أخبار عاجلة

زكريا أماتايا قصائد من الشعر التايلندي المعاصـر

 

الصدفة، اسمٌ آخر للرغبة الخفية، قادت خطواتي نحو مكتبة موبي بوك، على وزن موبي ديك، في مركز بانكوك الثقافي لأسأل عن شعرٍ تايلندي معاصر، دقائق قبلها كنت أقرأ أسماء الفائزين بجائزة الكتاب الآسيويين ووقفت أمام اسمه طويلاً، أكثر من الآخرين، شاعر تايلندي من الجنوب فاز في العام 2010 بجائزة كتاب شرق آسيا، ملامحه الهادئة لكن المختلفة، لحيته التي يطلقها خارج النمط الحديث، ومقطع صغير من شعره، وديوانه الفائز (لا نساء في القصيدة)..
تركتني فتاة المكتبة لدقائق، تفرست فيها في المكتبة الصغيرة، والأنيقة، بكتابات تمجد القراءة مقتبسة من أشهر كتاب العالم ومكتوبة بالأسود على قماشة بيضاء ممتدة على طول السقف، شدتني الكتب بالأغلفة الجميلة، المبتكرة للكتب التايلندية، كانت هناك روحٌ قوية في المكان نفسه، ولاحقاً سأعرف أن المكان يملكه الكاتب والقاص برابدا يوون وهو الفائز أيضاً بجائزة كتاب شرق آسيا لعام 2002.
عادت البائعة بنفس الكنز (لا نساء في القصيدة) لزكريا أماتايا مجموعة صغيرة أنيقة، كنت فرحاً بالكتاب، فرحاً بالفكرة نفسها، وبالعثور غير المتوقع، على تلك النافذة التايلندية داخل مجموعة شعرية، لاحقاً بعد القراءة سأكتشف أن تلك النافذة التايلندية مشرعة على الوجود بأكمله. لا العالم فحسب.
عرضت المجموعة على رفيق رحلتي الشاعر محمد الحارثي الذي أعجب بالمجموعة، وشدته روح الكاتب، واقترح عليّ أن نتواصل مع الشاعر، وهو ما كان، بحث صغير على الانترنت، وجدت عنوانه وبعثت اليه برسالة وجاء رده، وحددنا موعداً للقاء ثلاثتنا بمقهى مركز بانكوك الثقافي.
زكريا أماتايا في الثلاثينات شاعر تايلندي مسلم، من باشو في الجنوب التايلندي، ورغم أنه من مواليد منطقة شديدة الاضطراب سالت فيها دماء كثيرة، لكنهُ طائرٌ فريد بأجنحته الشعرية يحلق فوق الحدود، بغناء مميز، شعريته لا تنقصها لا الثقافة ولا الاطلاع على التجارب الشعرية العالمية، يزرع قصائده في هواء الزمن بحنكة مجرب محترف.
سافر للهند ليتعلم العربية وليكون معلماً، ما يعني داعيةً وواعظاً، لكنهُ تجاوز ذلك القدر المرسوم في ثقافة بيئته المحلية، نحو قدرٍ عالمي أوسع، وأكثر فنية وجمالاً ليصبح شاعراً، وهو ما تتوج بفوز مجموعته الأولى بأكبر جائزة أدبية مرموقة على مستوى شرق آسيا. والذي اتضح لنا أن عنوانها الأصلي هو (لا عوانس في القصيدة) لكن المترجم للانجليزية اختار ترجمته لـ (لا نساء في القصيدة)
وحتى لو لم تفز المجموعة الشعرية فإن الحيوية التي تعيشها قصائده، استطاعت أن تصلني وأنا أقرأ، ولست بالضليع في الانجليزية، استطعت أن ألامس قوة الروح التي تسكن شعره وتتجاوز حدود اللغات منيرة بقوة وجمالٍ آسر، جذاب وسحري، نهرٌ سريّ في قصائده، جعلني أسأله بينما نحن ندخن خارج المركز، بعد فنجان قهوة، هل عرفت سرّ الروح؟!! ليجيبني: لا ليس بعد!
التقيت بزكريا مرتين خلال إقامتي القصيرة ببانكوك، وفي المرتين كان برفقتنا الشاعر محمد الحارثي، وفي المرة الثانية اقترح علينا زكريا أن نترجم معاً للعربية قصيدته (حكاية) من مجموعته الجديدة التي صدرت حديثاً (لكن داخلنا عميق كالبحر) وذلك ما كان، اذ بقينا نتداول الكلمات بأكثر من ثلاث لغات ورموز وشعراء لنضعها في ترجمتها العربية، بالتايلندية التي كتبت بها، وباللغة المحلية التي ولد بها الشاعر، وباللغة الانجليزية التي نحاول التواصل بها، وبلغتنا العربية التي نتكلم نحن بها، وبالعربية التي تعلمها هو في الهند، وبالعربية التي تعلمناها نحن، في مزيج لغوي يحاول أن يوصل قنواته كي تصل طائرة الكلمة الشعرية بسلام إلى مطارها المنتظر.
مع غروب شمس ذلك اليوم، اقتادنا زكريا للمشاركة في إحياء ذكرى شاب بريء قتل برصاص القناصة في مواجهات بانكوك 2011، وكانت قد التحقت بنا الرحالة زينة الحارثية قريبة محمد، وكانت لحظة ساحرة: شموع على قارعة الطريق، وميكرفون مرتجل، وعدة مشاركين، وجمهور صغير، عرّفنا زكريا على أب الفقيد، ورحب بنا الجمع اللطيف في الميكرفون، وكان على زكريا أن يلقي قصيدة وطلب مني زكريا أن ألقي الترجمة بالعربية، فيما هو سيلقيها بالتايلندية، كان ذلك تشريفاً حقيقياً حاولت أن لا أخذله، العربية تصدح في ميكرفون مرتجل على قارعة طريق رئيسي في مدينة بانكوك، المدينة التي تعلن اللافتات اسمها الفرعي: مدينة الحياة، في نفس العام الذي كانت تحتفل فيه المدينة بكونها عاصمة للثقافة العالمية 2013م، نلقي قصيدة على شرف راحل قتل غيلة برصاص قناصة الجيش، قرأت تلك القصيدة، الواردة هنا مع تراجم لقصائد أخرى، في تلك الليلة العجائبية، وكان مركب الشعر حاضراً في ذلك الظلام المضاء بالشموع، ليقول أنهُ سفينة خرافية واسعة، أو ملاكٌ عظيم، لا يعرفُ حدود اللغات والعوالم والأصوات، فوق الفيزياء، وأكبر من الكلمات نفسها، سفينة ملاك تصبح نفسها بحراً بلا حدود ومحيطاً موجوداً لكي يحيي روح الكائن ويجعلها تصل ميناء نورها الذاتي.
من تلك القصيدة ولدت هذه المادة، والتي كان من المفترض أن تتزين بمقابلة مع الشاعر، أرسلت إليه أسئلتها منذ عام، لكن اكتمل العام ولم يتسنّ لهُ الردّ، رغم وعوده التي تبين عن رغبته، ورغبةً مني في أداء هذه الأمانة قبل أن يجرفنا النهر الزمني بعيداً، وخوفاً عليها من الضياع أو النسيان، قررت أن أنشر ما تجمّع لدي.
قبل ذلك عليّ أولاً أن أعتذر للقارئ لأني لست مترجماً محترفاً، ولا حتى ضليعاً باللغة التي أترجم منها، وهي الانجليزية، التي هي نفسها لغة وسيطة عن اللغة التايلندية التي يكتب بها الشاعر، لكن بقدر ما أمكنني حاولت توخي الروح، كي تبقى قوة الشعر حاضرة وحية، وأن لا تقتلها الترجمة، على اعتبار أنّ ما لا يدرك جلّه لا يترك كله. وذلك كله لا يعفيني من كامل المسؤولية عن أي خطأ أو تقصير يوجد في هذه الترجمة.
أشكر هنا العزيز الكاتب والمترجم أحمد المعيني الذي تكرم بمراجعة نصف هذه النصوص، كما أشكر مجدداً الشاعر محمد الحارثي الذي فتح بقلبه أصل هذه النوافذ وساهم فيها بروحه، كما شارك معنا في ترجمة إحدى القصائد.
هذه المادة محاولة للتعريف بأدب بلاد عادة ما يذهب إليها الآلاف سياحةً وعلاجاً، لكن قلما يتواصلون مع فنونها وأدابها، أتمنى أن تكون فاتحة لترجمة أدب آسيا الذي قلما يترجم إلينا أو تصلنا أصداؤه إلا إذا حصل على جواز مرور العالمية من المراكز الثقافية العالمية. وقد كانت الصدفة، الرغبة المستترة، شديدة الكرم بشاعر من طراز كوني، روحه لا تزال حية تنبض في كلماته..
قصائد مختارة للشاعر التايلندي: زكريا أماتايا
شاعر تايلندي ولد في 25 مايو 1975م صدرت له مجموعتان شعريتان عن دار ألف ليلة وليلة في بانكوك (لا عوانس في القصيدة) 2010 فازت بجائزة كتاب شرق آسيا، (لكن داخلنا عميق كالبحر) 2013
قصائد مختارة من مجموعة لا عوانس في القصيدة
راجع ترجمة (حافة الشعر، أجنحة الفراشة) مشكوراً: أحمد المعيني
فوق حافة الشعر
هو نفسه قتل ذاته
هي نفسها قتلت ذاتها،
تتفتح زهرة المدينة بالليل،
الخنفساء تحولت إليَّ
وعلى حافة ضوء الشوارع
راقبت أناساً ينتحرون
واحداً تلو الآخر، حتى مات الثلاثة
للأبد.
كيف يمكن لعالم واحدٍ أن يكون شديد البؤس.
أنا رجلٌ عادي
مليء بالرغبة
لهذا السبب لا يمكنني مغادرة هذا الكوكب الأزرق
ولا أن آمل بما بعد الحياة
لتبق الجنة والجحيم منتظرتين في النهاية
ليستنقع العالم في المتعة
ترفيهاً عن كل المصائر.
من حشرة
حولت نفسي إلى آلهة مجنحة
مرفرفة برشاقة كالعنقاء الأسطورية
محلقاً ومتلاشياً إلى عناقيد نجمية
وراء السماوات، تركتْ آثار خطواتها على الغيم.
أجنحة الفراشة احترقت بالنار الوحشية
كما هو مكتوب
اعتدتِ الطيران
محلقةً في الهواء
حول الزهر.
كما هو مكتوب
اعتدتِ التحويم
فوق غابة الظلال الظليلة
عبر اخضرار الأشجار الوارف.
كما هو مكتوب
اعتدتِ الطيران
عبر الحقول الشاسعة والأودية الكبرى
المكللة بالزهر البريّ والزنابق الخرافية.
كما هو مكتوب
انت اعتدتِ التسلق
بين المنحدرات العالية والشلالات
المغطاة بالكروم الملتفّة.
كما هو مكتوب
اعتدتِ أن ترسمي
ألواناً جميلة
تحيي الربيع.
كما هو مكتوب
فقد طُويتِ لتغدي
قرباناً
لمآسي،
الكارثة الإنسانية.
البحث الشعري
1.
من السماء إلى الأرض
لا تحتاج الزهور الشذى
البنادق لا تحتاج الرصاص
لا يحتاج خشب الموقد النار
الطيور لا تحتاج الأجنحة*
مصنع الأحلام
المدخنة السوداء
تبعث سمومها القذرة
الساسة الفاسدون
يلصقون لون قذارة عارهم على العالم
جمال هائل
صار غباراً
رجالٌ من كل طيف
تحولوا لشياطين
في اشتباك ومعارك
باسم المنافسة
الحروب الكولونيالية
الحروب المقدسة
مرة تلو مرة أخرى
تنشب مبررة باسم الله
2.
سافرت باحثاً عن الشعر
الذي تلاشى من الجماليات
من لا وعي الانسان
عن ذلك الباب من الشعر الذي يجعل العالم يبكي
لكنه يحصد الأمل للعالم
عندما يُتلى ويُسمع
قوته، حماسة كلماته
تنطق بالإيقاع والألحان المأساوية
كلما تكشفت حقيقة
الجروح القاتلة.
3.
رحلت باحثاً عن الشعر
الذي ضيّع طريقه وغاب من الفلك
قبل أن تنزل رتبة بلوتو إلى كويكب
متحطماً في درب التبانة
مفقوداً وغريقاً في الثقب الأسود
لا بد أن الشعر في مكان ما
على ساحل مجهول
أو في أحد الحقول الجدباء
في وطن الرجال الذي يحِن للحرية
أو في غيتو صاخب
ربما كان الشعر معتقلاً
في سجن بمليون سور
على تقاطعٍ عميق في المتاهة
في أنفاقٍ مبنية من الأسرار
تحت جزمة الاستبداد
أو في مكتبة مهجورة
4.
أيها الناس
أخبروني
أين سيكون الشعر
من كبّلهُ بالأصفاد؟
من أمر بمنعه من التجول في الطرقات؟
من كسر أجنحة الحمام؟
من صوّب مستهدفاً غصن الزيتون؟
من اغتال الحرية؟
من اغتصب سلطة الناس؟
من غرّر بالفضيلة واستغلها؟
من أصاب الأبطال بلعنة البكم؟
أين الشعر؟
هل رأى أحدكم الشعر؟
هل مات؟
هل شاهدتم جثته؟
5.
أيها الناس
لمحت الشعر
في عيونكم
في الحب والكراهية
في السعادة والحزن
في رغبات السلام
مليون قصيدة تُلقى
في خيالاتكم
وتزدهر في مخيلتي
من وادي المعنى
الشعر يزهرُ في جمال
كشذى الزهور الربيعية
من حقل الموت
الشعر ينتحب ويبكي
العيون الجريحة لليتامى
الوجوه المفجوعة
للآباء
فيما أبناؤهم
مزينون كالأعلام الوطنية
جثث المثالية
تظل تصطادني
من أنحاء الخطاب الزائف.
6.
أيها الناس
ما قلته
مجردُ حلمٍ أبيض
لمجنون
وطني
يلتهب
في ليالٍ بلا نجوم
مع آلاف الشموس المطفأة
ووحده القمر الشاحب الحزين
في ليل الوحدة الطويل
الريح الحارة تهب في الظلام
وثعلب وحيد يعوي في الوادي
والقطار الأخير يتوقف في المسافة
ويطلق صافرته
لتنبه العمال من نومهم
ويتقبلوا مصائرهم
7.
أيها الناس
رجاءاً أنصتوا لما لم أقله
قولوا الكلمات التي ربطتها بالصمت
والزموا الصمت حول أحلامي
إني ألتمس أن تحلموا بكل ما نسيته**
انسوا كل ما فكرت فيه
فكروا فيما كنت أبحث عنه
لأنه قد يسكن قلوبكم.
حكاية
النجوم تبتلع الجبال
جبلاً جبلاً
تختفي في الظلام.
الراعي تبدد فجأة
وعصاه مكانها في المرعى.
من سيشعلُ النار صباح الغد؟
وهذه الليلةُ ثوبٌ أسود،
لكن النور يمرقُ من ثقوبها،
ممسكة بسر العالم.
لمعَ البرقُ وتلألأ
والأرضُ صارت ماءً.
اشتدت الأمواج وصارت عواصف
كالبراغي العملاقة.
النملُ يقرضُ ورقة شجر أكبر من
سفينة نوح.
العالم في نظر الله
والله في نظر العالم
والفارق فقط في مفاتيح السر الباطن.
الراوي لا يحق لهُ قول الحقيقة
لكن الحقيقة تقال بالرواية.
كثيرٌ من الروايات لن تروى
وبعضُ القصص لن تُقصّ
كالحقيقة التي لن تقال.
قصيدة (حكاية) هي ترجمة مشتركة مع الشاعرين زكريا أماتايا صاحب القصيدة، والشاعر محمد الحارثي.
*من قصيدة للشاعر البوسني إليجان لادين
**من قصيدة لأوكتافيو باث

 

تقديم وترجمة: إبراهيم سعيد \
\ شاعر وكاتب من عُمان

شاهد أيضاً

فراشة في المساء الأخير

جبار ياسين * مِثلَ فَراشةٍ فيِ المساءِ الأخيرِ على الأرضِ تَهِفُّ أجنحتَها في رقصةٍ للوداعِ …