زاهر الغافري حياة واحدة.. سلالم كثيرة

ستجد نفسك ضمن يوميات رجل مُسافر، لا يفعل الكثير، غير أنّه غارقٌ في تأمل الأشياء قليلة الحدوث في شتاء طويل وغابات ثلجية. يوميات هادئة، إلا أنّ الشاعر زاهر الغافري في كتابه “حياة واحدة سلالم كثيرة” والصادر عن دار مسعى، قادرٌ على إحداث حرارة خاصة وحيوية تضج بالانفعالات، كذلك الأعمى الذي يمر مع كلبه “وهو يلوحُ للريح أن تأتي”.
هكذا يُقدم الغافري دعوة لدخول حياته الواحدة لارتقاء سلالمها. إنّها قصصُ الرجل الشقي الذي ينصحُ دائما بضرورة عدم النظر إلى فوق، وإنّما إلى موضع الخطوات، ليس انكسارا كما يبدو ولا خيبة، ولكن لأنّ الحياة هي بالمحصلة واحدة، والسلالم كثيرة، ولذا ينبغي لهذه الحياة أن تُمارسُ بدرجة ما من التركيز.
يمكن لهذه الحياة أن تبدأ من هنا: “خارجا بقوة والحبل السري يُطوقني/ كقلادة خضراء/ وأنا أرفس مثل ضفدعة/ في ميتم الأحباش”، ولقد اكتشف الغافري أنّ رحلة الحياة هي دائما ما تكون طواف حول المركز، بينما الرغبة هي المُفتاح الذي يضيعُ منه دائما، ولكن حينما يعثرُ عليه يلمعُ من جديد، وهو يتساءل، “إن كان هذا هو الأمل”؟
وعلينا أن لا نتفاجأ وهو يُؤكد على ضرورة التجاهل. فلكي ينجو الرجل من شقائه عليه أن يتبع النصيحة: ” لا تلتفت إلى الخلف ودع الأزهار تذبل في مكانها/ إنّه ليس موسم الأمطار”، فحياة كاملة يمكن أن تُقاس بإشارة واحدة من زهرة الحقل.
مُغرمٌ الغافري بالنفي، نفي معرفة القراء لأشياءٍ بعينها، وربما يفعلُ الغافري ذلك لخلق أسرارٍ صغيرة وناعمة بينه وبين القراء، أو ليُحرض الفضول لديهم بصورة مُستمرة، كما يحرضُ على التواطؤ كلّما تقدموا في قراءة نصوصه، “ليست مالمو امرأة” ، “ليست مالمو بابا”، “لن تعرف ما الذي يحدث في موليفونغ توري”، “لن تبقى طويلا في حديقة شيزبري”، “لن تدوم اللحظة المستعارة من الغابة”. “لن تصنعي بهذا حياة ولا موتا”، “لن أغادر السرير/ لن أفتح الباب/ غرفتي مليئة بالعواصف”. وسيكون لهاثُ القارئ حاضرا لتعليل النفي في كل قصيدة، لكن هذا النفي المُستمر والعنيد سيتبدد تباعا كلّما مضينا في حقله، سيغدو مُواربا في البداية، ثم ما يلبث أن يختفي خلف التفاصيل العديدة.
إنّه لا يُحرك الفضول بالنفي وحسب، وإنّما بأساليب أخرى كأن تبدأ القصيدة بمفاجأة من قبيل: “سيوقفك البائع والطبّال/ على أعتاب البيوت وأنت نائم/ وكأنهما في انتظارك”. أو كأن يقول: “وأنا أجوس المداخل والأبواب أسمعُ نأمة/ حركة مأهولة…”
فهو يغلفُ الأشياء الواضحة بشيء من الغموض والسرية لأسباب لا يعرفها سواه. “لأنّ الشيء واضحٌ كفاية/ لكنه سرّيٌ للغاية/ واضحٌ وسري لأن الحافة قريبة جدا إليك”، الأمر لا يخلو من نظرة فلسفية للأشياء، كما لا يخلو من تأمل خلاب، “هذا هو المصير/ نبعٌ تمرّ أمامه ولا تراه/ لكنك تسمعه بعينيك”، حيث يرسمُ الغافري عبر اللغة صورا مُخاتلة ومجنونة لا يمكنك تجاوزها بسهولة، لأنّها تدعوك غالبا لتأمل دلالاتها، “النغمة بالكاد تحملُ جسدا ميتا”، “ها هو الأفق المحزون/ نائمٌ كوجه الراهبة”، “مزجنا دم العصفور بلعاب البحر”.
مولعٌ الغافري بمفردة “نغمة”، والتي تأتي كثيرا في نصوصه. بطريقة أو بأخرى نجدها بكل الديوان، “هناك بالفطرة نغمة فوق الجبال/ المياه.. المياه”، “كانت النغمة شاردة لكنها حية/ بين الكهوف والأنقاض”، “وهم يتمايلون على أنغام عيد الميلاد/ أشباحٌ يتقافزون فوق العشب”، “ويعزف الثلجُ نغمته الأخيرة/ فوق سلالم المنتحرين”. إنّه يشير لإيقاعٍ ما يُحرك الراكد في ماء الحياة الواحدة، عبر سلالم الموسيقى التي يبعثها الكون في تفاصيل عديدة.
نلحظ أيضا الطبيعة التي تظهرُ بين العبارات، ليست بيئة المكان العُماني على أي حال، إنّها طبيعة مُستوحاة من السفر الطويل، فهنالك دائما ذِكرٌ لغابة وبحيرات وحقول شاسعة وذاك الرجل الذي يقتفي أثر الينابيع، “هذه الأرض رطبة والهواء يتعذب في الرئتين”. تحضر السويد بقوة منذ النص الأول والمعنون بـ “مالمو”، وينتهي الأمر إلى أدق التفاصيل المبتدئة من الريح الثلجية إلى الغابة التي يسكنها الأقزام، وحديقة شيزبري الواقعة في مالمو، أو حانة سكوير سايد، ويذكرُ أيضا موليفونغ توري، ليُذكرنا بحصان طراودة الذي اختبأ الجنود بداخله وتسللوا ليلا لفتح أبواب المدينة المنيعة. المدينة التي لم يكن بالإمكان إسقاطها لولا خدعة، فهذه الإشارة لا تبدو مجانية، إنّه يرغب بالحديث عن: “حصان تطلع من حدوته اليُمنى/ شرارة ذهبية”، وهنالك إشارات كثيرة يتركها الغافري ليفندها القارئ في مساحة تأويل تخصه كما هو الحال عندما يقول: “لقد كان فيما مضى من حياته طباخا في قارب نوح”، أو عندما قال: “وأن تسمعي وأنتِ واقفة فوق الجسر صرخة ادوارد مونك”، إشارة إلى لوحة “الصرخة” للرسام النرويجي إدوارد مونك، وهي واحدة من أيقونات الحداثة.
ولا يقترح الغافري أجوبة إلا بقدر ما يثيرُ الأسئلة والفضول لخلق تصورات حول الأشياء، فهنالك على سبيل المثال شيءٌ ما في “ديري”، وعلينا أن نتكهن ما عساه يكون حتى وإن انتهى الغافري لأن يقول: “ثمة سحابة من الظل تلوح لي”.
دائما ما تكون لديه أسئلة تدور حول امرأة يُخاطبها أو رجل يخاطبه، “ماذا يفعل الرجل الوحيد في الطريق”. “أريد أن أرى الغبار في صدركِ /حين تتنفسين/ لأخرج إلى العالم”، من جهة أخرى فهو يؤكد على الوحدة، ويُعززها بصورة الأب الميت في السرير، وبالمرأة التي تُسمع كلماتها في خشب الأيام .
ورغم كل ما يختبئ بين السطور، لا يخبو نجم التفاؤل لدى الغافري: “ذات يوم وأنت تشم زهرة الكآبة/ كآخر يتيم على وجه الأرض/ ستكتشف الحرية فوق راحة اليد/ أمام مرآى العالم أيها الصديق”.


كتبت: هـ . ح

شاهد أيضاً

الأمـاكـن .. فــي الشـعر والروايــة

تثير الأماكن توهجا عاطفيا في النفوس بقدر يتفاوت على حسب ما تحمله من ارتباط أو …