أخبار عاجلة

رحيل صاحب أكبر موسوعة شعرية إسلامية الشيخ محمد بن شامس البطاشي: رحلة معرفية عمرها تسعون عاما من الاجتهاد

"مارست الأمور وتقلبت بي الأحوال وخالطت الأئمة وتقلدت لهم الأعمال وما حصلت منهم على أمر يكدر وها أنا قد بلغت الخامسة والثمانين من العمر وقد أضر بي الشيب وأسأل الله أن يصلح لي ما بقي من عمري كما ستر على ما مضى وأسأله قبول الأعمال وتكفير السيئات".

بهذه الكلمات لخص الشيخ محمد بن شامس البطاشي سيرته الذاتية، التي كرسها لخدمة الإسلام، وكان نبوغه فيه لعلم سلمه لارتقاء سلك القضاء ستين سنة، فلم يفارقه إلا قبل 4 سنوات من رحيله.

في جلساته اليومية كثيرا ما كان يستقبل طلبة العلم والسائلين عن أمور الدين، صباحا ومساء، فكان يومه مدرسة أبوابها مفتوحة، مثلما هو قلبه، للأفواج الراغبة في الاستزادة من علمه بكثير من المسائل.. حتى عن طريق الهاتف.

ولم يشأ بعد تقاعده في 1996 أن يقطع عادته، فخصص جلسات صباحية ومسائية بالمسجد، مع أبناء قريته المسفاة، الذين توافدوا للاستفادة من ذلك البحر الزاخر بالعلم. ولم يكتف بأن يعمر الاذهان بسيرته، بل عمر الأماكن بما انشأ من مساجد منها الصرم بالمسفاة، والحيطان والوشل بمطرح.

ولم يشأ إلا أن يظل نبعا للاستفادة حتى بعد رحيله، فترك مكتبة زاخرة بما هو مطبوع ومخطوط، وجعلها وقفا لأبناء الاسلام، لا تورث ولا توهب.
ميلاد الشيخ وحياته

ولد الشيخ محمد بن شامس بن خنجر بن شامس بن ناصر بن سيف بن فارس بن كهلان بن خنجر البطاشي في بلدة المسفاة، ولاية قريات في عام 1330 للهجرة، وكان رضيعا عندما رحل أبوه، فتعهد عمه المهنا بتربيته، وأدبه، وأحسنهما. وحفظ القرآن الكريم وهو بعد في الثامنة، وواصل الليل والنهار متعلما، معتمدا على ذاكرة قوية، مكنته من حفظ مائتي بيت من الشعر في اليوم الواحد، حتى انه حفظ ألفية الامام نور الدين السالمي في الأصول في خمسة أيام، كما كان يحفظ الجزء الواحد من القرآن في اليوم.

كان هذا النبوغ مشكاته للوصول الى نزوى، نهر العلم والعلماء آنذاك، وكان ذلك وهو بعد في الثالثة عشرة، وصاحبه في تلك الرحلة المعرفية أخوه الأكبر أحمد بن شامس، فنبغ فيما درس، فأصبح الامام الخليلي المعجب بذكائه وفطنته، يجله ويقدمه على الأقران.

وقد سماه الامام الخليلي بالنسابة، إذ بلغ في علم الأنساب منزلة وعلما، فعرف قبائل عمان وبطونها، فلم يسأل عن احداها إلا وكانت لديه الاجابة.
مؤلفات الشيخ

أثرى الشيخ محمد بن شامس البطاشي، المكتبة العمانية، الاسلامية والأدبية، بالعديد من المؤلفات، فكان أن وضع الموسوعة الشعرية الأضخم في تاريخ النظم الاسلامي (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا من الأبيات)، تناول فيه فروعا وآدابا وفضائل، في التوحيد والتفسير والتاريخ والسير.

وقد فرغ من تلك الموسوعة في 3 سنوات، كان خلالها لا ينقطع عن مهام عمله، فإذا مر الشهران دون نظم بيت واحد، عوضه بنظم ألف بيت في يوم واحد.

أما (إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر) فيعد مفتاحا معرفيا لكافة أحكام ومسائل الحج والعمرة وما يتعلق بهما، وضمنه خلاصة ما يفيد زائر قبر الرسول، صلى الله عليه وسلم.

وفي مؤلفه (غاية المأمول في الفروع والأصول)، ذكر الشيخ البطاشي أبواب العبادات والمعاملات، ويقع هذا السفر الضخم في تسعة أجزاء، ويعد من أنفع الكتب الفقهية في عادته.

وساهم الشيخ البطاشي في تأليف السير، فكان مؤلفه (كشف الاصابة في اختلاف الصحابة)، وفيه سيرة الخلفاء الراشدين وملوك بني أمية والعباسيين وأئمة الاباضية في عمان والمغرب.

وتختلف باقي مؤلفات الشيخ في العناوين والمضامين، إلا أنها تأتلف في مقدرته على الصوغ المتبحر، وله عدا الكتب الفقهية مجموعة الاجابات، وفيها جوابه على ما ورده من الخاصة والعامة في كافة المسائل، وله كذلك قصائد في الرثاء وغيره عدا رسائل فقهية موجزة وسيرة ذاتية اقتطفنا منها مفتتح هذا الموضوع.
مختارات من شعره

* الدنيا (قالها في سن الرابعة عشرة)

سأحالف الخلوات في ظلماتها

وأواصل الأرقال بالآساد

وأهين هدبي في طلب العلا

حتى أحصل بغيتي ومرادي

فليهنأ قومي بالدنا أنى امرؤ

قد بعتها بخسا بسوق كساد

* الموت (في رثاء الشيخ العزري)

الموت حتم فما عنه لنا هرب

ولو تطاولت الأعوام والحقب

في كل آن وحين تسمعن لقد

أودى سعيد وعمر زاده العطب

وهكذا جرت الأقدار لا أحد

يبقى فقس ما بدا فالعمر منتهب

* أول قصائده

يا رائحا باليعملات وغادي

يطوي المفاوز من ربى ووهاد

أبلغ بني بطاش أن محمدا

ساع إلى كسب العلوم وغادي

من كان يسعى لاكتساب معيشة

ويبيت فوق أرائك ووساد

فأنا إلى طلب المكارم لم أزل

أسعي بهمة ماجد نفساد.

* كلامنا (أرجوزة في النحو)

كلامنا لفظ مفيد ركبا

كجاز عمار وكمر نكبا

وهو إلى اسم وفعل قسما

وحرف معنى نحو عمرو قد سما

فالاسم بالتنوين والجر والندا

ميز وتعريف واسناد بدا

والفعل بالسين وسوف قد وتا

قمت وقامت نون قاربن الفتى
 

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …