أخبار عاجلة

رمزية السلم والثعبان في عالم إدوار الخراط

عالم الروائي إدرار الخراط عالم زاخر بالدلالات والأبعاد عالم نستطيع أن نتحدث من خلاله عن موضوعات ومحاور عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- صورة الذات 2- صورة الآخر 3- الحب وفقدان الحب 4- مغموم الجسد 5- الحلم 6- الكابوس 7- الأساطير 8- الطفولة 9- اللغة 10- المكان 11- الهلاوس والهذيانات 12- القلق والحيرة والغربة 13. صورة الإسكندرية وصورة القاهرة 14- الخير والشر 15- الشوارع ووسائل النقل والموصلات العامة 16- الموت 17- صورة الأب 18- صورة الأم 19- الأسرة والأقارب 20- صورة البحر وصورة النيل 21- الشعور بالاضطهاد والمطاردة 22- صورة أبناء الجنوب (المعايدة) وأبناء الشمال (البحاروة) 23- الولع بالماء 24- اللون والظل والموسيقى 25- الاحباط 26- العمر ودلالاته 27- الذاكرة 28- الحضور والغياب 29- العيون 30- العمارة وخاصة السلالم.

ونتحدث في هذه الدراسة القصيرة، على نحو خاص، عن هذا المحور الأخير وخاصة ما يتعلق فيه منه بموضوع السلالم (أو السلاليم كما يشير الإمام الرازي في "مختار الصحاح") ودلالاته في بعض أعمال ادوار الخراط الروائية والقصصية القصيرة.

رمزية السلم:

السلم رمز للمرور والانتقال من مستوى الى مستوى ومن حالة الى حالة، ورمز للدخول الى مستوى وجودي جديد أو خروج من مستوى آخر مختلف أو سابق.

السلم وسيلة للتواصل بين الأرض والسماء، أو بين الرجل والمرأة، وهو رمز محوري كما يشير كوبر "يرتبط بقصة آدم وحواء وبالنزول من السماء الى الأرض ثم بالحلم بالعودة الى الفردوس المفقود. السلم رمز للحياة وللموت. لليقظة (الصعود) وللنوم (الهبوط)، للاقتراب من المطلق والابتعاد عنه (1)".

السلم رمز للمرور من غير الواقعي الى الواقعي وبالعكس ومن الظلمة الى النور ومن الموت الى الخلود وبالعكس.

درجات السلم تمثل درجات أو مراحل للوعي يمر بها الانسان خلال المعرفة أو خلال الحب أو خلال التصوف، منذ البداية الأولى الغامضة حتى النهاية الكلية الكاملة.

البداية الأولى الغامضة حتى النهاية الكلية الكاملة.

السلم قد يكون قائما عموديا أو مائلا، وقد نصعد السلم فرحين أو خائفين، وقد نهبطه في حالة فرح أو خوف كذلك.

يرتبط السلم برمزية الجسر (وكذلك النفق) في طقوس العبور لدى ثقافات انسانية مختلفة، والسلم كالجسر قد يكون ضيقا له حد كحد الموسى أو الصراط المستقيم، وقد يكون واسعا رحبا عريضا مريحا.

السلم جزء من لعبة السلم والثعبان الشهيرة، وهو أيضا مفردة تستخدم لوصف درجات متنوعة من الموسيقى (السلم الموسيقي) أو التصرف (درجات العطش والشرب والري مثلا) أو الألوان (قوس قزح مثلا) وهو أيضا رمز لمعاناة السيد المسيه ولصراعات يعقوب ورمز لحورس في الميثولوجيا الفرعونية ذلك الذي يحيط بالعالم المادي ويربط بالأرض من خلال سلم لحما جاء في كتاب الموت، كذلك تمسك "هاتور" بسلم دوما تمهيدا للقفز الى السماء (2).

للسلـم حضوره الكبير في العالم القصص والروائي لادوار الخـراط وكذلك الحال بالنسبة للثعبان (3).

رمزية السلم والثعبان:

في قصة "الشيخ عيسى" وهي من أوائل القصص التي كتبها إدرار الخراط (1943) ونشرها ضمن مجموعة "حيطان عالية(1959)" تصعد الفتاة نادية والتي أرغمت على ترك حبيبها – كي يتزوجها والد هذا الحبيب – تصعد هذه الفتاة في نهاية هذه القصة على سلم داخل البيت، وتنظر الى الشارع، وتفرق في حالة من التوها والتخبط والتشتت العقلي بحيث تعتقد بينما هي تقف على السلم أنها ترى حبيبها المفقود، حلمها المفقود، ولم يكن ذلك سوى مجرد وهم وخداع إدراكي.

في قصة "في ظهر يوم حار" (مجموعة حيطان عالية) وصف لعملية صعود للسلم يقوم بها طفل داخل أحد المنازل "وعتبات السلم الرخامية المتآكلة مدفونة في تراب الشارع " وظل الطفل يحدق في البيت كالغريب، وقد كان البيت بيت أبيه. لكنه لسبب ما ابتعد عنه، وعندما عاد ونظر الى البيت رأى السلم الصاعد الى الدور العلوي، بدرجاته المكسوة بطبقة من التراب المتحجر الجاف، وحوض المياه الجديد تحت السلم.

ويرتبط صعود السلالم وهبوطها في هذه القصة وفي غيرها بالتذكر بالتطلع الى ما هو مخبوء وراء الأبواب، وبمظاهر عشق شبقية ورومانسية معا، وبمشاعر طبيعية حيث يتعلق هنا الطفل، حينما يكبر بابنه صاحب الأرض الذي يعمل أبوه أجيرا عنده، وحيث يركز على وصف عيونها، وحيث تكون العيون وسيلة للتعبير عن الشخصية، حيث يمكن أن تعبر العين عن التعالي، أو السيطرة، أو التجاهل أو الشبق أو الانكسار.

في قصة أمام البحر (حيطان عالية) يوصف السلم بأنه "صادم مظلم ضيق " بينما تصعد الشخصية المحورية في القصة درجاته "في بطء وتسمع مواقد الجاز تفح من خلف الأبواب وأصوات الأمهات المجهدات تدعو على الأولاد الذين لا يهدأون أبدا، وتقرع وتشتم وتلعن الأيام السود".

السلم هنا وسيلة للكشف لا للاخفاء، فمع صعود السلالم وهبوطها تتفتح عوالم مخبوءة ويتم الكشف عنها بشكل غير مباشر، كما تندفع أيضا عوالم من الذكريات والأحلام كاشفة عن أسرارها.

في هذه القصة تصعد الشخصية المحورية السلم صاعدة الى وحدتها، حيث تعاني الوحدة والفقر وتسكن أعلى السطوح (يحدث نفس الشيء أيضا في قصة: في فشهر يوم حار).

كثيرا ما تؤدي عملية صعود السلم الى تزايد الشعور بالوحدة والعزلة واللاجدوى والصراخ والكوابيس (قصة ميعاد) مثلا في نفس المجموعة، وكثيرا ما تكون علاقة الانسان بالسلم مثيرة ومولدة لانشغال الفرد بأفكاره وذكرياته ومشاعره حول نفسا وحول العالم، يحدث ذلك سواء كان هذا الشخص يصعد السلم، أو يهبطه. أو حتى ينظر اليه فقط.

يبدو السلم في عديد من أعمال إدرار الخراط الأول أو المتأخرة، وكأنه عماد المكان، كما يبدو أيضا وهو محور الحركة أو الحدث. في قصة الأوركسترا مثلا (حيطان عالية) هناك وصف لسلم جانبي في قاعة عرض سينمائي، هذا السلم "يدور وينفتح على أبواب معتمة خفية تفضي الى فراغات معمورة بشخوص الناس، ولا أحد إطلاقا على السلم ".

يوصف السلم في هذه القصة بأنه "منبر صامت محجور عليه " ويقود هذا السلم الراوي الى حفلة موسيقية كابوسية هذيانية شديدة الغرابة والغموض وكأنها حفل لشياطين ساخرة من العالم السفلي.

هناك قصص في مجموعة "حيطان عالية" تبدأ بوصف ما لحركة ما على السلم، كحركة نزول السلم بسرعة مثلا، ويكون هذا تمهيدا لمغامرة ما (عاطفية مثلا). كذلك قد يكون الصعود البطيء على السلم -وسيلة للكشف عن إحساسات شديدة بالوحدة والعزلة. أو وسيلة للكشف عما يحدث خلف الجدران على نحو – مباشر كما سبق أن أشرنا.

يوصف السلم في قصة "مغامرة عاطفية" (نفس المجموعة) بأنه "يجري الى أسفل، بين الحائط والسياج، ولا شيء بعد في العالم كله إلا درجاته الهابطة الصامتة،عليها أقذار اليوم الفائت"  وهكذا يتوحد الشخص مع السلم، وتصبح عملية نزوله السلم كل يوم هي جوهر حياته، " وهو ما يزال ينزل السلم كل يوم، يرد الباب خلفه في شدة، فتخرج له دائما، دافئة بن نومها بنظرتها المثقلة باللوم والرغبة ".

في قصة "تحت الجامع" (مجموعة: ساعات الكبرياء، 1972).

يوصف السلم بأنه "ضيق معتم مكتوم " وهذا الوصف يبدو كما لو كان معادلا رمزيا للقناع الظاهري من الشدة والعنف الذي تتحرك من خلاله الأم في معاملتها لابنتها الصغيرة بينما الأب غائب مجازيا وحرفيا عن البيت.

خلال قصة "في الشوارع " (ساعات الكبرياء) توصف السلالم بأنها "متربة بين جدران ضيقة متربة" وتوصف أيضا بأنها "سلالم ضيقة حجرية متهدمة" وتؤدي الخبرات المتتابعة للراوي مع السلالم في نهاية القصة الى أن يواجه وحشا هائلا ويحطم كل شيء ويسبب الخوف والفزع والرعب لكل الناس، هذا الوحش يمثل الشر وقد يمثل المجهول وقد يمثل الظلم، وقد يمثل الكوابيس، وهو عموما وحش يصعب تحديده ودلالاته شديدة الثراء، يتحدث عنه الراوي قائلا "الوحش الذي يسكن قاع قلبي ترتفع به مياه حب غير مفهوم وغير مطلوب، ثم تتهدم الأمواج" ويقول عنه أيضا "الوحش سفينة تبحر في مياه مجهولة. والعالم وحش،والألم " والوحش كما أشار بدر الديب في دراسته الهامة عن هذه المجموعة يمكن أن يكون هو الموت أو القوة أو التهديد أو القسوة او الوحشه – او العدوان او التجاهل او الحتمية القدرية (4).

بعد الأحداث الهائلة والآثار المدمرة التي نتجت عن مرور الوحش في الشارع، وبعد تنظيف الشوارع من آثار التدمير هذه يقول الكاتب عن الشخصية المحورية في القصة "ومر بذهنه أنه لم ينزل قط، ولم يصعد قط، مثل هذه السلالم الحلزونية الحديدية التي تدور وتدور وترتفع الى ظلمة فوقية غامضة، الى سطوح حادة لا منفذ فيها في المغرب البرونزي الصدى قاتم الخضرة."

وهكذا يبدو السلم وكأنه وسيلة للدخول الى عوالم الكوابيس أيضا، عوالم لكوابيس النهارية Daymares   بكوارث العالم وحروبه وفواجعه المتلاحقة، أو عوالم الكوابيس الليلية Nightmares  تعاني الشخصية الفردية المنعزلة من أثار وحدتها، ومخاوفها واحباطاتها وأحلامها المنكسرة.

في رواية رامة والتنين ( 1980) وفي الفصل الثالث الذي عنوانه "السلالم الضيقة والتنين " حديث عن الصعود الى "ذروة البهجة والتحقق وعن الهبوط الى جحيم الحبوط " ووصف للسلالم الضيقة التي يصعدها الراوي (ميخائيل) خلف رامة (معشوقته) في لوكاندة فيكتوريا بالأسكندرية " وهي ترقى الدرجات المتعرجة ويكاد يتعثر بطرف السجاد الأحمر الكابي وهو غائب الانتباه، في دهشة من أناقة هذا الفندق الذي لا يعرفه، وظهرها القوي النشط منحن أمامه، صاعدة تنهج، ثم تهتف، وتعود اليه، وصدرها يرتفع ويهبط، ويخفق أمام عينيه، وهي تقول: لا، صعدنا السلالم الخطأ، ليس من هنا.. جعلتني آخذ الاتجاه الخطأ، انزل من هنا.. تعال "ثم يتجه ميخائيل ورامة الى سلم آخر يوصف بأنه أكثر ضيقا، وتفتح له باب غرفتها ويجد نفسه فجأة معها، وحدهما.

كما يتم وصف حالة رامة بعد ذلك وهي تصعد الى ميخائيل من حمام السباحة في الفندق وترفع اليه وجهها القمحي الفني في نور الصباح الشفاف المشاع، في صمت السلالم ".

وتدور حوارات خصبة بعد ذلك بينهما حول الحياة والحب، وتدور حوارات خصبة بعد ذلك بينهما حول الحياة والحب، لكنه دوما يتذكر التنين الوحش الكابوس الخوف ويقول لنفسه "لم أقتل التنين، أعيش معه، أسنانه مفروزة في قلبي، ستعانقين بلا فراق أبدا، حتى الموت ".

في مجموعة (1) "اختناقات العشق والصباح " هناك قصة أشبه بالحلم هي قصة "نقطة دم "، وهي تبدأ أيضا بوصف لدرجات سلم ترتفع بينما يصعدها الراوي "عريضة خاوية أصعد عليها في الفضاء الفسيح،وقع خطوي له أصداء بين الأعمدة" ثم تنتهي القصة بما يشبه الكابوس.

في قصة "قبل السقوط" (مجموعة اختناقات العشق والصباح) وصف أيضا لحركة صعود وهبوط لسلالم قديمة ذات سياج خشبي قديم ثم كوابيس تنتهي بصرخة عنيفة بعد فقدان الحب الذي حدث للراوي وتمتليء قصة "أقدام العصافير على الرمل" (نفس المجموعة) بالسلالم الصاعدة والهابطة، القديمة والحديثة، وتوصف السلالم أيضا بأنها د،هشة ووعرة وقاتمة" وهي التي تؤدي بالراوي الى محبوبته فيكتوريا بجسدها المتميز،وهناك أيضا وصف لسلالم رخامية متميزة، والرخام هنا يوصف بأنه "ناضر وجديد وساخن وكامل الملاسة" وهناك أيضا حديث عن الاحساس بالرخام الحار الذي فيه متعة تشبا متعة الجسد الحار.

في نفس هذه القصة أيضا تصوير للهفة، والتطلع، والخفة، والشوق الشديد، الذي يمر به العاشق خلال صعوده السلالم، ووصف تفصيلي لا حساسات هذا الصبي الذي يحب صديقة أمه وينتهي هذا الحب بالإحباط العاطفي، وتنتهي هذه القصة وكوابيس تمتليء بالحرائق يرى فيها الراوي أغلفة بعض كتبه (مجموعة ساعات الكبرياء مثلا) وهي تحرق ويسمع خلال كوابيس الحرائق أو حرائق الكوابيس هذه أصوات الأصدقاء القداس الموتى تنادي عليه.

هناك تصوير شديد الخصوبة لكوابيس متتالية في قصة "أعلى الحافة" (نفس المجموعة) حيث تحدث صرخات هائلة وهبوط وسقوط للراوي "درجة كاملة من درجات هذا العالم" وهناك تذكر لمحبوبته "لنده" أمام الغيطان، وهناك صعود وهبوط من خلال السلالم أو خلال الأحلام والكوابيس، هناك هبوط وصعود رمزي وهبوط وصعود حرفي أيضا، والقصة تمتليء بدلالات الصعود والهبوط، بالأحلام والكوابيس، بالدمار والحطام، بالموت والحياة، وهناك وصف لسلالم منهارة يرتفع من بين أحجارها عمود جرانيتي مستقيم مستدير، "لم ينله خدش وقمته ما زالت خاوية ".

في قصة "من غير إجابة" (مجموعة: مخلوقات الأشواق الطائرة، 1990). ترتبط السلالم بالذاكرة، وتوصف السلالم بأنها خشبية وأنها "تتأرجح وتئز تحت قدمي، وعليها تراب خفيف، واطئة مريحة تدور في الحوش الكبير المدكوك بالحجر الأبيض الذي نعمته السنوات، ويغطيه سقف عال زجاجي مثلث الأضلاع وقد بهتت الوان الألواح الزجاجية وتحولت الصفرة الى صهبة فاتحة، والزرقة الى بنفسجي كامد، والضوء يتقطر منها نذرا فيه حمرة مكتومة".

السلم هنا يفتح عوالم التذكرة لمراحل ماضية، خاصة مرحلة الصبا، بكل ما فيها من أحلام وشجن وحزن وأفراح واحباطات يقول عنها الراوي "ألوان الصبا، ما أشد قتامتها، وعنفوان نذيرها".

في قصة "بيت قديم" (مجموعة: مخلوقات الأشواق الطائرة لم توصف أحجار السلالم عالية الدرجات بأنها "محصورة بين حائطين، تبشرني، كأنني أسمع من وراثها منين حياة مليئة بالقوة والوعود".

وهكذا ترتبط السلالم بالبيت ويرتبط البيت بالأعزاء والأحباء، الذين رحلوا، بينما تذكرهم على، نحو مستمر وتنتهي قصة  "بيت قديم " هذه بمشهد خاص بقرد مقدس يحضر ويسد باب الغرفة المفتوح أمام الراوي ويحجب ما يوجد داخل البيت عنه، ويصاب الراوي بقشعريرة ويصف القرد بأنه "غير إنساني، وغير عاقل"، ثم أن هذا القرد يقترب بعد ذلك من الراوي ويطبق بيديه على عنقه، هو وحش أو كابوس آخر من الوحوش والكوابيس المتكررة في عالم إدوار الخراط.

في قصة "القرد والأطفال" (نفس المجموعة) تصوير لحالة كابوسية مرعبة ترتبط بقرد ينقسم ويتحول ويتناسخ ويتناسل، قرد وكأنه التنين الحاضر في أعمال كثيرة لادوار الخراط، أو كأنه القرد المقدس الذي حضر في قصته "بيت قديم" مع الحضور الخاص لهذا القرد يتم وصف السلم بأنه "هاديء مسالم لا يأبه لنية القتل ".

في قصة "ع المسرح " (نفس المجموعة) توصف السلالم الرخامية بأنها "عريقة تلمع " وتوصف السلالم داخل هذا المسرح أيضا بأنها "عريضة الدورات تصعد الى شرفات داخلية مسورة بحديد مشغول ترتمي عليه خمل الزهور " والشخصية المحورية هنا تشعر بالوحدة والخوف، بينما هي تدخل الى الأوبرا مثلما كانت حالة الشخصية القديمة في قصة "الأوركسترا" التي سبق أن تحدثنا عنها.

في قصة "على جسر ممدود" (نفس المجموعة) يتم وصف أحد المباني ويقال إنه من بين خصائصه المعمارية أنه كانت "فيه مقصورات داخلية تغوص في آبار السلالم المكشوفة " ثم هناك حديث عن كلاب تأتي من أطراف الصحراء تعوي كأنها بنات آوى، وهي "كلاب تشبه نفسها لم تغيرها أزمنة سحيقة وأن ضراوتها وحشية، وكانت تتوافر – للهجوم، أو للفرار، خوفا أو يأسا، مشحونة بتهديد كزنة آت من وراء القبور".

الكلاب هنا كأنها كوابيس ليلية، ولكنها أيضا تحتمل دلالات رمزية اجتماعية، دينية وثقافية ونفسية أخرى كثيرة ترتبط بحالة الراوي الخاصة وذكرياته الفريدة.

في رواية "محطة السكة الحديد" ( 1985) وصف لحركات صعود وهبوط كثيرة، خاصة -بعد ضياع خاتم الزواج من الراوي، صعود الى رصيف محطة السكة الحديد، ونزول الى العالم السفلي بين القضبان الحديدية وبين أرصفة المحطة، ثم فجأة يجد الراوي نفسه في حالة شبه كابوسية بين أشلاء مبثورة لجنة ممزقة مرمية على القضبان وبين أطراف وأذرع بضة.. الخ، وفي مشهد آخر من هذه الرواية وصف لحركة ارتقاء في الظلمة على حافة بناء شاهق يقف على طرف جسر ترابي، بينما الماء الراكد تحت الراوي كأنه مرآة ساكنة " ثم وصف لصعود للسلام المنحوتة خارج البرج من غير سياج "كتلا صغيرة ضيقة وعسرة، مرصوصة فوق بعضها البعض، من حجر أبيض ثقيل الملمس تحت قدمي" ثم وصف لحركة ارتقاء الراوي للسلالم الحجرية بعزم وقسوة وغضب، وصعود الى الحلم والفرح – والصعود الخاص للسلالم هنا يكاد يكون هو الصعود الوحيد في أعمال إدرار الخراط الذي لا تعقبا حالة من المواجهة لثعابين الخوف والفزع والكوابيس "أعرف أنني لا أستطيع النزول انني لا يمكن أن أنزل الآن، وأنني أصعد الى هذا الوجه بسمرته الصافية،وموج عينيه، الى هذا الجسم الناعم الراسخ الذي سيبقى معي الى يوم موتي".

هذا المشهد يبدو وكأنه يرتبط بحالة ما من الحب أو العلاقة الانسانية الأبدية التي أقر الراوي بأنها علاقة ستبقى معي والى يوم موتي "وأن" لا يستطيع النزول الآن "وأن هذا الوجه بسمرته الصافية وموج عينيه.. الخ" هو ما وجد فيه الراوي بعض اليقين في ظل شكوك كوابيسه اللانهائية والمحرقة.

في محطة السكة الحديد "أيضا وصف للنفق الخاص في المحطة، ووصف للبلاط الأبيض المصقول على حائطي السلم، والعالم هاديء، والراوي ينزل وحده، وهو يشعر بسعادة ما لأنه وحده في هذا العالم،وكأنه يمتلكه وحده، لكنه فجأة يشعر بأن هناك من يحضر – ويراقبه ويطارده وينتظر أن يوقع به فيهرب منه في فزع شديد.

في محطة السكة الحديد وصف أيضا للسلالم التي تؤدي الى رصيف المحطة، والسلالم التي تؤدي الى الفراغ، ووصف شبه كابوس للقضبان والقطارات الساكنة الصامتة المظلمة "كحشرات ميتة بيضاء" بين المحطة بكاملها "ساكنة نائمة ".

تحدث معظم مشاهد الحب والعشق في رواية "ترابها زعفران" (1986) على السلالم، تبدأ قصص الحب وتنتهي السلالم أيضا، ويوصف السلم في الليل في هذه الرواية بأنه كان "مظلما ومخيفا، وفسحة الباب معتمة يهب منها هواء رطب كأنه أنفاس حية، ترعبني، وأحس صاحبتها تترصدني من وراء باب شقتها وتهم بالإطباق علي.

وهناك أيضا وصف للخوف المصاحب لدخول البيت، وصعود السلالم، وحكايات مرعبة عن امرأة قتلت بسبب العرض، ويسمع أنينها خلال الليل ثم نداء الطفل الراوي على الأم أو الخالة واضاءة نور السلم وصعوده إياه فوحا.

كثيرا ما يؤدي صعود السلم في "ترابها زعفران" الى فتح لباب ما، ويؤدي فتح هذا الباب الى أوصاف ومشاهد جنسية خاصة.

السلالم في "ترابها زعفران" موجودة داخل البيت وموجودة خارجه أيضا، والسلم الخارجي غالبا ما يؤدي صعوده للوصول الى السطح بذكرياته المختلفة "كان السطح هو الذي يسحرني" تحضر السلالم أيضا في رواية حريق الأخيلة (1994) ومنها ما جاء مثلا على هيئة شعر "السلالم معتمة في الشتاء والمعنى اللامحدود إبريق زجاجة مشروخة" ص 75.

 

كما تحضر مشاهد السلالم كثيرا في رواية "اسكندريتي" (1994) وصعود وهبوب لكثير من المواقع والمعالم، في الإسكندرية، خلال أربعينات هذا القرن على وجه خاص.

الخاتمة:

لا تدعي هذه الدراسة أنها أحاطت بكل هذا الحضور الخاص بالسلالم والكوابيس في عالم إدوار الخراط، كل ما تستطيع أن تدعيه هو بهذا القول الحضور الجاثم لهذين المكونين على نحو متلازم في هذا العالم.وهذه فقط مجرد عينة مما استطعنا أن نشير اليه.

الكوابيس موجودة في عالم ادوار الخراط منذ قصصه الأولى وكذلك السلالم، وهي-الكوابيس والسلالم -موجودة كذلك في أعماله المتأخرة.

في قصة طلقة نار (1994) التي نشرت بعد ذلك ضمن مجموعة "حيطان عالية" هناك حديث عن الوحوش الهائلة، والفيلان والسباع المهاجمة والحفر العميقة التي تنفتح فجأة أمام أقدام الشخصية المحورية، أثناء الليل "فيتقلب في فراشه ويستيقظ ".

وفي قصة "أبونا توما" (حيطان عالية أيضا) هلاوس وهذيانات تؤدي بالأب توما الى قتل زميله "الأب متى" مع تزايد شعوره الخاص والوحدة والرعب نتيجة هذه العزلة القاسية التي عاش فيها، بحيث أصبح يسمع نداءات غامضة تدعوه الى أفعال محرمة يقاومها، وفي هذه القصة تكمن أيضا بذرة فكرة الوحش أو التنين أو الشر أو الكابوس التي سيطورها إدرار الخراط بعد ذلك، وهي-في رأينا -أيضا ربما كانت أول قصة في الأدب العربي الحديث تتعرض لحالات الجنون أو الاضطراب العقلي وتأثيرها على السلوك الحاد أو العنيف.

ترتبط السلالم بما يسميه باشلار جماليات المكان، وقد ترتبط جماليات البيت بالأحلام أو الكوابيس وفقا لطبيعة هذا البيت وطبيعة الذكريات حوله.

والسلالم في عالم ادوار الخراط قد تكون صاعدة أو هابطة، داخلية أو خارجية، قديمة أو جديدة، ساكنة أو متحركة، حجرية أو خشبية، رخامية أو حديدية، ذات نهايات مفتوحة أو مغلقة، أحادية المسارات أو مزدوجتها وقد تجتمع أكثر من حالة من الحالات السابقة في سلم واحد.

وتوصف السلالم في أعمال ادوار الخراط بصفات مثل عريضة، خاوية، هشة، وغرة، ولامعة، هادئة، مسالمة… الخ.

تحدث حركات الصعود بالسلالم أو بالمصاعد-التي هي سلالم عصرية – وأحيانا ثالثة بلا سلالم ولا مصاعد (صعود أو هبوط مجازي أو حلمي أو كابوس).

ترتبط السلالم والحركة عليها في عالم ادوار الخراط غالبا بالكوابيس، ونادرا ما ارتبطت بالأحلام وكثيرا ما ارتبطت بالذكريات، ونادرا ما كانت هذه الذكريات مشرقة.

السلالم ترتبط بالكوابيس، والكوابيس ترتبط بحيوانات مفزعة كالكلاب والقرود، وبكائنات أسطورية كالتنين الذي يرتبط بدوره بالثعابين والحيات التي غالبا هي رموز مرتبطة بالشر والظلم والقسوة والحرمان والتجاهل والحتمية، والتدمير، والكوارث والقتل، وهو أيضا رمز مركب ورمز إنساني عام ورمز مزدوج يشتمل على عناصر خاصة بالموت، وعناصر خاصة بالحياة، وهو مجدد لنفسه ومستمر، ذكري وانثوي، له دورات من التجلي والاختفاء، يرتبط بالخير والشر والنـور والظلمـة (5).

وهكذا فإن صعود الانسان على السلم – أيا كانت رمزية هذا الصعود – في عالم ادوار الخراط غالبا ما يؤدي بالشخص المحوري في القصة أو الرواية الى أن يواجه الثعابين بأشكالها المختلفة خاصة، خلال الكوابيس، فينتهي به أن يستيقظ صارخا مفزوعا خائفا، والصرخة من المفردات المتكررة في عالم ادوار الخراط، ويبدو أن لها بعض الأساس الواقعي في حياته، كما أدت الى ذلك في بعض الحوارات التي اجريت معه (6).

للسلم في عالم ادوار الخراط دلالاته الانسانية العامة، كما أن له دلالاته الدينية (القبطية على نحو خاص) وله أيضا دلالاته الجنسية (الصعود والهبوط) وله ذلك دلالاته الابداعية، وله أيضا دلالاته المعمارية، ودلالاته الخاصة في نسج الأعمال الابداعية وتكوينها، كما أن له دلالات أخرى كثيرة، وكل ما استطعنا أن نقوم به في هذه الدراسة أن نشير فقط الى بعض هذه الدلالات.

الهوامش

1- Cooper , J.c An illustracted Encyclopaedia of

Traditional Symbols Londe: Thames & Hudsen, 1987.

2- المرجع السابق.

3- ادوار الخراط:

أ- حيطان عالية، مجموعة قصص، على نفقة المؤلفه، القاهرة: 1959.

ب- ساعات الكبرياء، مجموعة قصص. بيروت: دار الآداب، 1972

جـ- رامة والتنين، رواية، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980.

د – اختناقات العشق والصباح، مجموعة قصص، القاهرة: المستقبل،1983.

هـ- محطة السكة الحديد، رواية. القاهرة: مختارات فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985.

و- ترابها زعفران، رواية. القاهرة: المستقبل العربي، 1986.

ز- مخلوقات الأشواق الطائرة. رواية. القاهرة. الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991.

ح – اسكندريتي، رواية. الاسكندرية: دار ومطابع المستقبل، 1994.

ط – حريق الأخيلة. رواية. الأسكندرية: دار مطابع المستقبل،1994.

4 – بدر الديب. "صوت صارخ.. (في الشوارع) ينادي باسمك " في مقدمة مجموعة "ساعات الكبرياء لادوار الخراط.

5-Cooper. op. cit.

6- حوار مع إدوار الخراط حول القصة والفن والإبداع، قام به شاكر عبدالحميد ونشر في مجلة الأقلام العراقية، عدد كانون الثاني، 1988.
 
 
شاكر عبدالحميد (ناقد وأستاذ جامعي من مصر)

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …