أخبار عاجلة

رسائل اليمام والسَّيْل البشري العارم

سيف الرحبي

أيتها الحريّة، كم أنت بعيدةً وعصيّة، تشبهين الحقيقة الهاربة باستمرار من براثن الواقع والتاريخ.
أيتها الظلال المتمايلة في تهاويم الفجر وأناشيد البدو المترحلة في ليل المتاهةِ والمجهول.
* * *
إلى جبار ياسين

في تلك الربوع الخضراء المفعَمة بالمطر والفراشات ووجوه الأحبة الغائبين.
دائماً يا صديقي رسائلك نصوص إبداعيّة من فرط رهافتها الجماليّة..
لا أعتقد أن من قضى معظم حياته في ذلك الفردوس الأرضي (لاروشيل)،
أضاع وقته في ترهات هذه الحياة العابرة دوماً.
أما نحن فقد رمتنا أقدارنا إلى منازل الخطوة الأولى ، منازل الأسلاف الراحلين والمترحلين….
أضعنا أوقاتاً وجمالات كثيرة، لكن عزاءنا البسيط أن جحافل الجهل والظلام في الأرض العربية الجرداء على كافة الصُعُد، لم تستطع نهبَ أحلامنا التي تحملها عبر الأثير أجنحة الكلمات التي تشبه فراشاتك في تلك البلاد..
وعزاؤنا أن نكون مفيدين على نحو ما في تحفيز القراءة والكتابة وتأمل الجبال والصحراء التي عقدنا معها (ميثاق ولادة وموت) مهما شطّ النوى وطوّحت بنا الأيام. وكذلك أنتم تجاه العراق، والأصدقاء الآخرين تجاه لبنان والشام واليمن والجزائر… الخ. هذا الميثاق يمكن أن يكون رمزياً أكثر منه واقعاً معاشاً. فهناك أصدقاء كثر قضوا في المنافي المختلفة بعيداً عن الأرض الأولى. وهذه الواقعة أقرب الى قلبي ونزوعي نحو الغياب الحتمي. الموت والتلاشي بين الغرباء وليس في ربوع الوطن والعائلة، كي نكمل رحلة بدأناها باكراً في هذه (العاجلة المحبوبة) حسب أبي حيان التوحيدي.
هذا اليوم ونحن نطل على (نوفمبر) الممطر وربما المثلج هناك، ما زال الحرّ مستمراً وإن خفت حدّة غلوائه، تلك الغلواء التي تلطفها نسائم دجلة والفرات في الليل الصيفي لبغداد. (هل ما زالت؟) وسط هذه البرهة الكئيبة وغزارة الدم المُراق.
الأنهار في الجزيرة العربيّة أو ما يشبهها ، قد جفّت منذ قرون وبقيت أخاديد الأودية الجافة كسواق متربة مغبرة بين المدافن الجماعيّة للأقوام الآفلة.
المكيّفات تنعق ليلَ نهار ، وعلى ذُرى ماكيناتها الضاجّة تبني الطيور والغربان أعشاشها وسُكناها، استجداءً لبرودة تتسلل من بين الشقوق والجدران.
في هذه اللحظة وأنا أكتب إليك ، ألمح زوج يمام برّي يحط على نافذة مكتبي ، يستظل ويشرب الماء من القدح الذي أُعده يومياً لهذا الحدث الجمالي الفريد، وهو يؤنس وحدتي بجانب الكتب ورسائل بعض الأصدقاء.. أراقبه من وراء زجاج النافذة ، يرفرف في كونه البهيج، أفراحاً وقُبلا، غراماً محتشداً بالرقة والبراءة؛ لا يطال الضجرُ هذه الحيوات ذات الأعمار القصيرة كالفراشات وغيرها من حيوات الطبيعة (القصيرة) لكن المفعمة بالغبطة والجمال ورهافة العواطف التي يفتقدها أيما فَقد بشر الأرض القُساة.

إثر قراءة لرسالة
أحمد علي الزين
كل شيء يتداعى، من كهوف الأسلاف ومنازل الآجر، حتى المدينة، التي كانت تقف على عتبة الحداثة والتقدم، وما لبث أن اختطفها الترييف، بالمعنى السلبي للكلمة، سلطةً وقيماً وأنماط سلوك، تستعير من التحديث مظاهره السطحية ومن الماضي «المجيد» والتراث قداسته كي تضفيها على سلطة انبعثت على الأرجح من أوساط أحزاب تبشر بالمستقبل والخلاص ومن أوساط بشر عاديّين في السلم الطبقي، ما لبثت بعد أن تمكنت من بناء آليات القمع والاستبداد الوحشيّة، أن خلعت على جسدها، كل صفات القداسة والصلاحيات المطلقة، وما المجالس والمؤسسات التي تتشبّه بحداثة الدولة العصريّة، إلا فقاعات لا قيمة لها أمام السيطرة الفعلية للطائفة وروحِها الفرد القائد الرمز الذي لا يجود الزمان بمثله لا في الماضي ولا في المستقبل، فهو الخلاصة المعصومة المتعالية على كل دنَس وتفصيل.
* * *
كان حتما ضمن النسيج العضوي لهذا الوضع الذي أحكم الاستبداد والعَمى السياسي والفكري قبضته عليه، أن يمضي بخطى سريعة نحو الهاوية، نحو الكارثة الحتمية، التي تغرق الوضع سلطة ومجتمعاً في ظلمة مستنقعات الدم والفوضى والانتحار .. ولن تجد أفواج البشر والشعوب بعد أن طوّح بها اليأس والذل وانسداد الأفق والنهب، الممنهج والعشوائي لأرزاقها وقوت أطفالها، إلا المواجهة والنزول الى الشوارع والساحات، بحثا عن أفق آخر. لم يعد هناك ما يخيف ويفزع، فكوابيس حياتها العاتية ليلَ نهار، لم تترك مجالا للتفكير في خطر الصدام والموت، الذي خبرتْ مرارته وألمه عبر الحروب المتعاقبة، والتي هي أكثر فظاعةً من نمط الحروب الأهلية المعهودة. (لا أريد لأولادي أن يعيشوا ما عشناه في هذا العهد) صرخت امرأة في غمرة مواجهة بلادها بين الحكم ومحكوميه المنفجرين صرخةً واحدة تعم المدن والقرى والدساكر، في أكثر من بلد عربي خاصة وغير عربي؛ فقدان الأمل أحياناً يؤسس لمستقبل آخر.. الأمل القادم من ضفاف اليأس والجحيم . هكذا تمضي الحياة العربية في البرهة الراهنة التي ستطول الى أمد ونهاية تحفّها المخاطر والاحتمالات الأكثر خطورة واحتداماً..
* * *
فإذا كان في وعي علماء (الجيولوجيا) وكذلك التاريخ العضوي أن الألفيات الخمسين، التي مرت بها البشرية منذ بداياتها الأولى على هذا الكوكب، لا تساوي في عمره إلا ثواني في الأربع وعشرين ساعة التي يشكلها اليوم ضمن منظومة الأيام والسنين، فان عهود الظلام العربية من فرط الإحساس بغلظتها وديمومتها المتناسلة قسوة وظلماً وانحطاطاً دموياً شاملاً، كأنما هي جزء من ذلك الزمن الجيولوجي المفارق لطبيعة الزمن البشري في المكان والتاريخ… من فرط فداحة المسار وانقلابات التاريخ من مطالع القرن الذي تصرّمت عقوده على المستوى العربي بالمفاجآت السيئة والانعطافات التي تحوّل الأمل والوعد الى رماد وحطام، وحتى البرهة التي يعيشها العربي، المفعَمة بانفجار الأسئلة المحظورة والانتفاضات سلما وانفلات عنف غير محسوب أحياناً أو غالباً. كأنما اللاشعور الجمعي، يمارس انتقامه من ذلك الماضي وتلك الأوضاع الجهْمة التي سادت طويلاً، طويلاً جداً.
* * *
قرأتُ رسالتك الأخيرة عبر (الوتس أب) التي تنطلق من حراك انتفاضة الشعب اللبناني بكل مشاربه وطوائفه ومستوياته الثقافية. انطلاقا من هذا الحدث الفريد في التاريخ اللبناني الذي درج على الاستقطاب الحزبي الديني، الطائفي وغير ذلك من (مشانق) تطبق على عنق شعب وتسِمه بسمات الشعوب والجماعات البشرية المتخلفة، رغم الوعي المدني المتقدم للشعب اللبناني على سائر الجماعات والشعوب المحيطة التي يتقاسم معها رقعة الجغرافيا واللغة والتاريخ المشترك. هذه الازدواجية المريرة بجانب أخرى، لاشك وسمت خطابك وخطاب جيلك، الذي هو جيلنا بأكمله بالمرارة ونبرة المأساة العميقة واليأس، من غير أن تغلق الدائرة على الجحيم الذي تتجدد جلود ضحاياه كاستمرار لديمومة التنكيل والعذاب. وعلى جاري عبارة (دانتي اليجييري) «اخلعوا كل أمل فأنتم على أبواب جهنم» والتي استبدلتُها في بعض كتاباتي «… فأنتم على أبواب الربع الخالي»، كبعد رمزي لفضاء الجماعات العربية من جزيرتها وخليجها الى مغاربها، هذه المساحة الشاسعة من الظلام والاكفهرار..
هذه الجماعات او الشعوب المحشورة في عرين الديكتاتوريات والمافيات الطائفية والمالية، والتي اتسع خرقها على أي راقع، لا تفتأ ازاء أي حراك أو انتفاض لفك تلك السلاسل الغليظة والأغلال، تحشد كل مخزونها المتراكم، شعاراتها ورموزها التي تجاوزها الزمن أيما تجاوز ونأي، حتى الوصول الى القوة العارية في سلخ الأجساد الحية والتمثيل بها، وقذف البلاد الى بلقع وحشي ويباب، أين منه يباب إليوت الانجليزي الأمريكي.
وكما عبرتَ في رسالتك من أن «المجرم مهما حاول الهروب والتخفي ستكشفه صرخات ضحاياه وعدالة التاريخ» لكن يا صديقي، في ظل برهة عصرنا الراهن، عدالة التاريخ، حتى في ظل انتفاضة ورفض جماعي لمنظومات الحكم السائدة، وفي ظل تعقد العلاقات الدولية والهيمنة المطلقة لتلك الأطراف الحضارية الديمقراطية (أمريكا الغرب) على وجه الخصوص، تتواتر التجارب المريرة للشعوب المنكوبة والمنكودة الحظ حتى اللحظة لمواعيد مختلفة مع التاريخ المتخثّر بجراحاته ومجازره… فتلك البلاد حضاريّة وديمقراطيّة داخل حدودها، لكن يبدو انها لا تحبذ ولا تشجع على إقامة أنظمة فيها قسط من العدالة والديمقراطية والانسانية، حتى لو كانت حناجر الملايين تصدح بنشيد الحلم المعذّب الذي طال أمد عرقلته وإجهاضه بكافة وسائل البطش والإبادة..
أشرت الى دول الهيمنة بعينها والتي تمتلك الكلمة الفصل لو أرادت ذلك بجدية، وهو ما لا يلوح في الأفق عدا زَبد الكلام عن حقوق الانسان وتقرير المصير، وهذَرَ الاستهلاك الإعلامي المبتذل.. ولم أشر الى دول أخرى كالصين وروسيا، مثلا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه فهي لا تختلف إلا في الحجم والمساحة والاقتصاد، عن وضع دول العرب ومن على نمطها، وربما أكثر بطشا وإبادة لمنتقديها ومعارضيها كما تؤكد على ذلك الأحداث الجارية والوقائع.
* * *
ما يحصل في روسيا باقتصادها شبه الريعي الذي يساوي الاقتصاد الاسباني أو يقل عنه، فهي عملاق برجلين خشبيتين على صعيد الاقتصاد والصناعة، إذا استثنينا ثكنات خردة الصواريخ السوفييتية التي لا تعمل إلا على دك شعوب ومدن منكوبة بأنظمتها ومعارضاتها.. والصين باقتصادها وشعوبها الأضخم، على صعيد الاستبداد والإقصاء، من التطرف والتدمير، يفوق بقية الدول الموصوفة، الأولى (روسيا) مظاهرة كاملة تُساق الى السجون على سبيل المثال، والثانية التي حولت حلم (ماو تسيتونج) الشيوعي، في التبشير بالفردوس الأرضي، الى رأسمالية دولة بالغة الوحشية بانتفاء البعد القانوني الدستوري الحقيقي، وطبعا الأخلاقي، ولم يبق من إرث المؤسسين الجامح الشعارات الإنسانوية والتبشير، إلا «نظرية إعادة التأهيل» تلك المسخرة التي مارسها (ماو) مع آخر امبراطور يحكم الصين، الى الفلاحين والعمال لتنقيتهم من الموروثات البرجوازيّة والرجعيّة.. وأكملتها زوجته وعصابة الأربعة المعروفة في التاريخ السياسي الحديث.. ها هي السجون الجماعيّة تفتح في الصحارى الشاسعة ليُساق إليها أكثر من مليون مواطن اليجوري صيني في ضوء رسم تلك النظرية التي بُعثت من جديد، مع اخوانها في عائلة الاستبداد الأقصى العتيدة..
كما لم يتبق من فلسفات ورؤى الحضارة القديمة بأبعادها الروحيّة العميقة (الطاويّة الكونفشيوسيّة البوذيّة) عدا رماد فلكلور بائس وعقيم.
لا تهمني البلاد الأخرى في هذا السياق إلا بقدر انعكاس قوتها وصعودها على الوضع العربي البالغ الارتباك والبحث عن خلاص.
* * *
المفارقة المأساوية الأخرى في بلد مثل لبنان وبلاد عربية أخرى، أنها منذ مطلع القرن العشرين المنصرم، كانت شعلة نُخب التنوير والعقل والثقافة الحالمة بمستقبل، يكون جزءاً من نسيج العصر بتقدمه ومؤسساته وتعدده، وكانت فاعلة ليس في لبنان وحده، وإنما في محيطه من بلاد تكبر لبنان في الحجم والسكان والموارد. كانت مساحة الهواجس والأحلام لتلك المرحلة، مشتركة وكان لبنان طليعة حراك ومعرفة.. كيف لوى مكر التاريخ عنق تلك الأحلام التنويرية، والعقل الخصِب ليجد البلد نفسه كما سائر البلاد الأخرى، بعد «الاستقلال» وعبر أطوار زمنية مقذوفاً في حفر مظلمة، يحكمها ملوك الطوائف والحروب. وتتحكم في مصيره «وصايات» من بلدان لا تفقه إلا شرعنة القتل والظلام والتدمير؟!
* * *
في مطلع هذا الحراك الجماعي الذي عمّ أكثر من أي بلد عربي . أطلق مثقفون وكتاب عرب على ما نُعت بالربيع العربي نَعت (الخريف العربي الأسود) وبعضهم باركه حتى جاء العصف الجارف الى البلاد التي يتناغم نظامها الإبادي مع هواه الطائفي على الأرجح، فتحول من الربيع الى الخريف بخفة سنجاب يتسلق شجرة حور عملاقة. وأخذ يستدعي تاريخ أزمنة من الانحطاط العربي بهيمنة الواحدية الدينية والاستبدادية، وكان الاسلام والعرب بالمطلق الضحيّة المثالية لهذا التنصل من أحداث الراهن المتفجرة وعواصفه التي تطرح على ذلك التاريخ انطلاقا من راهن التخلف والانحطاط في كافة صُعده، أسئلة الأفق المفتوح على احتمالات التغيير والعدالة والحريّة.
ومع غض النظر عن تلك التوصيفات الفلكية بين صيف وربيع وخريف، فهذه الحراكات المتناسلة الى موجات متواترة تحاول بعض أنظمة الأمر الواقع المفروض بقوة السبابيط العسكرية والسلاح، وان فُل هذا السلاح وتكسّر في الخضم الجارف كما جفت المياه التي كانت تسقي الدعاوى التبشيرية الكاذبة والشعارات التي لا تفعل طوال السنين إلا التغطية على النقيض السلوكي والبنيوي لتكوين هذه الأنظمة وفحوى وجودها منذ استيلائها على السلطة بقوة السلاح الانقلابي وتحطيم مشروع الدولة المشرع على احتمالات لها نصيب من الصدق والنجاح.
أما إشارتك يا صديقي الى ذلك الضرب من طغاة التاريخ مثل الجنرال فرانكو وشاوسيسكو، وبنيتوتشيه… الخ فعلى دمويتهم ووحشيّة وقوفهم أمام جماهير تطالب بالحرية والعدالة، فلا أعتقد أنهم ارتكبوا من الفظائع والمجازر التي ارتكبها أقرانهم من طغاة العرب الذين جاءوا تحت شعارات الاستقلال والقوميّة، والاشتراكية في مقارعة الامبريالية وإكراهاتها في العالم، فهذا الصنف العربي من الدكتاتوريين كان ساحقاً وجذرياً في قضائه على انسانية الانسان وأبعاده الأخلاقية والروحيّة كما كان ساحقاً في تجفيف منابع الطبيعة والفن والجمال، بحيث لم يؤسس أي بنية تحتية، صناعية علمية، كما فعل أولئك في البلاد الأخرى، بل حطم ما ورثه من أسلافه في هذا السياق كجزء من تدمير مشروع الدولة الحقيقي الذي كان قائما قبل استيلائه على السلطة ومصادرته المجتمع بمؤسساته وتعدده وأحلامه..
انه صنف أقرب الى الكمبرادوريين وسماسرة الربح السريع حيث تتحول البلاد الى انعكاس لصورته وصورة أبنائه وعائلته المستجدة على الحكم والسلطة والمال..
إن لبنان يدفع كما عُرف ثمن لعنة الجغرافيا والجوار ومنقلبات التاريخ ويدفع ثمن تعدده وريادة مدنيته الحالمة، هذا، بدل أن يكون مصدر اثراء وإغناء تحول (أو حولوه) الى شقاق وحروب. والأول خوف المحبط من عدوى حلمه بالحريّة والمدنيّة والحداثة.
يريدون لبنان المجلات السياحية (سويسرا الشرق) لكن على مزاجهم، ليست سويسرا التعدد والحضارة تلك المتعيّنة في الزمان والمكان بالطبع، يريدون لبنان مرتعاً لمحدثي النعمة والاستزلام والطائفية، يريدون لبنان (الماخور) لا لبنان الثقافة والحريّة وسموّ الجمال الابداعي.
* * *
إن ما كان على تخوم الكارثة، أصبح في القلب والأحشاء منها، كمسار منطقي وعلى المستوى العربي. لصيرورة التدمير والقمع والاستخفاف والتبعيّة والاستبداد عبر العقود المتواترة، وما كان حلماً وأملاً لبشر هذه المناطق المنضوية في الفضاء العربي، أصبح كابوساً كاسراً يربض على صدور الجميع. وتخرج الحيّات والثعابين والزواحف الشديدة السُميّة، والحقد الوضيع لتنتشر في أرجاء هذه الأرض من الخارج القريب والبعيد، معمقة جراحه وخراب قيامته التي ترتطم دائما بآلة الأعداء المتربصين من كل صوب، بعد انهيار سلطة الداخل وقد تكسرت نصالها وآلة رعبها الجهنمية وسط صليل قيامة البشر المقتولين أحياء وأمواتاً، وضجيج أصواتهم الناقمة الثائرة..
وربما في النهاية أو البداية، لا الدكتاتوريات التي انبنت عليها الممالك والدول منذ بدايات تاريخ البشر حتى مشارف العصور الحديثة الديمقراطيّة والتي انبنت على عقودها ودساتيرها الحضارة المركزيّة لهذا العصر، أن تدخل البشر الى الفردوس الموعود والطمأنينة المطلقة. لكن الشرور أيضا نسبيّة بحيث لا يمكن المقارنة في ضوء الراهن بين هذا الوضع البشري الحضاري والآخر..
* * *
عزيزي أحمد، كان عليّ أن أنطلق في هذه العجالة من إنجازك الروائي الذي أكمل الأربعين عاماً، وخاصة ثلاثيتك الروائية الأخيرة التي تتمحور حول صحراء التيه العربي، آليات القمع والاستبداد والدم المُراق على مدار السنين، من جزئها الأول «حافة الغروب» وحتى الأخير. الغروب في بعده التاريخي الاجتماعي الكاسر، أو بعده الميتافيزيقي، حيث تنعقد دوائر المغيب كتجسيد لحيرة الماوراء والمجهول، لكن القلم أخذني في ضوء رسالتك الكريمة، الى ملامسة (العام) مباشرة والإصغاء ما أمكن الإصغاء، الى صراخ الحشود الجريحة بلبنان وغيره، صراخ الضحايا والمشردين، الى أنين الغرقى في الأرجاء والمحيطات.
* * *
إلى عاطف أبوسيف

صار الشاعر العربي والكاتب ، من فرط تزاحم الأحداث الدمويّة ، مثل تزاحم الأضداد والأجداث في مخيلة أبي العلاء المعري الوجودية الراعبة. ومن فرط احتشاد القتل والإبادات في أكثر من بلد عربي وتناسلها من غير بارقة خاطفة تؤشر لأفق النهاية والخلاص.. صار الشاعر الكاتب والانسان قبل كل شيء، لا يملك كأعزل وسط جَلبَة السلاح والكراهيات المتراكمة في الداخل، والاحتلالات المتعّددة وعلى رأسها الاحتلال الصهيوني المديد للأرض العربية الفلسطينية، لا يملك أمام حالة العجز الجماعي، إلا سفح الكلمات الدامية أو ما يشبه المراثي والنعي ، نعي وهجاء عالم يغور أكثر فأكثر في طبقات الجحيم والانحطاط القيمي الوجداني والسياسي الانساني.
مسميات الأماكن تختلف من بلد عربي الى آخر، لكن وجوه الضحايا وفحوى المجزرة واحد، المجزرة في وجوهها ومعانيها المختلفة، من المعنى المادي المباشر الذي يعني جزْر ، وتشريد الآلاف والملايين ، في صحارى العري الراشح بالموت الجماعي، والأخاديد التي فتحتها الطبيعة الأزليّة بخضمّ الرمال المتحولة، الى المعاني الرمزيّة، والأخلاقيّة الروحيّة التي قُبرتْ قبل دخول الضحايا المثوى الأخير في مقابرهم الجماعيّة، والفرديّة.
المعنى الأخير يمهّد للأول ويعبّد له الطريق لإنجاز مهامه الضاربة في الاستباحة الماديّة العارية من غير غطاء ولا قناع.
لم يعدْ القتلة في اسرائيل كما في ديار العرب نفِسها، بحاجة الى ثرثرة كما في السابق، من قبيل الأقنعة الأيديولوجية أو أي ادعاءات أخرى إلا من باب استهلاك المُستهلك وتسويق المُتبَتل في السلوك والخطاب.
عدا أولوية «محاربة الإرهاب» التي انخرط فيها الجميع كباراً وصغاراً حتى ضباع الإرهاب الحقيقي، عتاة القتل والإجرام والتصفية. الكل يحمل نفس الراية إزاء هذا الحيوان الاسطوري الذي يجثم على صدر البسيطة من الأدنى إلى الأقصى.
القتل العاري في ضوء سطوع شمس الصيف العربي، وسطوع شمس العالم الذي لم يعد يعبأ بأي انتهاك أو استباحة خارج ممالكه ، مصالحه وحدوده حتى لو كان يمتلك القدرة الجليّة على فعل ذلك.
ما سُمي بحربي الخليج الأولى والثانية ، لم يكن فاتحة لتدمير الشرق (العربي خاصة) التي ما زالت تأخذ المدى الوحشي الأقصى، وإنما أحدثت تحولاً بالمعنى السلبي، في وعي الشعوب الأوروبيّة حيث اللامبالاة تعالياً واستخفافاً إزاءَ خراب العالم واستباحته، حتى من قبل النخب الثقافية والمعرفيّة.
وفي السياق نفسه ذهبت الدولة العبريّة، نحو التطرّف أكثر في عربدتها الدمويّة على الأراضي العربيّة تلك التي تحتلها منذ 1948، أو الأرض الواقعة تحت قدرة نيرانها وتدميرها.. وأي الأراضي والبلدان ليست كذلك؟
في حملتها الوحشيّة الجديدة على القطاع ، لا تُذكر إلا بحملات سابقة، استنساخ حملات ومجازر.
رئيس الوزراء الأكثر تطرفاً في تاريخ الدولة العبريّة، يجتمع بجنرالاته لمزيد من التهديد والوعيد، في ظل استمرار القصف البربريّ والتهديم. الأنظمة العربية تشجب وتدين على جاري العادة (فاقد الشيء لا يعطيه). والصمت الدولي يخيّم وبتواتر.. المقاومون في القطاع يطلقون مئات الصواريخ تعترضها القبّة الحديدية، يسقط قتلى اسرائيليون، فتنطلق الكلمات مهللة، لينبني الخطاب الوهمي بالنصر القريب.
هل من تغيير في تفاصيل هذا المشهد المتناسل في دمويّته ووحشيّته؟!
يبقى سؤال البرنامج ، كما في الفضائيات العربية، هل هناك أرض وبشر في العالم المعاصر، في الهوامش والأطراف تحديداً، تشهد مثل هذه الاستباحة والتنكيل؟!
إنه سؤال أزمنة الانحطاط الكاسرة.
يبقى أن الهويّات الكبرى في تاريخ البشر، لن تموت وتضمحل، رغم الداء والأعداء، حسب جملة الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، ورغم الظلمة المفعَمة بالهوام وضواري الأشباح.
على مسار الأحداث التراجيدية الكثيرة التي تتواتر على المجتمع الفلسطيني، ظل هذا المجتممع على نحو من حيوية إبداعية وانتعاش أدبي وفكري، في الضفة وغزة وداخل فلسطين الخط الأخضر. علامة انتصار الحياة حتى في أحلك شروط الاحتلال والانقسام، انتصار روح الإنسانية والجمال.

شاهد أيضاً

كرة القدم ، المقهى ولذّة اختراق المحرّم

( اذا كان الإنسان يبحث عن أسرار الطبيعة، فلن يعثر إلا على مرآة ذاته ).. …