الثقافات الكبرى آنذاك، مثل الإمبراطورية الصينية، وروسيا المغولية، وتمبكتو، ومكة، والقسطنطينية، .. وغيرها، وذلك من خلال عينَيْ واحد من أهم رحّالة القرن الرابع عشر الميلادي هو المعروف بابن بطوطة.
3 – هويّة النص الأصلي: المصدر، والمؤثّرات، والترجمات:
تُحيل الاقتباسات العربية في كتاب ديفيد ديميو وإيناس حسن إحالة مباشرة إلى النص الأصلي لابن بطوطة الذي تجاوز قِدَمه التاريخي ستة قرون. فبعد عودة ابن بطوطة إلى بلاد المغرب عام 1354/1355هـ -حسب أرجح الأقوال- تمّ تكليفه مباشرة من قبل السلطان بإملاء مذكّراته عن رحلاته على كاتب البلاط الملكي آنذاك محمد ابن جُزَيّ الكلبي الذي التقى به ابن بطوطة سابقا في إسبانيا (الأندلس). وبناء عليه، فقد أملى ابن بطوطة حكاياته ومرويّاته ومشاهداته على ابن جُزَيّ الكلبي بالفعل؛ ومن ثم فإن النسخة الموثوقة بين أيدينا هي -بشكل أو بآخر- عمل فني وثقافي مشترك، أو هو مزيج تأليفي من عمل ابن بطوطة الرحّالة وابن جُزَيّ الكاتب معًا. وبوصف ابن بطوطة كان موظّفا رسميا أو عموميا (حيث كان “قاضيا” مسلما آنذاك)، وأنثروبولوجيا غير رسمي، فقد كان كثيرا ما يخلط بين ما رآه رأي العين وما سمعه من حكايات ومرويات في رحلاته المتعددة سمعها من أفواه رواة متعدّدين هنا وهناك، في حين أن ابن جُزَيّ نفسه هو مَنْ قام بزخرفة الكتاب وهندسته لغويًا. فضلا عن ذلك، فإن نص ابن بطوطة يستدعي، أو يستلهم، عددا كبيرا من الاقتباسات الحرة التي تنتسب إلى رحّالة عربي أسبق هو ابن جُبير (540هـ- 614هـ)، وكثيرا ما ترد أمثال هذه الفقرات دون تحقيق أو إحالة. لكنّ بعض الباحثين المتأخّرين قد طرحوا على مثل هذه المواضع من رحلة ابن بطوطة عددًا من التساؤلات الإشكالية، مثل رحلته إلى مدينة “بيجينج” خلال إقامته في الصين؛ الأمر الذي تقتضي الأمانية العلمية والدقّة البحثية الوقوف عنده ومحاولة الوصول إلى تفسير مثل هذه الظواهر اللافتة للنظر.
ولعل الفكرة التي تفرض نفسها بإلحاح على قارئ “تحفة النظّار …”، كما ألحّت على مؤلفَيْ كتاب “المرشِد إلى قارئ رحلات ابن بطوطة بالعربية” هي إذا كان ابن بطوطة هو نفسه من روى على السلطان قصص أسفاره ومغامراته، فإنه قد روى على مسامع السلطان ما أراد الأخير أن يسمعه من علَّامة مسلم تقيّ، وما أراد الرحَّالة أن يلقيه على مسامع السلطان بهدف المكاسب الشخصية. بيد أن هناك فرضية تقول إنه بعدما أملى ابن بطوطة حكاياته على ابن جُزَيّ واصفًا له ما رآه في أسفاره، ربما أضاف ابن جُزَيّ إلى الكتاب بين الحين والآخر شيئا من توابل القصص بهدف التشويق والإثارة وسهولة التواصل مع القراء، أو ربما أضاف معلومات عن جغرافيات البلدان التي يكون قد زارها ابن بطوطة، ناقلًا إياها من كتب أخرى أُتيحت له آنذاك. وقد يعزّز مثل هذا الطرح ما ورد في مقدمة ابن جُزَيّ من أنه التقى ابن بطوطة في غرناطة وتحدّث إليه، وهناك روى ابن بطوطة قصص رحلاته المدهشة عليه، في حين كان ابن جُزَيّ يدوّن الملاحظات وبعض النقاط المهمة قبل أن يسمع بها السلطان المغربي آنذاك. فإذا ثبت صحّة مثل هذه الروايات فإنه يمكن الميل إلى الاعتقاد بأن ابن جُزَيّ قد صاغ نص الرحلة فيما بعد معتمدًا على ملاحظاته هو، فضلا اعتماده منابعَ أدبيةً وجغرافيةً أخرى، دون أن يأخذ مصادره من السلطان أو من ابن بطوطة فقط، حسب الرواية المعروفة. وبما أن ابن جُزَيّ كان مطّلعًا آنذاك على نص رحلات التاجر والمستكشف الإيطالي المعروف ماركو بولو Marco Polo (1254م- 1324م)، فإنّه ربما يكون قد أفاد منه في بناء رحلات ابن بطوطة بالشكل والأسلوب الذي وردت به إلينا.
4 – إعادة القراءة و/أو بناء سياق ثقافي جديد:
مما لاشك فيه أن كتاب “تُحْفة النُّظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” لابن بطوطة قد أمسى اليوم وهو يُنظر إليه باعتباره واحدًا من أهم السرديّات التاريخية في العصور الوسطى؛ تلك التي لم تكن معروفة لدى الغرب ذاته قبل عام 1800م، عندما اكتشف الألماني أولريخ جيسبر سيتزن Ulrich Jasper Seetzen الذي حقّق مختارات ابن جُزَيّ وترجمها إلى الألمانية عام 1818م. لكنّ ثمة ترجمةً مجتزأة للنص قد ظهرت في عام 1829 على يد الأستاذ صمويل لي Samuel Lee. أما الاكتشاف الأهم في سياق الحديث عن ترجمة الكتاب والمؤثرات الكامنة وراء ذلك -كما يقول يناقش المؤلفّان تفصيلا في مقدمة كتابهما- فهو امتلاك رجل فرنسي خمس نسخ من مخطوط النص الأصلي في الجزائر عام 1830م، والغريب أن واحدة منها كانت ممهورة بتوقيع ابن جُزَيّ نفسه. وفي عام 1858م، أصدر الباحثان تشارلز دفرمري Charles Defremery وبنيامينو سانجوينيتّي Beniamino Sanguinetti أول ترجمة كاملة لنص الرحلات، وضمّناها النص العربيّ لابن بطوطة. من جهة أخرى، كانت الترجمة الإنجليزية والدراسة التاريخية الأكثر موثوقية لمرويات ابن بطوطة مكتوبة من لدن المؤرخ الإسكتلندي الشهير ه. أ. ر. جب H.A.R. Gibb ما بين عامي 1929م و1958م، لكنّ النسخة النهائية قد اكتملت على يد تشارلز بكينجهام Charles Beckingham عام 1994م. وبعيدًا عن مثل هذه الإحصاءات أو الاستقصاءات لكل ما مرّ به كتاب ابن بطوطة من ترجمات عدّة، رغم أهمية مثل هذا العمل بالطبع، فإن حجم المعرفة أو المتعة التي سوف يحصّلها قارئ كتاب “تُحْفة النُّظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” تمتاح مباشرة من واحد من أكثر النصوص الثقافية والتاريخية أهمية في التراث العربي. والكتاب الذي بين أيدينا الآن لكل من ديفيد ديميو وإيناس حسن ينهض على هذا الفعل ذاته، أقصد إلى كونه إعادة قراءة -أو ربما إعادة صنع سياق Re-Contextualization جديد- لكتاب ابن بطوطة، وذلك بوضعه في دائرتين متوازييتن؛ تمثّل إحداهما سياق الإنتاج والتشكّل في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، وتمثّل الأخرى سياق التلقّي الثقافي وإعادة الإنتاج “هنا-الآن” مع بدايات القرن الواحد والعشرين.
لقد ذُكِرت في نصوص بعض الباحثين والمستشرقين الألمان مقارنات عدّة بين نص ابن بطوطة ونصوص أخرى سابقة عليه تنتسب إلى كتَّاب ورحَّالة مختلفين، سواء كانوا من الشرق مثل ابن جُبَير، أو من الغرب مثل يوهانس دي مارنوللي أو ماركو بولو الذي أملى ما شاهده في رحلاته على كاتب آخر يُدعَى روستيشيللي دي بيزا، كما فعل ابن بطوطة لاحقًا عندما أملى مغامراته على ابن جُزَيّ. وهنا، قد تدفعنا مثل هذه الملاحظات إلى عقد مقارنات بين عدد من المقاطع الواردة في متن “رحلات ابن بطوطة” تكاد تتماثل إلى حد لافت للنظر -وربما يثير الريبة والتشكّك- مع بعض مواضع وفقرات مشابهة وردت لدى هؤلاء الرحّالة السابقين. وبغضّ النظر عن هذه المواضع المتناثرة في ثنايا “رحلة ابن بطوطة”، على قلّتها التي لا تشكّل، في رأيي، ظاهرة قد تزعزع من موثوقية نصّه الرحليّ، فإن الثابت لدينا أن ابن بطوطة رجل قد التذّ بغواية السفر وافتتن به، وقضى ما يقارب الثلاثين عاما من حياته متنقّلا بين بلدان المنطقة العريية وآسيا وافريقيا، مشيرا إلى نفسه وإلى وطنه وجماعته بين حين وآخر. إن نص ابن بطوطة «تُحْفة النُّظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» يتجاوز طابع الرحلة المؤسَّسة على غواية المغامرة ودوافع الدهشة والغرابة القائمة على مبدأ ثقافة العين إلى كتابة نص سِيريّ يحمل بذورًا سردية وخصائص كتابة بيوجرافية عربية باكرة.
الهامش
المؤلفان: ديفيد ديميو و إيناس حسن (David DiMeo and Inas Hassan).
الناشر: مطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، AUC Press.
مكان النشر: القاهرة.
لغة الكتاب: الإنجليزية، والعنوان الأصلي للكتاب هو:
The Travels of Ibn Battuta; A Guided Arabic Reader.
سنة النشر: الطبعة الأولى 2016م.
عدد صفحات الكتاب: 316 صفحة من القطع المتوسط.
“ المرشِد إلى قارئ رحلات ابن بطوطة بالعربية”:
من ثقافة العين إلى نص السيرة


محمد الشحات*

شاهد أيضاً

من الخالدين أبومسلم البهلاني (ت 1920م)(1)

محمد بن ناصر المحروقي* ما هو الأثر الذي تركه “أشعر العلماء وأعلم الشعراء”: أبومسلم البهلاني؟ …