أخبار عاجلة

رقصة بلادي

وجدت المكان ممحلا, كحظها, الا من شجيرات العشار والسلم تخاصر رابية ممتدة من الشمال إلى الجنوب, وقد أخفت عن الناظر المتلهف الأفق البعيد.

تماما عند المساء وصلت لتلك الربوع الخالية.. وكان يظهر للعيان ان تلك التلعة المستطيلة قد وضعت عمدا كحدود يحذر تجاوزها!

كانت تريد اطعام صغارها الثلاثة والطفل الغافي.. كان في صحبتهم رجل رث بكل ما فيه من جسد وخرق تغطي نصف كل عضو فيه وحتى يلمس الناظر ان لديه أعضاء أخرى إما مختبئة او ناتئة!

من خلف الحاجز تعالت أصوات هي اقرب لثكنة عسكرية قد تكون للاستطلاع في تلك الناحية.

الحرب.. مزقت كل الدروب والرجال.. وهي تريد ان تطعم الصغار وذلك الصاحب, بعد أيام من التيه في الرحيل الذي لم تتضح وجهته بالتحديد!

لا يفصلهم عن ثلة المحاربين المعسكرين سوى تلك الرابية, ولم تعرف اهم اعداء للوطن أم من أبنائه?

للوطن أعداء يقوم بطردهم بعيدا.. لكنها لم تكن وصغارها والصاحب الأبله من أعداء الوطن, وقد ضلت السبيل.

في الضفة الأخرى الموازية للآخرين جلسوا يتدبرون أمرهم في صمت عميق تغشاهم الريبة والحذر. أما الرفيق الرث فشرع يدس كفيه في الرمل الناعم ويقهقه للبعيد غير عابئ بما يجري أو بما تتغايا اليه المرأة وصغارها!

حدثت أحمد- أسن ولديها-: (إنني أثق بك يا صغيري.. وما عليك سوى ارتقاء هذا الحاجز الرملي وتنظر..)

همت العيون الصغيرة بشيء من الحماس والأسئلة.. ثم راح يحث الهمة لاستطلاع أمر الجانب الآخر, وقد هم المعتوه لاقتفاء أثره لولا أن تلابيبه أمسكت من الخلف فأطلق انات محتجة!

عاد أحمد يقذف صدره النحيل أنفاسا متلاحقة, ويخبرها: (انهم كأصحاب البنادق الذين رأيناهم بجوار تلك الجبال), وأومأ برأسه الصغير ناحية الشرق- من خلفهم- باتجاه جبال شاهقة, وبعيدة.

سأل عبده- أوسط الأبناء: (لماذا نحن هنا?.. أين الدجاجات?) أجابه اللاهث: (بعيدا في الديار) ونظر لأمهم الواجمة لتشد من ازر فطنته التي يتميز بها عن البقية كما يعتقد.

الولد الثالث وهو اصغر الراجلين, في الحقيقة كان بنتا لكن هيئتها من حيث شعرها المقصوص وملابسها تدع مبصرها يضعها في عداد الذكور, وقد اخذت تقصع قطعة قصب رطبة اقتطعتها من (شونة خضير)(1) حصلوا عليها من مزرعة مروا بها أثناء سيرهم الطويل بين القرى والهجر الخالية من الحياة, ووحدها الأم تعرف القيمة التي نقدتها مقابل تلك (الشونة).

قالت الأم: (سننام هنا الليلة).

كانت الشمس مريضة وهم يحتطبون لإقامة (خدروشة)(2) غدت لهم نزلا ضيقا كالجحر بعيد المغيب.

نام الرضيع بين يديها بعد ان هدهدته قليلا وقالت للصغار: (نستطيع ان نصنع من هذه الحبوب الخضراء وجبتين واحدة بالشواء والأخرى بالسلق, فماذا ترغبون?).. ثم من فورها وضعت الصغير جانبا على بعض خرقها, ونهضت لاحكام قيد الرفيق المعتوه مخافة ان يترك المكان ليلا.

أجاب أحمد (الاثنتين معا), وكان عبده الأوسط مشغول البال بالديار والدجاجات فقال: (هل معك بيض يا أماه?)

نظرت اليه وروحها تسأله أن يكف عن غرس آلام أخرى بفؤادها.. قالت له بوجه مفعم بالأمل: (ستحبون ذلك كثيرا).

رائحة الذرة الذكية فاحت اثر هسهسة النيران من تحتها, وغلى الماء سريعا بما فيه من حبوب خضراء طاب لهم مذاقه مع قليل من الملح الذي لم تغفل عن حمله في مؤنهم الزهيدة في هذه الرحلة الطويلة والمجهولة.

تحلقوا الأربعة حول قراهم الفقير, وخامسهم المربوط ناء الى جانب المخدع المشيد يحشي فمه بعذق ؛الشويط(3)«.

ونسوا النصب الذي لحق بكل فرد فيهم, وعلى ما بهم من بأس وتعب إلا انهم اجتروا بحميمة بالغة أمسياتهم في الديار النائية, وراحت الأم تضفي لوحشتهم بعض المرح عندما بدأت بسرد حكاية ؛شرخبان وأخيها(4)« التي لا عجب ان تقصها عليهم للمرة الألف بلا رتابة او فتور.

اضطجعوا بأحلام لا تتعدى تلك الأكمة وتلك الذرة اللذيذة وتدفأ الصغار والرضيع بحب الام المغلوبة على أمرها وبشرشف واحد حملوه معهم مع ثلاثة شراشف لفت حول مخدعهم الحقير, وقد رتقت خيش أشياء السفر وغطت به الرفيق الذي بات يلوك العذق كما تفعل البهائم في اجترارها ليلا, وعبثا حاولت ان تأخذه منه, إلا أن صراخه سيعلو وسيسمعه المجاورون الغرباء.

والليل ينزف ثلث مداده الأخير كان أحد الجنود يجس بحربة بندقيته الموقد الذي تتصاعد منه أدخنة بطيئة دون أن يشعر به أحد, سوى ذلك المقيد كالدابة خارج المخدع الصغير ولم يفقه شيئا ولم يتحرك ساكنا به غير فمه الممتلئ بالزبد, ثم عاد لثكنته وقائده الذي شفي من غمه المصاب به منذ عشاء هذه الليلة.

تدارك القوم حالتهم وعكفوا على سيرتهم المعتادة بعد تأهب واستعداد تامين لتنفيذ أوامر القائد في أي لحظة لشن هجمة ضاربة على المجهولين الذين حسبوهم عدوا يتربص بهم.

لم يمسهم اذى حتى سكب الصبح نوره في المكان, وأيقظهم الرضيع بصياح ملحاح سرعان ما انقطع فجأة اذ ألقمته أمه حلمة جافة.

اتسعت عينا احمد في آثار الجندي الذي زارهم وهم رقود.. وتتبع خطواته فوجدها تتوازى مع أولى خطواته المطبوعة ذهابا وايابا باتجاه الضفة الأخرى.

عاد الرضيع لنومه, وكانت (أماجورية)(5)- اسم الطفلة- مستلقية بلا حركة عندما نهرتها الأم عن فعل ذلك, هذا قبل أن تلامس جسدها المحموم ويفغر فاها هلعا على طفلتها, وشرعت توضح لأحمد وأخيه عبده أنه قد أصابها (الورد)(6) بسبب أكلها القصب!

احتدم موقف عجزهم عن فعل شيء للصغيرة, وبنظرة لا تشي بأكثر من حاجتها لمساعدة الآخرين هناك, هرول أحمد إليهم واسرع بأحدهم عونا وكان يظهر من لباسه المدني انه دليل مع الجيش, ومن يدري فقد يكون والدهم هو الآخر يعمل دليلا في الصفوف الأخرى?

(اختي محمومة ونحن لا نملك لها شيئا..) وضح له ذلك, ووجد القادم جسدها مكتظا بالحرارة, فرفع رأسه آسفا لحالها, وقال (سنقوم بما في وسعنا).

الأحوال المكشوفة لا تستدعي السؤال عن سبب كشفها, فوضعهم المزري يبين انها اسرة مهملة نزحت للغرب; لأن البنادق لم تترك لهم رجلا او ديارا, أو حتى الدجاجات التي أكلها التنور فور وصول أول الغزاة هناك, بذلك حدثتهم الام وهي تجزل من شكرها لهم على المساعدة لكنها لم تقل أن الغزاة قد يصلون لهذا المكان, فقد استبعدت ذلك وخاصة أنها لا تعرف من يكونون هؤلاء ولعلهم ينتمون لوطنها المفقود.. ما أدراها?!

لم يتعرفوا على الجهات; ومن كان كذلك فليس بالضرورة أن يكون له وطن, فالوطن له وجهة واحدة هي القلب, وهم لا يملكون سوى القلوب المحبة للحياة, أما حاملو السلاح فلا يملكون إلا البوصلات التي تحدد وجهات الوطن, وغير ذلك النار لمن يعتدي, وهذه الأسرة لم تظهر من باطنها غير العوز.

وذكرت في معرض حديثها من وراء الحجاب ان مرافقهم, أخ لها اسمه عيسى ولا ضير منه, أما بعلها فقد اقتادوه الى مصير غير معلوم.

لم يمض يومان حتى وهبهم القائد, خيمة تليق بعض الشيء, ونصبوها فوق التلعة الحدودية ما بين مقر اقامتهم الأول وبين مقر ذلك المعسكر.

خلال اليومين التاليين على تطبيب المريضة, داوم احمد على جلب الماء من الثكنة, وبعض الفاكهة والأطعمة الاخرى من الجنود التي تسري بدواخلهم نزعات خبيثة قابض على جماحها القائد المحنك.

ظهر على الصغيرة انها تزداد مرضا يوما بعد يوم, ولم تتقدم في حالتها على ما يمكن الاطمئنان اليه.

والأم تدير ألمها بشيء من الصبر, وبقليل من العجز الذي يقاومه أحمد عبثا, ويعينهما عبده- احيانا- بمسح قدمي اخته بالماء.

تغيرت الطباع في المعسكر وراح الجنود يديرون آلاتهم السمعية بشكل لافت للنظر, وود بعضهم لو ان جوع تلك المرأة سعى إليهم.

(… ما ضر فالجوع يمخر عباب الليل احيانا في كل اتجاه, ليبيع اشرعته المهترئة على الجنود الحفاة بأبخس الأثمان, هذا كان يحدث في الجبهة الشمالية..).. فكر القائد في ذلك قبل أن يفرض قواعد صارمة على جنوده; للتقيد بآداب الحرب في مثل هذه الحالة, وأمرهم بتوجيه جميع مداخل المعسكر للغرب, بحيث تكون خيمة تلك الأسرة في الخلف, ولا يبقى قبالتها سوى جندي لحراسة المعسكر من الجهة الشرقية.

أحمد ابن العاشرة وعبده ابن الثامنة نزلا من أفئدة الجنود وخاصة الآباء منهم, منزلة كبيرة, اذ يتذكرون أطفالهم في ديارهم, والشوق المضطرم في عيونهم يدفعهم الى صبغ هباتهم على احمد وأخيه ومنحهما كل الأشياء التي بليت وهي في انتظار الرحيل من هنا, كالملابس الضيقة التي تناسبت مع حجم اختهما المريضة والتي اخذ منها الاعياء كل مأخذ ولم تمنح للعطاء العجيب سوى نظرة يأس من الفرح بها!

وقد حصلا في ذات مرة على بندقيتين لا نفع منهما ورحبا بتلك الهبة ايما ترحيب كأمهما التي وجدت في هيئتهما الحارسين الوفيين, وقد عزز ذلك لديها عندما ظفرا من كرم القائد ببزة جندي مات متأثرا بجراحه قبل شهر من وصولهم, فعكفت على رتقها وعمل بزتين أخريين من قماشها تتناسبان قليلا مع طولهما, وغدوا جنديين مراسلين بين المعسكر الصديق في الضفة المجاورة وبين  خيمتهما التي غدت منبرا لحياة افضل قادمة في الضفة الأخرى.

لقد حصلوا بعد شهر كامل من الرحيل على كل ما يرغبونه بلا مقابل, وكانوا يأخذون ما يجود به القائد أحيانا أو المناوب في حراسة الجهة المقابلة لهم, حتى فاض ذلك عن حاجتهم وبدأوا يدخرون لأيام لاحقة, كما كانت عليلتهم الصغيرة تدخر ابتسامتها ليوم آخر, وهذا ما تمنيهم به الأم كلما سألا عن وجهها الصغير وكلما انفجر النحيب ليلا.

في مساء مزهر بشفق ذابل حبت (اماجورية) لخارج الخيمة بجسد هزيل, ساهمة في أفق بعيد, تنظر وتشير لأمها نحو شبح مقبل نحوهم.

هلعت الأم مرتين من ابنتها مرة ومما أشارت اليه مرة أخرى.

ومن خلفهما خالهما المعتوه هرعا الجنديان الصغيران لمناوب الحراسة وحذراه من القادم, فانتشر الخبر في التو واللحظة, وضج المعسكر بدمدمات الرجال والأسلحة, لكن لم تطلق رصاصة واحدة بأمر القائد حتى يقترب ذلك القادم, وسرعان ما تبين أنه لا يحمل سلاحا ولا عتادا, بل كان رجلا أعزل.

قال احمد وهو يشير بالبندقية الصدئة (أمي انه صاحب المزرعة!)

فقالت الأم للقائد (هذا يا سيدي رجل له خير علينا.. لقد وهبنا من مزرعته بعض الذرة عندما مررنا عليه اثناء سيرنا قبل شهر ونصف من الآن).

تراجع الجنود والقائد الى الخلف, وبقيت الأم مع ابنيها لاستقبال الرجل الذي سألهم ان يعطوه ما يأكله.

اقتربت البنت قليلا, واسندت جذعها الهالك الى صندوق خشبي وضعت به أدوات تلميع وتنظيف أحذية الجنود وهذه مهمة أنيطت الى أمها للقيام بها مقابل وجبتي الافطار والغداء, وكانت تمد بجهد بالغ نظرها الى أمها وكأنها تذكرها بقيمة تلك القصبة التي تسببت في مرضها هذا.

لم يغب عن بال الأم ان تنتقم من هذا الرجل الذي لم يهبها عذقات الذرة إلا بعد أن رقصت له رقصة بلادها على مضض منها وبطلب منه.

قالت له: (لن اهبك شيئا تأكله حتى تريني رقص بلادك)

عندما أكملت كلامها تذكر أين شاهد هذه المرأة وهؤلاء الصبية.

هو نفسه من طلب منها ذلك قبل شهر ونصف الشهر. وقبل أن يحرق الغزاة كل مزرعته بما فيها من محاصيل وخيرات كثيرة, وأصبح معدما ولا يملك من حطام الدنيا شيئا.

تذكر الرقصة العجيبة التي رقصتها بكل اتقان, ليس لأن الرقصة صعب أداؤها ولكن لأن كل إنسان يجيدها حتى هو- قال ذلك في صمته.

امتقع وجهه بالخجل من نفسه, وجذب من عبده البندقية الخردة ووضعها على كتفيه من الخلف وامسك بطرفيها وراح يتمايل يمنة ويسرة ويقول (الدنيا كذا وكذيه.. الدنيا كذا وكذيه)(7)

وعلى حركته المتمايلة كدالية يداعبها الهواء, وهيئته الرثة المؤسفة, تعالت قهقهات الجنود مع قائدهم, كما ضحكت الأم وصغارها وحتى الطفلة التي أيقنت لحظتها مقدار ما قدمته الأم لهذا الرجل للحصول على طعام لهم.

أشارت لأحد الصغيرين ان يعطيه بعض زادهم المدخر, ورحل مغصوصا.

انفض الجمع كل لغايته, وبقي عيسى الذي حان شد وثاقه يحني رأسه تارة لليمين وتارة لليسار مقلدا بذلك ما رآه على الرجل من فعل غريب, ويتمتم (دادية.. دادية…) يحاول أن يردد الكلمات المصاحبة للرقصة- وهو على تلك الحالة لم يتبدل حتى سرقته عن الوجود لذة النوم وبرودة التراب في الليل الطويل!

وخصلات الفجر لم تتجدل جيدا كان دبيب غريب يهيم صداه في المكان; لكأنه يأذن بتمطي سيل عرمرم قادم من الجبال الشرقية البعيدة, وأدرك المعسكر أن خطرا ماحقا يثقفهم هنا, فارتجوا بالخوف, اذ ركنوا ليلة البارحة لملاه قديمة ونسوا عتاد أسلحتهم دون ترتيب!

أسرعوا لإدراك ما لا يتدارك في مثل هذه الاحوال, فلم يكتمل استعداد واحد منهم سوى القائد الذي راح يعرك مراقدهم بلا بصيرة, قلقا, مزمجرا هنا وهناك, وانضم الجنديان الصغيران بخضم المعمعة في المكان, مبدين أهبة استعدادهما للمشاركة ورد الجميل للقائد الذي رفض وجودهما داخل الثكنة وأمرهما بالعودة لوالدتهما, فقرر أحمد الصغير ان يشارك في حراسة ثغر المخيم من الخلف مع الجندي المناوب قبالة خيمتهم, ووقف مع أخيه هناك مبتدئين صباحهم بلهو مسل  كما اعتقدا, وكما رضيت أمهما بذلك!

بعيد الشروق ايقنوا ان الجبال لم تفسح لنور الشمس فقط بل ولرجال البنادق العتاة, الذين اقبل بعضهم من ناحية الأسرة, ولم يتسن للأم أن تنادي صغيريها للأوب حتى جروا الخيمة من فوقها, فادركوا صحة شكهم في أن هذه الخيمة ليست لمحاربين إذ أن معتوها يجلس خارجها, أما بقيتهم الباسلة فقد أحاطت بالمخيم من كل جوانبه وهبوا كريح حارقة اهلكتهم جميعا.

أطلق أحدهم قبل هذا العنان لبندقيته, فصوب رصاصها للجندي المناوب فأوقعه ميتا, ورصاصة نحو أحد الصغيرين لتستقر مقتلا له والآخر سبق في ركب الموت بعيدا.

خفيت عن الأم هذه الأحداث; لأن لعلعات الرصاص أحالت الناحية لسيل أسود ولم يتجاسر أشد الرجال بأسا على استطلاع تلك الحمى, فبقيت تدثر المريضة والرضيع بجسدها المرتعد وممسكة بأخيها المسكين الذي يصرخ بما لا يفهمه سواها وأحمد المفقود, كان يردد: (اد.. اد…) – يعني أحمد- وهذا أقصى ما يصنعه اذا داهمه مكروه لا يفقه كنهه.

والشمس ما زالت ناعسة الطرف من فوق الجبال كان الغزاة قد انتهوا من جولتهم المظفرة, وأصبح من المتعذر حتى تحديد الملامح ما بين الأشياء كالمؤن والعتاد وما بين الجثث المدماة, إذ استحال المكان لقالب أحمر!

صرخت بأحدهم: (ولداي).. هزئ بها واستطار غيظه قائلا: (هل جندا لخيانة الوطن?).

لم يحدد ما الوطن الذي تمت خيانته?.. أين هذا الوطن?.. ومن جندهما ولصالح من?.. من هم الأعداء الحقيقيون من بين الفريقين?.. أي الخندقين على حق?

هذه الأسئلة بقيت كالسيوف تغمد في أحشاها, ولا تسل من هناك إلا بوجع أكبر وأعمق.

لم تول اعتبارا وهي تقطع الأرجاء نشيجا على الصغيرين وتسأل من مات منهما ومن بقي?.. أين هما?

بعيد الظهيرة فاق المعتوه من غيبوبته التي دخل فيها بعد ان غفلت عنه أخته وتشبث بيد أحد الغزاة صارخا به (أد.. أد..) فانهال بشراسة على رأسه بكعب البندقية التي غرته, فقد كانت تشبه بندقيتي أحمد وعبده اللتين عثر عليهما فيما بعد بين جثث الجنود الذين يلبطون في دمائهم ولم يبق منهم رطيب حلق!

أيقنت بأن هذا اليوم هو الآخر من حساب الزمن المالح, فأضافته لقائمة طويلة من أيام الألم المضاعف.

آمنت بيوم قادم قد تجد فيه شتات فؤادها, كما آمنت بابتسامة ابنتها من قبل, تلك الابتسامة التي قدمت هذا اليوم مساء, لكنها مرت كنسمة خريف تنذر بوابل السماء, وبالأجنحة التي خفقت بها من على تلك الرابية, ولم يبق سوى الجسد المسجى بلا حزن جديد, ليذوي بها في التراب سنبلة جائعة.

ولأن أحزان الحروب تحتاج لوقت أطول ويمكن استذكارها بعد زمن كبير, فقد أرجأت بعض دموعها على موت الصغيرة وعلى فقدان ولديها وولدهم, إلى أيام أخر, وعليها أن تلملم ما تستطيع للرحيل.

الشمال كان اتجاهها هذه المرة.. حملت رضيعها ونصف ما ادخروه والنصف الآخر كان مقسوما ومعلقا على طرفي بندقية أحد الصغيرين من فوق كتفي أخيها الذي لا يسعها أن تمشي قليلا حتى يوقفها بت-لك-ئه عن المسير!

وقد ظنت أنه يود باستراحة يعيد فيها أنفاسه, فانزلت من عليه الحمل الخفيف وحررت البندقية مما علق بها لتهبه زادا يأكله, لكنها تفاجأت انه قد أخذ البندقية ووضعها على كتفيه ثم نظر لتلك الوهاد المحترقة من خلفهم وبدأ يئن بصوت أكبر كوحش جريح وكأنه يريد أن يخبرها بشيء ما.. ثم ردد: (دادية.. دا.. دية…) وهو يرقص رقصة بلادهم.

هوامش

1 – الشونة: لفظة محلية تعني مجموعة من القصب, وخضير أي أن سنابله خضراء ولم يأت وقت حصادها بعد.

2 – الخدروشة: لفظة محلية تعني بناء هرمي صغير من الخشب والقش وأحيانا من الخرق البالية.

3 – الشويط: لفظة محلية تعني استواء العذق المحمل بالذرة على النار.

4 – شرخبان وأخيها: حكاية أسطورية من الجنوب تحكي أن شابا انقذ أخته من قتلها كما قرر والدها فور ولادتها تحقيقا للحلم الذي رآه في منامه, فهرب بها بعيدا, ثم أحبت شخصا وتآمرت معه على قتل أخيها.

5 – أماجورية: تيمنا بامرأة تحمل هذا الاسم وقد اشتهرت بجمالها الفاتن في الجنوب.

6 – الورد: لفظة محلية تعني مرض الملاريا.

7 – كذا وكذية.. أي أن الدنيا كذا وكذا- بمعنى يوم لك ويوم عليك.
 
يحيى سبعي
قاص من السعودية

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …