أخبار عاجلة

رواية (صنعاء مدينة مفتوحة) منازلات فكرية .. واحتساب

1- المقدمة:-

لقد وقعت في حرج لا أحسد عليه, عندما انقطعت بي السبل في الحصول على رواية القاص اليمني المبدع محمد عبد  الولي ؛صنعاء مدينة مفتوحة«, ذلك أن هذه الرواية قد أشعلت حرائق كبيرة في فضاء الساحة الثقافية اليمنية لا لتميزها وإبداعها عند النزر اليسير من المعترضين, وإنما لوجود بعض الفلتات اللفظية على لسان بطل الرواية (نعمان), والذي أدى إلى تلاسنات لفظية ومنازلات فكرية وعراكات مريرة امتدت إلى إشهار سيوف الحسبة والتكفير والدخول إلى دهاليز المحاكم.  واستخدمت الرواية في مناورات سياسية, ومناكفات وتقاطعات شديدة, وح مل النص وبعض الملافظ, أكثر مما تحتمل التأويلات للنصوص الأدبية والفكرية, وكأن كاتب الرواية الذي مات في حادث درامي عام 1973م, كان يهدف من وراء الرواية الفساد لا الصلاح, واختلط الحابل بالنابل عند ثلة من المثقفين, وعجزوا عن تلمس طريقهم السوي وسط زحام شديد وتراشقات لا معنى لها, أرهقت المتصارعين, وأبعدت فصيلا  منهم عن جادة الصواب.

2- الغربة والتمرد:

لقد عاش القاص اليمني محمد عبد الولي في القسط الأكبر من حياته تعيسا , كان يجد متعته في الكتابة, فالكتابة على حد تعبير كاترين أن بوتر:-

ليست قضاء وقت فراغ جميل, هي ليست شيئا  يحدث بلا ألم, إنها مهنة مرهقة وجادة(1).

لقد أرهقته الحياة, وأرهقته الكتابة في حياته, ومن وراء كتاباته تطارده التهم والرذيلة وهو تحت الثرى, يقول أرنست همنغواي:-

إن الكتابة, هي الرذيلة الكبرى, واللذة الكبرى, لا فكاك منها سوى الموت (2) فالموت لم يرح الروائي اليمني محمد عبد الولي الراحة الأبدية, بسبب التعاجم في التأويل للنص الأدبي, ولقد قال أحد المفكرين:

لا يمكن أن تتذوق الفن, إن لم تمتلك ثقافة فنية.

فالمبدعون: ليسوا ملزمين بالإيضاح المسطح, أو البساطة, أو العفوية المسكينة, أو بوضع الملعقة في فم القارئ (3).

إن القراءة الحصيفة للرواية وسعة الإدراك, تجنبان القارئ الوقوع في التسطيحات وتساعده على تكوين ذائقة فنية وجمالية, وعلى الغوص في أعماق الواقع, بعيدا  عن البهرجات اللفظية والفسيفسات الشكلية.

إن القاص محمد عبد الولي قاص وروائي على قدر كبير من الموهبة, وصاحب قدرة عالية في عكس الواقع بلغة شعرية شفافة.  ولقد تأثر كثيرا  باللغة والتكنيك القصصي للقاص الروسي تشيكوف, وبحنا مينا, ويوسف ادريس.

فلم يكن مترعا  بالرومانتيكية, بل كان واقعيا  ينتمي إلى المدرسة الواقعية, وهو ليس كمن:- (يمسك ورقة  وقلما  ويرسم إلها  وبرتقالة).

فهو يمسك ورقة وقلما  ليرسم واقعا  حيا  بتفاعلاته, وديناميكيته وبتقاطعاته وبألوانه الطيفية الحياتية, إنه كاتب متمرد على الواقع, واقع الفساد والرذيلة, والسكون والجمود, يمسك القلم لتصوير الواقع بفن وإبداع, ويشير بسبابته إلى موطن الضعف والج بن في المجتمع, يكره العادات الرتيبة والتقوقع, وتمرده ليس موضة, أو عبارة عن عنفوان شباب, وإنما هو التمرد الواقعي والسليم, ليخلق مجتمعا  أكثر إنسانية واستقامة.

لقد أدرك عبد الولي ضرورة تغيير الواقع, والخروج عن الجمود والرتابة, فبطل الرواية نعمان يقول:-

– أنا..  شاب مندفع لا يحب مطلقا  أن تعيش بلا عجل..  بلا حركة..  بلا خفة..  وشعرت بالسأم بعد أيام من وجودي فيها (القرية)…

– الناس يا صديقي هم ناس بلادي..  بدون تفكير بدون أمل في المستقبل..  بدون شيء..  يأكلون القات..  مرتاحون ولا حديث لهم إلا عن (فلان)..  وعن (فلانة)..  أحاديث تصيبني بالغثيان كلما استمع إليها.  فأهرب من الناس..  ومن نفسي..(4)

فمحمد عبد الولي في رواياته وقصصه, لا يريد من الجمهور أن يتعاطفوا مع أبطاله, ولا يقصد إلى إثارة المشاعر والأحاسيس العاطفية الشكلية, يريد منهم أن يشاركوا في الحدث, أن يتحولوا إلى عمليين, يدفعهم إلى التغيير والثورة على الظلم والأوضاع البائسة.

لم يقع كغيره من الناشئين في شبكة التقليد والمحاكاة.  وظل يكتب على سجيته, دون التفات إلى حصيلته الثقافية..  فلقد كانت مرارة التجربة التي عاشها والصبا هي المسيطر الأول على إنتاجه…(5).

شهدت القصة اليمنية في حياة محمد عبد الولي ازدهارا  لم يسبق له مثيل.  ويعود في ذلك إلى تنوع تجربته الثقافية وموهبته الفنية التي صقلها بدراسته فن القصة (6).

فشخصية القصة والرواية عند محمد عبد الولي, اتسعت رؤيتها وانتقلت من الحالة الفردية إلى ؛النموذج« أي اليمن وأيا ماكان إزاء ظروف لا تشبه المأساة الكونية التي يتعرض لها البطل القديم, بل هي ظروف إنسانية وفي متناول يدنا, وفي مقدورنا تغييرها, أو ينبغي ذلك, من هنا لم تعد القصة تثير العطف أو الإشفاق أو الإعجاب, بقدر ما تثير روح التغيير للظروف الخارجية وإنقاذ الضحايا, ولم يعد المجهود الفردي كافيا , فلن يغير من الأمر شيئا (7).

– لا تنسوا أنتم..  أن هذه الأرض.  لن تنفصل عنكم مهما هربتم.  إنها جزء منكم.  تطاردكم.  ولا تستطيعون منها فكاكا .  أنتم يمنيون.  في كل أرض..  وتحت كل سماء..

– أريد: عملا  أشعر فيه بأنني إنسان كبير..  إنسان يتضامن مع الجميع.  الحب..  الحب هو ما أريده..  إنني أؤمن أن بلادنا, لا يفرقها استعمار أو استبداد..

إننا لا نستطيع عمل شيء لأنفسنا..  ولا أرضنا..  ولا حتى لهؤلاء العساكر..  إذا لم نخلق من جديد..  نخلق كل شيء.. الناس..  الأرض..  الوادي..  حتى أنفسنا.  أننا لا نستطيع أن نعيش مع الحمير في حظيرة واحدة.  لا أن نعامل معاملة الحمير.  يجب أن نجد لأنفسنا مفهوما ..  وأن نعرف حقيقتنا(8).

لقد حبك الكاتب خيوط نصه بمهارة الصانع الملم بأسرار صناعة السرد, وترك للقارئ مناسبة ملاحقة بناء النص وتتبع عوامله, وهو دائم التساؤل عن سر الحكي الذي ضبط مساره, ويحدد وجهته, إذ لا يمكن تكوين فكرة عامة عن هذا النص إلا بعد الانتهاء منه..  إن كل ذلك يجعلنا أمام نص متكامل العناصر والبناء, فهو كتلة واحدة, متراصة العناصر والأجزاء, وأي إهمال لأي منها لا يمكن إلا أن يسهم في تشويش الرؤية, كما أن أي إغفال لأبسط علاقة فيه لا يتولد عنه إلا اختزال النص, عدم النفاذ إلى جوهره, أو الكشف عن باطنه, والوقوف عند أهم ملامحه وخصائصه (9).

3- الرواية والإحتساب:

الرواية لوحة فنية وأدبية لمجتمع ما قبل الثورة اليمنية, فالظلم هو الظلم في الشمال (الإمامة), والجنوب (الاستعمار).  فالرواية تعبير عن الإرهاصات الأولى لقيام الثورة اليمنية (26 سبتمبر في الشمال, 14 أكتوبر في الجنوب).

فالميزة الرئيسية لأبطال الرواية الغ ربة, تتقاطع أنفاسهم وأرواحهم مع الواقع, وتدخل في تناقضات رهيبة للخلاص من الواقع الكئيب.

فشخوص الرواية (أبطالها), (نعمان – محمد مقبل – الصنعاني – البحار (علي الصغير..), قد احترقت أناملهم بالواقع, واكتووا بنيران الظلم والعذاب, ولم يبق أمامهم من مفر سوى مواجهة الواقع بموضوعية وحذر, وإحداث انقلاب حياتي في المجتمع, لأن الظلم واحد في اليمن وأن تعددت أطيافه, ولابد من لحظة خلاص منه.

إن بطل الرواية (نعمان), عاش في غ ربة ومكابدات نفسية وروحية  وضياع افتقد فيها الهدف لحياته وفي أحايين كثيرة كسر الواقع أجنحة أحلامه, وظل أسيرا  لحياة الغ ربة والانهزام حينا  من الزمن حاول نسيان الواقع ومداواة جراح الغ ربة الروحية والنفسية, ولكن دون جدوى, فالضبابية والضياع صارت عنوانا  لحياته السقيمة:-

– يا صديقي إني تائه لا أدري ما الذي أعمله.. (10).

وفي لحظة التأمل يأتيه صوت صديقه محمد مقبل, ليحدث هزات في عقله وضميره:-

– عد يا نعمان ولا تهرب.  سواء كنت في عدن أو في القرية..  فأنت تمارس المأساة.(11)

وفي نهاية المطاف تستيقظ روح التمرد في نفوس أبطال الرواية, ويقتنعون من أن لا سبيل لإصلاح المجتمع إلا بمواجهة الذات, والابتعاد عن حياة الزيف ومواجهة الفساد  والظلم وتغيير الواقع إلى الأفضل, وقبل قليل من تكشف الحقيقة ومعرفة الهدف, تموت زوجة نعمان (هند) وطفلها لع سر في الولادة:-

– كم كانت صموتة..  لا تتحدث كثيرا  ولكنها تبتسم..  ولا تتألم ولا تشكو..  كانت في المنزل وكأنها ليست موجودة..  دون صوت..  دون ضجة..  حتى عندما نخلو..  كانت هادئة دائما .

هل أنت سعيدة..  فتهز رأسها..  كلا.

هل تشكين من شيء..  فتهز رأسها..  كلا.

هل تريدين شيئا .. فتهز رأسها..  كلا (…)

لقد كانت (الدينامو) الذي يسير كل شيء فيه..  إن المنزل يشكو الألم..  وكل ركن فيه يردد..  لمسات يدها..  الحانية..  لقد كانت أما ..  حتى للأحجار.(12)

فبموت ؛هند« تتملك بطل الرواية (نعمان), كآبة وهوس وتشنجات لا حدود لها, فيقع فريسة للمرض والهذيان, ويكاد لا يصدق أنها ماتت, ولماذا ماتت?!!  وكيف ماتت?!!  لقد شعر بالذنب والمأساة, لأنه أحبها دون اكتراث وبعبثية.  أما في لحظة الصاعقة, الموت أنبجست مشاعر الحب الحقيقية من كل مسامات جسمه, وتحول قلبه إلى كتلة من اللهب والتشوق لهند… وتقوده الكآبة والاضطرابات والتشنجات إلى حالة من الهيستيريا والانفعالات اللاشعورية, وتتساقط من لسانه بعصبية غير مألوفة كلمات ليست مستساغة, لقد  فقد توازنه وغابت أحاسيسه الحية إلى حالة من الهذيان مخاطبا  المولى عز   وجل:-

لماذا أخذت يا رب (هند) ما الذي عملته?

لماذا لا يدعنا الله (الله) نتمتع بشبابنا? (13).

لقد وقع بطل الرواية (نعمان) في حالة غير طبيعية, وتساقطت من لسانه ألفاظ تعبر عن حالة الغيبوبة واللاوعي التي وقع فيها, وهذه فلتات تحدث وقت الشدة والغصب في غير مكان وغير زمان..  فالصوفيون مثلا  في حالة الغيبوبة واللاوعي تصدر عنهم تخيلات وتوهمات وشطحات لا يؤخذون عليها لأنهم لا يقصدون التطاول على الذات الإلهية أو التعالي عليها, وإنما يدخلون في حالات من الغيبوبة والحلول والتوحد والزهد والمشاهدة, معها يصعب تكفيرهم ووصمهم بالكفر والزندقة.  وقد وضعت الصوفية مبدأ التغير في الثبات باعتباره القوة السارية لتنقية القلب في ثلاثية المعرفة والمحبة والمشاهدة أو ثلاثية القلب والروح والسر, وطابقت بينها بالشكل الذي جعل من وحدتها (الثلاثية) أسلوب وحدة السر (أو الحقيقة).  فالقلب هو المعرفة والروح هي المحبة, والسر هو المشاهدة.  في تقلبه يتدرج إلى الروح, وفي ارتقائه يرتقي إلى السر.  أو أن تقلب القلب بين أصابع الرحمن يؤدي به إلى معرفة الوجود ومحبة كل ما فيه على أنه تجل للحق.  ويكشف بدوره عن مشاهدة السر أو المعنى في جزئياته اللامتناهية (14).

لقد وقف الإمام محمد الغزالي (1059-1111م), ضد تكفير الصوفية, وهذا هو عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406م) في المقدمة يقول عنهم:-

الألفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات ويؤاخذهم بها أهل الشرع, فأعلم أن الأنصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن الحس والواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها مالا يقصدونه.  وصاحب الغيبة غير المخاطب والمجبور معذور.. (15).

إن الإسلاميين مدعوون إلى عدم المسارعة في إشهار سلاح التكفير والتهويل والتفسيق ناهيك عن التحريض على العنف, وليذكروا ما نقل عن الإمام مالك إمام دار الهجرة من كراهيته الرد على أهل البدع, حتى لا يعين ذلك على إشاعة بدعتهم.  وكم من كويتب أو شويعر نكرة متروك جعل منه التشهير رمزا  للعبقرية والإبداع تتسابق المطابع وأدوار الترجمة على نشره ويتخطفه القراء (16).

فرواية »صنعاء مدينة مفتوحة« صدرت قبل ما يربو على عشرين سنة ومن الصعب على القارئ أن يجد اليوم نسخة في المكتبة أو الأسواق, ود رست في الجامعات, وم ثلت في مسلسل إذاعي, وقراء الرواية نزر يسير من المثقفين, لم تلفت انتباههم الفلتات اللفظية, بل كانوا يركزون على مضمون العمل الروائي:-

إن الرواية تبدو نقدا  اجتماعيا  للواقع, من خلال تصوير مأساته, وتبدو محاولة لإعادة ترتيب الماضي, ومحاكمته, وتبدو تبريرا  للحاضر معا .  إنها تبدو كل الأشياء, وتبدو ضباب الأشياء من خلال الدموع والمآسي, وتبدو لاشيء غير غيبوبة واهية تحملنا إلى أول الطريق كي نموت مرتين.  أو نزهر من خلال الموت ورداء حمراء هي الحياة.  لذا كان الموت ليس دلالة اجتماعية وسياسية فحسب, ولكن قضية وجودية ونفسية أيضا , هذا ما يختاره المؤلف منذ لحظة الولادة (17).

وقبل سنوات جرى تكفير العدد العديد من المثقفين اليمنيين والعرب في اليمن, ولقد وقف المفكر الإسلامي أمين هويدي مندهشا  للتحشيد والتثوير والمغالاة في التصنيف, ففي صنعاء:-

جرت محاكمة علنية في مساجد صنعاء وشوارعها للشاعر نزار قباني.  كانت تهمته أنه (يسخط) الذات الإلهية, ويستخفف في أشعاره بسبحانه وتعالى..  لقد قلت لمن أعرف في (مقايل) صنعاء, أن المساس بالعقائد أو بالغيب مفسدة ما في ذلك شك, لكن انشغال كل الناس بهذه القضية مفسدة أكبر.  إذ أزعجني حقا  كثرة ما سمعت من تصنيفات تضع البعض في دائرة الكفار, والبعض الآخر في دائرة الفاسقين, بينما يضم آخرين إلى قائمة المرتدين.

وقلت إذا انشغلت الأمة بمثل هذه الأمور, فمن ذا الذي يبني ويعمر ويصحح, خصوصا  في بلد كاليمن هو أحوج ما يكون إلى كل عقل ويد, وكل لحظة وساعة, ليختصر الزمن وينتشل الناس من التخلف الذي يعانون منه? (18).

إن فضاء الحياة الثقافية يحتاج إلى مزيد من الانفتاح الواعي والمثاقفة وإلى روح التسامح والإخاء, واحترام الرأي والرأي الآخر, ولقد قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي:- رأيي عندي صواب يحتمل الخطأ, ورأي غيري عندي خطأ يحتمل الصواب.

فالحرية ضرورية في حياتنا ولا نستطيع أن نتنفس بدونها: فحرية التفكير والكلام والكتابة دعامة لكل حكم صالح.  وحرمان المواطنين من هذه الحريات بحجة أنهم قد يسيئوا استعمالها, أمر لا يقل سخافة وحماقة من منعهم من استخدام الشموع تخوفا  من الحرائق (19).

ويتراءى لي, إن نشر »الثقافية« لرواية القاص محمد عبد الولي »صنعاء مدينة مفتوحة«, كان بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس عند نزر من الناس, والذين يضيقون ذرعا  بآراء الآخرين.  فثمة أناس من هذا الفصيل قد ج بلوا على فرض اللون الواحد وعلى الغلبة في أوضاع غير عادية, ويريدون إعادة سابق مجدها, في أوضاع عصية الرجوع إلى زمن فارط.  ونحن نعيش في كنف الحاضر, من الصعوبة بمكان إدعاء الديمقراطية والحرية الفكرية للذات دون الآخرين:-

إن عقلا  متنورا  ويمارس الاستبداد هي معادلة لا يقبلها المنطق والواقع.  والإنسان الذي يقرر اعتقال عقل غيره يكون في الوقت ذاته قد قرر اعتقال عقله  ومن يريد الديموقراطية, ويكون منسجما  مع ذاته, عليه أن يريدها للآخرين.  أما من يريد الديموقراطية لنفسه ومصلحته فقط, وحجبها عن الآخرين ومصالحهم, فهو كمن يتزوج من جثة لا إنسان.  والفرق بين ممارسة الديموقراطية وممارسة الاستبداد هو الفرق بين ممارسة الحب وممارسة العنف(20).

إن أقوم سبيل لتسوية الإعوجاجات والهفوات إن وجدت, هو النقد الهادف ومقارعة الحجة بالحجة والرأي بالرأي, وعدم تسفيه الآخرين, وإثارة النعرات وتحشيد الناس لصب الزيت على النار, وإشعال حرائق لسنا بحاجة إليها.  إن ما نحتاجه هو أن نغرس في القلوب حب الآخرين واحترام أفكارهم واتجاهاتهم الفكرية والإبداعية حتى في حالة الاختلاف معهم.

إننا نحتاج إلى تفتيق العقول وتنوير النفوس, وأن نجعل هذه القلوب والنفوس عامرة بالحب والإيمان فلا يمكن أن تتطور الأنظمة والعلوم والفنون والبشر دون الحرية, فهي المدماك الذي يشكل قاعدة للتطور والازدهار والنماء.

ولا يجب استخدام القوة والعنف في كتم أنفاس الآخرين, لإن ذلك يعد تشويها  لروح المدنية: فالناس متساوون: في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا  بروح الإخاء (21).

إننا في زمن نحتاج فيه إلى مزيد من العلم والثقافة وسعة الصدر وانفتاح العقل, إننا لازلنا نتلمس طريقنا صوب الديموقراطية, وعليه لابد أن نتعلم فن الاختلاف, وفن الاتفاق, لابد أن نتعلم النقد  الهادف ونتقبل نقد الآخرين وقناعاتهم.

فلقد سقطت كل الأصنام والهياكل التي ادعت امتلاك الحقيقة لوحدها, وألحقت أضرارا  فادحة بالثقافة والحرية والانفتاح.

لقد مضى زمن محاكم التفتيش عندما كان المفكرون والمتنورون يصلبون, وتقطع رؤوسهم وأناملهم وألسنتهم وتفتش قلوبهم وضمائرهم.

إننا مع الثقافة المنفتحة والعصرية مع ثقافة النقد ضد ثقافة الكبت والإلغاء والاحتواء: إننا مع التنوير: وحرية تبادل الأفكار والآراء هي أثمن حق من حقوق الإنسان لذلك يحق لكل مواطن أن يتكلم ويكتب ويطبع بحرية على أن يكون مسؤولا  عن إساءة هذا الحق…(22).

إن كل العقلاء والطيبين يسعون باتجاه توطيد مدماك الديموقراطية في المجتمع, وحتى يتوطد هذا المدماك سيحدث هرج ومرج, وقد يتخالط أحيانا  الصلاح بالطلاح, إلا أنه لابد من دفع ثمن لنمو شجرة الديموقراطية والحرية: فينبغي ألا نكفر بالديموقراطية ذاتها, فالأم التي ترغب في مولود يخرج من رحمها محكوم عليها أن تتحمل غثيان الوحم, وضربات الجنين وتقلباته, وأيضا  كل ما يلزم من الحيطة والحمية, ثم ما يتلو ذلك كله من عسر في الوضع, وأحيانا  ولربما هذه حالنا, ما قد يتطلبه ذلك من عملية قيصرية.  إذا  فالديموقراطية في مجتمعاتنا العربية ليست قضية سهلة, ليست انتقالا  من مرحلة إلى مرحلة, بل هي ميلاد جديد, وبالتأكيد عسير.(23)

وأخيرا  »أما الزبد فيذهب جفاء, وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض«.(24)

الهوامش

1- عن حنا مينا.  القصة والدلالة الفكرية.  كتاب الرياض.  مؤسسة اليمامة – الرياض, العدد (76), مارس 2000م, ص115.

2- المرجع السابق, ص115.

3- المرجع السابق, ص115.

4- محمد عبد الولي. صنعاء مدينة مفتوحة. الحكمة – صنعاء, السنة 7, العددان (59-60), إبريل – مايو 1977, ص71, 72-73.

5- عمر الجاوي. في مقدمة لرواية يموتون غرباء لمحمد عبد الولي.  دار العودة – بيروت, ط1, 1/6/1978م, ص8.

6- المرجع السابق, ص7.

7- د. عبد الحميد إبراهيم. »القصة والشخصية اليمنية«.  الكلمة  – صنعاء.  العدد (43), مايو – يونيو 1977م. ص42.

8- صنعاء مدينة مفتوحة,  مرجع سابق, ص101,115,99.

9- سعيد يقطين.  »التحولات الحكائية والسردية«.  نزوى – عمان. العدد (71), يناير 1999م, ص58.

10- صنعاء مدينة مفتوحة, مرجع سابق, ص82.

11- المرجع السابق, ص101.

12- المرجع السابق, ص134-135.

13- المرجع السابق, ص134.

14- ميثم الجنابي.  »السر أو اللغز والمعنى في الإبداع الصوفي«.  نزوى – عمان, العدد (19), يوليو 1999م, ص33.

15- عبد الرحمن ابن خلدون. مقدمة ابن خلدون.  دار الفكر د.ت. ص474.

16- الشيخ راشد الغنوشي يناقش أزمة رواية (وليمة لأعشاب البحر).  النور – صنعاء, العدد (111), يونيو – يوليو 2000م, ص7.

17- محمد علي يحيى.( »صنعاء مدينة مفتوحة« محاولة الخروج من دائرة الموت).  الحكمة – صنعاء.  السنة 17, العدد (137), إبريل 1987, ص37.

18- فهمي هويدي.  أزمة الوعي الديني.  دار الحكمة اليمانية – صنعاء.  ط1, 1988م,ص182,186.

19- هولباخ عن/ د. مهدي محفوظ.  اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث.  المؤسسة الجامعية للدراسات, بيروت, ط1, 1990م ص129-130.

20- عدنان حافظ جابر. »العقلانية والديموقراطية«. المستقبل العربي – بيروت, السنة 22, العدد (254), 4/2000م, ص133.

21- حقوق الإنسان في 4 مجلدات المجلد1. دار العلم للملايين, بيروت, ط1, نوفمبر 1988م, ص18.

22- حسين جميل.  حقوق الإنسان في الوطن العربي. مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, فبراير 6891, ص02.

23- د. محمد عابد الجابري.  وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر. مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, ط1, يوليو 1992, ص122.

24- القرآن الكريم, سورة الرعد,: آية 18
 
سمير عبدالرحمن الشميري كاتب واكاديمي من اليمن

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …