أخبار عاجلة

ريجيم

  قررت أن أصبح خفيفا.

   كنت قد هيأت للأمر جيدا واخترت له التوقيت السليم: إجازتي السنوية. قبل أي شيء توجب عليّ التخلص من الزمن. رفعت الساعة من أذنيها وتركتها تغطس في كيس الفضلات.  رن الهاتف، فاجتنيتها فرصة لاختبار وزني، تناولت السماعة وهمهمت فيها ثم أفسحت الكلام للمتصل، بينما أرخيت سمعي لأصوات أخرى. تلاشى صراخه في الأثير ولم أشعر بأي تأنيب عندما قطع الخط، فأيقنت بنجاح التجربة وبأنني في طريقي لأكون خفيفا.

   قللت من الكلام، أسقطت معظم الشتائم من قاموسي وأبقيت على المريح منها: البصاق، إشهار الإصبع الوسطى وقليل من الشتائم الخفيفة على اللسان. مسحت الكثير من الكلمات واختصرت حروف بعضها: «نم» بدل نعم. إيماءة رأسية بدل لا، وللتطبيق، اتصل أحدهم ليدعوني إلى العشاء، امتنعت بإيماءة من رأسي، وعندما أعاد طلبه، قلت: «نم»، في المساء كنت معه. قللت أيضا من حركاتي. في البانيو، أخذت أتجاهل سحب الليفة من الرف، أو أنني أهملها لو سقطت من يدي لأطأها وأنا خارج من الحمام. لم أطفئ التلفاز ولم أمد يدي إلى «الريموت»، ومع الوقت، سلمت بالمشاهدة بلا صوت. أدفع للبقال أو سائق الأجرة ولا أنتظر الباقي. مرة تركت الثلاجة مفتوحة وخرجت من البيت دون إغلاق الباب… فعلت ذلك أكثر من مرة، فالمسألة بحاجة إلى التدريب.. والتضحية.

    تذمر جاري الثرثار من صمتي وأوصد دونه الباب، أما زوجتي فقررت البقاء في بيت أهلها للأبد. تسير الأمور إذن سيرها الصحيح.

  ما أن تصل قدمي نقطة العبور في الشارع حتى يشع الرجل الأخضر في الإشارات الضوئية مفسحا لي الطريق، حدث ذلك مرارا منذ بدأت الريجيم.

   انقضى نصف الإجازة وإصراري يتفاقم، حدث أن تبعت خطواتي كلبا حتى أوصلني إلى مكب القمامة في أطراف المدينة، لم يكن لدي ما أفعله، فبقيت هناك إلى أن أعادني كلب آخر. انقلب الكرسي فجلست عليه مقلوبا، لم أبدل اللمبات المعطوبة، مساء أشاهد ما يعرضه التلفاز الصامت حتى تنطفئ عيني.

   في العمل أخبروني عن إزاحة المدير وإحلالي مكانه، كنت أعرف بأن ذلك سيحدث وأنا جاهز. جلست على الكرسي الجديد، عبرت الأوراق أمامي وخرجت، دخل الموظفون الصغار وخرجوا، جاءت القهوة والعصائر والفطائر وخرجت في حمام المكتب، سمعت عبارات الإطراء والخوف والتفهم لمنصبي الجديد… وحالتي الجديدة. دخل الكلام من أذن وخرج من الأذن الأخرى، أدخل أنا وأخرج متى شئت، يأخذني السائق إلى منزلي الجديد دون أن يوقفه شيء. البواب يفتح الباب ويغلقه، الطباخ يفتح الثلاجة ويقفلها، فواتير الماء والكهرباء والهاتف مدفوعة سلفا، لا يهم لو تحدثت أو لم أتحدث، لو رفعت السماعة أو لم أفعل، لو مشيت خلف الكلاب أو حلقت مع الطيور، لو وقفت أو جلست، لا يهم فالكرسي ثقيل لا ينقلب، حتما تسير الأمور سيرها الصحيح.
 أحمد محمد الرحبي   قاص من عمان

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …