أخبار عاجلة

روكيرت وعصر الاستشراق الذهبي

اتسم أدب أوروبا في العصور الوسطى المبكرة والمتأخرة بإعطاء صور مشوهة لحد كبير عن الثقافة الإسلامية، تميزت بالعدائية والجهل, فمعاداة التصوير في الإسلام ونزوعه للتشدد اعتبرت نوعا من الوثنية البالية.

بيد أن الحروب الصليبية (عام 1096) استطاعت أن تصحح بعض الشىء من صورة الإسلام. وقد حازت شخصية صلاح الدين على احترام المحاربين المسيحيين, إذ اشادوا في على الجبوري:كاتب عراقي مقيم في كولونيا -ألمانيا. باعتداله, حيث اكتفى دانتي بوضعه في مدخل جهنم. ولم تزل صورته التي تبعث على الاعجاب تحتفط بمكانتها في الأدب والتي توجت بالعرض الرائع في مسرحية ليسنغ (ناتان الحكيم).

 وما تم تناقله من عصر الحروب الصليبية أثرى الأدب الألماني لقرون عديدة. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر أشهر شعر القرن التاسع عشر نحو: (حيل أهل شفابن) للشاعر أولاند التي تعود لأصول شرقية والميلودراما الرائعة عن الفارس الصليبي لـ (موريس يان). وقد اعتقد شعراء الرومانتيكية الألمانية أكثر من غيرهم أنهم يستطيعون أن يجدوا نموذجهم المثالي في عصر الحروب الصليبية مثال ذلك. (هاينريش فون اوفتر دنجن) لنوفاليس الذي عاش في مناخ التجلي هذا وتميزت عباراته بالجزالة والافاضة:"امتزجت منابع الشعر التي تنبع في الشرق وتلك التي تتدفق في الغرب والشمال وتوغل الاستشراقي عميقا في قلب الثقافة الشمالية وتناقلت الرياح حب لقاح الشعر الجنوبي إلى عالم الغرب وانبثق عن ذلك خلاسية عجيبة وهاجرت ازهار الجنوب إلى الاعالي كما هاجرت فيما سبق شعوب الشمال إلى الجنوب ". (1)

وتم لأول مرة في الغرب استجابة لمتطلبات الاهتمام العلمي في شؤون الاسلام ترجمة القرآن الكريم الى اللاتينية عام 1143من قبل روبيرتوس ريتينينسيس وقد طبعت هذه الترجمة بعد مضي 400 سنة في مدينة بازل. ولان معرفة اللغة العربية كانت شائعة في أسبانيا انذاك بفعل الحكم العربي للأندلس لسنوات طويلة، فقد بوشر في القرنين الثاني عشر والثالث عشر بنشاط ترجمي محموم, حيث تم نقل الأعمال العلمية والفلسفية كذلك مؤلفات ابن سينا الطبية اضافة إلى الأعمال الخاصة بالكيمياء وعلم البصريات التي وضعت تحت  تصرف الغرب واستحوذت لفترة طويلة على الفكر الأوروبي, كما تم لأول مرة عن طريق العالم الإسلامي إيصال التراث الثقافي العلمي للعصور القديمة إلى أوروبا المسيحية. فكان تأثير ابن رشد – الذي اصطدم برفض الكنيسة الكاثوليكية ثم على الفلسفة الغربية مهما وكذلك الصوفية الإسلامية، خاصة مؤلفات الغزالي التي كانت معروفة لحد ما في الأوساط المسيحية. (2)

وكان الفرانسسكيون والدومنيكانيون يتسابقون في مساعيهم التبشيرية والتي أدت بدورها إلى الاهتمام الشغوف باللغة العربية وهنا تقتضي الاشادة بشخصية رايموندوس لولوس الذي كافح لسنوات طويلة من أجل اقامة كرسي لتدريس العربية والذي حظي أخيرا بموافقة المجمع الكنسي لفيينا (عام 1312) -غير انه لم يوضع موضع التطبيق –فلولوس مدين في نظرياته المطروحة في (كتاب عن العاشق والمعشوق) للصوفية الإسلامية التي كان مطلعا عليها أكثر من أترابه.

بدا ظهور المغول – الذين واصلوا من جهة زحفهم إلى ليغنتس ومن جهة أخرى إلى سواحل الصين الشرقية – في القرن الثالث عشر مواتيا للطموحات التبشيرية بعد اجتياحهم بغداد عام 1258 وتدمير مركز الخلافة لا سيما وان هذه الزمر المتعطشة للعنف لا تمتلك دينا مما جعلهم في موقع يؤهلهم ليكونوا حلفاء للغرب ضد المسلمين.

وهذا ما حدا بالفرانسسكيين للقيام ببعثات تبشيرية عبر اسيا باكملها ولازالت تعد كتب الرحلات التي دونوها عن ثقافة الشعوب الاسلامية والاسيوية مراجع لا تقدر بثمن. مثلما اثار احتلال القسطنطينية عام 1453 مشاعر الكره والرعب, كذلك احدث حصار فيينا صدى في الشعر الشعبي الألماني كما هو الحال في الأدب الديني – صلاة الاتراك بدءا من "لوثر " وانتهاء ب "انغيلوس زيليسيوس " وليس ادل على ذلك من تلك المواعظ الموجهة ضد القوى المعادية للمسيحية.

لتقينا يا رحيم كل العصور من عدو المسيحية

هذا التركي, الكلب المتعطش للدماء..

هذا شيء مما كتبه هانز زاكس أثناء حصار فيينا، وبقيت هذه النغمة السمجة سائدة حتى بعد انسحاب الاتراك أثر حصار فيينا الثاني عام 1683.

وقد تم تقديم دراسات جدية في ميدان علوم وفقه اللغة العربية في وسط أوروبا خاصة هولندا التي أضحت مركزا لهذه الأبحاث, بيد أن العربية لازالت تعد مادة علمية مساعدة فقط بالنسبة لعلم اللاهوت. وفي هذه الفترة أرسل دوق شليسفيغ هولشتاين في وسط معمعة حرب الثلاثين بعثة من (34)رجلا الى بلاد فارس من بينهم الشاعر باول فلمينغ.

وكان حصيلة ذلك (وصف الرحلة الشرقية الجديدة) لـ "ادم اولياريوس " التي صدرت عام 1647 وتمت في الحال ترجمتها إلى اللغات الأوروبية الأخرى. كما قام ادم اولياريوس بنقل عمل سعدي الكلاسيكي الشهير "جنينة الورد" إلى الألمانية، الذي ترك تأثيرات مهمة على الأدب الألماني.

قال الشاعر فليمينغ بفخر "تم من خلالنا نقل فارس إلى هولشتاين ". وكان هذا ماثلا في اللغة الألمانية برمتها، كالحكايات المروية على لسان الحيوانات عند هاجيهدورن والاقاصيص الطريفة عند هردر وجوته. وقد ساهمت حركة التنوير في العقود اللاحقة في تغيير صورة الشرق الأوروبية.

وقد وضع جالاندGalland  المساعد لدهيربيلوتس( D,Herbelots منذ عام 1704) تحت تصرف جمهور القراء الفرنسيين ترجمة بتصرف لقصص ألف ليلة وليلة. كما قدم د.هيربيلوتس لأول مرة في "مكتبته الشرقية" عرضا عن المخطوطات الإسلامية. وبذلك حاول جالاند المساهمة في جعل أوروبا المتعلمة تتخلى عن رؤيتها السابقة للشرق الإسلامي على "انه وطن معاداة المسيحية وموطن الزنادقة الفظيعين "، والتطلع الى الشرق الملازم للتغيير تحت سماء دافئة أبدا، شرق يزخر بروعة ألوانه وثرائه المدهش وبخلفائه, ووزرائه وقضاته وبامرائه الاسطوريين ونوابغه, حيث يحوي عالما يعج بمغامرات خيالية ومعطيات هائلة. (3)

ومنذ ذلك الحين أخذ العديد من الشعراء يغرف من هذهالبئر التي تصب فيها ينابيع كثيرة، حيث تتحول الامواه إلى  أساطير وقصص وملاحم وأشعار – بدءا من فيلاندWieland مرورا بـ "بلاتين Platen وانتهاء بـ "هوفمانستال  -Hof mannsthal  وقد تأثر المؤلفون الموسيقيون"جلوك " GluckوموتسارتMozart وفيبر Weber بموضوعات الاساطير الملونة، التي يرجع قسم منها الى اصول هندية قديمة وفي هذه القصص تم حبك الموروث العربي والفارسي في نسج ملون.

تم كذلك بشكل متزامن مع تكون صورة الشرق الجديدة التي انعكست بشكل واضح في الأدب, تقديم صورة جديدة وموضوعية عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). وقد ترجم عام 1705 كتاب ريلاند وسRelandus  (الديانة المحمدية) الى لغات عديدة وفي عام 1714 ظهرت الترجمة الامينة للقرآن التي قدمها الانجليزي سيل G.sale اما رايسكهReisk(شهيد الأدب العربي) – توفى عام 1774 – فقد حاول لأول مرة جعل قسم علوم اللغة والأدب العربي علما مستقلا عن اللاهوت والبحث في التاريخ الاسلامي بشكل نزيه, لكن محاولاته لقيت معارضة من زملائه في الاختصاص.

 لكن لم يتوافر الجهد الحقيقي للوصول إلى جوهر الشرق خاصة الشعر الشرقي, إذ لم يحظ مضمون الشعر الاسلامي ولا شكله باهتمام شديد لفترة تمتد حتى منتصف القرن الثامن عشر.

وفي هذا الصدد ينبغي توجيه الثناء الى هيردر Herder الذي استطاع لأول مرة تفسير الشعر الاجنبي, حيث جعل من كلمة هامانHamann(الشعر هو لغة الجنس البشري الأم) الباعث الأساسي في حياته.

قدم هيردر عام 1771 في بحثه الموسوم (عن أصول اللغات) عرضا رائعا عن تطور لغة سامية من خلال تفرع الجذر الأصلي للكلمة :

(في معجم فلسفي لبلاد الشرق تكون كل كلمة أصلية ضمن اسرتها، تحتل مكانها الصحيح وتتطور بشكل سليم, فهو ميثاق لمسيرة الفكر البشري وتأريخ لتطوره وأن معجما كهذا يعد برمته نموذجا لقوة أختراع الروح البشرية).

وقد تبني هيردر شعار جوته في (ملاحظات ودراسات عن الديوان الشرقي – الغربي:)

من يرغب في فهم الشاعر

عليه الذهاب إلى وطن الشاعر.

حيث يؤكد هيردر هنا بشكل تفصيلي ما سبق أن ذكره غوته من أن على المرء قبل أن يحكم على أمة ما، أن يطلع على العصر الذي تتواجد فيه ويدخل ضمن نطاق تفكيرها ومشاعرها ويتعرف على طبيعة حياتها. لأي تربية خضعت وبأي مواضيع تتغنى؟ أي الأشياء تعشق ؟ ما هو هواؤها وما هى سماؤها،كيف تكون هيئاتها ورقصها وموسيقاها؟من هذا المنطلق بدء هيردر في جمع (أصوات الشعوب -في الاغاني)، غير أن الشعر الشرقي لم يكن له حظ في هذا الكتاب وذلك لعدم توافر الترجمة. غير انه قدم وصفا للشعر العربي بمايلي :

"يعد انطباعا نقيا للشعب الذي ابدعه وللغته ولنمط حياته ودينه ويعكس مشاعره في صور هي فخر وثراء وحدة ووصف رائع ومتألق ومفعم بالمأثور والفن متوائم مع الإسلام, يميل للتبحر والتسامي ".

كما ذكر فيما بعد في مؤلفه (أفكار عن الفلسفة وتاريخ البشرية) وصفا للتأثير العظيم للثراء العربي :

"كالهائمة تقف أرواحهم طودا شامخا بمواجهة السماء،هكذا يتحدث العربي الصامت مع لهيب الكلمة، مثلما يحادث برق سيفه ويحاور حراب حدة الذكاء وكنانته وقوسه ". (4)

وقد انعقدت الامال على الجهود التي بذلة يوسف فون هامر – بورجستال Joseph von Purgstal على نطاق تاريخ الاستشراق, حيث مارس رغم كل هفواته ونقاط ضعفه تأثيرات غير متوقعة على تاريخ الفكر الالماني. وقد درس هذا النمساوي الذي هو اقرب الى الموسوعي منه إلى الرومانتيكي في اكاديمية الاستشراق التي اسستها قيصرة امبراطورية النمسا والمجر ماريا تيريزيا. وقد درس في هذه الاكاديمية اللغات الشرقية الحية بشكل خاص. إذ تم عام 1554 حفر الحروف العربية الأولى على الخشب.

يبقى هامر – بورجستال الرائد الأول الذي تدين له الدراسات الاستشراقية بترجمته لعشرات الأعمال خاصة في مجال الشعر. فلولاه لم يجد جوته طريقه إلى حافظ ولا روكيرت في محاكاته لشعر الشرق.

وقد انشأ هذا المستشرق النشيط – الذي لم يحقق نجاحا في السلك الدبلوماسي, حيث كان يعمل – بمساعدة الغراف رتسيفوسكيGraf Rzewuski  "ينبوع الشرق ". الف هامر -بورجستال بحماس منقطع النظير وباهمال غريب الكتاب تلو الكتاب عن قضايا الأدب والتاريخ السياسي العربي والفارسي والتركي – فقد قدم تراجم من كل هذه اللغات الثلاث, ترجم لحافظ, كما نقل لشاعر القصر التركي باكي وللشاعر العربي الكبير المتنبي ولابعد من ذلك غطى بترجماته روائع الشعر العربي الصوفي لابن الفريد.

بيد أن شخصية هامر – بورجستال بقيت موضع جدال.فقد قذفه مستشار جوته لشؤون الاستشراق بريالات فون ديتسPrealat von Diez انه لا يفقه شيئا من كل هذه اللغات على الاطلاق, ويتسم بجهل مطبق بكل المفاهيم والقضايا، جهل مقرون بخبث غير معقول لا. وبالطبع لم تكن تراجم فون ديتس أقل أخطاء من تراجم الذين اعابوه. ورغم كل ذلك حفز عمل هامر جوته بطريقة رائعة:

""دون جوته لأول مرة بتاريخ 7 حزيران 1814 اسم حافظ في مذكراته وقدم بذلك شهادة على لقاء الألماني مع الشرقي وقد اعتقد في الحال أنه تعرف على نظيره التوأم ".

وبالطبع حاور جوته أكثر من أي شاعر اخر وبشكل مثمر الشعر والثقافة الشرقية. وان كان ينقصه بالتأكيد شرط مهم للتوغل في صميم دقائق عالم الشرق, إذ لم يكن يتقن اللغات الشرقية، غير ان نظرته العبقرية مكنته من اعطاء أحكام لازالت صائبة حتى اليوم بصدد الثقافات الشرقية.

ولد روكيرت في 16 ايار "مايو 1788 " في مدينة شفاينفورت " chweinfurt التحق بجامعتي هايدلبرج وينا ودافع في 30 اذار "مارس " 1811 عن اطروحة الدكتوراه الموسوعة (فكرة فقه اللغات القديمة) في ينا. وقد قدم في اطروحته المؤلفة من 86 صفحة والمكتوبة بلغة لاتينية حيوية بشكل غير مألوف ان اللغة الاغريقية تقدم مرحلة محددة على صعيد التطور اللغوي وان اللغة الالمانية تحاول من خلال حشد كل الصيغ الموجودة ان تتطور لتكون صيغة عالمية، بل لتصبح لغة مثالية حقا.

أدى هذا الرأي الى نقاشات حامية مع اعضاء الهيئة، وقد اظهر بوضوح صحة افكار روكيرت عن مهمات الالمانية باعتبارها وسطا نموذجيا للترجمة.

وقد اعلن الاستاذ الشاب حينئذ عن محاضرات حول مؤلفي التراجيديا الاغريق وعن علم العروض – وقدم بعد اربعين سنة من ذلك أي عام (851 ا) بحثا استهله بمقدمة مستفيضة عن علم العروض الاغريقي واستنتج أن النظم العروضية التي استخدمها الشاعر الاغريقي بنداريوس (Pindaros) هي قائمة في الشعر الشرقي كما هي في الشعر الغربي وحاول روكيرت أن يخلق نظرية عن النظام العروضي السداسي الألماني.

لم يعد روكيرت يطيق البقاء في ينا. وقد حقق شهرة بمساهماته عن حرب التحرير الألمانية وكذلك حاول كتابة أعمال مسرحية اعتمد في قسم منها على خامات شرقية نحو: "موت وهمي " و"التركية ".

ومنحى روكيرت هذا لم يكن غريبا بعد ان اصبح استخدام الخامات الشرقية وتوظيفها لاعمال أدبية وفنية في العقود الماضية مودة. كانت السنة الحاسمة في حياة روكيرت هي عام 1818، حين عاد من زيارة لايطاليا وأقام في فيينا وكان قد تشرب بدراسة استشراقية. صادف ذلك في العام نفسه الذي نشر فيه هامر – بورجستال "،تاريخ فنون الخطابة الفارسية الجميلة". وقام اشهر مستشرقي فيينا باطلاع روكيرت على علوم اللغة العربية والفارسية. واحتفظ شاعرنا بذكرى عطرة لأستاذه الذي كان يهديه الكتب, بيد ان القطيعة حالت بينهما فيما بعد. اذ بدأ هامر ينظر إلى نجاح تلميذه السابق بحسد وغيره ولم يدع فرصة تمر إلا وأشار بالنقد لاعمال روكيرت.

عاش روكيرت في السنوات التالية منطويا على نفسه كاستاذ يعطي محاضرات خصوصية في كوبورج Goburg بعيدا عن أسواق العلوم الشرقية لكنه استغل هذا الوقت لاستنساخ كل المؤلفات التي تقع في يده. ولم تبق مجرد صور طبق الأصل, انما اضاف اليها هوامشه وملاحظاته الخاصة.

ومن المؤسف حقا أن روكيرت كلما حصل على طبعة افضل,قام بالقاء حصيلة عمله اللغوي في سلة المهملات, بعد ان يذيلها بملاحظة "لم تعد لي حاجة بها".

وقد استهل روكيرت فى كوبورج بداية نشاطاته الترجمية،فما ان يقع في يده نص شعري عربيا كان أم فارسيا إلا وقام بصياغته في اللغة الألمانية. وفي هذه الفترة بالذات ترجم (مقامات الحريري).

وكان يربط روكيرت بجراف بلاتينGraf Platen الاهتمام المشترك بشعر حافظ, اذ جعل كلاهما من صيغة الغزل شيئا مألوفا في المانيا. وبالطبع لم يكن باستطاعة الشاعر مما يتقاضاه كمدرس خصوصي ومن عمله كمحرر لدار نشر "كتاب جيب المرأة" ان يعيل عائلته, لذا تقدم عام 1824 بطلب الى الجامعة للعمل كمستشرق رغم ان التفكير بعمله السابق في الجامعة يرعبه. وهكذا تم تعيين روكيرت عام 1826 كاستاذ لتدريس الاستشراق في جامعة ارلانجين, حيث كان يتقاضى مرتبا سنويا لا يزيد على 1100 جولدن اضافة الى المعونات العينية.

ومن الجدير بالاهتمام ان ارنست يونجر Ernst Junger قد اثنى على روكيرت ووصفه بأنه الاستاذ الكبير في استخدام الحروف الساكنة في الشعر الألماني وعزا ذلك إلى انشغال روكيرت بالاستشراق. كرس روكيرت العقدين الاخيرين من حياته بالدرجة الأولى لدراسة اللغات المقارنة دون اهمال الشعر والترجمة. آنذاك كان يحلم روكيرت بمقارنة نحو اللغات اللسامية التي حاول فيها ايضاح الطراز الاساسي لبناء اللغات السامية.

كان يأمل من دراسة مقارنة اللغات ان يتوصل إلى الاسس العلمية لنظريته حول اللغة باعتبارها صورة لتجليات التعبير عن الفكر العالمي – لكن الوقت عندئد لم يكن ناضجا لمثل هذه النظريات, وما ساعده في مشاريعه هذه موهبته اللغوية الخارقة التي كانت تؤهله لتعلم لغة جديدة في غضون 6 إلى 8 أسابيع,حيث كان يعيش في هذه الاثناء بالطبع في تلك اللغة وحدها.

"حينما تحدثت في الحلم من براهما

عن الأسرار باللغة السنسكريتية

بغتة توقفت عند هذه المعايير التي اضحت نقدية.. "

وعلى هذا المنوال وصف كما في شعره طريقته التي سماها "ترويض اللغات ". وقصة المبشر الذي يروم تعلم اللغة التاميلية الذي قصد روكيرت لهذا الغرض معروفة. فحين جاءه المبشر في تموز اجابه بانه حتى الان لا يعرف هذه اللغة ولكن يحسن به ان يرجع اليه في الفصل الدراسي الشتوي – وبالفعل استطاع روكيرت بمساعدة ترجمة قديمة للانجيل وكتاب قواعد اللغة التاميلية أن يعلم هذا القس اللغة التاميلية. ووصف روكيرت بتواضع تام نطاق دراساته الاساسية حين قال محاط بالكتب الاغريقية والألمانية وتلك التي تشمل الفارسية والسنسكريتية والتركية وكذلك العربية.

وينبغي أن يضاف الى ذلك العبرية والسريانية والارامية والقبطية والبربرية والالبانية والتوانية والفنلندية والامهرية والافغانية والفارسية القديمة والماليزية والارمينية واللغات الهندية الجنوبية، خاصة التاميلية وحيثما وفي تحت نظره نص شعري من أي طيف من هذه اللغات, قام بترجمته وحظى باهتمامه الكلي ليس من الزاوية الشعرية فحسب وإنما لاعتبارات فقهية لغوية.

أما على صعيد اللغة فقد تجاوز المستشرق والشاعر فردريش روكيرت في انجازاته كل المحاولات الاولى، إذ اطلع جوته بارتياح على أعماله الأولى وان كان مصحوبا بشىء من التحفظ: إذ ظهر تماهي المترجم العبقري مع ترجماته الشعرية عميقا للغاية. لقد اوجز روكيرت مرة اخرى المعرفة الكلية لقرن من فن الشعر الشرقي الذي استطاع بسهولة عجبية ترجمته الى شعر الماني, ولم يستطع اي من اخلافه الذين ترجموا الشعر الشرقي ان يحقق ما قدمه روكيرت من التزام رائع بشكل القصيدة ونبرتها وجرسها الصوتي وذلك الاسلوب غير القابل للتغيير لكل رائعة من روائع الفن الشرقي ولكل من الثقافتين الاسلامية والهندية. فكانت هذه ثمارا لا يمكن تجاهلها حتى اليوم ويكاد يستحيل تكرارها لهذا البروفيسور الفرانكي المتواضع الذي تستحق انجازاته كل التعريف والتكريم. وصف روكيرت الوضع الازدواجي الذي عاشه طيلة حياته قي رسالة الى احد اصدقائه الحميمين عام 1831:

 "انني اصبحت في الحقيقة الستشراقيا لاني كشاعر لا استطيع ان اعيل عائلتي "وبالطبع كانت صورة روكيرت كشاعر اكثر حيوية في الوعي الالماني منه كمستشرق على الأقل لدى أجيال السلف حيث لازالت بعض قصائده شائعة نحو "أغنية طفل عن طيور الصيف الخضراء" و"بارباروسا العجوز" و"عن الشجيرة التي رغبت بأوراق مختلفة" تعد من القصائد المغناة المعروفة. إذ لحن له الموسيقار شوبرت خمس قصائد (من بينها قصيدة"انت الدعة". كما كان روكيرت شاعر جوستاف مالر المفضل, ومن بين قصائده التي لحنها مالر "عند منتصف الليل " و"انا من اضاعني العالم " و"لا تتطلع إلى أثناء الغناء" و"استنشقت عطرا ناعما"(5) إن القليل من معجبيه, من يعرف أن مؤلف هذه القصائد قد قدم بشكل متزامن انجازات ترجمية من لغات شرقية ليس لها مايضاهيها لا زمنيا ولا مكانيا. فقد اعتبره دي ساكي de Sacyانه ثاني أعظم مستشرق أوروبي.

قام روكيرت عام 1826 بترجمة مقامات الحريري إلى الألمانية اعتمادا على الطبعة العربية التي اصدرها المستشرق الفرنسي المشهور دي ساكي, المتضمنة 660 صفحة باللغة العربية مع تقديم باللغة الفرنسية من 19 صفحة. يقول روكيرت في مقدمته للطبعة الأولى "استطعت بالذات هنا في وحدتي الحالية وانقطاعي عن كل أسواق العلوم الشرقية تأسيس هذا العمل الذي أقدمه لعالم القراء، على طبعة دي ساكي الوحيدة والتي تغني بالطبع عن غيرها. حينما واصلت العمل بجهود مضنية، كثيرا ما كان يغيب عن عيني الخيط الشعري للنص ضمن متاهات الهوامش اللغوية وملاحظات علماء اللغة النقدية، فكنت احاول محاكاة المقامات المنفردة شعرا في اللغة الألمانية، حين تبدو لي أنها أكثر ملاءمة للترجمة. مع عدم اغفال الصيغة الغريبة علينا تماما وفي ذات الوقت كبت كل التفاصيل التي تعوق عملية الترجمة".

"عملي هذا يطرح نفسه ليس كترجمة، وإنما كمحاكاة للنص.

ووفقا للمبادىء التي ترجمت في ضوئها أعمال هوميروس وشكسبير، وأن كان يكاد لايمكن تطبيقها على شاعر عربي, كما يتضح هنا الآن. يتضمن هذا تقاربا وثيقا واستلهاما ذاتيا لوسط ثقافي غريب يفرض علينا تمجيد الشرق  يحدوني الأمل في أن الوقت سيكون ناضجا لاستيعاب الأعمال الأبداعية الشرقية الضخمة وتقديمها في ترجمات أمينة يمكن استيعابها في لغاتنا القابلة لكل اغناء واتساع "(6) قدم روكيرت أول محاضرة عامة في ايرلانجن عن علم العروض العربي والشعر العربي الكلاسيكي متخذا نماذج من ديوان الحماسة لابي تمام. ويعود روكيرت مرة أخرى الى "الحماسة" فيترجم منتخبات من شعر امرىء القيس عام 1843 في برلين. ويبقى ديوان الحماسة قي مذود روكيرت ليقدم عام 1846 انطولوجيا الشعر العربي الكلاسيكي التي شملت مختارات من المتنبي وتأبط شرا والشنفري وعنترة وغيرهم.

الهوامش:

(1) انظر Orientaliache Dichtung in ubersetzung

Friedrich Ruckert Annemarie

(2), (3), (4) ألمصدر السابق

(5) klaus M.Rarisch Ein unterschatzter deutscher Lyriker Ruckert

(6)al- Hariri Die Verwandlungen des Abu Seid von Serug Reclam

علي الجبوري (كاتب عراقي مقيم في كولونيا- المانيا)

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …