أخبار عاجلة

ريجيس دوبري: العالم الجديد ليس عالمي لا نغير العالم أبداً اذا لم ننشغل بمعرفته السياسة أصبحت فرعاً مستقلاً من فروع «عرض البيزنس» اليزابيث ليفي وكريستوف أونو- ديت – بيو

«كيف ترون الى لينين الذي يشعر بصورة طيبة؟». بخبث في نظرته، وضع ريجيس دوبريه على المدفأة نصف دزينة من الشموع، من كافة الأحجام ومن كافة الألوان، محققا على الوجه الأكمل تمثالا نصفيا لثائر روسي. خصلة شعر تنبثق من جمجمته الملساء. رائحة شمع يذوب. ماذا تبقى من الأوثان؟ ما قيمة الأوثان التي خلقها العالم الجديد؟ طالب دار المعلمين رفيق شي (جيفارا)، المستشار السابق لميتران، أجاب بطريقته في كتابه الجديد «تحريرات» (دار جاليمار، نهاية عام 2010)، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات التي صدرت عن «ميديوم»، مجلة– ساميزدات (مطبوعة ذات توزيع محدود) عن الميديالوجيا، هذا العلم الذي أسسه دوبري .
شافيا من فيروس السياسة، لا يعتبر دوبريه رسولا ولا ملعونا… عن العالم الذي يأتي، يفضل أن يلهو عن أن يسخط. 
مقالاته القصيرة، المنيرة، ذات الاحتراق السريع، تتصفح العصر، كزوارق مسلحة بالدعابة، الأدب، الفضول وفاتحة لشهية الأحياء. سراديب اللوفر في السلسلة التلفازية «طوارئ»، معسكرات بورميه – تايلاندية للنساء طوال القامة الى «فاكتوري (آندي) وارهول», نعرف أن بول فاليري تنبأ بابن لادن، أن مالرو (آندريه) كان مضادا للايكولوجية، وأن، في عصر صراع الوثنية الذاتية، يتأتى المبدأ الديكارتي معكوسا ويصبح «أنا موجود، اذا أنا أفكر».
تحققت الصيغ، والعقل يطقطق: كاتب في عمل يدوي، وهو، لا يشم رائحة الشمع.
ألف ريجيس دوبريه حوالي أربعين كتاباً في الفكر والسياسة والأدب والفلسفة من بينها: «الثورة في الثورة» و«السلطة الفكرية في فرنسا» و«نقد العقل السياسي» و «حياة الصورة وموتها» و «من أجل الفن» و «الدولة الجذابة», ومن أشهر رواياته: «غير المرغوب به» .
 نتوقع أن نرى أسفل بنايتك يافطة تحمل صيغة «ريجيس دوبريه، ميديولوجي» . ما هي الميديالوجيا؟
– الاثارة الميديالوجية بسيطة: الاتجاهات قبل القيم. والعكس هرجة.
 المال قيمة، وهو نفسه، أصبح معيار كل شيء، وطبقات العقل تخلت عن مكانها لطبقات الشهرة: مع قراءتك، نقول في أنفسنا أن كل شيء تلاشى. غير أنك تنكر كل ماضوية. شيء متناقض الى حد ما، أليس كذلك؟
– الاكتساح بواسطة الصورة والمال، بحيث أن « عرض البيزنس « المعمم، من الممكن أن يصف أو يبكي. أفضل الابتسامة الجانبية. لا أصف أي شيء، أصف فضولي. ألاحظ فقط أن العالم الجديد لم يعد عالمي. بدون أن أعمل على ضبطه، أختبر بطيبة خاطر متابعة المسرحية ذات المائة فصل مختلفة. الدعابة، أدب اليأس، هل تعرفونهما؟
 أرح نفسك ! الحقيقة، أن الكتاب ديناصور. وأنت تعرف كيف ينتهي هذا الشأن…
– بالتأكيد. فقد الكتاب هالته، ودخل الكتاب الى منطقة الظل، بدون الارتكان الى عاطفة جمعية. أن تكون موجودا، في الوقت الحالي، أي أن تكون مرئيا. إنها آلة التصوير التي تمنح الرؤية الاجتماعية، وبعد نحن في موقع طيب بالنسبة للتأثير، وحتى بالنسبة للوظيفة. أصبح نسق ابداع – نشر – وسائط اعلامية آلية تهنئة ذاتية تعمل في دائرة مغلقة. بالنسبة الى ممثلينا، رياضيينا، مغنينا، مذيعينا، لديهم الشرعية. حينما يقف ساركوزي الى جانب رفيق دراسته جوني، المدير، يهيمن جوني على الصورة. يضع يده بلا مبالاة على كتف ساركوزي (الرئيس الفرنسي السابق). أصبحت السياسة فرعا مستقلا من فروع «عرض البيزنس». مثل الفلسفة، أو ما يجرى بالنسبة لأي شيء، وكرة القدم. شبيهان في النقائض علانية ويختلفان في الخصوصيات. وقت سئ بالنسبة للكلمات. «في داهية، أيها الخنزير البائس !» (1). من يحب تذوق الكلمات بدلا من أم يزدرد الاعلام سوف يحيا، بعيدا عن «أفضل المبيعات»، خارج المنافسة، في جزر نائية أو صوامع، ربما في مدارس كبيرة اذا لم تختف مع الوقت. بيد أن آل فولتير أو آل فيكتور هوجو، في الغرب ما بعد الصناعي، مذمومون تقنيا. لم يعد المثقف الكلاسيكي من الناحية الوظيفية حاضرا.
 ما هو تعريفه؟
– على خلاف العالم والفنان، لدى المثقف مشروع مؤثر. يكون رأيه الخاص حول مجرى الأشياء جماهيريا، يعمل على التحكم في العقول. في هذا الشأن، انه الوريث الدنيوي للمبشر. اليوم، من المؤلم أن ثمن التأثير الاجتماعي أصبح باهظا. من الضروري التجوال بالشعارات، ودوما بالمعنى الجماهيري. وأيضا نرى عودة الأديب والباحث بالمعنى اللا سياسي للكلمة.
 أنت لا سياسي، شيء جديد…
– ليس لدي أي مشروع تأثير أو انعكاس حول مجرى الأشياء. ايجاد الزاوية الصحيحة يكفيني. اليوم، يمتلك الكاتب المدفوع ذاتيا (Autopropulse) طريقتين للتدخل في الشؤون العامة: اما أن يغضب أو أن يتمنى. الفلاسفة ينتجون من سخط الايقاع اليومي، مشيرين الى البورجوازي الطيب شرير النهار – التوتاليتاري، الفاشستسي، الخ. أفضل النوع الواعد، الذي يثبت لنا نقطة النهاية لبلوغها. انهم أقل سوقية وأكثر الحاحا، بيد أنني لست كذلك. لا أملك أي حل في «جيبي».
 ربما أنك أعددت حداد ما أسميته «الاخفاقات المؤثرة الثلاثة»، بمعنى السياسة، التقدم والتاريخ، وبوضوح، الماركسية. ولكن، بالحكم حسبما نجاح باديو (آلان)، هذه ليست حالة جميع العالم.
– في عام 1844، فكر ماركس بأنه من اللازم الكف عن تفسير العالم لتغييره. في 2010، تتجه الماركسية الى الطريق المقابل. ترتقي فوق الارتفاعات الفلسفية كي تتنفس الهواء النقي للمفهوم. تظل الميديالوجيا وفية الى ماركس الكبير بما أنها تنشغل بوسائط ادراج الفكرة في الواقع، طرق ووسائط التجسد الملموس. لا نغير العالم أبدا اذا لم ننشغل بمعرفته، اذا لم نمزجه بالديموغرافيا، الجيوغرافيا والتقنية. صديقي المقرب باديو أفلاطوني، رياضي. أنا, أحاذي زهر الربيع. أكثر تواضعا. لا أعتقد كثيرا بالشموليات الجميلة، أتحقق في التفصيلات، الشذرات، الوميض. لذا أشعر بمدى قربي من فالتر بنيامين. 
 لا يتمثل دور المثقف، حسب هذا الوصف، في انتاج المعقولية، في تعرية الملهاة، كما قال بلزاك؟
– أظن أنني أنجزت عملي لما أنرت مناطق الظل، كما الدين، المرتبطة بحقول، تفترض أدوات فهم، على وجه العموم لكي نفسر لماذا هذا لا يعمل ولماذا لن يعمل بصورة طيبة في الغد. بيد أنني لا أستدعي أحدا الى التغير. بين البرج العاجي وسباق السرعة خلف الراهن، أتمنى أن أجد طريقا ثالثا، أطلق عليه التحرر أو نظرة غير مباشرة. لست مصابا بالفيروس السياسي، غير أنني أحفظ نزعة الجمعي: أحب الشريط السينمائي، المجلة، التواطؤ، الفدائي. علامة اليسار. لا تستعاد ثانية.
 اسمح لنا أن ألح عليك: تهكمي أو حنيني؟ لاحظت أننا مررنا من عصر مدرسة المعلمين العليا الى عصر المدرسة الوطنية للادارة. في الحقيقة، ولجنا المدرسة العليا للتجارة، أو بالحري «هارفارد بيزنس سكول». ليس هناك مجال للفرح…
– نهاية عالم ليس نهاية العالم. نفقد شيئا من المعرفة العميقة، ونكتسب كثيرا منها. اختفى اللاتيني–الاغريقي بينما أن الانمساخ (Avatar) تحقق. خرافة رائعة، تلك التي تقول الضروري من اللحظة: ادانة العجرفة التقنية، حلم ناعم، انصهار مع الطبيعة، العودة الى الأصول، كل شيء. بالمرور، يتضح أن الامبراطورية الأمريكية لها أيام جميلة قبالتها، تتمكن من تحقيق رواية كوكبية، قادرة على لمس كافة أجيال كافة الدول، ومن ضمنها الصين. الكاميرون(2) تكلم عن العالم مستغلا تقنية ثلاثية الأبعاد مثلما فعلها فيكتور هوجو مع «البؤساء».
 لماذا اهتم أبناء التكتلات السكانية الحديثة – الذين لا يعرفون شيئا عن الشمانية(3)، وفي أحيائهم اختفى أي أثر لشجرة – بفيلم «انمساخ»؟
– سؤال متوازن: كلما قمت بالتحديث يدويا، كلما احتجت الى الأنساق القديمة ذهنيا. وعلى هاتين القوتين تتموضع الموجة الايكولوجية الكبيرة. في «وادي السليكون» يزيد الشمانيون. تقليد القديم، هو ما يقبع خلفنا، ولكنه أمامنا.
 حسبما ألفاظك، «تقليد القديم» ليس دائما محقرا. البحث عن الأصول، قمت به أيضا في هذه الثورة التي طالما أحببتها…
– ثورة، أنها بعث الأجساد. أراد لينين أن يحقق شيئا أفضل من الكومونة، الكومونيون مثل أبناء الثمانية وأربعين، انتفاضة عام 1848 (كومونة باريس) تقلد ثورة عام 1789 (الثورة الفرنسية)، سان–جوست يزاحم شباتر، نائب القائد ماركوس يحلم بزاباتا. المحررون بكل حنين، فرحون بالحاضر ولا يحلمون إلا بالتحديث، محافظون. الثوريون، هم من يمتلكون الحظ لأنهم لا يشاركون في الأمر والزمن ليس زمنهم.
 احتفظت بشيء من الحنين الذي لم يتبدل بعد تجاه هذه العشيقة العجوز…
– عصر الثورات، حسبما لينين أو روبسبيير، ولى زمنه. لا أعرف ان كان الأمر طيبا بالنسبة للانسانية، وهي ليست واحدة لدى الفلاسفة، وبما أن هناك ثورة، فأن في جوهرها انتصار فكرة الفعل. كما قال أحد ثوري ثورة 1789، الثورة ليست علامتنا. هناك ميثاق ألفي سنة بين الفلاسفة وفكرة الثورة، للتمييز بين الثورة أو الهياج الشعبي. الثورة استدلالية، الهياج الشعبي عميق. ولذا ينتهي شأن الثوار سيئا تحت الثورات.
 ولكن التاريخ يثأر، والجغرافيا أيضا. هل تعتقد أن الماركسية العالمية أخفقت في التجسد داخل الوقائع والتواريخ المحلية والقومية. «حرب عصابات شي (جيفارا) أخفقت لأنها لم تكن قبل كولومبية(4)»، كما كتبت… 
– الراديكالي في بوليفيا، هو أصل الانكا، آيمارا أو كويشوا. بالنسبة للتقديميين الطيبين، الانغراس في فترات طويلة ليس مشكلتنا. كانت العودة الأهلية الكبرى التي انتسبنا إليها عبر فرد مثل ايفو موراليس ثأر الذاكرة على الطاولة المستديرة للمستقبلية الغربية. كانت كافة الثورات الاشتراكية قومية. بدأ ماو بالنضال ضد اليابان. لماذا طالبان قوية؟ لأن بلادهم محتلة من غرباء. لا نربح أبدا ضد الحضارة.
 الشيوعية، انتهت ! هكذا صرحت في عام 1984. المسألة التي بقيت، الاسلام. ونحن فيه.
– وقتذاك، لم يكن مسموعا. وكنت ذكرت أن التشدد لن يأتي من الريف، وإنما من المدينة، من خلال انحراف العلوم والتقنية. مع كل تقدم، هناك تأخر. حينما تفقدان شخصيتكما بالأرقام والآلات، تجدا علاماتكما بالنظر الى أجدادكما. الشيء الوحيد الذي لم يحطمه الغرب في الشرق، الاسلام – انظرا الى الجزائر، العراق، أفغانستان. الشيء الذي لا يستطيع المستعمر أن يستولي عليه، طريقة الأكل، الملبس، اللغة، الروزنامة، النواة الصلبة. انه حاجز هوية.
 يتبقى أننا بعيدون عن غرب فوكوياما المنتصر.
– نعم الأمر ! في 2025، المنتج المحلي الخام للصين سيتجاوز منتج الولايات المتحدة الامريكية الخام، والباقي لا يذكر. تتمثل المشكلة في تلاشي أوروبا كبديل. أنظرا الى «الأوبامانيا» في أقاليمنا. جعل مواطن أمريكي أوروبيا طيبا يكشف عن فقدان غير مسبق للمعنى التاريخي. والجغرافي أيضا. نعشق بطيش. يقال أن تحقيق أوروبا كعجوز لا يعد الأمر سوى زهرة زرقاء. تنظر الى العم الامريكي كأمير جذاب، فيما ينظر هو الى هناك، حيث تمضي الأشياء: آسيا والباسيفيك. 
 تقول أن الفصل يمين/ يسار لم يعد له أي معنى. أنت منجذب بين مؤثراتك الأولى ووضوحك؟
– يظل الفصل موجودا، غير أنه سوسيولوجي أو فولكلوري، بالمعنى الحقيقي للكلمة. بالنسبة للأفكار والقيم، ستعرفون . منذ 1789 الى 1968 (ثورة مايو الطلابية)، عشنا التاريخ كما الهوى، في الرومانسية السياسية. ها قد عدنا الى الطبيعة والى المخاوف الماضوية الكبرى. سيعاني اليسار من العيش تحت هذا الاعتقاد بالحركة السياسية كتتمة سامية. ماذا سيكون عليه مدير صندوق النقد الدولي (السابق)، في مقره بنيويورك، عندما يصبح نجم اليسار الفرنسي؟ قبل عشرين عاما، نعرف الرجل المنتمي الى اليمين من ربطة عنقه، عروة قميصه وحلاقة شعره الدقيقة. اليوم, «الكاجوال وير» وذقن الثلاثة أيام زي موحد. كيف تستطيعان تصنيفي كمحافظ يساري، مناضل عالم ثالثي عجوز، وحتى ديجولي من اليسار المتطرف. لا يهمني.
 هل من اللازم أن نستنتج، كما فرانسوا هولاند، أنك لا تحب الأثرياء؟ هل أنت بصدد وصف أعداء الشعب الجدد؟
– في بادئ الأمر، لم أستعمل البتة هذه المفردة. ثم، كتابي يتكلم عن شيء آخر: التصوير، الموسيقى، السينما. مارسيل بروست وكين لوتش. بالنسبة للباقي، نعم، حساسيتي تقف الى جانب الغرباء، الضعفاء، المحتلين، أهالي هاييتي، الفلسطينيين، اللاتينوس. حتى وان عرفت مقدرة المضطهدين الى أن يتحولوا الى مضطهدين. المساجين القدماء سجانون ممتازون. وهذه ليست حجة لكي نتركهم يتعفنون.
 في الانتظار، ترى الى أن اليسار ممل حينما يكون كل شيء صادما، مختل، قادم من اليمين. بالكلام عن ليريس، كتبت: «فضيلته تلتصق بالجلد».
– شلل اليسار، في مجال الفن، هو الأخلاق. الأنا المثالي مبدع الى حد قليل. يستلزم اليمين شيئا من النزعة الكلبية حتى يتصرف بحرية. تتملكني اللذة عندما أقرأ يوميات موران، البذيئة سياسيا، مثل يوميات ليريس، التي لا تشوبها شائبة أخلاقية.
 تخيل أننا لسنا مبعوثي مجلة «لو بوان»، وانما مراهقون معجبون بك قدما لتمدهما بنصيحة…
– لا أملك فتاحة عالمية، وانما سأقول لهما ما قلته. لأجل الحفاظ على قدرتكما لكما وحدكما، حققا التاريخ، أخرجا من حدودكما واقرءا الكتب: كلما سيطرتما على الكلمات، سوف تتمتعان بالصور.
الهوامش
j   Entretien avec Regis Debray , Le monde nouveau n est pas le mien , In: Le point , Nr 1955 .
(1) جملة قالها ساركوزي، رئيس فرنسا، لما رفض أحد الشباب مصافحته، في ستراسبورج بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في عام 2006 . (المترجم) 
(2) جيمس كاميرون، مخرج فيلم «انمساخ» Avatar . (المترجم).
(3) الشمانية، عبادة الطبيعة والقوى الخفية في آسيا الوسطى. (المترجم)
(4) أي ما قبل كريستوفر كولومبس (1451– 1506). (المترجم) 

ترجمة: أحمد عثمان
كاتب ومترجم من مصر
 

 

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …