صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

زهور كرام الكتابة بالنسبة لي وشماً وجودياً لم أفكر يوما فـي الشكل الأدبي الذي يحتضن كتاباتي

زهور كرام الكاتبة والروائية والناقدة والأكاديمية.. شغلها سحر الكلمات، وإيقاعات الأخيلة، وتظاهرات الرؤى الصباحية، فخفضت جناح الودّ لها، وتفجّرت شعراً قومياً وإنسانياً في البدء، قبل أن تلتهب أصابعها، وتتنغم قريحتها ببراكين التجريب، فجاء السرد، وكانت القًصة القصيرة والرواية، (بأفق شعري) وفيةً لرسل وادي عبقر.
قرأتها في « غيثة تقطف القمر» روايتها الأكثر إثارة.. وقبلها تحدثنا، ونحن نتبادل همومنا العربية على شاطئ البحر السكندري، حيث كنا ضيفين على الفعاليات الثقافية لمعرض الكتاب – مكتبة الإسكندرية، وإذا بالشعر لم يتوقف نبضه في الكتابة والحديث معاً لديها، وكأنها تهتف لتقلقَ الآخر أو توقظه، بأن في كلّ إبداعٍ شحنة شعرية، وإن خلا من ذلك لا يُعوّلُ عليه !
الكتابة لديها حالة عشقٍ !!
أداة مقاومة بإيقاعٍ صوفيّ، وأسلحةٍ غير مرئية، عاصفة كلمات من دمِ المعاناة، وسيمفونية هذا العشق ( الخاص والاستثنائي)، رحلة شاقة – عذبة إلى التجدّدِ.. والحرية !
كاتبة ومبدعة، تصغي لفعل التجربة لدى الآخر، لا يهمّها مَن يكون اسمه، وهويته، الأهمّ ما ينتج من صخبٍ مجدٍ، وخراب ضروري في براكين همومه، وإبداعه، ورؤاه ( لأنَّ كلّ تجربة في المعرفة، تعلمنا شيئاً ) – كما تقول !!
الإبداعُ لديها فعلٌ إنسانيّ !!
هي المبدعة التي تربض في إيقاع نهر الكلمات الدافق، تترفق بعصافير هذا النهر، برئةٍ تفيض بالدفءِ والحنان، لا تنظّر.. ولا تتعالى، بل تخشع في حضرة الإبداع الذي هو (حالة تجلٍ) تشبه الصلاة كثيراً التي لا تخرج تسبيحاتها عن فقه الروح، وهي تتسامى وتخلدُ في الكتابة – الحرية !!
ولأنّها ترى الكتابة ( وشماً وجودياً )، فلديها عبقريتها في تجميل الحياة ككاتبة ومبدعة، والدفاع الوجود كإنسانة، بكلامٍ هو بعدَ الكلام.
الشعر رؤية فنيّة وجمالية
* نقد أدبي، قصص قصيرة، بيبلوغرافيا، نصوص مفتوحة.. فسيفساء إبداعية مثيرة، صعبة التشكيل، متصلة في كيميائها، باذخة في متعتها، كيف بدأت هذهِ الرحلة الشاقة – العذبة ؟ مَنْ الأقرب إليك من كلّ هذا ؟ أعني أينَ تجدين نفسَكِ ؟ ومَنْ الذي يجيبُ عن أسئلتك الإنسانية الحضاريّة أكثر !؟
– الكتابة باعتبارها حالة، وتجربة ذاتية، كانت المنطلق، بعيدا عن التفكير في شكلها، وإطارها، وجنسها. لم أفكر في نوعية التجربة التي أخوضها مع الكتابة، كما لم يسبق لي أن فكرت بوعي، واتخذت قرارا بأن أكتب الرواية أو القصة أو النقد. إنما تشكَل الكتابة ضمن تركيبة معينة،تجربة أنتجت نفسها. أكيد، لتجربتي العلمية الأكاديمية علاقة بالكتابة النقدية، لأن ذلك يدخل في تخصصي. كما أني لم أختر بوعي مسبق الكتابة ضمن جنس الرواية. كتبت الشعر في بداية علاقتي بالكتابة، منذ مرحلة الثانوية، وكانت فلسطين محور القصيدة عندي، لأن فلسطين شكلت وعينا، و مفهومنا للنضال، إضافة إلى قضايا اجتماعية وجدتها تتجلى فيما كنت أكتبه شعرا. في مرحلة الجامعة، وجدتني- وبدون تخطيط مسبق- أتخلى عن الشعر، وأكتب المقالة، وأنشرها في صحف وطنية، وأنا ما أزال طالبة، كما أكتب نصوصا مفتوحة، عبارة عن ملتقى السرد والشعر. ربما عبَرت تلك التجربة عن بداية دخولي مجال التعبير السردي، ولكن بأفق شعري. لا أعرف. أنا الآن أحاول أن أستوعب مسار كتابتي، لأن سؤالك عنصر وظيفي بالنسبة لوعيي بعلاقتي بالأشكال التعبيرية التي تحتضن كتابتي. تدريجيا بدأت أخرج من الشعر جنسا أدبيا، إلى الرواية شكلا سرديا دون أن يتوقف نبض الشعر في لغتي، وفي شكل تعاملي مع الكتابة والحياة. الشعر رؤية فنية وجمالية. ونحن نحتاج إلى هذه الرؤية، حتى لا ينفلت منا الوصال الشفيف مع الذات والعالم. جاءت روايتي الأولى «جسد ومدينة» لتعبر عن دخولي مجال التعبير الروائي. انتقلت إلى السرد، ربما لكوني أميل أكثر إلى التحليل، ووجدت الرواية أكثر احتواء لرؤيتي. لم أفكر يوما في الشكل الأدبي الذي يحتضن كتابتي، لأن علاقتي بالكتابة هي علاقة بالحالة التي أكونها زمن الكتابة. لا أدرك الحالة، حتى أدرك هيئتها في الكتابة. عندما نشرت مجموعتي القصصية «مولد الروح» لم أكن أنوي الكتابة ضمن القصة القصيرة، كتبت في البداية نصوصا، تحت زمن حالة، وهي نصوص كتبتها دفعة واحدة، كانت مبنية بناء قصصيا منذ انتشارها لغة سردية. عندما أفكر اللحظة رفقة سؤالك عن وضعية تشكل الكتابة، قد أخلص إلى كون العلاقة بين وضعيتي مع الحالة/الحالات والكتابة، ونوعية التجربة هي التي تؤسس لشكل التعبير. وبالتالي، مع تجربة كل شكل أكتشفني، وأكتشف طبيعة الحالة التي كنتها، وأنتج معرفة بمسار وعيي. علاقتي مع الكتابة تشبه إلى حد ما، هذا الشيء الذي يكبر معنا، دون أن ننتبه إليه، إلا حين يفرض نفسه بشكل ملموس.لكن، ما أتذكره أني منذ بدأت أعي الأشياء والعالم والذات، في حدود تجربتي الخاصة، انتبهت إلى أن عشقا يجذبني نحو الكتابة، ليس باعتبارها عنصرا تكوينيا تعليميا، ولكنه عشق خاص واستثنائي، بدأ تلقائيا، ثم نضج بالمعرفة، وتحول إلى انتماء وجودي. كل شكل تعبيري يضيف لي شيئا مني. وعبر كل تعبير أكتشف أسئلتي. أنا أتجدد مع كل تجربة في الكتابة.
مواقع التواصل الاجتماعي خلقت
خطاباً يتسع للمجاملة
* لكِ لمساتك النقدية المهمة في إبداعنا، وحضورك المضيء لدهاليز معتمة في ثقافتنا العربية ( التخييل الذاتي، الأدب الرقمي، السرد النسائي وغيرها) كيفَ تردّين على الاتهام الجاهز، وعلامات الاستفهام الكثيرة حول طبيعة النقد، المتهم أبداً أما بالمجاملة، أو العلاقات، والتعالي، وقرقعة المصطلحات الأجنبية، وأما بالقصور عن متابعة هذا التفجّر الإبداعي العربي( شعراً، وقصّة ورواية) !؟
– هي توصيفات لوضعية النقد في المشهد العربي. غير أني أنظر إلى هذه التوصيفات من وجهة نظر تخص التمييز بين القراءة والنقد. هناك قراءات ومتابعات للأعمال الأدبية، غير أن بعضها يشوبه الوصف، الذي لا يقترب من جوهر الخطاب الأدبي، ولا يعتمد على أسئلة نظرية الأدب، ويبقى مجرد قراءة وصفية للعمل، لا تساعد على إنتاج الأسئلة الجديدة، أو استنتاج المظاهر الجديدة التي ينتجها الأدب، وهذا النوع من القراءة، لا يُشكل شرطا موضوعيا لتطوير العلاقة بين القارئ والأدب. والبعض الآخر يعكس– مع الأسف- المجاملة التي بدأت تهيمن في القراءات، والتي تعبر عن أزمة فكر موضوعي، وتراجع قيم النزاهة، والابتعاد عن روح العلمية وما شابه. وهذا الصنف من القراءات موجود، ويتكاثر، بدعم من مناخ يسمح بانتشاره، منها تراجع دور المؤسسات الثقافية، التي كانت تحتضن أسئلة الإبداع، ولها تصورات معرفية وفلسفية حول الأدب، وتتابع تحولات النقد، وطبيعة اشتغال القراءة، وأيضا دور الجامعات والبحث العلمي في تطوير الوعي العلمي بالخطاب الأدبي، عبر التكوين في المناهج الأدبية، وتحليل الخطاب الأدبي، ونظريات المعرفة، وغير ذلك من التكوينات العلمية التي ساهمت في خلق شرط علمي للممارسة النقدية، كما ساهمت طبيعة العلاقة مع صفحات المواقع الاجتماعية من فيسبوك، وتويتر في خلق خطاب يتسع للمجاملة، إلى جانب تراجع فلسفة منظومة القيم، والتي لها علاقة بسلوكات الأفراد في المجتمع. وهذا واقع وجب التفكير فيه بجدية، لأنه ينتصر – أحيانا- لأعمال خارج منطق الأدبية، ويسمح بانتشارها، ومنحها شرعية التداول الذي – مع الأسف- قد يشكل خللا معرفيا أمام الأعمال الأدبية الحقيقية. إضافة إلى قراءات تعيد كتابة التنظير، وتُعلي من شأن النظريات، وتجعل المصطلحات والمفاهيم هي التي تقرأ النص، وليس النص هو الذي يعيد تركيب تصورات تلك المصطلحات، مما ينعكس سلبا، ليس فقط على النص العربي، الذي يتوارى إلى الخلف، إنما أيضا، على النظريات التي من المفروض أن تكون وظيفية، من خلال حُسن تمثَلها من قبل القارئ/الناقد. عندما تهيمن مثل هذه التوصيفات على مستوى العلاقة بالأعمال الأدبية، فالأكيد أننا سنتحدث عن تراجع النقد باعتباره خطابا ميتا وصفيا للخطاب الأدبي، ومنتجا لرؤية حول الأدب. ليس كل القراءات منتجة للنقد كخطاب، على اعتبار أن القراءات عندما تكون وظيفية للمعرفة الأدبية، فإنها تسمح بإنتاج تصورات نقدية، وتعبر عن نشاط حركة التفكير. لا يختصر الخطاب النقدي فقط فعل القراءة، إنما هو صورة عن شكل تفكير مجتمع وثقافة. أن نقرأ عملا أدبيا، يعني أن نفكر فيه بمنهجية، وأدوات، وتصور، ورؤية، وعندما تأتي القراءات خارج هذه المنظومة، فذلك يعكس لنا وضعية الفكر الفلسفي والنقدي في مجتمع. لكن، لا يعني أننا بهذا التوصيف نعلن حدادا على الممارسة النقدية في المشهد العربي، إنما ندعو بهذا التوصيف إلى ضرورة الانتباه لهذه الوضعية، وإعادة التساؤل حول العلاقة بين الأدب والنقد في إطار تحولات الكتابة الأدبية من جهة، وتطور أسئلة القراءة من جهة ثانية خاصة مع منطق الزمن التكنولوجي. لأن تفكيرنا في النقد راهنا، لا ينبغي أن يعتمد نفس التصورات السابقة، يجب أن نضع في الاعتبار تحولات مفاهيم عناصر الأدب، من كتابة ونص وكاتب وقارئ ولغة،وأيضا شروط القراءة، وتحولات المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العالم العربي. مع ذلك، هناك دائما نقطة ضوء تنير الفكر النقدي في المشهد العربي من خلال مشاريع نقدية، نلتقي بها لدى مجموعة من النقاد الذين يتابعون تطور الأدب، وأسئلته، ويعبرون عن ذلك من خلال تصوراتهم النقدية.
النصّ كيانٌ حيّ مثل الإنسان
* يجمعُ عديد الكتّاب والمبدعين المعروفين الذين حاورتهم، وكانوا ضيوفاً أجلاء على مائدة كلماتي، أنْ لا وجود لحركة نقدية عربية جادة! كيف تردّين ؟ وكناقدة ومبدعة وأستاذة أكاديمية ماذا تقترحين لنقدٍ جادٍ مثير ؟ وأسأل عن ناقدك الأمثل مغربياً وعربياً وعالمياً !!
– عندما نتابع حركة وتاريخ النقد الأدبي عالميا، سنجد أن المسألة لا ترتبط بالجغرافية أو القومية عندما يتعلق الأمر بالنقد. النقد خطاب التفكير في الأدب. والتفكير فعل إنساني يستفيد من كل تجارب الإنسانية. إذا أخذنا مثلا النقد في فرنسا، حتى لا أقول النقد الفرنسي، خاصة منذ نهاية الستينيات، سنجده نقدا عالميا وإنسانيا. وحالته الإنسانية تحققت بفعل نضج التفكير الفرنسي الذي استوعب في البداية النظريات التي استثمرها سواء من الحقل الألماني مثل نظرية السيرة الذاتية، أو النقد الشكلاني وما شابه، والتي استفاد من طروحاتها من النقد الروسي. كثير من النظريات النقدية التي نلتقي بها في الخطاب الفرنسي، نظنها فرنسية الأصل، لكونها تتمتع بشرعية معرفية، تعود إلى جودة الإصغاء إلى النص الأدبي الفرنسي، بعيون النظريات التي تطورت بخصوصية الأدب الفرنسي. ولهذا، عندما نقرأ تلك النظريات، ونسعى لفهمها، نقرأها من خلال تجليها في الأدب الفرنسي. الأدب هو الذي يعطي الشرعية المعرفية للنظرية، وليس العكس. لهذا، فعملية الوعي بسياق تشَكل النظرية أولا، ثم عملية تطبيقها، أو بتعبير أصح، تفعيلها على مستوى نصوص التلقي، هي حالة تاريخية تحقق تجربة فكر مجتمع وثقافة. عندما نقرأ مختلف النظريات القادمة إلينا مثلا من فرنسا، سنجدها تحمل معها تاريخ أفكار ومفاهيم ونظريات لمجتمعات ثقافية كثيرة، حتى النظريات الغربية عندما نقرأها بعيون موضوعية، بعيدا عن الانبهار، والدهشة، سنجدها تحتضن مظاهر التجربة العربية القديمة في النقد والسرد التراثي على الخصوص. النقد حركة تفكير إنساني، تساهم فيها كل المجتمعات الثقافية، عندما تكون قادرة على الإصغاء إلى تجربتها الأدبية. عندما نتحدث عن حركة نقدية عربية، أفهم منها، إنتاج حركة نقدية تجيد الإصغاء إلى النص العربي، بتمثل مكتسبات النظرية النقدية العالمية، وليس إنتاج نقد عربي مغلق، كما يدعو إلى ذلك البعض، خاصة أولائك الذين كلما ظهر تعبير أدبي، أو مفهوم نقدي إلا ورحلوا إلى التراث محاولين البحث عن جذر محتمل لهذا الشكل وذك المفهوم، حتى يقال: لقد كنا أول من أبدع المفهوم و الشكل التعبيري. مسألة المرجعية في العلوم والمعارف تظل مسألة ضبابية، بحكم الشراكة الإنسانية في تفعيلها. إلى أي حد نستطيع أن نكون شركاء في الإنتاج الإنساني. هذا هو المطلوب منا.المسألة بعيدة عن المقاربة الذاتية، لأن النظريات النقدية ما هي إلا عيون معرفية عندما نستوعبها في إطارها السياقي، نستعملها عيونا نقرأ بها أدبنا، الذي باستطاعته أن يُروَضها، ويعيد تفكيكها، ويضيف إليها من خصوصيته. كل أدب هو نتاج سياق اجتماعي وتاريخي، وبالتالي ينتج رؤية العالم حول هذا السياق، إلى أي حد يستطيع النقد في التجربة العربية أن يساهم في استخراج هذه الرؤية من النص العربي، ويجعلها مؤثرة في النظريات. من هنا، تبدأ العالمية، التي تعني تسويق الرؤية العربية من خلال النظريات المعرفية. السؤال المطروح علينا جميعا الآن: هل لدينا مشروع فلسفي في هذا الشأن،؟ وهل عندما نتواصل مع الأدب العربي، تكون أسئلة هذا المشروع حاضرة في تفكيرنا؟ وهل نجيد الإصغاء إلى النص العربي؟ وهل نقرأ الأعمال الأدبية، هل نتوفر على مرجعية ليس من النظريات، إنما من النصوص الأدبية، لأن القراءة في غياب/ ضعف ذاكرة نصية، لا تستطيع أن ترى أبعد من النص المقروء؟.
لنبحث في أفق آخر للنقد في التجربة العربية، ونتحدث أكثر عن علاقتنا بالنص الأدبي العربي، وشكل اقترابنا منه، وهل نجيد الإصغاء إلى خطابه، أم نكتفي بترديد ما استهلكناه من نظريات. وهل الأدب يشكل وضعا ثقافيا واجتماعيا في عملية التدبير الحضاري للمجتمعات العربية، وهل هناك مؤسسات ثقافية تحتضن سؤال الأدب الآن، من خلال سؤال قراءته مشروعا معرفيا، وهل الدرس التعليمي، والجامعي يُطور الدرس الأدبي في علاقة مع شكل التلقي لدى الجيل الجديد؟. نحتاج بالفعل إلى التعامل مع الأدب بجدية نقدية. لأننا نخسر أدبنا عندما لا نتقدم نحوه برؤية موضوعية، ونخسر فرصة تفكيرنا عندما لا نشتغل بجدية.
تشكلت رؤيتي النقدية من جانبين: أولا تمثلي للنظريات من سياقها الإنتاجي، ثم إيماني المعرفي بكون النص كيانا حيا مثل الإنسان، يفترض إصغاء مسؤولا من أجل إدراك منطقه. ولهذا، فقد استثمرت اجتهادات كل النقاد سواء أساتذتي بالجامعة المغربية الذين درًبوني على قراءة النص الأدبي، أو النقاد العرب، أو الغربيين. أنا أومن بالتجارب أكثر ما أومن باسم واحد، لأن كل تجربة في المعرفة تعلمني شيئا، وأهم شيء أتعلمه، هو طريقة التفكير. لا شك أني استفدت كثيرا من طروحات الناقد الروسي ميخائيل باختين في بدايتي، وكنت جد معجبة بمقاربته للحوار والحوارية والملفوظ الاجتماعي والتعدد اللغوي والأسلوبي وتعدد الأصوات وغير ذلك من المفاهيم التي بدأت أفكارا في كتابات باختين، ولكن شروحاتها من قبل « تودوروف» على الخصوص، هي التي أعلت من شأنها التنظيري، وهذا يؤكد ما سبق وعبَرت عنه، في كون التنظير النقدي والفكري بشكل عام هو جهد إنساني يتطور بتطور فاعلية توظيفه، غير أني لم أكن أتعامل مع هذا الإعجاب بنوع من التطبيق الحرفي، إنما استثمر تحليلاته من خلال إصغائي لطبيعة الخطاب الروائي العربي،الذي يختلف في نظامه ورؤيته عن النصوص الروسية التي شكلت مجال اشتغل مفاهيم باختين. النقد إبداع، ومتعة، وعندما يتحول إلى مجرد قراءة وصفية وتقنية، أو واجب معرفي، فإنه ينزع عن النص روحه. مثلما يحدث مع ترجمة الأدب. الحالة الإبداعية في النقد أو الترجمة هي القادرة على التقاط جوهر النص.
الأنوثة والذكورة ليسَت مقياساً لأدبية الأدب
* ينكرُ ثلة من المبدعات العربيات باستهجان وغضبٍ صاخبين مصطلح (الأدب النسائي) أو (الإبداع النسوي) الذي يلحّ عليه جلّ النقاد في تنظيراتهم وكتبهم، مؤكدات أنّ ليسّ في الإبداع جينات ذكورة أو أنوثة، وهو هموم ومعاناة إنسانية مشتركة، وصرخت المبدعة الكبيرة الصديقة غادة السمان في واحدٍ من حواراتها الجميلة، في وجوه هؤلاء، أنْ ليسَ للإبداع أعضاء تناسلية، كناقدة كبيرة ماذا تقولين عن وثنية هذا النقد، وكيف تحطمين أصنامه !؟
– الإبداع لا يتحدد بالجنس، أو الجغرافية، أو الوضعية الثقافية.الإبداع فعل إنساني غير مشروط بوضعيات سياسية واقتصادية وبيولوجية. المنطق الداخلي الذي يحدد أدبية الأدب، مسألة غير مرتبطة بتعاليم خارج المساحة الأدبية. لو كان الأمر كذلك، وأدركنا- عن قرب- الشروط الخارجية التي تحقق الأدب، ما عرف الأدب هذا التعقيد الذي يلازمه منذ أرسطو إلى الآن، وما كنا بحاجة إلى نظرية الأدب، وإلى المناهج والأدوات، وما خاض الفكر في دهاليز اللغة الإبداعية لكي يُدرك هوية الأدب، ويُنتج معرفة به. لأن الأمر كذلك، فإن الأدب سيظل يشكل صعوبة فكرية وذهنية ومعرفية وتواصلية على مرّ الأزمان، مهما تجددت الوسائط، وتطورت نظرية المعرفة الأدبية، وتعددت المناهج. سيظل الأدب حالة عصية عن التفكير، وما الاقتراب منه، إلا اقترابا من حالة التفكير فيه. هذه مسألة بديهية، لابد من التوافق حولها. إما أن يكون الأدب أدبا، أو ألا يكون. لا يمكن للأنوثة أو الذكورة أن تكون مقياسا محددا لأدبية الأدب. لكن، عندما نتحدث عن « الأدب النسائي» فنحن لا نتحدث عن هذا المستوى من النقاش. إنما نتحدث عن مصطلح ظهر في ساحة النقاش، ولذا وجب البحث في وظيفيته، وشرعيته بالنسبة للأدب بشكل عام، ثم بالنسبة للمرأة. وهنا يحدث الاختلاف والخلاف واللبس بين المعارضين والمؤيدين لهذا المصطلح. ليس هناك عبث في اللغة. كلما ظهر تعبير لغوي، واتخذ شكل المصطلح والمفهوم، إلا وجب التفكير في شرطه الثقافي-المعرفي. والبحث عن أسباب ظهوره، ثم وظيفته بالنسبة للحقل الذي ينتمي إليه. وإلا ستتجاوز المفاهيم تفكيرنا، وتمارس علينا سلطة رمزية قد تُربك قناعات ومحددات ألفناها وتربينا عليها. محاورة المفاهيم ومناقشتها بشكل علمي وموضوعي، تُعد تحديا كبيرا للتفكير الإنساني. هذا ما يحدث بالنسبة لمفهوم مثل « الأدب النسائي». اللبس يحدث عندما نتحدث/نفكر في هذا المفهوم خارج الأدب، ونستعين على فهمه من خلال خطابات ذات علاقة بسياقات خارج أدبية، مثل سياق الحركات النسائية، والحقوقية، وغير ذلك. عندما نفشل في تحديد سياق اشتغال المفهوم، ترتبك علاقتنا به، من هنا، لابد من التأكيد على ضرورة ربط المفهوم بالأدب عند السعي لفهمه، لأن الأمر لا يتعلق بالمرأة باعتبارها محددا لمنطق الأدب، إنما بالأدب باعتباره حالة تتغير، وتتطور بتغير وتطور مواقع منتجه. الأدب النسائي كما حددته في جل كتبي، بناء على متن كبير من النصوص التي كتبتها مجموعة من النساء، يعد مفهوما إجرائيا، ونقديا، يشخص حالة الأدب عندما تنتقل فيه المرأة من الموضوع المنظور إليه، والمفعول به إلى الذات الفاعلة، عندما تنتج المرأة انطلاقا من موقعها الرمزي مفاهيم جديدة، ودلالات جديدة لمفاهيم متداولة. وهو وضع يطور مفهوم المرأة- الصوت، المرأة- الشريك في إنتاج مفاهيم العالم، وليس التابع والملحق. من هنا، فليس كل ما تكتبه النساء يدخل في « الأدب النسائي»، فقد تكتب المرأة، لكنها تستهلك نفس المفاهيم بدلالاتها، وتعيد إنتاج نفس الرؤية. ليس معنى هذا أنها لا تنتج الأدب، إنما لا تنتج شكلا من الأدب ينضوي تحت « الأدب النسائي». كما أن هذا المفهوم، ساهم في الانفتاح على كتابات المرأة، بعدما كانت كتاباتها تعاني من سوء التواصل معها، إضافة إلى أن هذا المصطلح سمح بتحليل الخطابات النقدية حول كتابة المرأة، وفضح ازدواجية الرؤية. وهو ما عبرت عنه بعض الطروحات التي كانت تخلط بين الكاتبة والساردة في العمل الروائي والقصصي، في حين لا يحدث الأمر في كتابات الكتاب. وقد عبرت الكثير من الكاتبات عن هذا الخلط، الذي جعل بعض النقاد يعتبرون روايات الكاتبات عبارة عن سيرهن الذاتية، وهو تصور يكشف عن الصور الذهنية السائدة حول المرأة باعتبارها موضوعا منظورا إليه. الأدب النسائي مفهوم نقدي يشتغل بأدبية الأدب بناء على الوضع الجديد للمرأة داخله، وليس له علاقة بالأنوثة والذكورة.لهذا حرصت في جل مقدمات كتبي على التحذير من استعمال مفاهيم تخدش شرعية «الأدب النسائي» وتُخرجه من مجال الأدب،إلى مجال حقوقي ونضالي، مثل مفهوم الأدب الذكوري أو الرجالي.
الأدب النسائي مفهوم إجرائي ليس إلا، والتفكير فيه خارج الأدب يعد خروجا عن شرعيته.
نمارسُ الحرية من خلال السّفر في اللغة
* «الرواية صدىً لضحكة الإله» – ميلان كونديرا!
«الرواية شأنها شأن السيمفونية والأوبرا» – فيرنن لي !
«الرواية هي كتابُ الحياة» – د.ه. لورنس !
مَنْ الأقرب إلى رؤاك من المقولات الثلاث ؟ وما تعريفك الشخصي للرواية ؟
– الرواية هي الحياة. ليست الحياة التي نحياها، إنما حياة من نوع آخر، حياة لا ندركها، لأنها حالة تتحقق من خلال الانزياح عن حياة الواقع. لكن، في زمنها، نمارس الحرية في السفر في اللغة، نهدم عوالم ونبني أخرى، نحلم، نحب، نمارس كل الأفعال، ونجربها، بعيدا عن عين الحياة الواقعية. لهذا، نشعر بالانزياح عن وجودنا المادي، واقترابنا من منطقة أكثر غموضا، ولبسا، لكن، أكثر إشراقا لوعينا الضمني. كل شيء نحياه في الرواية يعد مختلفا عما نعيشه واقعيا، من هنا، تأتي الدهشة والاكتشاف في الرواية، والإبداع بشكل عام. غير أن الحياة في الرواية ليست عبثا، أو فوضى. إنما هي نظام وترتيب، ومنطق. لكن، هذه الأشياء لا ندركها، لأنها لا تشبه واقعنا اليومي، إنما تُشعرنا بأننا نعيش في زمن منظم بطريقة مختلفة. وهذا النظام هو مجال اشتغال النقد. وكلما اقترب النقد منه، اقتربنا نحن من الوعي بالحياة في الرواية. الرواية تبدأ عندي امتلاء بحالة معينة، تُدخلني زمنا من القلق والشرود والسفر في عوالم غير مرئية، وعندما ارتوي من الامتلاء بالحكي، وتتخلص الحالة مني لغة، والقلق جملا مرئية، والشرود بناء منظما، يعتريني استرخاء فلسفي أو ما يشبه ذلك. وعندما أتحرر من الامتلاء/الحالة، أعود إلى الحياة في الواقع، لكن، بشكل مختلف، هناك شيء ما تغير، لا أعرف مكانه، أو صفته. الكتابة نعمة، أعشقها، ولهذا، لا ألوثها بافتعال،أو انصياع،أو وهم، كيف أخون نعمة علمتني الشموخ في كرامة التعبير.
لا أخطّط للرواية لأنَّ الإبداع حالة تجلٍّ
* (مساحة الرواية الممتدة خطرٌ حقيقيّ على الروائيّ).. هل هذا صحيح؟ ألهذا فضّلت الاقتصاد والاقتضاب، وجاءت روايتك الأخيرة (غيثة تقطف القمر) قصيرة –ميتا سرد،أمْ أنّ للموضوع شأناً آخر! حدّثيني !؟
– قبل أن أبدأ في كتابة الرواية، تسبقني حالة استثنائية. تتخذ شكلا من الامتلاء. امتلاء يلفني، يغمرني. إحساس بأن شيئا مكتوبا بجسدي، لا أستطيع أن أضع يدي عن مكانه، أو أفسره، إنما هو إحساس، يأتي بطعم خاص، يمتزج فيه الغموض، والقلق، والشرود الذهني، إحساس يختلف عن كل مظاهر الإحساس التي تعبرني في يومي. وعندما أشعر ببداية انتشار الامتلاء لغة أمامي.. أبدأ في عملية التخلص من مظاهر القلق. عندها أشعر بالتحرر . لهذا، فمساحة الرواية في تجربتي تتحكم فيها عملية انتشار الحالة لغة سردية. بعض الروائيين –كما يصرحون هم أنفسهم- يخططون لحكاية الرواية، ويضعون لها فصولا، وأبوابا، ويتحكمون في فضائها النصي، بالنسبة لي، لا أعيش الكتابة الإبداعية بهذا التخطيط. لأني مع الإبداع أتركني أتجلى حالة بواسطة اللغة السردية. مسألة المساحة خارج تفكيري، وعندما تأتي كذلك، فهي تعبر عن شكل الحالة التي كنتها، وطبيعة التحرر منها. عندما أقرأ ما يكتب حول رواياتي، أندهش لأني أقف عند أشياء لم أكن أدركها زمن الكتابة. القراءة النقدية هي التي تحقق الوعي بما ننتجه من شكل ومساحة وتعبير.
الكتابة هي عملية نحت الذاكرة والجسد
* يرى البعض أنّ الرواية تاريخ.. مخزون فكري..عملٌ كوني.. اختصار للعالم، والبعض يراها كتابة بالفطرة والبديهة، كيف هي كتابة الرواية لديك ؟
– هي كل هذا، تبدأ حالة تلقائية، لا أطلبها بقرار، ولا أهيئ لها الطقوس، إنما تأتيني حالة، فألتقطها دهشة، فتنثرني حالة محكية. وما بين التقاط الحالة، وتلاشيها سردا، يتحرك مخزوني المعرفي، والوجداني، والذاتي والفكري بدون استئذان مني، ليكون عنصرا في عملية بناء انتشار الحالة سردا، إنما حضوره لا يكون بشكل مباشر. الكتابة هي عملية نحت الذاكرة والجسد والتاريخ الذاتي والجماعي. هي تاريخنا المنسي في تجاويف ذاتنا.
نعيش أتعس لحظة تاريخيّة عربيّة
* في مفتتح روايتك الرائعة (غيثة تقطف القمر)تكتبين على لسان بطلتك: «عندما نعرف كيف ندافع عن الحب، نربح الوطن».. قولي لي ما نعيشه من أحداث وكوارث متلاحقة في بلداننا، تحرق نيرانها متعددة الهوية الأخضر واليابس، ألأننا لا نعرف الحبّ، أم لا نعرف الدفاع عنه، أمْ أننا تهجينا حروف الوطن خطأ ً!؟؟
– مع الأسف، في زمن اللبس، لم تلتبس فقط المفاهيم، إنما أيضا المشاعر. نعيش أتعس لحظة تاريخية عربيا. هناك فوضى في كل شيء، بدءاً من المعلومة حتى الجغرافيا التي تنهار أمامنا، ومعها ينهار المعنى التاريخي. أصبح الاهتمام الإعلامي بالمصطلحات المُفخَخة، أكثر من الاهتمام بالإنسان العربي الذي نحرته سياسة هذا الزمن الملوث. الموت والقتل والعنف والاغتصاب كلها مظاهر تقتل الحب، بل تنحره بدون دم. قتل المشاعر يتم عبر تمرير صور القتل المادي. هناك انتكاسة في القيم، تراجع في المبادئ، وتوتر في الوجدان، وغبن في الروح، وهيمنة للعنف اللفظي واللغوي والسياسي والمادي والإعلامي، دعم الصراعات العشائرية التي تعيد البلدان العربية إلى الوراء بقرون عديدة، فيما العالم يُطور مفهوم مؤسسات الدولة، كلها مظاهر تُلوث شرط الحب، وتدمر مشاعر الحب. لا ينبت الحب إلا في أرض تستحق الحب. وأرضنا تحولت إلى مقابر، وعتبات انتظار، وحدود مكهربة. لم نعد نرى سوى مظاهر الخراب، التي تصر على تدمير كل المشاعر الجميلة التي تشعرنا بإنسانيتنا. كيف يستقيم الحب في زمن لم تعد للطفولة كرامة؟ كيف ينبت الحب في زمن قاحل، لأن الطفولة هي الغرس والنبتة؟ كيف تنتعش هذه الأرض التي لم تعد تتحمل ما يحدث للإنسان من دمار وقتل وأمراض ولعبة سياسية قذرة؟. مع ذلك، مادمنا نحكي اللحظة عن الحب، فهذا يعني أننا لن نتنازل عنه، لأننا لن نتنازل عن الطفولة والغرس والنبتة. لن نتنازل عن أوطاننا مهما اسود العالم في وجهنا، ومهما أصبحنا ورقة سياسية في أيدي الخائنين على هذه الأرض. الكتابة حلم الحياة، والحب ضوء الروح، والطفولة براءة إنسانيتنا. لهذا، سنظل نكتب ونحلم، نحب ونضيء العالم بروحنا، ونلد البراءة، لعلنا نعقلن بإنسانيتنا هذا العالم.
الكتابةُ وشمٌ وجوديّ
* يقولُ جويس كارول: «أشعرُ بالخوف دائماً، ولكنّني عندما أكتبُ أعيش حالة من الاهتياج والإثارة».. هلْ الكتابة لحظة حياة أم انتحار؟ ماذا تشعرين لحظة الكتابة؟ حدّثيني !
– طبعا، ليست لحظة انتحار. لأن الكتابة كانت دائما ضد الموت والفناء. الكتابة إعلان رمزي عن عشق الحياة. هي وشم وجودي، بلاغة في الحضور الفلسفي للكائن الإنساني. هي أكيد شكل من الحياة، بطريقة مختلفة، أو هي تجربة من نوع آخر. هي إصرار على الحياة، وتدوين الحياة لغة خالدة، لغة لا يقهرها الزمن. كلما فكرت في الكتابة، يغمرني ألق الطفولة. الطفولة في معنى الانجراف وراء ضوء، لا أعرفه، ولا أفهمه، إنما الرغبة في عدم التخلي عن الجري وراءه. ما سألت يوما عن فعل الكتابة في نفسي، لأني لم أعد أُدركني خارجها. يكفي أن أقول: الكتابة نعمة، لأنها تمدني بلحظة إحساس استثنائية. والعمر بدون ثروة الإحساس، ذابل ومخيف مثل التخلف. هي أجمل انتماء آمنت به، عبرها أكون أنا، بدون زيف أو وهم، أو انصياع. وعبرها أحاول أن أخلق نوعا من توازني الوجودي في زمن اللاتوازن السياسي الذي يكاد يدمر ما تبقى من إنسانيتنا. إنها نعمة، جملة أكررها مع نفسي، كلما وجدتها تنقذني من وهم، وخذلان، ووجدتها تتحول قوة بداخلي، تنير لي طريق السلام مع ذاتي.
في السيرة الذاتية حاكية ومحكيّة
* تقولُ مرغريت دوراس: (لا نكتبُ شيئاً خارج الذات)! هل المستقبل للرواية السيرة الذاتية – الأوتوبوغرافية كما يرى هنري ميللر، وهو رائد هذا الفنّ الروائي ؟ أليسَت «غيثة» هي « زهور كرام».. ماذا تقولين !؟
– الذات حاضرة في مختلف التعبيرات الإنسانية، ليس كشكل، إنما كحالة ضمنية. لا توجه، ولا تقرر، إنما تتحول إلى عنصر مُفكر فيه، وإلى موضوع منظور إليه. لن تصبح في الكتابة الإبداعية كما كانت عليه في الحياة الواقعية. أن تحكي الذات معناه أن تعيد التفكير فيها باللغة التخييلية، يعني أن تقيم المسافة لكي تحكي/تكتب، وفي المسافة تحدث التحولات، وتصبح الذات ذاكرة، يتم استحضارها وفق تحولات المسافة. حتى في السيرة الذاتية لا نحكي الذات كما كانت وكما عشناها، وهذا هو جوهر اللغة الإبداعية التي تُشخص ولا تعكس. ونلتقي بنماذج عربية لنصوص سردية رغب أصحابها كتابة سيرهم الذاتية، لكنهم اكتشفوا أنهم ابتعدوا عن ذواتهم كلما كبرت مسافة الحكي. ولهذا تمت تسمية تلك النصوص بالسير الذاتية الروائية، تعبيرا عن كون المسألة لم تعد تتعلق بحكي سيرة الذات، وإنما بتحول الذات إلى موضوع منظور إليه. غير أن المثير في الكتابة السردية الجديدة، هو ما تعرفه من تحولات في وضعية الذات، أو ما يصطلح عليه بـ«تذويت الكتابة»، وحضور الذات باعتبارها حاكية ومحكية مثلما نجد مع مصطلح «التخييل الذاتي» والذي جعلته محور كتابي النقدي «الذات من السيرة الذاتية إلى التخييل الذاتي». وبعد أن كان الكاتب يحذر في بداية عمله عن كون الحكاية لا تمت إليه بصلة، ويجتهد لكي لا يعقد القارئ تشابها بين حياته وحياة الذات في العمل الأدبي، فإننا أصبحنا نجد كتابا يشيرون إلى ذواتهم داخل أعمالهم، من خلال أسمائهم أو تواريخ وأحداث مرتبطة بهم. هذا تحول بنيوي في الكتابة السردية، لابد للنقد أن ينتبه إليه، لأنه يؤشر على تحولات الفرد في المجتمع والسياسة والاقتصاد، وأيضا له علاقة بمناخ التحرر.

حاورها : عِذاب الركابيّ

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي القارئ مُخرّبٌ لغوي بالدرجة الأولى

في تلك اللحظات العاصفة من الريح والمطر والبرق، كان أنسي الحاج يقطع الطريق من الأوتيل …