أخبار عاجلة

رحلة أورفيوس في « آخر تانغو »

إني أسمع صدى رقصة التانغو تلك
التي شاهدتها تؤدى على الرصيف في
لحظة تنتصب وحيدةً بلا قَبل ولا بعد،
ضد النسيان، ولها طعم كل ما فُقد، كل
ما ضاع وتم استعادته.
        (خورخي لويس بورخيس)
«الليلة نرتجل».. تصيح جين الجذلة (ماريا شنايدر) فيما تدخل الشقة الواقعة في شارع جول فيرن للمرة الثالثة. على الرغم من التلميح إلى بيرانديللو وفيرن، إلا أن الفيلم يمثّل خطاً أو حدّاً فاصلاً لبرتولوتشي، ذلك لأنه لم يعد مرتبطاً بنموذج أدبي. انشغاله المباشر مع الأدب بدا أنه انتهى مع سلسلة الأفلام التي شغلت طاقاته من 1961 إلى 1970. مع إكماله لفيلمه «الممتثل» برهن برتولوتشي أن للسينما أسلوباً ولغة خاصة بها، مؤهلة تماماً للتعبير عن نسختها الخاصة، وبطريقتها الخاصة، من النموذج الأدبي.

بعد سنوات قليلة من انتهاء برتولوتشي من فيلمه «آخر تانغو»، قال له جان رينوار: «في الموقع، ينبغي على الدوام أن تترك الباب مفتوحاً، والذي من خلاله قد يدخل زائر غير متوقع. هذه هي السينما». لكن برتولوتشي كان قد اكتشف هذا الدرس قبل سنوات. لقد منح مارلون براندو وماريا شنايدر حرية هائلة في ابتكار دوريهما فيما الفيلم يتفتح وينمو.. الباب ظل مفتوحاً طوال الوقت.
الزائر الذي لمّح إليه رينوار كان زائراً غير عادي.. وحسب برتولوتشي فإن: «الكلمة الحديثة للمفهوم الإغريقي عن القدر  هو اللاوعي أو اللاشعور. لاشعوري هو قدر أفلامي». ومن لاوعيه انبثقت شخصية من الأسطورة الإغريقية والتي صار عليها أن تبني هذا الفيلم بطريقة هي متماسكة بعمق على الرغم من درجة الارتجال الذي قام به الممثلون. ثمة سلسلة معقدة من الإشارات الضمنية أو غير المباشرة إلى أسطورة أورفيوس، وإلى ترجمات أو قراءات حديثة عديدة للأسطورة تخترق الفيلم.
وفقاً للأسطورة، يوريديس، زوجة أورفيوس، تعرضت على نحو مميت للدغة أفعى فيما كانت تهرب من عشيقها أريستايوس. زوجها أورفيوس، الذي لا عزاء له في موتها، ينجح في سحر وافتتان إله العالم السفلي بشِعره وموسيقاه، والذي يجيز له في المقابل الهبوط إلى مثوى الأموات واستعادة زوجته، لكن شرط أن لا يلتفت إلى الوراء، وينظر إلى زوجته، فيما يقودها خارج العالم السفلي. أورفيوس، في اللحظة الأخيرة، نقض هذا الشرط الشيطاني، ففقد زوجته إلى الأبد.
التماثلات بين الشخصيات في الفيلم وتلك التي في الأسطورة ليست جلية على نحو مباشر ذلك لأن، كما في الإعدادات الأخرى عن الأسطورة والتي قام بها آخرون من الفنانين المعاصرين مثل: جان كوكتو، جول فيرن، مارسيل كامو، تنيسي وليامز، عمل برتولوتشي أيضاً هو تحريف بقدر ما هو إعادة عرض للأسطورة. إن تحليل الفيلم سوف يوضّح الصلات العديدة مع البناء الميثولوجي.
«آخر تانغو في باريس»، بالتعبير الأبسط، يعرض رجلاً (بول) وامرأة شابة (جين) يلتقيان صدفة في شقة قرب Quai de Passy في باريس. نحن نعلم، أثناء مسار الفيلم، أن زوجة بول (روزا) قد انتحرت مؤخراً، وهو، الطافح حزناً وأسى، على نحو يائس يلتمس الطريقة والوسيلة لاستعادتها. مع جين، يتمثّل بول سلسلة من التخيلات الجنسية العنيفة. عندما يغادر الاثنان الشقة، للمرة الأخيرة، يقوم بول بملاحقة جين حتى يدخل وراءها شقتها. هناك تطلق عليه النار وتصيبه في المنطقة الحساسة أسفل بطنه وتقتله.
أحد المفاتيح لفهم بنية هذا الفيلم يظهر في وقت لاحق في العمل عندما يجلس بول قرب تابوت زوجته روزا ويوجّه مناجاة طويلة، حافلة بالغضب والاستياء والإحساس بالذنب. هذا المشهد صعب بشكل خاص لأنه ابتداءً ليس واضحاً ما إذا بول قد غادر شقة جول فيرن أم أنه في المبغى الذي كانت زوجته تملكه وتديره، ولا ما إذا هي مرئية فيما المشهد يبدأ. هذا الغموض يتيح للمتفرج، للحظةٍ على الأقل، الانطباع بأن بول يخاطب جين التي معها هو أنهى للتو مشهداً ذا تأثير عاطفي هائل، قائلاً لها بأنها لأجله يجب أن «تضاجع خنزيراً ميتاً». الخطاب الموجه إلى جثة روزا هو حاسم، ذلك لأنه على نحو استعادي يوضح علاقة بول بزوجته، ويقدم الباعث الضمني، القابل للفهم أو الإدراك، لبحثه المتعذر تفسيره بطريقة أخرى، عن شقةٍ وبناء علاقة مركبة مع جين.
قرب تابوت روزا، المحاط بالأزهار من جميع الجهات، هو يرتّل مرثيةً تتحول تدريجياً إلى اتهام رهيب لكن عقيم: روزا «عاهرة لعينة» و«فاسقة كاذبة»، انتحارها (بموسى حلاقة يخص عشيقها مارسيل) هو خيانة. بول يهاجم بعنف جثمانها الجامد.. «حتى لو يعيش الزوج مائتي سنة فسوف لن يكون قادراً أبداً على اكتشاف طبيعة زوجته الحقيقية. أعني، قد أكون قادراً على فهم الكون، لكنني سوف لن أكتشف أبداً حقيقتك.. من أنتِ بحق الجحيم؟»
تكرار هذا السؤال عن هوية الوالدين، الذي طُرح سابقاً، على نحو لحوح، في فيلمه السابق «خدعة العنكبوت»، يعزّز كلاً من الحاجة الاستحواذية وتعذّر الحصول على الإجابة. بالتالي يتوجب على بول البحث في مكان آخر عن المشاركة والفهم والانتقام. وهو يختار لهذا الغرض إحدى ثيمات برتولوتشي الأكثر استمرارية: البديل. إن التكرار المباشر للشتائم العنيفة والبذيئة، والنعوت الأخرى، تُظهر أن جين تعمل كبديلة عن زوجته الميتة. التأرجح الإيروسي – العدائي الموجّه نحو جين يمكن فهمه كإزاحة لخيبة أمل بول وغضبه من روزا.
إن برتولوتشي يوظف أسطورة أورفيوس لسبر العديد من التضمينات الأعمق لمحاولة بول استعادة شخصية الزوجة/ الأم أو الشفاء النفسي منها.
الفيلم يبدأ بسلسلة من اللقطات الرمزية والإيحائية على نحو متعمد. إننا نرى أولاً بول، ثم جين وهي تحاذيه وتتجاوزه. الكاميرا تتحرك (بان) لتظهر لقطة للجسر والنهر، مؤكدةً على نحو مقصود انتقالهما نحو الجانب الآخر من النهر. (1) [وفقاً للأسطورة الإغريقية، ينبغي أن نتذكر بأنه يتعيّن على المرء عبور نهر الجحيم الرئيسي حتى يصل إلى بوابات الجحيم أو العالم السفلي] هكذا تسبقه جين إلى شارع Quai de Passy، الاسم الذي يعطي إشارة ضمنية إلى الموت: Passy تعني عبور أو انتقال و Trepasser تعني «أن تموت». الكاميرا تسجل هذا من زاوية تؤكد البناء الشبيه بالنفق الغائر للجسر. بعدئذ تنتقل الكاميرا بسرعة ولمرات عديدة لتصور مجموعات من شرطة الشغب الذين، حسب ما يبدو، يحرسون الضفة البعيدة.. واعتقد أنه الإيحاء المبكر للتأويل الآخر المشهور لأسطورة أورفيوس. في فيلم جان كوكتو «أورفيوس» (1950)، الشرطة الفرنسية ذات الزي العسكري على نحو عدائي يمثلون الحرس الخاص لمملكة الموت.
ما إن تتجاوز جين حراس الضفة الأخرى حتى تجد نفسها في شارع جول فيرن، وهذه نقطة تفصيلية غير ضارة ظاهرياً حتى يدرك المرء بأن جغرافيا باريس قد تعرضت، على نحو مقصود، إلى الخلط والتمازج. شارع جول فيرن الحقيقي يقع بعيداً عن Quai de Passy. مرة أخرى، برتولوتشي يلمّح إلى فيلم كوكتو الذي فيه ابتكر مدينة تخيلية من شوارع ومناطق باريس. في فيلم كوكتو، يخرج أورفيوس من سيارته في جرينييه (اسم محطة المترو في «آخر تانغو» حيث تلتقي جين بخطيبها توم ويتشاجران) ويصل إلى منطقة (ليست قريبة في الواقع).
إن اختيار شارع جول فيرن (في «آخر تانغو») هو بذاته إشارة ضمنية إلى الأسطورة نفسها.. ذلك لأن رواية جول فيرن Le  Chateau de Carapathe هي بدورها مبنية على أسطورة أورفيوس.
مباشرة قبل دخول البوابات الحديدية الثقيلة للمبنى الذي تقع فيه الشقة، تتوقف جين لحظات لتنظر إلى ساعة يدها.. وهو تلميح آخر إلى فيلم كوكتو الذي فيه تتوقف الأميرة على نحو متكرر لتتطلع إلى ساعة يدها فيما أورفيوس يتبعها عبر شوارع باريس، وتلميح أيضاً إلى قصة لويس كارول «أليس في بلاد العجائب» حيث صانع القبعات المجنون ينشغل بالوقت مباشرةً قبل انحداره صوب الحفرة التي تفضي إلى ما وراء المرآة.
ما إن تدخل جين حتى تصادف بوّابة المبنى السوداء الشريرة، التي تقول بصوت أجش: «أمور عجيبة تحدث هنا». وهي في البداية تنكر معرفتها بوجود شقة شاغرة، ثم بضغينة تقدّم لجين نسخة من المفتاح، وتمسك بيدها للحظات موجعة، ضاحكة على نحو هستيري.
وفقاً للأسطورة الإغريقية، مدخل الجحيم محروس من قِبل مخلوقات تجلس في أقفاص وتتحرش بكل وافد جديد. أشكال مماثلة، أشبه بالساحرات، يمكن مصادفتها في فيلم مارسيل كامو «أورفيوس الأسود»، ومسرحية تنيسي وليامز «هبوط أورفيوس» التي تحولت إلى فيلم بعنوان The Fugitive Kind (2).
إن رواية روبرت آلي، المبنية على فيلم «آخر تانغو»، تصف صوت البوابّة كـ «غابر على نحو هائل. كما لو أن جين تحاول أن تحصل على إذن بالدخول إلى عالم سفلي مبهم ومهدّد، والبوابة مصممة على منعها. هذه المرأة العجوز، الأشبه بالحارسة عند بوابات مثوى الأموات، تطالب بمكافأة قبل السماح لها بالدخول. جين تتساءل ما إذا هي سوف تختفي في جوف المبنى». المكان يصبح «مكاناً خارج الزمن حيث لن يكون هناك أناس حقيقيون يمارسون الأشياء التي يمارسها الناس الحقيقيون.. فقط المشوهون والموتى تقريباً». (3).
في الواقع، جين تلتفت في الوقت المناسب تماماً لترى يداً – محررة من الجسد – تمتد وتضع قنينة نبيذ فارغة إلى جوار صف من القناني الفارغة ثم تتراجع في صمت داخل الشقة عبر الردهة.
إن دخول جين الشقة، حيث حجرة الجلوس لها شكل دائري، هو دخول يحمل تلميحاً إلى النسخ العديدة المعدة عن الأسطورة. فيما جين تمر من خلال المدخل، تنتقل الكاميرا من لقطة مباشرة إلى لقطة منعكسة على المرآة، بحيث تبدو جين كما لو تمر من خلال المرآة لكي تدخل. أورفيوس كوكتو كان عليه كذلك أن يعبر مرآة غرفة نومه لكي يزور مثوى الأموات. في ذلك الفيلم، «المرايا هي أبواب من خلالها يأتي الموت ليقبض على الأرواح».
بعد ذلك، كل مرة يعود فيها الاثنان إلى الشقة يكونان معروضين بواسطة الانتقال السريع المفاجئ، الذي يحطم المتصل الزمكاني الطبيعي بالطريقة الأكثر إرباكاً وإقلاقاً، تماماً كما تربك هي اللقطات التي تسجل وجهيهما وأفعالهما عبر المرآة.
عندما يقول بول للمتصل المجهول عبر الهاتف: «لا يوجد أحد هنا»، فإنه يعلن موتهما الرمزي، ويصوغ في شكل نهائي الانفصال عن هويتهما وأدوارهما الاجتماعية الطبيعية، مهيئاً العلاقة المعقدة التي سوف يتقاسمانها ضمن الحيّز الثري. بقية لقائهما الأول تواصل التلميح عبر المرآة إلى عالم جهنمي تقريباً، بعيد عن الواقع المسلّم به، أو يوازيه بطريقة ما. هذه الموازاة معزّزة إلى حد أبعد بحقيقة أن بول قد ترك وراءه في فندقه بديلاً عنه في صورة مارسيل (4).
في المشهد اللاحق، وعلى نحو ذي مغزى، نرى عمالاً يدخلون في غموض حاملين قطع أثاث بلا إعلان ولا تعليل، وأحدهم يخاطب جين كما لو أنها زوجة بول. الفعل الجنسي المفاجئ على نحو غير متوقع، والذي ينهي هذا المشهد، يسهم بوضوح أكثر في إحلال جين محل روزا، سواء في تعيين هوية جين كزوجة لبول، وفي تصنيفها كمومس.
عندما نعود إلى الشقة، الحميمية، التي هي الآن مكرسة، تفضي بجين إلى سؤال بول عن اسمه، وبذلك تثير القانون المقدّس الذي يحكم وجودهما المستمر معاً. وبول يعلن في اهتياج: «ليس لديك اسم، وأنا أيضاً ليس لدي اسم. لا أسماء هنا (..) لا نحتاج إلى أسماء هنا.. سوف ننسى كل ما عرفناه.. كل الناس، كل ما نفعله أينما عشنا.. كل شيء».
هذا التحريم التام للكشف عن هوية بعضهما البعض والحياة الماضية يماثل، على نحو مجازي، الأمر المقدس الموجّه إلى أورفيوس بعدم الالتفات إلى الوراء.
إن انتهاك بول اللاحق لقوانينه الخاصة، فيما هما يعبران من جديد  الجسر في نهاية الفيلم، سوف يحكم بالهلاك على علاقتهما مثلما حدث مع عصيان أورفيوس وعدم طاعته الأمر.
عندما يكشف بول عن هويته، تصرخ جين: «هذه هي النهاية».. ثم تنطلق هاربة. في تماثل غريب مع أسطورة أورفيوس، هي تفشي هويتها بالتزامن مع إخفاق بول النهائي في استعادة الشكل الأمومي. استجابة لطلبه بأن يعرف اسمها، هي تهمس: «جين»، تماماً في لحظة إطلاقها رصاصة نحو بطنه. ومثل الأسطورة، تتحول جين من الزوجة يوريديس إلى المرأة التي تخصي الرجل.
مع ذلك فإن الحضور المجرد لهذه التلميحات لا توفّر بذاتها تفسيراً للفيلم. لترجمة هذه الشخصيات الأسطورية إلى تأويل، من الضروري البحث وراء نطاق الأسطورة، كما فعل فرويد مع أسطورة أوديب، مدركاً أن الأساطير هي في الواقع أمثلة للعمليات الذهنية أي «آثار محرفة للتخيلات المبنية على الرغبة.. الأحلام الدنيوية للإنسانية الشابة» (فرويد: كتّاب مبدعون وأحلام اليقظة).
في المقالة الأكثر استبصاراً عن طبيعة أورفيوس، وصف جان نورمان الشاعر الأسطوري في مسرحية تنيسي وليامز كـ : «مارق يصبح شهيداً. هو يمثّل الحياة الحرة، الهائمة، المنطلقة، اللامسؤولة، الحافلة بالنشاط الجنسي من غير تعقيدات.. هذه الحياة التي لا يستطيع أن يمارسها إلا عبر التخلي عن كل أمان وإنكار كل تابو. هو الرجل الذي ينتمي إلى مكان آخر، والذي يجلب معه حريته. سماته الثلاث هي غيتاره، أجنحته، وطبيعته الحيوانية. إنه الحيوان الغامض الذي دمه حار أو بارد حسب حالته النفسية (أو تحولاته). الحيوان لا وجود له في نص راينر ماريا ريلكه «سونيتات أورفيوس»، الذي يفتن النساء ويقلق الرجال، الذي هو مخبوء ومجهول، الذي هو غريب ودخيل، على الأقل هكذا يؤمن، لا وعيه، حدسه، الأحلام التي لا يجرؤ أن يتذكرها أو يدركها، الشعر، القصيدة التي يحملها بالداخل والتي معها هو لا يفعل شيئاً بل يدمرها. حقيقة أورفيوس هي حقيقة القصيدة، أثر العمر الذي يتوجب على المرء أن ينتزعه من قوى الموت. إنه الصراع الأزلي لإيروس (إله الحب) ضد ثناتوس (إله الموت). أورفيوس هو، مثل البشر الآخرين، منشطر بين الدوافع الخلاقة والهدامة».
على نحو ذي مغزى، بول (في آخر تانغو) يرفض الأسماء، يفضّل النخير والصيحات الحيوانية على اللغة، ويلاحق حلمه الإيروسي حتى الموضع الأقرب من الموت، مصرحاً أخيراً إلى يوريديس/ جين، الراغبة/ غير الراغبة: «أنت وحيدة تماماً. وسوف لن يكون بوسعك أن تصيري حرة من الإحساس بكونك وحيدة حتى تنظري إلى وجه الموت مباشرةً. أعني أن ذلك يبدو أشبه بالهراء وبالتفاهة الرومنتيكية حتى تدخلي مباشرة في شرج الموت، حتى تجدي رحم الخوف. عندئذ ربما تستطيعين، وسوف تكونين قادرة على إيجاده».
في إعداده لأسطورة أورفيوس، يلحّ جان كوكتو بشكل متكرر على علاقة النرجسية بالموت. كتب كوكتو ذات مرة: «المرايا هي أبواب والتي من خلالها يدخل الموت ليخترق أرواحنا، والتي من خلالها يدخل أورفيوس مملكة الموت».
يلاحظ جان متر (في حديثه عن فيلم كوكتو: أورفيوس) أن «نرسيس فقط في عشقه لنفسه يقدر أن يكون عاشقاً للموت، ذلك لأن تأمل الذات مرتبط على نحو لا يقاوَم بالتفكير في الموت. المرآة هي الطريق المحتوم إلى الموت. إن كان أورفيوس يرفض التقهقر إزاء الموت، فذلك لأن الموت يفتنه وهو يعشقه. هو يحب الموت مثل أم مصيرها مرتبط بمصيره. النرجسية عادةً تنبع من التعلّق أو الولوع المرَضي. الشاب يعشق في نفسه الشيء الذي تعشقه أمه. أورفيوس هو، حرفياً، متخم بنفسه. لهذا السبب هو لا يصغي إلى أحد غير الموت. الموت جميل، فعال، متعذر بلوغه أو الحصول عليه.. وهي الصفات المميزة للأم في عينيّ الطفل».
كذلك يرى جاك لاكان أن النرجسية متصلة بـ «غرائز التدمير، حتى غرائز الموت».
من خلال الرحلة التي يعاد تمثيلها في هذا الفيلم، نحن قد نفهم على نحو أفضل المدى الذي إليه السينما نفسها تكون تجربة أورفيوسية: الهبوط نحو ظلمة مكان محمي في محاولة لاسترجاع أصل مفقود.
                 
هامش:
1) فيرنزي في كتابه «النظرية والممارسة» فسّر التضمينات التحليلية للجسر على النحو التالي:
بوصفه عضو الذكر الذي يوحّد الأب والأم أثناء الممارسة الجنسية/ كأداة نقل هامة بين «الماوراء» – حالة الجنين والرحم – والـ «هنا» – الحياة / كعودة إلى الرحم، إلى الماء، إلى الأرض الأم، حيث الجسر هو أيضاً رمز للطريق إلى الموت. / وأخيراً كتمثيل شكلي للانتقالات عموماً.
إن تحليل فيرنزي لهذا الرمز يوحّد ثيمات من النشاط الجنسي، الانكفاء أو النكوص، الموت.. وكل ثيمة منها سوف تلعب دوراً هاماً في «آخر تانغو».
2) البوابة أيضاً تخدم كرابط بصري بين شقة جول فيرن والمبغى، الذي يؤوي مجموعة من السود، ذوي المظهر الكاريبي، والذين يعزفون موسيقى مثيرة طوال اليوم.. لا شك أنها إشارة ضمنية إلى فيلم كامو «أورفيوس الأسود».
3) رواية «آخر تانغو في باريس»، روبرت آلي، نيويورك، ديل 1973.
4) غرفة مارسيل تحتوي على صورة شخصية، معروضة على نحو بارز، لألبير كامو، الذي تتمحور كتاباته حول الانتحار والعبث، وهي تشكّل الديكور الفلسفي للفيلم. لكن خلف هذا التلميح الجلي يكمن تلميح آخر: التورية البصرية «مارسيل/ كامو» يذكرنا باسم مخرج فيلم «أورفيوس الأسود».
المصدر:   كتاب ( Bertolucci,s Dream Loom, 1987)
 

كتابة: جيفرسون كلاين     ترجمة: أمين صالح
كاتب وقاص من البحرين  

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …