أخبار عاجلة

رماد اللوحة

1- بدايتك فجر وماء

يأتي الفجر..وانت يا سلمان لم تنم بعد، خواطر غامضة تراودك.. تتشكل بسرعة في أحداث متوالية غير مترابطة، عن الليل وعن الفجر وعن البيوت وعن الطفولة وعن أشياء أخرى كثيرة.  وقد جاء الفجر يذكرك بالماء البارد. والماء يذكرك بالسوط، فحينما كنت طفلا كان أبوك 0يرشك بالماء البارد في وجهك قبل أن يحل الفجر بدقائق.. يصرخ: (الصلاة خير من النوم)، صراخ حاد وماء بارد، وينتصر الماء، يتحول الى غيمة تداعب وجهك الصغير، المؤذن لم يؤذن بعد والليل مازال بظلامه الكثيف. تقوم من الفراش متثاقلا.. تشم رائحة خبز (الرخال) الممزوجة برائحة الخشب المحروق.. فتعرف أن أمك تخبز في ذاك الوقت وأنها تدعك عينيها بلحافها بسبب خيوط الدخان التي تتسلل كي تزعجهما بالحرقة.

يزجرك أبوك أن تذهب كي تتوضأ لصلاة الفجر من ماء (الفلج) الذي يبعد عن بيتكم مسافة مقدارها عشرون شجرة ليمون وثلاثون نخلة، هكذا أحصيتها حينما بدأت تتعلم العد. وعندما تصل الفلج تلفظ أنفاسك، وتشاهده طويلا جدا ليس له نهاية.. وكثيرا ما فكرت في نهايته وأين تكون، والماء يبدو مثل جلد ثعبان منقوش داخل مجرى الفلج، وذلك نتيجة الصخور المتنوعة والمختلفة الأحجام الماكثة في قاعه، هكذا فكرت أن الفلج ثعبان طويل لا تعرف أين رأسه، يمتد حاملا الماء حتى يدخل بطن الجبل كي يمر على قرى كثيرة مختلفة.

عند الفلج كثير من أهال القرية جاءوا للوضوء وتأدية الصلاة في المسجد الصغير القريب من الفلج، كانوا يبتسمون لك من بعيد، يلوحون لك بأيديهم راسلين تحيتهم، وتسمع صوت أحد رفاقك يقول لك: (هاه… سلمان كيف حالك لا تنس اليوم موعد المباراة). وصوت آخر يداهمك من حنجرة جاركم بينما كان يغسل فمه.. يقول لك: (سلمان كيف حالك كيف حال أبيك). كنت ترد عليهم بتثاقل لأن النعاس مازال يداعب عينيك، تفكر أن الماء سوف يبلل كل أهل قريتك وسوف يغسلهم من كل شر ومن نفس هذا الماء يصنع أبوك سوطا باردا ولاسعا يجلد به نومك.

أراك يا سلمان تحن كثيرا لذاك الزمن، زمن فجر القرية في طفولتك. كلما تتذكر تصاب برعشة حمى وحزن، لم تكن تعلم في ذلك الوقت أن ذلك الفجر ورائحة الخبز تلك تبعث فيك النشاط وصفاء الذهن والانتعاش وخصوصا بعد أن تؤدي صلاتك، رغم مطالبتك بحرية الأطفال وكسر تسلط الآباء على أبنائهم، ها قد حدث الفجر من جديد ولكن الفجر هذه. المرة ليس في القرية، بل هنا بين هذه البيوت المتراصة والمختنقة حيث لا يوجد ماء. يلسعك وينتزع نومك وحيث لا تشم رائحة خبز أمك ولا تعد الأشجار والنخيل وقت ذهابك الى الفلج. ارك تبحث عن فجرك

القديم.. ولكنك حتما لا تجده.
2- أنت ورنين الجرس

رنين الجرس صوت كريه.. رنين الجرس شبح مؤذ، كل الأشياء الجميلة ليست موجودة وكل شيء موجود مثل رنين الجرس، الحب مثلا غير موجود، ليس عند الجميع، وانما عندك يا سلمان، أنت الجالس على كرسي خشبي مثل قط خجول ووجهك يلمع بؤسا وغربة.

الكرسي الخشبي تجلس عليه كل يوم كي تتحمل رنين الجرس، وان تأمل أحد في وجهك سيتذكر أن المطر لم يسقط منذ زمن بعيد وسيتساءل الا تستحق أن تتذوق طعم الحب، أليس مهما أن يظهر شخص مثلك لهذا الوجود. وأنت جالس على الكرسي في مبنى عملك تترقب رنين الجرس الذي يأخذك الى المسؤول عنك كي يرهبك بأوامره الساخطة، عندها تحترق وتغدو كتلة رماد، فالمسؤول جلاد يتلذذ بلحمك، وأنت مراسل خجول.. حينما تتسلم المراسلات تحتفظ بها في يدك وصدرك خوفا عليها من الضياع، والمسؤول يصنع كل يوم سخريات جديدة يلبسها لك، ليس المسؤول وحده وانما كل الموظفين، جميعهم يعتبرونك ورقة بالية.

رن الجرس.. انطلق صوته مثل صاروخ ينفجر داخل أذنيك. تستيقظ من غفوة قصيرة كنت تتأمل فيها خطوط السقف المشبعة بألوان باهتة.. طرقت باب المسؤول وفتحته ودخلت.. وبمجرد أن رآك حتى قال لك: (تعال يا قرد.. لا أعرف أي امرأة ستقبلك زوجا). تسقط كرامتك بين قدميك.. تتشظى الى ألف قطعة وقطعة.. يحمر وجهك.. لا تقدر أن تفعل شيئا سوى حبس أنفاسك وكظم غيظك خوفا على وظيفتك الرخيصة. وبعد ذلك تجلس على كرسي العقاب تنتظر بقية الموظفين، منهم من يضربك على مؤخرة رقبتك، وآخرون يضربونك على ظهرك أو رأسك أه كتفك أو أماكن أخرى، وأنت ترتعد في كل مرة، وروحك تأتي وتروح، تقفز عاليا، تتألم وتبكي، تسقط دموعك على خديك، تقول في رجاء وحسرة: (ماذا تريدون مني.. دعوني.. دعوني). يفتحون أفواههم كي تظهر أنيابهم التي زرعها المسؤول لهم، يربتون على ظهرك، يقولون لك: (ما بك سلمان.. إنها مجرد مداعبة). تجمع في فمك بصقة كبيرة، ولكنك تبتلعها في جوفك، كنت تتمنى أن تقذفها في وجوههم بما فيهم الكرسي والجرس، ولكنك تخاف، شيئا ما يشل تفكيرك عن القيام بأي فعل أحمق، أبوك وأمك وأخوتك في القرية ينتظرون قدومك عند نهاية كل أسبوع.

تتحسس ثيابك وأنفك وعينيك فتوقن أنك رخيص وتتمنى في كل لحظة أن تعود الى بيتك في القرية كي تجد أمك تحضنك بنظرات حنانها، الوحيدة التي تسقيك من نهر الحب تردك أغلى من كنوز الأرض كلها، بكت كثيرا وأنت تغادر القرية للبحث عن عمل، قصدت أحد رفاقك ممن يسكنون المدينة وسكنت معه مؤقتا، تتذكر الشمس التي صهرتك أياما كثيرة وأنت تبحث عن عمل، قدماك تورمتا من أثر المشي الطويل، بكيت كثيرا في الليل متذكرا عيني أمك وقريتك والفلج والمسجد الصغير، نصحك أباك بالصلاة دائما وبغض بصرك، وبعد مدة طويلة وجدت هذا العمل كمراسل خجول تحمل الأوراق من مكان الى مكان وبعض الأحيان تعمل فراشا للمسؤول وكل ذلك بسبب خروجك من المدرسة مبكرا، وأنت تعرف سبب خروجك منها، فقدت شهيتك للدراسة بسبب المعلمين الذين يشكلون أشباحا مختلفة الأحجام، فقط هناك معلم الرسم الذي ارتحت له لأنه يشجعك كثيرا خصوصا وأنه اكتشف لديك موهبة الرسم، وبالطبع أنت لا تنسى المعلم الذي شد شعر رأسك ذات مرة حتى اقتلع بعضا منه وبعد ذلك ضرب برأسك في الطاولة، ولا تنسى المدرس الذي يأتيك في الأحلام حاملا في يده سكينا يريد ذبحك، وهو نفسه كل صباح يزجرك وينعتك بالبغل، وكل مرة تخبر أبوك عن كل هذه الأشياء يزيدك ضربا وزجرا، وحينما قلت له بأنك ترغب في ترك المدرسة رحب بالفكرة واقترح أن تذهب الى المدينة كي تعمل مثل بقية شباب القرية وعندها رآك رجلا يعتمد عليك، تتذكر أن أباك يصلي ويصوم وأنه فكر في الحج مرارا لولا الديون التي عليه، وفي نفس الوقت تتذكر أن أباك تزوج مرتين والآن يكره أولاده من الزوجة الأولى ولا يسأل عنهم أبدا ويعتبرهم مثل أعدائه، وفي كل مرة يقومون بزيارته يزم شفتيه لهم، وتتذكر أيضا أباك الذي يلتهم العسل والتمر ويشرب القهوة تحت شجرة البيت كل صباح ولا يحب أن يفعل ذلك إلا بسرد قصص الناس وتغليفها بالشتائم، تتذكر أباك جيدا منذ أن كان يرشك بالماء وقت الفجر.

3- قلبك بيت وسماء

صباحك في المدينة صباح لئيم، وغرفتك التي تعيش فيها لعبة توقن أنها يوما ما سوف تتلاشى مع الرياح، تتحسر على باب الحمام الذي تهشم فجأة، صار الحمام عاريا دون باب، وتتساءل كيف يكون الحمام دون باب فقد انكشف كل شيء في داخله، وساخة أرضيته، حنفيته العجوز التي بالكاد تلفظ قطرة ماء، نافذ ته الصغيرة المتشققة والمشبعة بالغبار، صراصيره التي تشكل جيشا يتدرب ليل نهار، الصابون المبعثر على الأرضية، معجون الأسنان المفتوح الفم، المرآة الصغيرة التي تحمل شقا على شكل رقم سبعة والتي دائما ترى فيها صورتك. وهكذا صار الحمام عاريا، إن طلع أحدهم فوق الأسطح المجاورة لغرفتك فلسوف يكشف الحمام، أراك تتحسر، وتوقن أنه لا يمكن أن يستمر الحمام دون باب، بعد ذلك تتأمل جدران الغرفة وتتحسسها، نبضاتها تتدفق ببطء شديد، صارت مثل أي كائن حي يلهث بصعوبة، يا لهذه الجدران كثيرا ما تصدعت، كثيرا ما تلقت طعنات المسامير في لحم أجسادها، التهمتها قسوة الأيام، بينما هي تقدم الحماية لك من البرد والشمس والظلمة والغبار، حتى الآن مازالت متماسكة، إنها من تراب كالانسان، والانسان هو الذي شيدها، لكنه لم يحسن التشييد، وكان لن يخسر شيئا إن أجاد بناءها، مازلت يا سلمان تتحسس نبضات جدران غرفتك ترى عرقها يسيل وحرارتها تشتعل، تجلب منديلا من القماش مبللا بالماء وتمسح عليها برفق، إذن ماذا سوف تفعل إن ماتت الجدران من أثر الحمى، أين ستذهب، تتخيل أي رصيف سوف يبتلعك في هذه المدينة القاسية.

وصباحك صباح لئيم يركلك كل مرة خارج الغرفة كي تظل تتدحرج في الشوارع حتى يجلسك على الكرسي الخشبي في مبنى عملك وتنتظر عندها رنين الجرس، ورنين الجرس صوت ذئب جائع، تتذكر صبايا قريتك حينما يخرجن للفلج لغسل الأواني، كان قلبك يخفق وتشعر براحة حينما تنظر فيهن، ووجدت نفسك تحب المرأة والرسم، وتمقت شكل النقود ونظرات الناس، دائما ما تشعر بحرارة غريبة تسري في يدك تحفزك على أن تمسك القلم وترسم طيورا تحلق بعيدا عن الأرض وترسم نساء جميلات وحدائق زهور وأشكالا هندسية، وكنت في طفولتك ترسم على جدران البيوت بقطع الفحم أشكالا غريبة جدا ليس لها وجود، أشكالا تبتكرها عقليتك الصغيرة وكأنها سوف تتحقق في سنوات قادمة، بعد ذلك بدأت الرسم على الأوراق، مرة رسمت شجرة أوراقها سوداء وثمارها رؤوس آدمية منها ناضجة ومنها ما لم ينضج بعد وتبدو الشجرة في اللوحة أكبر من المدينة وأنها غائرة في سماء مليئة بالغربان وطيور أخرى غريبة الأشكال، وبعد رسمك لها تمعنت فيها جيدا مما أثارت في نفسك الكثير من الأسئلة ولأنك رسمتها بعد يوم كئيب وحارق انتهت ليلته بكوابيس كثيرة، حاولت أن تستغيث بكل قوتك وحاولت أنت تنادي أمك كي تحضنك وتقرأ عليك آيات من القرآن الكريم تحفظك من كل سوء، لكن أمك بعيدة عنك في القرية، وفي الصباح اكتشفت بأنك رسمت هذه اللوحة، ولم تستطع أن تتذكر بداية رسمك لها، ومرة رسمت أشكالا هندسية مختلفة تتطاير في فضاء اللوحة ويطير معها طفل يمسك بيده طائرة ورقية بهيئة غيمة ذات وجه مبتسم، ومن الغيمة تمتد دوائر حلقية متصلة وتهبط منها مثلثات، وكان الطفل على ما يبدو في الرسم يرتفع ويبتعد عن المدينة التي كانت تحته على هيئة غيوم سوداء غائصة بين الجبال.

وقد حاولت كثيرا أن ترسم وقت أن تجلس على الكرسي الذئب، ومرة شاهدك أحدهم ووقف خلفك يشاهد ما ترسم دون أن تشعر بوجوده وحين انتهيت من الرسم، خطف منك اللوحة، وقال لك: (جميل جدا.. لم تقل بأنك رسام موهوب.. رسمك جميل). شعرت يا سلمان برذاذ يسري في عروقك، هو رذاذ اللذة التي نادرا ما تتذوقها، كنت الوحيد الذي يهتم بلوحاتك، رأي الموظف انتشلك بعيدا نحو كل شيء مبهج، لكن ذلك الشخص لم يدع الفرحة أن تستمر لفترة أطول فقد رقص باللوحة وصرخ بأعلى صوته: (تعالوا تعالوا لدينا هنا رسام.. رسم امرأة.. تعالوا… سلمان يرسم). تغضن وجهك، وكأن بركانا لفظ حممه على رأسك، حضرت وجوه بالية تطلق ضحكات سخرية، مد كل واحد يده ليدغدغك، فتحولت على الفور كرة تقاذفها الجميع وكادت ثيابك أن تتمزق، ثم جاء المسؤول على أثر الضجيج، شاهد اللوحة، وصفعك بها، صمت الجميع وانصرفوا كاتمين ضحكاتهم ليفجروها في مكان آخر، صرخ المسؤول في وجهك وقال: (وأيضا رغم كونك زبالة.. فأنت قليل الأدب والتربية.. هذه الأشياء لا ترسم في هذا المكان المحترم.. سوف أكتب عنك تقريرا بذلك)، ومزق اللوحة فوق رأسك وأمرك أن تجمعها كي ترميها في القمامة، تيبس كل شيء فيك، حاولت أن تصرخ وتلبس أنياب الشر كي تحفر الجدران وتصل الى كل ذئب، رنين الجرس انتشلك من جمودك، أخذت تجمع فتات اللوحة بيدين مرتعشتين كي تشاهد صندوق القمامة يفتح لك فمه ويضحك.

4- قلبك حب

تقف على الطين اليابس وتتذكر نفسك، تقضم أصابعك لأن عمرك قد مر من أمامك مثل الضوء ولم تحادث امرأة غير أمك، لم تنل طعم الحب، لم تمسك يدين ناعمتين، لم تتأمل في عينين واسعتين، لم تطرب لهمسات رقيقة، فقط هو الصباح اللئيم الذي كان يهزأ منك ويركلك ناحية الشارع. مر العمر من أمامك، سكنك الجوع، سكنك الخوف، حينما شاهدت البحر أول مرة قفزت الى قلبك روح جديدة وصديق جديد، فأصبحت تسعي اليه كي تخفف من جوعك، قال لك أبوك غض من بصرك، وأبوك حينما يشاهد امرأة يسيل لعابه، وها أنت تنظر في الأجساد الانثوية وتنظر في البحر، كل هؤلاء النساء يمررن من أمامك ولا تجرؤ على محادثة احداهن، وحينما صرحت لأبيك عن رغبتك في الزواج، نهرك بأن تجمع أولا المال، والمال في هذه المدينة يذوب بسرعة مثل الثلج تحت هذه الشمس الحارقة، منذ أن كنت صغيرا والاسئلة تتقافز من رأسك حول ذلك الجسد الانثوي، لماذا يشدك ناحيته بقوة، أي جاذبية ساحرة هذه تحطمك، أي تقاسيم عجيبة لهذا الجسد الأملس الناعم، بدءا من شعر الرأس المنسدل حتى الظهر، والصدر السحري، والخصر، والساقين، واليدين الناعمتين كل هذه التقاسيم تلعب برأسك، الى متى تنتظر رنين الجرس ؟

5- تجمع الذئاب

حطت ليلة السخط على رأسك يا سلمان وزأرت كالأسد، هشمت نومك، وبقدميك النحيلتين رفست الجدران وختمت عليها علامات الغضب، فتحت نافذتك التي تطل على شارع مظلم، واشتعل نظرك في أجسادهم، ورأيتهم جميعا كالذئاب،كل واحد يحمل شعلة نار، بمن فيهم جميع النساء اللواتي راودنك في أرض أحلامك.

تجمعوا في ليلة السخط تلك أمام غرفتك الصغيرة، نشروا ضحكاتهم وسخرياتهم بين نارهم المتوهجة، أطلقوا صيحاتهم كي تنغرز في رأسك وكي توقظ فيك الوحش الخامد وتقشع صمته، كانوا كثر يرشفون أنفاس النار ويتآمرون عليك، من الذي أرسلهم اليك، كيف تكونوا هكذا مثل زوبعة غبار مؤذية، أي رحم قذفهم الى هنا. نزلت اليهم غاضبا.. وقفت أمامهم متحديا.. وقلت: (ماذا تريدون مني.. دعوني وشأني.. أنا لاأحب أحدا منكم). ضحكوا حتى امتلأت الأرض كلها بضحكاتهم، وبصقوا، حتى امتلأ وجهك ببصقاتهم، وأطفأوا شعلات نارهم حول قدميك. عدت طفلا من جديد أمام حفر الحياة وكائناتها،حينما لم تكن قادرا على حمل حقيبة المدرسة،حينما ركلت خارج القرية والمدرسة حينما لم تكن قادرا على مطاردة القطط والوقوف من بعيد للتفرج عليها، حينما كان أبوك يمتهن جمع الأخشاب كي يكسرها على ظهرك قلت لهم بخوف وحزن:(سوف أقتلكم جميعا). كثرت ضحكاتهم وسخرياتهم، قذفوك بكرات طين رطب، عبأت صدرك بخيبة الحياة كلها، والليل زفر فيك روح الفشل، رجعت الى غرفتك، أغلقت الباب وراءك، أخرجت لوحة بيضاء وقلم رصاص، توهج الغضب أكثر في جسدك الضئيل، شحنت القلم بضحكاتهم وبصقاتهم وأشكالهم المقرفة، رسمت وجوههم أكثر بشاعة، رسمت الليل سيدهم، رسمت أمهاتهم الخطيئة التي لاتغتفر،رسمت آباءهم أفاعي تحرضهم على اقتراف الاثم،رسمت أجسادهم معلقة على حبال الهزيمة، رسمت فمك يعجن بصقة كبيرة تهيؤا لقذفها ناحية وجوههم، تتساءل أي كراهية هذه التي اشتعلت في جسدك، أي حقد تكون، أي لوحة تخلق الآن.

مازا لوا في الخارج يراقصون بعضهم البعض، ويخدعون سيدهم الليل الذي يخبئهم تحت إبطه العفن، وها انت تنفث في هذه اللوحة نمو وجودهم. استرخيت على المقعد واللهاث يتطاير من فمك، لم يعد في قلم الرصاص روح سوى سواد علق في أصابع يدك، قمت بتغطية اللوحة بقماش أسود، هدأت قليلا، ثم بكيت بمرارة، اشتهيت نهر الطمأنينة يغسل روحك وجسدك، ويرقدك في سلام تحت ظل شجرة مثمرة أو وسط حقل زهور، حدقت في السقف طويلا، الى أن جاءت الشمس واخترقت زجاج نافذتك، كي تعطيك صباحا لئيما وثقيلا يحمل لؤم وثقل جميع الصباحات الماضية. تنبهت من غفوتك، قمت متعبا، أزحت القماش الأسود من على اللوحة، افترسك الفزع، كان كل شر العالم يجتمع في تلك اللوحة كان الليل يلمع أنيابه ويوسخ إبطه بأولئك الذئاب.

أشعلت عود ثقاب، فركضت ناره تلتهم اللوحة، احترقوا جميعهم وصاروا رمادا. إذن ليتجرأ الصباح مرة أخرى أن يركلك ناحية الشارع، وليتجرأ مرة أخرى هذا الجرس أن يعلن عن شبحه القاتل، سوف ترسم لوحات كثيرة وتحرقها كي ترتاح من الجميع. ما عدا لوحة لأمك.
 
 
يحيى بن سلام المنذري ( قاص من سلطنة عمان)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …