أخبار عاجلة

روايات غسان كنفاني في نص القاريء

طوال العقد التالى لاستشهاد غسان كنفاني، بدت رواياته الأوفر حظا من النقد. ولئن فترت عنها من بعد الشهيته النقدية، فقد بات لها اليوم، وبعد ربع قرن من استشهاد كاتبها، مدونة نقدية زاخرة، تجتمع فيها المراجعة والدرس والمناهج والتناقضات ولعلها جراء ذلك تنادي -كما الروايات نفسها – نقدها، وهو ما سنحاوله هنا لنرى كيف كتب القاريء – الناقد نصه وكيف غدت ورايات غسان كنفاني في هذا النص ؟ وذلك عبر نقود سامي سويدان ويوسف اليوسف وفيصل دراج (1). أما اختيار هذه النقود دون سواها فقد جاء لأنها توفر صورة لمسار يمتد من 1978 (سويدان) الى 1985 (اليوسف) الى دراج (1992)، وهو المسار الذي يؤشر الى تطور النقد الأدبي بين السبعينات والتسعينات، كما يؤشر الى تطور النقد الخاص بروايات غسان عبر قراءات اجتماعية ونفسية ودلالية، تتقاطع فيها المناهج وتختلف، كما منطلقات القراءة وآليتها ونتائجها، فضلا عما نزعمه مقدما من جديتها وانتسابها الى النقد الحداثي الذي يعول عليه مستقبل النقد، أيا كان القول في حاضره وماضيه القصيرين.

وقد قوى اختيارنا ايضا أن سامي سويدان ويوسف اليوسف يصدران نصيهما بنقد النقود المتصلة بروايات كنفاني.

أما الأول فأضاف التصدير (المقدمة) ابان نشر دراسته العائدة الى 1978 في كتابه (أبحاث في النص الروائي العربي 1986، لكأنه تلمس مبكرا حاجة نقود روايات كنفاني الى نقدها، وهو ما نجمله في التالي:

* افتقاد منهجية واضحة.

* صرف بعض دلالا: المادة المنقودة.

* وهم المطابقة بين الكاتب وشخصياته، وبين واقعه والواقع الروائي.

* التناقضات والأخطاء والمغالطات.

ومن تجليات ذلك كما يرصدها سويدان توحيد عصام محفوظ للكاتب بشخصية عامر أو عبدالعاطي، واعتباره غياب الرمز ميزة لمرحلة ما بعد هزيمة 1967 في روايات غسان، ثم عودة محفوظ الى اعتبار الرمز ميزة جزء من هذه المرحلة هو الأبعد عنها (2). كذلك يأخذ سويدان على فضل النقيب لامنهجية نقده، واعتماده الذاتية التي تحاول نقل انفعالاتها المزاجية بلغة غرائبية، وتقويل النص ما لم يقله، فيجعل القبر يلتهم أربعة من (رجال في الشمس) وليس ثلاثة كما هم في الرواية (3). ومثل النقيب يبدو الياس خوري إذ يجعل أبا الخيزران في (رجال في الشمس) يرمي الجثث الثلاث أمام المزبلة في الكويت، بينما الموقع في الرواية هو عند رأس الطريق المؤدي الى أكوام القمامة التي تفرغها سيارات البلدية في الكويت (4). ومثل النقيب أيضا يبدو احسان عباس في اعتماد الذاتية ليخرج بتأويلات تغفل عناصر أساسية في النص، وتكتفي بإطلاقات يعوذها التماسك، وتعليلات تعوزها الموضوعية واستنتاجات انفعالية (5).

ويبدو وهم المطابقة العلة الجامعة بين نقود كثيرة، فرضوي عاشور يحفل كتابها بمغالطات واسقاط غرائبي لافتراضات لا صلة لها بالنقد كما يعبر سويدان ممثلا بقول الناقدة: وأتساءل ما الذي كان يفعله غسان لو أراد أن يكون الولد الثاني لأم سعد بنتا؟ كيف ف كان يقدمها (6). ويمنى العيد تنسب الى غسان كنفاني سؤال أبى الخيزران: لماذا لم لما يدقوا الجدران ؟(7) ومثلها يذهب الياس خوري الى أن صوت كنفاني هو الذي يتقمص حنجرة أبي الخيزران(8).

قبيل ذلك ( 1985) قدم يوسف اليوسف لكتابه المعني هنا باشتراطه للنقد العظيم أدبا عظيما، وبتشخيصه ضمور النقد عندنا بسبب من ضمور الأدب، هكذا يبدو. لليوسف أن حركة النقد الأدبي في ثقافتنا لا تزال تقصر معظم جهدها على شرح النصوص بدلا من تحليلها (نبش منطوياتها الكامنة) وانتقادها ولا يخفى كم في هذا من مجافاة واستعلاء على تطور النقد الأدبي العربي منذ مطلع السبعينات حتى تاريخ هذا التشخيص.

على أن ما يأخذه الناقد من بعد على نقود روايات وقصص غسان، في هيئة أسئلة، يبدو في الغالب أوفر إحكاما مما رأينا لسامي سويدان على الرغم من صوابه في جملته. وأسئلة اليوسف هي:

* لماذا لم تعلن نقود غسان كنفاني (أن أم سعد) ليست رواية، وأن (عائد الى حيفا) لا تعدو كونها قصة قصيرة..

* لماذا لم تكتشف النقود أن كنفاني قد وضع حجر الأساس في صرح الأدب التراجيدي في ثقافتنا الناهضة، وذلك حين كتب (رجال في الشمس).

* لماذا لم تتعامل النقود مع البناء الفني للاعمال الأدبية التي خلفها غسان كنفاني.

* لماذا لم تبحث النقود في التقنية المدهشة التي استعملها كنفاني في (ما تبقى لكم) ولاسيما من حيث العلاقة بين تناسج هذه الرواية وبين مضمونها؟

ويتوج اليوسف أسئلته بما يعده السؤال المركزي لنقده هو أعمال غسان: ما هي النواة المركزية في البناء النفساني لأبطال غسان ؟

لقد سبق لأحمد محمد عطية أن لاحظ أن (أم سعد) مثل (عائد الى حيفا) ليست غير قصص قصيرة، وذلك منذ عام 1972 (9). كما سبق لابراهيم خليل أن قرأ `و (رجال في الشمس) تجسيد الصحراء كرمز لبعد مأساوي، وعد خاتمة الرواية تراجيدية، وذهب الى أن الموت فيها تراجيدي وفاعل (10). وتنبغي الاشارة في هذا السياق الى أن ابراهيم خليل صدر قراءاته لكل رواية من روايات غسان بنقده لما سبق اليها من نقود شكري عياد أو محمود كروب أو فاروق عبدالقادر أو بلال الحسن أو نجيب صالح أو أحمد محمد عطية أو الياس خوري أو محسن الموسوي أو ناهض الريس أو صبري حافظ أو عبدالرحمن علي أوف. منصور ومن إشارات الخليل الهامة عزل تلك النقود لروايتي (رجال في الشمس) و(ما تبقى لكم) عن بقية الانتاج القصصي لغسان كنفاني، كذلك الاشارة الى افتقاد قراءة إحسان عباس لأعمال كنفاني العمق والتحليل. على أن العجالة التي تسم نقد خليل لهذه النقود، وتكراره من بعد في نقده لأعمال كنفاني للصورة السالفة منذ مطلع السبعينات في خللها المنهجي ومطابقتها بين المرجع والنص أو بين الكاتب والشخصية الروائية، وضجيجها الثوري.. هذا التكرار هو الذي جعلنا نتجاوز هنا قراءة هذا الناقد ومثيلاتها الى قراءة المختلف الذي قدمه سويدان واليوسف ودراج كما سنرى.

المستوى النظري والمنهجي:

يعلن سامي سويدان استخدامه لمنهج علم الاجتماع الأدبي في قراءته لرواية (رجال في الشمس). ولا تفوته الاشارة الى أن هذا المنهج والمنهج النفسي، يتعاملان خارجيا مع النص. وفيما يؤكد سويدان في مقدمة كتابه المعني على أولوية الافادة من المناهج جميعا، يؤكد يوسف اليوسف وحدانية المنهج الذي يستخدمه: المنهج النفسي. أما فيصل دراج فلا يعلن منهجه، لكن اختياره للمنهج السيميائي بالغ الجلاء في متن نقده، ولكن على نحو مركب عبر تجليات المنهج الاجتماعي أيضا في هذا المتن.

بالمقابل يعلن دراج الكثير من حدوده النظرية، كما يستبطن المتن النقدي حدودا كثيرة أخرى، وهذا ما يبدو في صنيع يوسف اليوسف، وعلى نقيضهما تقريبا يبدو صنيع سامي سويدان. فلنبدأ مع النظري المعلن، ولندع المستبطن منه الى حين قراءة المستوى التطبيقي لنقود هؤلاء النقاد.

أما فيصل دراج فيفرد مقاما خاصا للمثقف – ومنه الكاتب – الذي يترجم أحوال الشعب، وينص أن على الكاتب المترجم «أن يعرف تاريخ اللغة الشعبية في معناها الخاص والعام، وأن يعرف تاريخ من حاول قبله إنجاز هذه الترجمة. ينقل هذا التحديد إشكالية الكتابة الوطنية من حقل الأخلاق الى حقل الابداع، إذ ليس المطلوب المزج بين لغة تقليدية وتعاطف أخلاقي، إنما المطلوب تحقيق شكل من الكتابة يترجم الحقيقة الشعبية من حيث هي حقيقة تتميز بالصوت الجماعي، المرونة وتعددية المستويات، والانفتاح المستمر على المستقبل، وبهذا المعنى فإن الكاتب – المترجم لا يترجم أحوال الشعب إلا بقدر ما يزعزع معايير الكتابة القائمة على ثنائية البلاغة والأخلاق» (11).

ويميز الناقد بين لغة الكتابة المترجم ولغة الكاتب الرسول الذي يبدأ ببداهة اللغة المختلفة، ويكلم البشر من وراء الحجاب اللغوي، بينما يحاول الكاتب المترجم ترجمة أحوال البشر كتابة بقدر ما يحاول ترجمة اللغة المسيطرة الى لغة جديدة. ولأن مقاومة اللغة المسيطرة تحرفه عن هدفه، يكون كاتبا انتقاليا، يفكر بلغة ويكتب باخرى.

كما يميز الناقد بين مقاومة الأدب وأدب المقاومة الذي يرده لا يستدعي بالضرورة تحويلا في الشكل واللغة، ولا يفترض منظورا جديدا في الأدب، إذ يذيب جديد المعطى الاجتماعي – الوطني في قديم الصياغة والأسلوب.

بالمقابل، تنزاح مقاومة الأدب عن الأدب المسيطر لتنجز تحريضا يطال الوقائع الأدبية والوقائع الاجتماعية المرتبطة بها. ويمضي القول بالناقد الى الأدب التحريض، فيرسم هدفه بتغيير الواقع وإقلاق الأشكال الأدبية المسيطرة، ومن هذا الأدب يحدد الناقد القول بالرواية التحريضية، فيراها "تخلق البشر في أحوال معينة تحتمل الذروة، والحضيض، ثم تعيد خلقهم بعد انتهاء الاحتمال كي يسوغوا وضعا إنسانيا جديدا ينقل الأشياء من وضعها الشاذ الى وضعها السوي" (12).

ويحدد دراج الرواية الذهنية بتجريدها الأشياء من مواقعها، ويرفضها سيلان الزمن وفرضها مكانه زمنا ذهنيا صارما. واضافة الى ذلك يقع المرء في متن الناقد على علامات نظرية أخرى للرواية بعامة، فيها أن الشكل الروائي لا يتكون موضوعيا إلا إذا انفتحت الرواية على الواقع كما يشكله التاريخ أو كما يتشكل التاريخ فيه، ومنها أن الرواية فعل كتابي ينتج فكرة، ومنها أن الرواية تفصح عن المحسوس وتترك المجرد مضمرا، وتقوم على رسم الفعل الروائي وحجب الأثر. ونشير أخيرا الى توكيد الناقد أن موضوعية العمل الأدبي تنكشف في إنتاج معرفة متميزة تلتقي بالمعرفة التاريخية، كذلك توكيده أن التقنية المحايدة لا وجود لها.

واذ ننتقل الى يوسف اليوسف نراه ينظر للرواية الناجحة بمقدار ما تعكس تصورات الأفراد لمجمل معاشهم، ويسوغ قانون الضرورة الذي لا تقوم الرواية بغيابه، أن تبدأ من نقطة وتتطور ضروريا وحتميا لتبلغ نهاية تختلف كليا عن نقطة البداية، أي أن تسير سيرا أفقيا، ويعد اليوسف الشمولية شرطا أساسيا لكل عمل روائي، كما يعد شرط الرواية الأصيلة أن تجيب على السؤال الكبير: لماذا حدث ذلك ؟ ومن شروط الرواية الأخرى أن تكون سلسلة عضوية من الأحداث، تتطور الشخصيات فيها وبها في آن، وأن تنشر أيضا الحياة الباطنية للشخصيات، فالصراع مع الذات بحسب الناقد هو ضرورة ماسة لكل رواية عظيمة، والصراع مع الواقع مبدأ أساسي في الرواية القادرة على اجتذاب القاريء، ونشير أخيرا الى تحديد الناقد للرمز على أنه اختزال واجتراء لرؤية تدعي التعميم والاطلاق لظاهرة اجتماعية أو تاريخية (مكانية – زمانية) والرمز عملية جدلية إيحاء مكثف نوعا وكما، وما يحسم أمره هو طريقة استعماله.

ولئن كان اليوسف يعفي برمي الشيات النظرية السابقة فالأمر يختلف مع التراجيديا، إذ يبدي ويعيد هنا، فيرى أن النثر المقاوم (الأدب النثري المقاوم) لم يستطع أن يرقى الى كتابة التراجيديا لأن الكتاب يكتبون انبثاقا من الوعي ويفرض الوعي، ما عدا غسان كنفاني – وهو ما يذهب فيصل دراج الى نقيضه.

ويقرر اليوسف أن الكاتب العظيم هو وحده من يرعش، أما الآخرون جميعا فيفكرون، كما يقرر أن وعي التضاد هو أول وأكبر خطوة نحو الأدب التراجيدي، والتراجيديا هي انبل صيغية لأنبل كتابة بأية لغة من اللغات البشرية. ولا يجيء النص التراجيدي إلا من الرقة الطوطمية في النفس البشرية. وهو – النص – لا يستهدف إلا التسامي الروحي، وهو أيضا تذكية النفس، لا للذكاء الذهني. ونختم بتقرير الناقد لاستحالة ولادة نص أدبي لدينا يستحق الاندراج في البساط العالمي، لأننا نحيا في زمن كف عن التوهم على الماجد والخالد، ولا يطمح في العظمة.

المستوى التطبيقي:

تركزت قراءة النقود المعنية لروايات غسان كنفاني على النحو التالي:

* رجال في الشمس: سامي سويدان ويوسف اليوسف.

* ما نبض لكم، عائد الى حيفا، الأعمى والأطرش، العاشق، أم سعد، برقوق نيسان: يوسف اليوسف وفيصل دراج.

وتنطوي قراءة الأخيرين على شيات جمة تتصل بجملة ادب غسان كنفاني، نبتديء بها، لنرى من بعد قراءة كل من النقاد الثلاثة لهذه الرواية او تلك، بحسب ما تقدم.

فيصل دراج: يبدو نص الناقد المعنون بـ(الثقافة – السياسة في ممارسات غسان كنفاني) إبداعا على الابداع بامتياز. ويشخص فيه مثقف التحرر الوطني الحزبي المنضبط، والنقدي معا، والذي قد يأخذ صفة المثقف العضوي والثوري والملتزم، ويحدد الناقد المدخل الأساسي الى كتابة غسان كنفاني وشخصيته بالهوية وفي قراءة ما بين كتابة غسان والمرجع. الواقع يرى الناقد أن الكاتب كان يعيش قريبا من قارئه، ولهذا حاول أن يكتب من وجهة نظر القاريء بعد أن يعقد معه حوارا يسعفه في اكتشاف الأفراد والوقائع.

ويمضي الناقد الى أن واقع اللجوء كان مصدر ما كتب غسان من القصة فى المسرحية والرواية والمقال اليومي، ولذا فالمخيلة لا تعرف الاختلاق، وارتعاشة الكتابة ليست حاضرة، لكأن الأجناس الأدبية عند غسان كنفاني ذرائع شكلية تردد قولا واحدا، حده الأول الوطن وحده الآخر المنفى، ولذا أيضا لا يستعير الكاتب شيئا من الكتب سوى اللغة، فالأفكار تأتي من الواقع، واللغة الموروثة تأتي بسطوتها التي لا تقاوم، وهنا نتساءل عن توشيح الكاتب للغة رواياته بالمجازات والاستعارات، وبالعامية على ندرتها، كذلك عن استعارته من فوكنر وسواه كما سنرى دراج بنفسه يقول.

ويورد دراج لنفوين واثينفو قوله: «ليس بالامكان مناقشة لغة الأدب الافريقي مناقشة مجدية خارج سياق تلك القوى الاجتماعية التي جعلت هذه اللغة قضية تتطلب انتباهنا…». ثم يؤسس على بذلك قوله: «لا يمكن مقاربة غسان كنفاني بشكل جدي بدون الاقتراب من المثقف الفلسطيني الآخر الذي يجعل الكتابة خشبة قفز الى امتياز اجتماعي ثمنه سقوط المجتمع وتسيد القناع، أو سقوط الوجه والقناع معا» (13).

فالواقع إذن هو الذي أسس علاقة الكاتب بالقاريء، ومصدر إبداعه، وطبيعة مخيلته وكتابته وجعل شخصياته من بسطاء الناس سوى قلة من المثقفين تجيء في الغالب مدانة (14).

ولعل المقارنة الوجيزة التي أقامها الناقد بين كتابة غسان كنفاني الروائية ونظيرتها لدى جبرا ابراهيم جبرا،، تجلو تلك العلامات للأول، فجبرا يقدم فلسطين (الواقع) كمعمار فني والفلسطيني (الواقع) كعلامة فنية، فتستظهر العلاقات كتابة صقيلة تنسجها المعرفة والحرفة والصنعة، ليرى القاريء الصنعة قبل أن يرى فلسطين، والصنعة مسافة بين القاريء والكاتب، أما كنفاني فيسعى الى إلغاء هذه المسافة.

من الطبيعي أن تمضي مثل هذه القراءة الى البحث في تحريضية أدب غسان كنفاني، حيث ترى أولوية المقولة المحرضة على القول الأدبي، والتي تطلق العمل الأدبي وتربكه في آن، فيتوزع قلقا بين أدب المقاومة ومقاومة الأدب – لاحظ ما تقدم عن حدي القلق هذين.

يسوغ الناقد هذه النظرة ثانية، فيبدو نص كنفاني يتحدد بدوره النقدي التحويلي التحريض، وهذا النص لا يبدأ بتحريض العقل بقدر ما يجعل العاطفة بداية لكل تحريض، فيما التحريض العاطفي قد يبدد الأشياء قبل ان يبدأ بالمحافظة عليها، والتحريض لا يستوي إلا إذا واكبته المعرفة، ولا يكون فاعلا إلا في سياق محدد، فإن اختلف السياق وانطوى انقلب دور التحريض الى النقيض.

أما ذروة ذلك فلعلها في قول الناقد:«لقد رفع غسان الدفاع عن الوطن الى مقام اللاهوت، بدون أن يأخذ باللاهوت دربا الى الوطن»(15)، وهو القول الذي يتفتق ثانيه: «شيء من لاهوت الكلمة يحيط بغسان» (16)، ويتفتق ثالثه: «يتكىء غسان على لاهوت الوطن أو على لاهوت الارادة، ربما، ليرسم سيماء ما يجب أن يأتي» (17).

يوسف اليوسف: تضج القراءة هنا بالأحكام المبرمة، سواء ما خص منها روايات كنفاني بعامة، او ما خص كل رواية بمفردها.

فالنقد الأدبي المتعامل مع نصوص فلسطينية الموضوع محكوم عليه بحسب قراءة اليوسف، بالعجز عن فهم تلك النصوص وتقييمها جماليا، ما لم يستطع كشف ابعاد عقدة الذنب فيها.

وغسان كنفاني لا يتعامل مع الجزئيات اليومية الدقيقة، بل يرفع الوضع القائم (الواقع) الى التجريد، وقدرة إبطال كنفاني على حمل السمات النفسية للواقع الفلسطيني وللفلسطيني المهزوم، جعلت رواياته أعمالا فنية جبارة (بعبارة الناقد).

بيد أن ما يلي هذا الحكم بسطور هو أن الكاتب اغتيل وهو مازال في المرحلة الأولى من مراحل نضجه، فكيف تسنى له إذن أن يكتب أعمالا فنية جبارة وكيف يستقيم أن يكون الكاتب قد اغتيل وهو في السادسة والثلاثين، وفي المرحلة الأولى من نضجه، ثم نراه في مقام آخر من قراءة اليوسف قد نضج حقا وهو في الثلاثين، بدليل امتلاكه لوعي التضاد في مسرحية (القبعة والنبي)؟ على أن ما هو أدهى هذا التوحيد بين الكاتب وشخصياته والذي يناغم بالتحليل النفسي للكاتب نفسه، وليس للشخصيات فقط، فكنفاني تنهشه عقدة الذنب نهشا كما يشخص الناقد. ووجدان العار وحس الفجيعة يربضان في أعماق الكاتب والشخصيات ومن هنا يسيلان الى القاريء. وحامد في رواية (ما تبقى لكم) يملا نقمة الكاتب على سلبيات الحاضر. واذ يتخيل حامد أن أمه تخاطبه: أكان من الضروري أن ترتطم بالعالم على هذه الصورة الفاجعة ؟ فالسؤال مبرر، لأن القضية فردية تخص حامدا نفسه (!) وربما غسان كنفاني قبله (!!).

ثم تلك هي لغة (الأعمى والأطرش) النابشة للداخل حسب قراءة اليوسف التي تضيف أن هذه اللغة تكاد تشير الى أن غسان نفسه يريد أن ينقطع عن الخارج وليبني عالم الداخل.

وكما سبق لرضوى عاشور ولاحسان عباس أن ساقا افتراضات لا صلة لها بالتقدير كما مر بنا في نقد سامي سويدان لنقود كتابات الكاتب، نرى يوسف اليوسف أيضا يسوق الافتراضات، ومنها بصدد (أم سعد) و "عائد الى حيفا) انه لو سمح للناقد أن يتكلم باسم الكاتب أو أقله باسم صورة الكاتب التي اشتقها من مؤلفاته كصورة معنى لا صورة رسم، لزعم أن الكاتب ما كان ليرضى عن تينك الروايتين إلا بوصفهما إنتاجا آنيا لمرحلة تتطلب مثل هذا الانتاج. وفي افتراض آخر للناقد يخص (ام سعد) وحدها يذهب الى أنه كان بوسع الكاتب أن يتخذ من أبي سعد بطلا أساسيا للرواية، يبدأ به لا منتميا، وينتهي به مناضلا، فلو فعل الكاتب ذلك لقدم رواية تخضع لانضباط الضرورة، وفي افتراض آخر – كمثال أخير – يخص (العاشق) وحدها يحسب اليوسف أنه لو أتيح للكاتب أن يكمل هذه الرواية لكانت مفخرة الرواية العربية والمؤثرة الأساسية لصاحبها ويذيل ذلك باقتراح مفصل للاكمال والوصول إذن الى ملحمة عربية تراجيدية.

رجال في الشمس:

تلك كانت شيات عامة مما ساقه لجملة أدب غسان كنفاني، فكيف جاءت النقود الخاصة بكل رواية والمؤسسة كالشيات السابقة على نحو ما رأينا في المستوى النظري والمنهجي، والتي ستنطوي أيضا على شيات نظرية أخرى؟

سامي سويدان:

لأن رواية (رجال في الشمس) باكورة الكاتب، ولأن دراسة سامي سويدان لها هي الأبكر في النقود المعنية، فسنبتديء بها.

وتبدو رمزية الرواية الشاغل الأكبر لهذه الدراسة متابعة في ذلك انشغال ما سبقها من دراسات لهذه الرواية في قراءة بنيتها الرمزية بعامة، أو في قراءة رموزها المفردة، مما تمثل له بدراسة يمنى العيد لتنامى الوعي والبعد الرمزي(18) أو بتقرير صبري حافظ صياغة الرواية للقضية في إطار رمزي، عانق فيه الوجه الرمزي للمأساة وجهها الواقعى (19)، كذلك نعت فضل النقيب لرمزية الرواية بالابتذال (20)، ونعت أمل زين الدين وجوزيف باسيل بالمباشرة والبساطة (21).

يرى سامي سويدان أن غسان كنفاني حاول في هذه الرواية تقديم رواية واقعية بأبعاد رمزية ليعلن بإدانته الكاملة للابتعاد عن الأرض (فلسطين) كما حاول الكاتب استعمالا جدليا للرمز في التفاعل الجدلي الذي يقيمه بين الرمز والواقع، محددا ذلك عبر رؤيته التاريخية – الاجتماعية، أو بالأحرى عبر موقفه التاريخي الاجتماعي.

ويتقرى سويدان رمزية الرواية في لغتها السردية، حيث يلحظ غلبة الضمير الغائب، مما يرده يعبر عن العجز البنيوي العام الذي يسم المرحلة الفلسطينية المعنية وعن غياب الشخصية الوطنية النضالية المستقلة للشعب الفلسطيني بينما يعبر ضمير المخاطب الأقل ورودا – عن الذات – عن استيعاب الذات من قبل الآخرين..

لعل هذه الدراسة تضرب مثلا للتمحّل في قراءة الرموز بما خصت به الأرقام الدالة على الزمن أو الفصول أو الوقائع، وهو ما استغرق عشرين صفحة (22) ما تضيع معه بعض التماعات هذه القراءة، سواء فيما تقدم، او في بعض الرموز الفردية،. كتشخيص ما يمكن أن يبلغه العجز العام في حده الأقصى (البتر والموت) عبر عنانة أبي الخيزران، أو كتشخيص الوضع العام في (الخزان) العربي المقفل اللاهب على أرض الصحراء العربية.

على العكس من ذلك تأتي قراءة دلالة بعض عناصر تقنية الرواية كاستعادة الشخصيات للماضي التي يردها الناقد أبعد من وسيلة لاضفاء المعاصرة على الرواية، فهي وجه للتمسك بالأصول، والذي يتيح وحده للواقع الفلسطيني الراهن رؤية تاريخية اجتماعية حقيقية تنهض لتخطو الزيف. (الأصول هي الأرض والنزاع)

ومن هذا القبيل دلالة السؤال ( لماذا لم تدقوا جدران الخزان…) الذي انقفلت – انفتحت به الرواية على العجز والخصاء من جهة أبي الخيزران، مقابل الوجهة الأخرى التي تلف السؤال بالملابسات مما لا يتيح النص استجلاءها، ليبقى السؤال يستدعي الأجوبة التي لا يقدمها النص، بل يدعها لفضاء القراءة، ولا يفوت الناقد بخصوص هذا السؤال الخاتمة – الفاتحة الجديدة للرواية، أن يلاحظ على ما في اجابات النقود الأخرى عنه من دلالة على تحديد مواقع أصحابها ومواقفهم من القضية، ولا يستبعد الناقد نفسه من هذه الملاحظة.

تلك هي معالم النقد التطبيقي لهذا الناقد في هذه الرواية، بالأحرى هو ذا استخدامه العملي لمنهج علم الاجتماع الأدبي الذي اختار لقراءتـه (رجال في الشمس)، وهي القراءة التي تؤكـد مبكـرا (1978) على الخروج عن مألوف تجليات هذا المنهج في نقدنا والتي كانت متمركزة حول مضمون المنقود، بينما عمد سويدان الى العناية التي رأينا بتقنية المنقود إذ درس رمزيته ودلالته، بل إنه أيضا وشى دراسته بالثقافة "علمنفسية" حاذقة إذ أشار الى رحمية علاقة أبي قيس بالأرض في مطلع (رجال في الشمس)، والى البعد الجنسي العاطفي في علاقة تلك الشخصية برائحة الأرض. والناقد بذلك كله طور وأغنى تجليات المنهج المختار، على الرغم مما اعتور بعض ذلك كما رأينا (23).

يوسف اليوسف:

في حكم مبرم آخر من أحكام النافد يرى (رجال في الشمس) أعظم عمل روائي كتب (على الاطلاق) في موضوعة فلسطين، ومن دون أن يحدد ما إذا كان الحكم محددا بزمن الرواية أو بزمن الكاتب أو يمتد الى حين صدور الحكم، مما يثير التشكك، إذ تدلل بمساهماتها روايات عديدة لأميل حبيبي وسحر خليفة ورشاد أبو شاور من الكتاب الفلسطينيين، فضلا عن روايات أخرى لكتاب عرب آخرين. (هل يكفي التمثيل برواية عرس فلسطين لأديب نحوي؟).

إن غسان كنفاني كما يقرر يوسف اليوسف هو أول كاتب عربي استطاع نقل الكارثة الفلسطينية الى حيز الرواية التي يتحقق لها تكامل الشروط الفنية. ولقد مر بنا في المستوى المنهجي النظري بعض تلك الشروط التي يضاف اليها سواها عبر النقد التطبيقي، فجوهر الرواية والأقصوصة لدى غسان كنفاني أنها تخضع التاريخ للمحاكمة، وأنها تدينه كخنوع وعدوان في طرفيه النافي والمنفي، وعلى العكس من فيصل دراج كما سنرى، يخلص يوسف اليوسف الى أن التراجيدي , ذو طبيعة تاريخية في نظر غسان كنفاني، والالياف المؤسسة للرواية إذن هي تاريخية، فأبطال كنفاني يصدرون صدورا منطقيا عن ضروراتهم التاريخية، وعن الوجود في مباشريته، وواحدهم يملك (عزيزة التاريخ)، مما جعل بناء روايات كنفاني – ما عدا (ما تبقى لكم) – يأتي بعيدا عن التناسج التجريدي، وجعل الأحداث الدرامية نتاج فعل قوي تتمتع بميزة الحسم التاريخي.

ويركز اليوسف جهده في نقد (رجال في الشمس) على التراجيدي. فالرواية في هذا النقد سبر لمطاوي التراجيدي وافصاح عنها، والتراجيدي فيها هو لحظة السقوط المدمر ونتاج ضمور الذات. وهو ذو طابع تاريخي، لا يصدر عن نقص وجودي كما في المسرحية اليونانية، ولا عن خلل في الشخصية كما هو الأمر في مسرح شكسبير، بل يصدر عن الأحداث الكبرى في التاريخ.

ويلحظ الناقد أن التراجيدي العربي عبر تراثه نتاج تضخم الذات، مما يعني لاعقلانيته، فيما التراجيدي منطقي كمعادلة رياضية. هكذا يحدد الناقد المبدأ التراجيدي في لاعقلانية السقوط، مخالفا هيجل في تحديده سبب العذاب لذلك المبدأ، ومخالفا برادلي في تحديده السبب بطريقة احتمال العذاب، وهذا (القانون) الكبير: الماهية اللاعقلانية للتراجيدي ( في الغالب) هو ما يمكن استقراؤه من غسان كنفاني.

كما يلحظ الناقد غياب عنصر الصراع عمدا عن تراجيدية (رجال في الشمس) ولا يعد ذلك نقصا فنيا. فإذا كان غياب الصراع يجعل الشكل موغلا في بساطته، ويسطحه إلا أن الشكل في هذه الرواية ظل مؤثرا لأنه يعبر عن المضمون باقتدار. وغياب الصراع في هذه الرواية إذن هو المعنى والماهية.

على هامش هذا التركيز في تراجيدية (رجال في الشمس) والتراجيدي بعامة، تأتي النتف النقدية الأخرى المتصلة بالرمزي والعلمنفسي والدلالي. فخلاصة الرمزية في الروان هي استهجان اللاعقلانية في القضية التالية: لما كان لابد من القبر، فلماذا نقبل أن نموت جبناء؟ وبالتالي لا يهم أن يكون أبو الخيزران رمزا للقيادة الفلسطينية، ولا يهم أن يكون موظفو الحدود الكويتية رمزا للبيرقراطية العربية، ولا أن يكون المهربون البصريون (البصرة) رمزا للقيادات العربية، ولا أن يكون الهاربون الثلاثة رمزا للشعب الفلسطيني (المكافيء الروائي)، ويعلل الناقد ما يرى من صفات لغة الرواية (نهارية، بسيطة، هينة كالموسيقي الشعبية) بسبب طبيعة الموضوع: شخصيات من واقع يومي مباشر.

وفي دلالة الرواية يقرأ الناقد حكم الادانة على شعب بأسره، فموت الرجال الثلاثة كان محتوما ما داموا قد رضوا بالخزان، والادانة إذن ضرورية. وقد يكون الكاتب أراد القيادة الفلسطينية آنذاك، ودحض زعمها بقدرتها وحدها على انقاذ فلسطين.

وفي العلمنفسية التي ستهيمن على قراءة الناقد لروايات غسان كنفاني الغالية، تأتي في هذه الرواية نزعة التدمير الذاتي، فيكون الموت أقرب الى الانتحار نتيجة الشعور بالذنب، وكعادته يوحد الناقد بين الكاتب ومبدعاته فيقول:"وقد تملك حق الزعم بأن غسان كان يختزن في داخله نزعة تدمير الذات"، أما الشاهد فهو قيادة غسان كنفاني لسيارته بسرعة !!!

ما تبقى لكم – يوسف اليوسف:

يقوم نقد يوسف اليوسف لهذه الرواية ولتالياتها من روايات غسان كنفاني على عناصر نقده للرواية السابقة، سوى أن فعل العناصر سيختلف. وكما تسيدت التراجيديا فيما تقدم سيتسيد العلمنفسي فيما يلي. فموضوع (ما تبقى لكم) هو فكرة التخلص من المكوث وتقوم في الرواية شبهة عقدة حب الأقارب، والتثبيت النفساني على الأخت. وصورة الأب لدى حامد (بطل الرواية) تتوزع بين المكوث (ذكرى الطفولة لرؤية الأب يضاجع الأم) والمثل الأعلى (استشهاد الأب) والشقيقة مريم هي حوار الطهر والدنس. بل إن (حامد) نموذج لعقدة الذنب والدونية قبل اندفاعه من غزة الى الصحراء وهذه العقدة – والقلق والنزق – جعلت حامد على تخوم العصاب. وهو، بتلوث الأخت وغياب الأم الطاهرة، يعامل الأرض كمعشوقة.

وإذ يعنى الناقد بتقنية الرواية تتسيد العلمنفسية على هذه العناية فعظمة الشكل في هذه الرواية مدينة بنهوضها للبعد اللاشعوري الكتيم، والنفساني الأصيل والمعيق يرفد الشكل بعادته الغفل وبخيوطه الحية النابضة. كذلك نسج الكاتب الشكل من صور لاشعورية، وجاء الأبطال ذكريات ورعشات ومشاعر جوانية ورموزا نفسانية أكثر منهم وقائع أو كائنات عيانية، في جعل لغة الرواية لغة رعشة تنسلخ بالروح الأسطورية.

لقد عد اليوسف هذه الرواية (المطهر) وهي إذ تبدأ بالدنس وتنتهي بالنظافة، تمهد السبيل لرواية (أم سعد) التي عدها (الفردوس)، بينما كانت (رجال في الشمس) (الجحيم).

لكن (المطهر – ما تبقى لكم) تنطوي على تأثر واضح برواية وليم فوكز (الصخب والعنف) كما في ساعة كونتن المكسورة وساعة دلسي المرعبة مقابل ساعة حامد المكسورة وساعة مريم المرعبة، وكما في نزعة حب الأقارب. بيد أن الناقد يمايز بين تعامل فوكنر مع الكوني وتعامل غسان كنفاني مع المحلي، كما يحدد (منهج) الرواية بمنهج اللحظات المتحاورة والأبطال المتقابلين. وبهذا – من التقنية – مع ما سبق من العلمنفسي حكم الناقد بأن الرواية واحدة من أعظم الروايات التي كتبت باللغة العربية، كما أنها أرقي محاولة للكاتب في النمذجة والتنميط.

أما رموز الرواية ودلالتها فلا ينجوان هما أيضا من تسيد المنهج العلمنفسي، فإجهاض مريم رمز لتخلصها من التلوث، ورهن لتخلص الشعب الفلسطيني من قذارة السقوط بإشهار السلاح أواسط الستينات. وهنا يجيء توحيد الناقد للكاتب بأبطاله وتشخيص الكاتب كمريض نفسي وكموضوع للتحليل النفسي، فإجهاض مريم هو أيضا ترجمة لشعور الكاتب بالتقزز من الولادة لذلك منعت الولادة وكان الاجهاض.

وتجهر الفرويدية في هذه القراءة ليغدو المحراث رمزا للقضيب، مثله مثل أنصال الفولاذ وسوى ذلك تبدو ساعة الحائط رمزا للوطن، ويبدو الزمن بطلا آخر في الرواية. أما الأرض فلا تبدو رمزا لفلسطين بقدرها تبدو مجرد أرض أو أرض بالمطلق والتجريد. وقتل مريم لزكريا هو تحرير لارادتها، كما انها الضمير في قابليته للافاقة، مقابل حامد: الضمير الفلسطيني في يقظته وتوثبه وزكريا: الجانب الاسترخائي لهذا الضمير ولحظة الحطة والتقاعس.

لقد علل الناقد عظمة هذه الرواية بتقديمها النماذج العاكسة للواقع بأمانة. ورأى خاتمة الرواية برهانا على عظمة الكاتب الروائية في فهم الواقع، وحيث بدا حامد والجندي الصهيوني كل منهما ضروري للآخر لا يمكن أن يوجد بدونه، فتركها الكاتب في حال تقابل مشيرا الى ترك الحل مفتوحا لذمة التاريخ: لقد تحررت المشيئة الوطنية وبدأ الصراع، اما الحسم فللتاريخ.

لكن هذا التسلل للتاريخ الى هذا النقد للرواية ظل أقرب الى التوشية الباهتة لما حكمه من العلمنسي.

ما تبقى لكم – فيصل دراج:

يحظى التراجيدي بالعناية في نقد فيصل دراج لهذه الرواية، مؤثرا مفردة (المأساة)، فالرواية بحسبانها مأساة في مأساة الارادة كما الحكاية في الحكاية. سوى أن رواية (ما تبقى لكم) لا تحكي مأساة شعب محدد بقدر ما تردد نشيد الارادة الانسانية. وتتجل المأساة في هذه الرواية عبر موت الأب وتيه الأم وسقوط الأخت وموت العمة. فإذا خلعت الرواية حجابها الخارجي وتكشفت كرواية غبطة، أخذت عناصرها مواضع جديدة تخضع لتسلسل منطقي، وبات زمنها خطيا، فيما زمن المأساة مبعثر.

ولا يعدم هذا النقد الشيات النفسية، كما في نظره الى مريم طيفا للأم ومتكأ وملاذا من وجهة نظر حامد، مما كان يجعله يرفض زواج الأخت لأنها رمز يربطه بالماضي والمستقبل. إلا أن "التاريخي" هو الذي يحكم نقد الناقد ويؤسس قراءته لدلالات الرواية وتقنيتها كما يوجهها.

فالرواية تبدو للوهلة الأولى في هذا النقد تاريخية سياسية، أو رواية محرضة. والتاريخ يوجد عند غسان كنفاني في شكل حكاية. فالحدث لا يظهر في أسبابه ونتائجه وتوسطات ما بينهما، والسياسة هي التي تستدعي التاريخ وتفاصيل المكان والزمان.

هذا الغياب إذن للتاريخ عن الرواية ينفي أن تكون رواية سياسية، فتبقى رواية تحريض. وبمكانها الرخو وزمانها الرخو تغدو رواية التحريض رواية ذهنية عن أحوال القيم وصراعها، فتكتب عن ثنائيات لا حوار بينها: الوطن – المنفى، أو: الموت – الحياة ؟.. ومنطق الثنائية يقص عن الرواية معنى الاحتمال، ويجعلها تسير بخط مستقيم.

والأمر كذلك يصبح الزمان نافلا كما المكان في مدار القيم المجردة. وتتحول الشخصيات الى أقنعة تروي حكايات القيم ومسارها، فتضيق الوجوه وتختفي تفاصيل الحكايات اليومية، ويلوذ التاريخ هاربا، لأن القيم المجردة لا تاريخ لها. ولسوف يعود الناقد الى بعض ذلك أو كله في قراءته لروايتي (عائد الى حيفا) و(العاشق).

وحين يتعلق الأمر بتقنية (ما تبقى لكم) يذهب الناقد الى أن الكاتب، سواء أخذ بتقنية تيار الوعي أو بمنطق الزمن النفسي، فإن ذلك يبرهن على انخلاع الشكل عن المضمون، أو على كتابة مأزومة لم تعثر على شكلها بعد، فالتقنية المستخدمة (تيار الوعي) لا تناسب مضمون الرواية، وبذا تكون الحداثة مستعارة، سواء بالاتكاء على فوكنر (الصخب والعنف) أو على بريخت (دائرة الطباشير القوقازية) أو على غوركي (الأم) والكاتب اذن حاول ان يكون (الكاتب المترجم) من وجهة نظر المضمون، ولم يسع الى اشتقاق الشكل من وظيفته المفترضة.

إن هذه الرواية في قراءة فيصل دراج مثل رواية (رجال في الشمس) نموذج لصراحة الوازع الأخلاقي، ومرآة للنص التربوي. والوعي الأخلاقي الصارم لا يترك مكانا للرمادي، ويجعل العلاقات الروائية حجابا لوجه الروائي وحده، فتغدو لغة الروائي واحدة ومقررة لأن الشخصيات لا تقول إلا ما يسمح لها به (تقويل مريم – تقويل الصحراء)واللغة تتناظر إذن، والتقنية الروائية تصير حجابا لا يخفي الخطاب الأخلاقي والقصد السياسي.

إن الرواية فعل كتابي ينتج فكرة، كما تنص القاعدة النظرية لهذا النقد الذي ينزع عن (ما تبقى لكم) صفة الرواية بموجب هذه القاعدة، لأنها – الرواية – فكرة تنتج رواية أو فكرة تسمح برواية أفكار وحسب وسواء صح هذا أم لا فالناقد يعضده بالتوكيد على أن التاريخ يحتضن الحاضر والماضي الذي جعل الحاضر على ما هو عليه، أما غسان كنفاني الذي سعى في هذه الرواية الى كتابة التاريخ الفلسطيني، فهو يضيف المستقبل الى الماضي والحاضر، ويخلق هذا الزمن الغائب (المستقبل) كما يشاء، ومما يغلق الرواية قبل كتابتها، لأن الزمن الغائب ممحاة مطواعة تبدد الملامح الحقيقية للماضي والحاضر معا (التاريخ المعاش)، فهل يعني هذا أن الناقد يلزم بحذف الزمن الثالث – البعد الغائب من أية رواية تروم كتابة التاريخ ؟ وهل التاريخ في الفن هو عينه التاريخ المعاش ؟ هل هي كذلك حقا علاقة التاريخ في الفن بالتاريخ المعاش ؟

عائد الى حيفا:

منذ قصة (البومة في غرفة بعيدة) عام 1959 يبدو الرحيل بنية أساسية في قصص وروايات غسان كنفاني وبخاصة في (عائد الى حيفا) و(ما تبقى لكم)، حيث تقوم المصادفة والذاكرة والأم والابن كبنى أساسية أخرى لهاتين الروايتين.

  وتثير (عائد الى حيفا) بحق إشكالية تجنس القصة (عائد الى حيفا) بحق إشكالية تجنس القصة والرواية، وتداخل وتمايز تخومها (24)، شأنها شأن (أم سعد)، وقد حسم يوسف اليوسف هذه الاشكالية إذ نفى أن تكون أي منهما رواية، وعدّ (عائد الى حيفا) أقصوصة ممطوطة، تنقصها الشمولية وتعتمد الحوار أكثر من الحدث، وهو الحوار الذي يستهدف بسط أفكار وعرض حالة داخلية غير معمقة.

وكما في قراءة اليوسف لروايتي (رجال في الشمس) و(ما تبقى لكم) يتقرى في (عائد الى حيفا) رمزيتها، فيبدو سعيد رمز الفلسطيني، ودوف (خلدون) رمز الماضي الفلسطيني المهزوم، مقابل خالد رمز المستقبل. كما تتركز قراءة اليوسف في العلمنفسية، فيبدو ماضي الفلسطيني هو عقدته، ودوف سبب العقدة، وخالد سبيل تجاوزها، وبالعبارة الفصيحة لليوسف، فعقدة الرواية هي عقدة الذنب، وهي قلقها المركزي، كما أنها البنية المتزمنة لروايات غسان كنفاني والمحرك الحقيقي والمؤسس الفعلي. وبعبارة أفصح هي شعور الفلسطيني بقصوره إزاء واقعه التاريخي.

أما بالنسبة لفيصل دراج في (عائد الى حيفا) هي الرواية المستحيلة لأنها في مستوى أول مأساة عائلة خلفتها المصادفة، وفي مستوى ثان تنكشف كمأساة شعب لها سببية تاريخية، وفي مستوى ثالث تختزل الوقائع والشخصيات والأفعال الى علاقات ايديولوجية شكلية، أي تختزل التاريخ الى قوانين مجردة، وهكذا تبدأ بالميلودراما في المستويين الأولين، ثم تنأى عن الرواية أبعد بنأيها عن التاريخ وتظل تهوم في ذهنيتها وفكريتها الحاكمتين.

وكما هو الشأن في قراءة الناقد لرواية (ما تبقى لكم) يتركب في قراءته لرواية (عائد الى حيفا) التاريخي بالدلالي، سوى أن التاريخي هنا يتسيد، بما يعنيه من قوننة ووعي وواقع.

يحكم النقد بنقض الرواية للتاريخي بمصادفتها كعثور نورا زوتشتاين على الطفل خلدون ونقله الى الوكالة اليهودية، أو كتبني ايفرات كوشن للطفل.. ولكن المرء يتساءل: أليس الزحام في الرحيل (قانونا) لمثل عائلة سعيد وصفية وطفلهما؟ وكم تستبطن مصادفة فقدانه إذن، ومصادفة إنقاذه فتبنيه، من موضوعية ؟ أليست المصادفة كما قال الناقد نفسه: تجليات أسباب تاريخية متعددة ؟

لقد اقتربت (عائد الى حيفا) من التاريخ، كما يعترف الناقد لوصفها سقوط حيفا في عشر صفحات، ثم يسارع الى أن الرواية تبسط التاريخ (في حوار سعيد ودوف)، وتعود الى اختزالها البدئي والمبدئي والهادف الى اختزال التاريخ بأمثولة أخلاقيه. فمحاولة كسر الأمثولة والدفع الى حدود الرواية عبر الاقتراب من الواقع الفعلي المعاش عام 1948 عبر تلك الصفحات العشر، لا تلبث أن تنكسر بدورها، ذلك أن الفكرة الذهنية التي انطلق منها الكاتب تجعل سعيه متعثرا، لتظل العلاقات الروائية المرغوبة مجرد عناصر متفتتة فوق سطح ذهني ساكن، يفتش عن الرواية حين يبدو أن المأساة جماعية، وأن المصادفة هي تجليات أسباب تاريخية متعددة، ويفتق الناقد من ذلك أن البنية الذهنية. ولنلاحظ: الفكرة الذهنية، البنية الذهنية، وسيلي بصدد رواية العاشق: التركيب الذهني…. التي ترى العالم إشارات ورموزا لا تتوافق مع رحابة التاريخ كذلك قوله إن التجريد يجعل الرواية تنتقل من مسافة ذهنية الى أخرى، كأن الفعل الروائي استنباط للمقولات الأيديولوجية، يبدأ بالأخلاق والتأمل واللقاء اللاعقلاني وينتهي بنسق من الأفكار والعقلانية المجردة.

إنها إذن الرواية المستحيلة كما هو اللقاء المستحيل الذي ترسمه بين صاحب الوطن ومن اغتصبه، أي لقاء الفلسطيني مع وعيه بعد هزيمته الثانية، وهنا نصل الى (الوعي) في توسل هذه القراءة للتاريخي، فرحلة الزوجين سعيد وصفية – عودتهما بعد هزيمة 1997 الى بيتهما القديم في حيفا، هي رحلة الفلسطيني في الوعي، والرواية برحلتها هي عن تحولات الوعي وفق منطق الوعي الذي لا يسمح بكتابة رواية، ومن جديد يحكم النقد: ليست (عائد الى حيفا) برواية، ولكن لنتابع كما تابع.

يظهر الفلسطيني للناقد في هذه الرواية كاليهودي: الأول بريء قبل الهزيمة، والثاني بريء قبل الصهيونية (افرات كوشن في وارسو – ميريام في ألمانيا…) والكل إذن بريء قبل زمن الجريمة التي تلوث الكل وتقذف بهم الى قفص الاتهام.

ويتابع الناقد قراءة الرواية على هذا النحو، فيظهر له فيها عالما الفلسطيني واليهودي كعالمين إنسانيين يتناظران في العذاب والبراءة، وبينهما ضباب أثيم عقدته الأصابع الصهيونية، إنهما عالمان ضحيتان والجلاد واحد، فهل يكون هذا هو المهاد الذي أرسى غسان كنفاني – إن صحت هذه القراءة – ليصل به بعد خمس وعشرين سنة كاتب مثل هاني الراهب الى أن العربي بعامة كالصهيوني: مهزومان أمام أمريكا المنتصر الوحيد؟ أم أنه المهاد الذي أرساه غسان كنفاني ووصل به سعدالله ونوس قبل هاني الراهب. في مسرحية الاغتصاب الى ذلك الذي أقام الخطاب القومي العتيق المتجدد ولم يقعده ؟

مشكلة غسان كنفاني من وجهة نظر الناقد انه يريد أن يوحد بين الصهيونية والفاشية، وبين الفلسطيني واليهودي المضطهد (بالفتح)، بالفاشية خروجا على الطبيعة الانسانية، واليهودي ضحية الفاشية الألمانية كما أن الفلسطيني ضحية الفاشية الصهيونية، وهما إذن وضعان مأساويان يتماثلان الى درجة التماهي والمساواة الكاملة، أما مشكلة الكاتب فهي أنه قد قدم ذلك كله على مستوى التجريد وبناء الأفكار المجردة، مما جعل الرواية مقولات لا علاقات، أو خطابا أيديولوجيا في شكل رواية، لكن مشكلة الكاتب أكبر إن صحت هذه القراءة، فهي ليست فقط، الاخفاق في كتابة رواية بل في الوعي التاريخي كما سيتوضح أكثر فيما سيلي، بعد أن ندعو الى أسئلة أخرى لمثل هذه القراءة ولمثل هذه الرواية فهل كان كاتبها يفكر في (حل) الى جانب دعوة حياته وكتابته الروائية وغير الروائية الى العمل الفدائي؟ هل كان ينزل فلسطين من الذاكرة والمخيلة الى الواقع الجديد والمستقبل الممكن ؟ وأين هي إذن كتابته من الكتابة التي ترسم اليوم العودة الى منطقة السلطة الوطنية فضلا عن العودة الشبيهة بعودة سعيد وصفية الى ما بات (اسرائيل) فلنتابع الى ذلك الاضطهاد والموروث الذي يقيم جسرا بين المضطهدين (بالفتح) يصل الى درجة التخاطر. ولنصغ الى ميريام تخاطب سعيد وصفية: «أنا آسفة، ولكن ذلك ما حدث،. لم أفكر قط بالأمر كما هو الآن». وكأني بأحد يسأل (الاغتصاب) عن صدى يترجع فيها من (عائد الى حيفا).

لقد خص الناقد مشكلة غسان كنفاني بحديث، كما خص مشكلة الرواية بحديث أكبر، وسؤال الوعي يوحد الحديثين، فهل يحق لأحد أن يوحد المشكلتين إذن ؟

أما مشكلة الرواية فيحددها الناقد بأنها لا ترى الوعي في التاريخ مما نجم عنه إسقاط وعي الحاضر على وعي الماضي، والمقارنة بين وعي صحيح مطلق هو البندقية ووعي قائم زائف، كما هو أمر المنطق الشكلي: وعي زائف – وعي صحيح. والرواية تؤكد على قوة الوعي الصحيح المطلق: البندقية، أي وعي القوة الذي يقود الى أن:

* الاحتلال الصهيوني لفلسطين صحيح من وجهة نظر الوعي المجرد هذا.

* الاحتلال الصهيوني لفلسطين مرفوض من وجهة نظر الاخلاق فقط.

* الوجود الصهيوني يستند الى وعي صحيح (وعي القوة) والسالب فيه هو احتلال فلسطين فقط.

* الفلسطيني يستطيع العودة الى بلاده إذا امتلك الوعي الصحيح الذي للصهيوني، وهذا ما يعبر عنه الناقد بلغة المجاز: الصهيوني المنتصر هو فلسطيني ثائر مقلوب، عيبه أنه في فلسطين.

على هذا النحو جعلت لا تاريخية الوعي في الرواية من الصراع السياسي صراعا قيميا أو معرفيا أو أخلاقيا، مما يجعل النصر شأنا نخبويا يخص العارف والمثقف، كما جعلت لا تاريخية الوعي الرواية ترى دور الدولة الصهيونية في انتاج واعادة انتاج الوعي الصهيوني، فالرواية ترى اليهودي في أوشفيتز، ولا ترى قدومه الى فلسطين كفعل سياسي.

على الرغم مما يصل في هذا النقد بين مشكلة الكاتب ومشكلة الرواية، فهو يحرص على أن يمايز بين وعي الكاتب ووعي الرواية، واذا كان الأول قد نقض روائية الرواية، فالثاني الذي بات وعي كتابة لا وعي رواية، مادامت (عائد الى حيفا) ليست برواية، هذا الوعي الثاني هو عماء عن الواقع وضلالة تاريخية واجهاض للفعل السياسي في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

بيد أن نفي روائية الرواية يفسح في قراءتها ككتابة (ما) للايديولوجي المستتر بالوعي التاريخي. وهو يستدعي هذا الايديولوجي بصراحة في قراءة مثل هذه القراءة في نقد مثل هذا النقد. ولقد قرأ هذا النقد على حدة بلغته المتميزة ايديولوجية الكاتب (مشكلة الكاتب بعبارته) وايديولوجية الكتابة (مشكلة الرواية). فالتاريخي في هذا النقد يمكر، فوق طغيانه على الدلالي، بالحداثي كإذ يعني بالايديولوجي من دون أن يسميه، فهل هو الحذر من حساسية المسألة برمتها؟ هل هو الحذر من أن يأتي نقد لهذا النقد فيجلو فيه غسان كنفاني كمشرع للوجود الصهيوني بعامة، أو كرفض أخلاقي للاحتلال الصهيوني لفلسطين، أو كتمييع أو صرف أو إجهاض للفعل السياسي في الصراع الفلسطيني (العربي) الاسرائيلي ؟ هل هي صدمة هذا النقد للمقدس السائد في أي تعامل مع كتابة غسان كنفاني؟!

مهما يكن فبالنسبة الينا، ليس غسان كنفاني كذلك، لا بوعيه ككاتب ولا بوعي (عائد الى حيفا) سواء كانت رواية أم لا، مع التشديد على وداع المقدس – أي مقدس كان.

بقية الروايات والمجزوءات:

ينفي يوسف اليوسف أن تكون (أم سعد) رواية لافتقادها (نشر الحياة الباطنية) و(قانون الضرورة) وسواهما من الشروط التي يحدد للرواية على المستوى النظري، في (أم سعد) لوحات متفاصلة، تتعامل مع تبدلات الواقع بمنهاجية مسطحة خالية من الثراء النفسي ومن كل أشكال نفاذ البصيرة، تبسط حالة ولا تنسج حبكة، وحبكتها مفككة وشخصياتها فقيرة ونسيجها هو الآخر مفكك، إذ يسع المرء أن يحذف منها ما يشاء ويضيف اليها ما يشاء. والطريف هنا أن الناقد يتحدث عنها كرواية على الرغم من نفيه أن تكون رواية الأم فيها هي رمز الإرض، وهي لا تخبرنا شيئا عن علل التحولات العميقة في المجتمع الفلسطيني ولا تعدو أن تكون تقارير سردية وصفية تتصف بالسطحية.

كذلك يمضي النقد في سبيله الى أن يغدو أهجية، وهو ما بدا منه بدرجة أدنى في قراءته (عائد الى حيفا)، جراء اختلاف الرواية مع الحد النظري للنقد وبدلا من أن يسائل النقد هذا الحد ويثريه ويوسعه ويطوره، يتحول الى آيات محكمات ويستدعي سريد بروكست، مرة باسم العلمنفسية ومرة باسم الوعي التاريخي ومرة باسم الشروط الفنية، فيما كان عليه أن يصفي الى تجريبية غسان كنفاني على تواضعها، وينظر في موقع هذه الرواية أو سواها من التجربة الروائية الحداثية العربية في مطلعها أواخر الستينات ومطلع السبعينات.

على أن فيصل دراج في التفاتتة الوامضة الى (أم سعد) يرى أن الكاتب يطرح فيها، كما في (الأعمى والأطرش)منظورا للثقافة والمعرفة لا يترك فيه مكانا واسعا لمنظور المدارس الرسمية، ترى الا ينسحب هذا على (عائد الى حيفا) أيضا؟ بل الا ينسحب بدرجة أدنى كما نرجح – على (ما تبقى لكم) وعلى (رجال في الشمس) بدرجة أعلى -كما نرجح -؟

لقد استهل غسان كنفاني (أم سعد) بالقول: (لقد علمتني أم سعد كثيرا، وأكاد أقول إن كل حرف في السطور التالية إنما هو مقتنص من شفتيها اللتين ظلتا فلسطينيتين رغم كل شيء) واذا كان الادعاء صحيحا أم كاذبا أم استمالة ذكية – أو غبية – للقاريء، فبناء ولغة وتخييل. (أم سعد)، مما يستدعي بإلحاح أسئلة أخرى. ومن اللافت أن النقد يخرج من حدوده ومحاكمته الصارمة للروايات التي أنجزها الكاتب ولو قليلا، عندما ينتقل الى المشروعات – المجزوءات كما يسميها يوسف اليوسف – التي اغتيل الكاتب قبل أن ينجزها.

وأدنى هذا الخروج يأتي مع قراءة اليوسف لـ(العاشق) حيث عقدة الذنب تنهش (قاسم) كالكاتب. ولأن العقدة ناجمة عن جريمة وليس عن شعور بالتقصير كأبطال الروايات السابقة، ولأسباب أخرى أقلها الحماسة، يذكر قاسم الناقد براسكو لينكوف (الجريمة والعقاب) وتوم جود (عناقيد..) وسواهما من أبطال (الحرب والسلام) و(لمن يقرع الجرس).

وقريب من ذلك تأتي قراءة اليوسف لـ(برقوق نيسان) التي يرى انه يمكن النظر اليها كقصة قصيرة مكتملة، وليس فقط كجزء من رواية لم تكتمل. ويرى الناقد أيضا في الهوامش والتعليقات التي وضعها الكاتب ما يكمل نقص المتن ويضفي الواقعية عليه. ولعل جراءة النقد على نفسه، وتوهجه بالتالي، قد جاء في قراءته لـ(الاعمى والأطرش) فبدت أشبه بالكابوس مما فرض تغييرا أسلوبيا جذريا يستعيد أسلوب (ما تبقى لكم) ويرعش كأسلوب (رجال في الشمس). بيد أن الحماسة – على الأقل – لا تلبث أن تدفع بالناقد الى أن يحكم بأنه لم يسبق لغسان كنفاني أن قدم مثل لغة (الأعمى والأطرش) على الاطلاق ويمضي الحكم الى أنه يندر أن نقع على قرينة لهذه اللغة في الرواية، لكأن اللغة ليست من الأسلوب في شيء، وبالتالي لكأن الأسلوب لا يستعيد من رواية سابقة، أو لا يرعش شأن أسلوب رواية أخرى.، ولم هذا التفرد اللغوي؟ لأن اللغة أقرب الى لغة الشعر التصويرية ؟ أو لغة الاستبار الباطني فهي تتضرم أشبه بلغة الشعر الرمزي منها بلغة الرواية – هل هذه سبة أو مدحة ؟ – وهي تصنع الصور الشعرية بمجازاتها، وهي وجدانية أكثر منها وصفية تقريرية كما تفترض الرواية.

أين نذهب إذن بما سبق أو زامن أو – على الأخص تلافي الرواية العربية من شعرية اللغة لدى جبرا ابراهيم جبرا أو حيدر حيدر أو ادوار الخراط أو أو…؟ كيف يستقيم ما تقدم مع القول إن الفصول العشرة الأولى من (الأعمى والأطرش) قصيدة لا رواية (25) ولوحات زيتية لبنايات باطنية، ثم القول إن تلك اللغة تلح لرسم الذات وجوانيتها وليس للسرد أو الحوار، كما لا يمكن الاستمرار فيها طويلا من دون أن تفقد الرواية صفتها الروائية ؟

على نحو آخر تأتي قراءة فيصل دراج لـ(العاشق) بخاصة، وابتداء مما أخذته عليها بلجوئها الى تعددية الأصوات فيما هي لا تحتاج إلا الى صوت واحد. ولكن هل من رواية تقوم بصوت واحد؟ واذا صح وصف النقد للغة (العاشق) بأنها متساوية ومتوازنة للشخصيات جميعا، فأين هي إذن التعددية ؟ وكيف يصح القول من قبل أو من بعد بشعرية البطل (قاسم) ونثرية العدو (الكابتن والميجر).

لقد لحظ النقد هنا بامتياز محاولة الكاتب في السيرة الشعبية، وخلطه الرواية بالملحمة، وطبيعة البطل الغنائي أو الملحمي المنغلقة في العالم الغنائي. كما لحظ بامتياز مزاوجة هذا العالم الغنائي مع العالم النثري الذي يتضمن العادي، وانبناء الرواية كعالمين لا متجانسين بسبب من ارتباك الكاتب في بحثا عن أشكال تعبير جديدة، أي في تجريبيته المرتهنة الى وظيفة محددة للكتابة قادت الى أن تحمل اللغة الروائية من الشعر بقدرها حملت من النثر. ولما كان – كما يبدو – لا مناص من حضور ما لقراءة هذا النقد للروايات السابقة في قراءة هذه الرواية، فقد رأى في حضور زمن الأجداد في الذاكرة الشعبية – روح الأجداد -نفيا للتاريخ، ورأى الكاتب منا كما في (الأعمى والأطرش) يفكر، والأسلوب في هاتين الروايتين يتراجع خطوة عن أسلوب (ما تبقى لكم)، على النقيض مما رأينا لدى يوسف اليوسف، ويمضي النقد الى أن التركيب الذهني في (العاشق) يلتقي بما يكبح حركته، فيستوعب اللقاء ذهنيا، ويترك اللقاء أثره في التركيب الذهني ذاته، كما أن الاقتراب الذهني من الواقع أنتج مضمونا يتعايش فيه ظاهريا الملحمي والروائي، دون أن يغير البنية الذهنية الشاملة التي تحتضن الطرفين، فظل الروائي أو الواقعي قناعا لبنية تتجاوزه وتحدد دلالته أي ظل العمل ذهنيا.

هكذا كتب القاريء (الناقد) نصه (نقده). وبالطبع لن تتماثل قراءتان للنص الواحد، حتى إن كانتا للقاريء الواحد، وبالأدوات عينها، بيد أن الأمر وصل الى ما يكاد يضيع روايات غسان كنفاني، جراء تعدد واختلاف القراءات، بقديمها وجديدها، وعلى الرغم من ذلك يفتقد المرء تدقيق نص القاريء في الحداثي في نص الكاتب، ولا يكفي هنا أن يشار الى فوكنر أو بريخت.

فروايات غسان كنفاني جزء من المحاولة الروائية العربية في الستينات للخروج من الاهاب التقليدي السابق، وفي إطار حداثي يقلد الحداثة الروائية الغربية، مما تزامن مع صنيع وليد اخلاصي وهاني الراهب وحليم بركات واميل حبيبي (26) هذا تقوم ريادة غسان كنفاني وألمعيته، وخصوصا في مشروعاته (المجزوءات) التي لم تكتمل، كما في القناص بالمثل الشعبي والشعر الشعبي في (برقوق نيسان) وكما في الهوامش فيها أيضا، وكما في تهجين اللغة والعناية بالعامية والعامي، أو محاولة المتتاليات القصصية التي اختطها أميل حبيبي وستغدو نهج ادوار الخراط غالبا في كتابته، أو الانثيال اللغوي الذي سيغدو علامة لكتابة صنع الله ابراهيم وهاني الراهب وسواهما، ونحسب أيضا من هذا القبيل محاولة (العاشق) في كتابة رواية تعود الى العقود المنصرمة، مما شاع نعته بالرواية التاريخية، والتي كانت نماذجها معدودة حتى محاولة غسان كنفاني، كما في ثلاثية نجيب محفوظ، و(العصاة) لصدقي اسماعيل و(حسن جبل) و(لن تسقط المدينة) لفارس زرزور.

ولا تغفل هذه الملحوظة عن عبور بعض النقد ببعض نقاطها، لكن السؤال المفتوح هو التدقيق في ذلك كله (27). ولعل هذا السؤال وسواه مما تطلقه قراءة تالية فتالية لنص الكاتب أن يساعد القراءة على تجديد نفسها، وأن يستعيد نص الكاتب مما كاد يضيعه، ولئن بدت الفسحة الموعودة هذه تضيق بأفعل التفضيل التي تؤثرها أحكام يوسف اليوسف، وبأحادية تتسلط المنهج، فهي تقول على ما امتازت به قراءة فيصل دراج من الوضوح والضبط المنهجي، ومن دقة وسلاسة اللغة، ومن حداثة النظري وتاريخيته، مما هو قائم أيضا في قراءة سامي سويدان، فبمثل هذا على الأقل – ينضج ويغتني اختلاف النقود فيما بينها، واختلافها مع نقدها كما لعلنا رأينا بعضه هنا، ويكون نص القاريء مثل نص الكاتب على موعد متجدد مع المستقبل.

الهوامش:

1- سامي سويدان: أبحاث في النص الروائي العربي مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1، بيروت 1986ص 61-119. يوسف سامي اليوسف: نمسان كنفاني: رعشة المأساة، دار منارات، ط 1، عمان 1985.

فيصل دراج: دلالات العلاقة الروائية، دار كنعان، ط 1 دمشق 1992، كذلك: (الثقافة/ الممارسة في ممارسات غسان كنفاني) في: قضايا وشهادات، العدد 5 ربيع 1992.

2- عصام محفوظ: دفتر الثقافة العربية، دار الكتاب اللبناني، ط 1، بيروت 1973.

3- الياس خوري، إحسان عباس، فضل النقيب: غسان كنفاني اديبا ومناضلا، منشورات الاتحاد، ط 1، بيروت 1974.

4- المرجع نفسه.

5- المرجع نفسه.

6- رضوى عاشور: الطريق الى الخيمة الأخرى، دار الآداب، ط 1، بيروت 1977.

7- يمنى العيد: ممارسات في النقد الأدبي، دار الفارابي، ط 1، بيروت 1975.

8- الياس خوري: تجربة البحث عن أفق، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، ط 1، بيروت 1974.

9- مجلة الآداب، العدد 8، بيروت 1972.

10- ابراهيم خليل: في القصة والرواية الفلسطينية، دار ابن رشد،. عمان 1984.

11- قضايا وشهادات،مذكور سابقا، ص 251.

12- دلالات العلاقة الروائية، مذكور سابقا، ص 183.

13- قضايا وشهادات، مذكور سابقا، ص 239.

14- مثل قاسم الطيب ابن قرية مجد الكروم الذي يمضي الى احضان اليهوديات في حيفا متخليا عن قريته (عن الرجال والبنادق).

15- قضايا وشهادات، مذكور سابقا، ص 259.

16- دلالات العلاقة الروائية. مذكور سابقا، ص 179.

17- نفسه، ص 189.

18- ممارسات في النقد الأدبي. مذكور سابقا.

19- مجلة الآداب، العدد 4، بيروت 1964.

20- غسان كنفاني أديبا ومناضلا، مذكور سابقا، وفيه ايضا توكيد إحسان عباس على ان الرواية برمتها ذات بعد رمزي.

21- في كتابهما: تطور الوعي نماذج قصصية فلسطينية، دار الحداثة، ط 1، بيروت 1980.

22- ابحاث في النص الروائي العربي، مذكور سابقا، ص 78- 98. وقد يكون اقل ذلك قول الناقد إن تصميم بنية الرواية في سبعة فصول يدلل على إصرار الكاتب على رفض بنية الموت السائدة رفضا واعيا لحقيقة الواقع السائد كموت مرحلي للشعب الفلسطيني.

23 – كما تبتديء رواية نجيب محفوظ (القاهرة الجديدة) المكتوبة عام 1945 بالشمس، كذلك تبتديء رواية غسان كنفاني (رجال فى الشمس). وقد فوت الناقد فرصة للمقارنة بين العتبتين. من ناحية أخرى نذكر بمرجعية الرواية فيما وقع لمحمد البطراوي صاحب الرحلة من البصرة الى الكويت. والذي حدث الكاتب عنها اثناء سكنهما في الكويت، وقد اشتغل الكاتب على هذه (المرجعية) في اكثر من قصة كما في: (على الرصيف – ابعد من الحدود – الأفق وراء البوابة – ثلاث أوراق من فلسطين – ارض البرتقال الحزين – ورقة من غزة). وقد اشار الى ذلك والى البطراوي، ابراهيم خليل في كتابه: في القصة والرواية الفلسطينية، مذكور سابقا.

24- قد تكون العودة مفيدة الى معالجتي لهذه الاشكالية في: الرواية السورية، وزارة الثقافة، ط1 دمشق 1982.

25- ومحسن الموسوي ايضا يرى ان غسان كنفاني جعل من روايته قصيدة تنساب بين ضفائر الحزن والموت… انظر: مجلة الآداب، العدد 3، بيروت 1973.

26- علينا ان نذكر ان سداسية الأيام الستة لاميل حبيبي قد جاءت من الأرض المحتلة ابتداعا في الكتابة الروائية والقصصية، فعدها رجاء النقاش رواية قصيرة في ست لوحات أو قصص، وعدها محمد دكروب سلسلة اقاصيص أو حكايات أو قصة طويلة أو رواية.

ولعل بناءها التجريبي والقناص فيها مع المثل الشعبي والأغنية الشعبية، كذلك الحكائي فيها، لعل ذلك كان حاضرا لغسان كنفاني ابان زخم كتابته وتجريبيته، واحسب ان المقارنة هنا واعدة، وبخاصة إذا تابعت الى تجارب تالية في رأسها (متتاليات) ادوار الخراط.

وفيما يتعلق بـ(عائد الى حيفا) يجدر بالدرس والمقارنة أيضا مع (العودة) من السداسية، حيث زيارة أحد عرب الناصرة، للقدس في الذكرى الأولى للخامس من حزيران، ومع (عودة جبينة) من السداسية أيضا، حيث عودة فتاة الى أمها في الأرض المحتلة بعد فراق عشرين عاما، ولعله مازال في الذاكرة ذلك المرجع الحكائي الشفوي أثر هزيمة 1967 عمن نسي أبنه يوم النزوح (1948) وعاد بعد (1967) فوجد الابن مجندا في جيش الاحتلال.

27- ومن المبكر في ذلك لفتة احمد محمد عطية الى مسايرة الكاتب للتكنيك الحديث في الرواية العالمية من حيث تداخل الأزمنة والأماكن وتقطيع الحدث وتدفق تيار الوعي والكتابة دفعة واحدة بلا فواصل ولا فصول مع تعدد الضمائر والرؤى… انظر: مجلة الآداب، العدد 34، بيروت 1969.
 
 
نبيل سليمان (كاتب وروائي من سوريا)

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …