أخبار عاجلة

ساحة التحرير بغداد الجديدة

1

الساحة لافتة المدينة وإعلانها،

والمكان الذي تصافح الريح، الضوء فيه والوجوه،

والوعاء الذي يمتص غضب الناس والحجر..

تمنح الساحة الريح انسيابها

والعين رؤيتها

والمدينة فسحتها

والناس شعريتها

لغتها مفردات على ألسنة الصغار،

وقولها هتاف

ولسانها لا يعرف الكتمان.

…………..

هي الموقع الملتقى،

و "الباحة" المستراح،

و "الفضاء ببن الدور"

   والنفوس.

2

الساحة مكان مضطجع على الأرض، سطحها وجهها، وجسدها عمقها، ماضيها، ذكريات، وحاضرها الحركة، لها من لغة الأنهار الجريان، ولها من فسحة السماء الديمومة والاستمرار، ولها من انسيابية الريح لغة مستلة من وجه الحسان. ولها من البعد الظاهر للعيان مفردة في حرية الرأس والقدمين. لا قيود تحد الساحة، ولا موانع، هواؤها ريح منتشرة في فضاء الوجوه، وماؤها أرض تتعايش فيها كل الممكنات. الناس فيها سياج بعضهم لبعض، مفرداتها اليومية: ناس، وكلام، وحركة، وأصوات، وباعة متجولون، ونصب، واعلانات، ودعايات سينما، والتفاتات نحو الحسان اللائي يعبرن بحرها، وشباب يلتقون من أجل الا يعبروا زمنا… يمنحها الضوء طاقة حضور مفتوح، ومجالا لأن تمارس فيها الأفعال العلنية، ولأن ساحة التحرير ليست ساحة بيت، ولا ساحة منطقة معينة، فاكتسبت بدلالة "التحرير" الملحق بالاسم صفة البلاد وهو ما يجعل زمنها- مكانها متحركا بأفعال تجري في مواقع أخرى…

ليس لساحة التحرير وجه أو قفا، كلها وجه وكلها قفا، كلها يمين وكلها شمال، كلها شرق وكلها غرب، هي المكان الذي لا اسرار فيه، باطنها هو سطحها، وسطحها هو باطنها، المشي فيها دوران للجسد، والدخول اليها دخولا فيها، والخروج منها تحولا عنها، لا ترى الناس فيها مغادرين او قادمين، بل كل من فيها هو قادم ومغادر والجلوس فيها جلوس في الاتجاهات كلها، والرؤية فيها رؤية بزوايا منفرجة، لا تراما الا وهي في سعة فضاء ممتد ولفة جسد يقظ ليس لها كيان ثابت، ولا حركة تتشابه، ولا فعل يحدد، فان حددت بأفعال ثبتت، وان ظهرت بهيئة واحدة ماتت، وان وظفت لغرض واحد اهملت، لغتها هي اللالغة التي تنمو من خلال كل اللغات، وهادتها من تلك التي يمتلكها الجميع دون الأفراد، لها ساحل ومحيط ولها مجرى وسابلة، هي تيار في كل اتجاه، ولكل اتجاه، ولأنها كذلك فقد اسهمت الفضاءات – المكانية والبشرية – المحيطة بها في تشكيل هويتها.

يمنحها العمران الذي يحيط به، أفقا حدا، وتمنحه هي أفقا حدا كذلك، لكنهما لا يصنعان حدودا. وتجلب لها الشوارع التي تصب فيها، أطراف المدينة وأحشاءها، وتعيد لأطراف المدينة ما جلبته في نهاية النهار احمال يوم، لذلك فحدودها ليست بما تحتله من بقعة مسماة، ولا بما يحدده لها المحيط، بل بما تسحبه اليها من مناطق المدينة وما تفرغه في هذه المناطق، فهي التي تؤسس وتنظم أفعال ومهمات الآخرين، حتى لتبدو الأجزاء المحاذية لها: البيوت، العمارات، المخازن، الحدائق… الخ موظفة لحضورها الدائم، وعرضة للتغيير كلما فرضت الساحة عليها تصورا جديدا، شأنها شأن الأمكنة المطوبة كالعابد والمساجد والبناء التراثي الذي يحرك ما حوله بما يحمله من ارث وبما يستجد فيه من معنى، لذلك بقيت الساحة مفهوما لفريا ثابتا منذ وجودها وحتى الآن. جاءت الى المدينة من البيت الاسلامي، بمفردة "الحوش" واتسعت في المدينة تعويضا عن جريان النهر فيها، فهي نهر المدينة المرتفع، وكأنها من البنى التي ترتبط ببيولوجيا الجسد الانساني، حر وحرك وتجديد ونمو وفاعلية، تلك البنى التيتلغي القديم كلما مر زمن ما عليه. وتحتضن الجديد كلما كانت شروطه معلنة. لا تبلى الساحة الا من داخلها، ولا تتجدد الا متى كان من حولها منسجما وأفعالها.. ولا نعدم القول ان مفهوم الساحة – الحوش، موجود في كل بيت، وفي كل مكان يسكنه البشر، بل ويحمله كل انسان معه، حتى عدت بأسمائها المختلفة دالة على معنى الديمومة والجريان..

ليست ساحة التحرير عنصرا بنائيا مجردا، مثل البيت أو الفندق أو المقهى، بل هي بناء كلي، ومن المواقع الشاملة لمعنى المدينة، فيها تتمظهر الفعاليات التي تنتمي الى الحضارة، وفيها يموت ما هو مغاير لها، من هنا كانت وما تزال البؤرة التي تتشكل فيها سمة بغداد الاجتماعية والحضارية، ولأنها في عاصمة العراق حملت الفعاليات التي تقام فيها سمة العراق كله، فاحتوت لفتها مفاهيم مثل الشعبية، العمومية، الشمولية، الديمومة، الحرية، التقدمية… الخ. ولذلك تلجأ الحكومات اليها كي تكسب قراراتها صفة شعبية – تتمتع الملاعب الرياضية بمثل هذا التعميم السياسي أيضا، ولا تتمتع به القاعات المغلقة.

تعد ساحة التحرير والفعاليات التي تقام فيها منذ منتصف القرن الحالي، وحتى في فترة الحروب الداعية، العين التي لا تنام، فما اعترى بغداد من ظلام وظلمة، كانت هي عينها المبصرة في ظلام المدينة والتاريخ.. وكأنها تكمل بيقظتها المستمرة، ما يفكر به رأس شارع الرشيد- الباب المعظم.

3

لا تبدو ساحة التحرير لمشاهدها الا صورة مصغرة لبغداد كلهان فهي من حيث الموقع كانت وما تزال البؤرة التي يتصاهر فيها صوبا بغداد- الرصافة والكرخ – وكأنها بقعة لا تنتمي لأي منهما، ومن حيث الدلالة أصبحت هذه الساحة بعيد سقوط العهد الملكي في الرابع عشر من تموز عام 1958 رمزا للتحرير. وما اسم التحرير الذي استبدل به اسمها- لم نعرف ما هو اسمها القديم الا صفة ملحقة بها آتية اليها من ثقافة الشارع اليساري في الخمسينات. في حين ان مكانها جزء من البستان البغدادي الكبير الذي كانت حدوده نهاية شارع الرشيد، وبدايتها الكرادة والجادرية وديالي وكل الفضاء الممتد خارجا. وحتى عندما وضع فيها تمثال السعدون لم يكن لها اسم محدد، يسميها الاستاذ عباس بغدادي "احدى ساحات بغداد"، فاسمها الحالي "ساحة التحرير" مواصلة لدور الشهادة في الذاكرة العراقية اليسارية، حيث الشخصية الوطنية عبدالمحسن السعدون الذي انتحر، جراء خلافه مع الانجليز، يعد رمزا من رموز الحرية الوطنية المناهضة للاستعمار، فبيت السعدون كان قريبا منها، وتمثاله وضع بعد انتحاره فيها، ولكن لغة "الحرية" السياسية التي حدثت في المجتمع العراقي بعد ثورة تموز عام 1958 كانت اكبر من دلالتها اللغوية المجردة. فسميت الساحة بـ "التحرير" تيمنا بهذه الحرية، ثم زاد حضورها في ذاكرة الناس والمجتمع والعمران عندما اصبحت لاحقا مكانا لنصب الحرية – لا ندري على وجه الدقة متى اطلق عليها "ساحة الحرية"، هل تم ذلك بعد ثورة تموز 1958، أم بعد ان قررت أمانة عاصمة بغداد وضع نصب الحرية فيها والذي صممه الفنان العراقي جواد سليم، عام 1962 مسبغا عليها طابعا جماليا وفنيا جعل منها ليست ساحة فقط، بل كيانا عراقيا عريقا ترى بغداد التراث والمعاصرة فيها.

ليست ساحة التحرير الا الخليج الذي تصب فيه شوارع المدينة كلها، فلا تشعر بالغربة عندما تكون فيها، فهي البؤرة التي ولدتها الشوارع والمناطق، ولأنها كذلك لا تراما الا وعاء لحركة هذه الشوارع والمناطق، تواجهك في كل لحظة بمتغيرات المكان والناس، وتواجهك في لحظة أخرى بسكونية المجتمع والناس، تفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم، وما دامت منفتحة للريح وللناس ليس لها أسئلة، فالأسئلة تتكون في الاماكن المنقطعة، المغلقة، في حين ان الساحات كلها أجوبة عن اسئلة لا نعرف متى تشكلت، من هنا تبقى ساحة التحرير منفتحة على أزمنة عراقية قديمة وحديثة، فيها تشعر بحضور العباسيين، وفيها تشعر بحضور الأوروبيين كل الآتين اليها من الساسة العراقيين ومن الايديولوجيات المختلفة انتموا اليها، وكل التصميمات المعمارية الحديثة تجدها مموهة فيها، لذا فهي تنتمي لكل التواريخ. الا تاريخ أولئك الذين اطلقوا النار على نصبها "الحرية" عندما وجدوا انهم اصدقاء السجون – كان من الداعين لهدم نصب الحرية الشيخ جلال الحنفي!!

4

في بعدها المكاني نجدها تتوسط أمكنة عدة:

فمن جهة الغرب يأتي اليها جسر الجمهورية، المشيد على دجلة، ساحبا خلفه صوب الكوخ كله، بركابه وسا بلته، بتاريخه وسلطته، بمخاوفه وافراحه، بعرباته والمشاة، ليلقي حمله فيها. وقد شكل الفضاء الذي صنعه شريان الجسر النازل اليها أفقا بصريا وجماليا يعمق احساسنا بالنصب والساحة معا. بحيث يبدوان وكأنهما يحتضنان القادم اليهما، ومانحين الرؤية بعدا حضورا يملأ فضاء المنطقة كلها، فنصب الحرية ذو تركيبة أفقية – فضائية معلق على جدارين، مما يعني انه يحتاج الى رؤية أفقية متأملة لتفاصيله. هكذا فعل فضاء جسر الجمهورية مع الساحة، يزداد احساسك بجمالية النصب كلما قربت اليه، وكلما اقتربت منه ارتفع، حتى اذا ما وقفت تحته كان سماء لوحده.

ومن جهة الشمال – الغربي تشكل نهاية شارع الرشيد، بداية لساحة التحرير، التي امتلأت بمراكز فنية واقتصادية مهمة: منها اسواق شركة حسو اخوان، التي أممت في الستينات، واصبحت شركة للأحذية والجلود العراقية. وبالقرب منها فتحت قاعة التحرير للمعا رض التشكيلية، وخلفهما بمحاذاة شاطئ دجلة تشهد المنطقة آثار بيت للمرحوم عبدالمحسن السعون. وبالمقابل لها بقيت محلات القيمقجي الموسيقية قائمة تسمع زوارها والسائرين في الشارع أصوات الموسيقى العراقية القديمة. وفي وسط الباحة وبالقرب من رقبة جسر الجمهورية فتحت مطاعم حديثة، منها المطعم التركي، وعلى الشاطئ ما يزال المثقفون يزورون مطعم ومشرب سولاف، وفي البناية المحاذية للجسر كانت فرقة المسرح الفني الحديث تحتل شقة فيها قبل ان تنتقل الى مسرح بغداد، وعلى امتداد الممرات ثمة بنايات كثيرة أهمها: دائرة البريد والبرق المركزية، وثمة عشرات المخازن والمطاعم والبارات، وفي زاوية من هذا المكان اعتلت مكانا مجلة الثقافة الجديدة، مجلة الحزب الشيوعي العراقي، فنهاية شارع الرشيد حصيلة لثقافات عدة وموقع لمواقع تصب كلها في تيار تحديث المدينة، فساحة التحرير ونصبها المشهور يتكئان على مكونات مدينة حديثة هي فعالية المراكز والمؤسسات التي تتجمع فيها مما يعطينا انطباعا ان شريحة عريضة من الناس تأتي وهي محملة بنوى التحديث، واذا أضفنا اليها جمهور المكتبات الذي تقع في مدخل شارع السعدون، وجمهور وزارة الثقافة التي تقع في نهاية شارع الجمهورية وجمهور البارات التي تقع خلف محلة البتاوين نجد ان الساحة ونصبها، مركزا للحداثة.

ومن جهة الشمال الشرقي يصب مجرى شارع الجمهورية، الذي فتح في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم، فيها ناقلا اليها الآتين من الباب المعظم وشمال بغداد، وهو شريان تجاري صناعي نقدي كبير، وفيه تتركز أعم عمارة بغداد الحديثة، وفي نقطة الالتقاء بالساحة توجد وزارة الثقافة والاعلام في أول السبعينات، ومقاه ومحلات للملابس القديمة، وعيادات الاطباء، ومكاتب هندسية ومكتبات، ثم جرى تغيير جذري لهذه التركيبة بعد وأثناء حروب العراق. تختلط في البقعة الواقعة في مدخل الساحة أشياء بغداد القديمة – على الجهة اليسرى أسواق العبي والملابس واليشماغات والاحذية القديمة، والأكلات الشعبية، ومحلات الخياطة، والافرشة وتجهيزات العرس. وكراجات النقل الداخلية، وعلى الجانب الأيمن توجد محلات الحلويات ومحلات الأحذية الجديدة والقمصان والأقمشة الحديثة، حتى لتجد ان ضفتي شارع الجمهورية متناقضتان، احداهما تنتمي لتقاليد بغداد القديمة، والأخرى تنتمي لحداثة بغداد المتحولة، وفي كلا الحالين نجد تيار الاثنين يصب في الساحة ونفقها.

ومن جهة الشرق تشكل ساحة الطيران امتدادا لساحة التحرير واستيعابا لبعض مهماتها بالرغم من انها أقدم من ساحة التحرير. وهي موقع يشد أجزاء بغداد بعضها لبعض من خلال وسائط النقل المتجمعة ليلا ونهارا فيها، وقد احتوت ساحة الطيران على نصب "14 تموز" للفنان فائق حسن. الذي يعد تحفة من تحف الفن الحديث، وتعد هذه الساحة موطنا مسائيا وصباحيا للعربات الممتلئة بالأكلات الشعبية، حيث يتجمع العمال والمقاولون فيها للاتفاق على العمل اليومي، خاصة عمال البناء والسواق. وتبدأ حركة الساحة بعد منتصف الليل، حيث تمسي ملتقى للآتين من أطراف بغداد للذهاب الى بيوتهم او الى أعمالهم، كما يشكل الشارع المحاذي لساحة الأمة والمنتهي بساحة التحرير من جهة الشمال محطة لانطلاق السيارات بركابها الى صوب الكوخ، وكأنها تعيد ما قدم اليها أثناء النهار.

ومن جهة الجنوب الشرقي تكون ساحة الطيران وساحة التحرير نهاية لشارع النضال، وفيه تقع أهم الكنائس المسيحية، منها الكنيسة البريطانية في العشرينات كما يقول عباس بغدادي ص 27 والأطباء والمكتبات، وتعتبر هذه المنطقة امتدادا لمحلة البتاوين التي ترتبط بوجود المسيحيين سكنا وعملا.

ومن جهة الجنوب الغربي للساحة تكون ساحة التحرير بداية لشارعي السعدون وأبي نواس، الشارعان اللذان تصب سيرتهما في مناطق الكرادة خارج والجادرية والمسبح، فهي تأخذ من هذه المناطق الجريان البشري اليومي وتعيده اليها، كما كانت مكانا لسكن الدبلوماسيين والسفراء وبعض رجالات الحكم العراقي، كما هو شأن الوزيرية ومنطقة الكوخ التي اختصتا بسكن أكثرية رجال الدولة العراقية من العرب، مما يعني ان منطقة الباب الشرقي أكثر انفتاحا على الجنسيات التي تشكل نسيج المجتمع العراقي. وتكاد بغداد ان تكون في هذه المنطقة اكثر من غيرها حضورا حيا نابضا بالحركة والتجديد، ففيها تجمعت كل وسائل اللهو من سينما ومسارح ونواد ليلية ورياضية ومخازن حديثة ومحلات العمل بمختلف أنواعه، والمطاعم والشوارع الخلفية المضيئة، وبعض الدور التي تتداول بها بضاعة النساء كشارع المشجر.. وفي الرأس من شارع السعدون تقع اهم مكتبات بغداد: مكتبة المثنى ومكتبة التحرير والمكتبة العالمية ومكتبة النهضة ومقاه منها مقهى المعقدين المشهور، الذي ضم الشيوعيين وغير الشيوعيين. ومطعم نزار الذي ارتبط بأكلات شعبية غنية، وكافيه كيت عات ملتقى الشباب، وفي العمق والحواف تأتي مقهى ياسين ومطعم جبار ابو الكباب وغيره. اما اذا نزلت الى شارع ابي نواس فلا تجد هناك من بغداد القديمة الا الاسم فقط، حيث يتوسط الشارع تمثال لأبي نواس، معلنا عن دلالة الاسم بالفن في حين ان الشاطئ ومساحاته احتلتها كازينو هات حديثة، ومطاعم السمك المسكون، والمتنزهات التي تطل على ساحل دجلة، والى وقت قريب كانت هذه المتنزهات مكانا لفسحة العشات والأحبة، الا عندما اتى هادم اللذات ومفسد المسرات "الحرس الليلي والفرق الحزبية" فسرب الموت اليها لتصبح جرداء خالية من الحب والشعر. مدعين أنها تقع قبالة القصر الجمهوري في كرادة مريم..!! فساحة التحرير من أكثر الاماكن احتفالا بغنائية الحياة اليومية، وهو ما دفع الشعراء ان يكتبوا عن هذه الشيمة الشعبية. فعندما لا تكون الساحة حاضرة في المتغيرات الكبيرة، تفقد الحداثة بريقها، هذا ما نجده في قصيدتين "بغداد الجديدة" للشاعر سعدي يوسف، وقصيدة "سعادة عوليس" للشاعر سامي مهدي، الاولي تتحدث عن محتويات الساحة الشعبية وكيفية رسم أفق حديث لبغداد الآتية عبر الغبش وأكباد الجاموس وبائعات القيصر ورايات العمال، والثانية عبر تصور الحداثة الاجتماعية عبر قرارات فوقية وسياحة متأملة في الساحة وهي تحتوي بغداد المعاصرة لرجل مشحون بكآبة بيتية يقلد فيها عوليس وقضيته مع بنلوب في ثياب النوم وأرث الخيانة. وكلتا القصيدتين نقطتا تحول في مسار الشعر العراقي الحديث، فالساحة كانت بؤرة للتنوير الثقافي، وحداثتها جزء من حداثة ثقافة المعمار الذي شهد في السنوات العشر الماضية على تأسيس الساحة بداية تلمس هوية عراقية – تراثية للعمارة المدنية، استوعب بعضها شارع الجمهورية لنشاطه الاقتصادي والمالي والتجاري، لعل نشوء الساحة ومداراتها المنفتحة على جهاتها كلها هو جزء من نهوض البرجوازية الصغيرة وطبقتها الوسطى، تلك التي ترى افق الحياة اللاحق في مدارات مكانية منتجة، وفي تصورات ثقافية – مكانية شواهد حتى مفردات نصب الحرية اذا ما استقرأتها جيدا تجدها تتصل بفكر الطبقة الوسطى، وهذا ما نحاول دراسته منفصلا في مقال آخر عن منحوتات النصب.

هذه البانوراما الحياتية لا تجدها الا من افعال ساحة التحرير التي ضمنت توافر وسائط النقل فيها دوام الحركة بينها وبين أطراف بغداد كلها، مما يعني انها المكان الشريان الذي يؤمن وجود الناس والامكنة طوال اليوم وفي الوقت نفسه تدفعهم نحو تحديث رؤيتهم.

5

تنحدر ساحة التحرير من جهة الشرق الى بقعة منخفضة تسمى حديقة الأمة، وكأنها وعاء مائي يمتلئ بالخضرة وبأ قدام العارة والسكارى، فيها شيء من ذكرى بغداد العباسيين، واشعار أبي نواس، وعندما تمر فيها عابرا بين أطراف الساحة تتسمع ذلك الصوت الشعبي الدفين بين أحجارها وهو يردد صدى السنين لحديقة تعد واحدة من أهم حدائق الرصافة، تلك هي حديقة الأمة، وقد استوعبت الاعياد والمناسبات، ان لم تكن في عيد مستمر، فهي المركز الذي تتجمع فيه أفواه الناس المغنية والهاتفة، وهي المسرب السري الذي يلجأ اليه المتظاهرون عندما تقمعهم السلطات. وهي المعبر الذي تخشاه الفتيات لاختباء المتحرشين بهن بين اشجارها الزيتون واليوكالبتوس والنخيل.. وبقيت هذه الحديقة الى وقت قريب ملاذا للسكارى والمشردين والهاربين والمعوزين، يختبئون بين أشجارها وظلالها، ويقتسمون بقايا العرق والمازة. كانت حوافها المرتفعة الى وقت قريب مقاعد للجالسين وهم يتفرجون على حركة الشارعين المحيطين بالحديقة، ومن حولها تبدأ مسيرة الباعة اليومية، متنقلين بين ساحة التحرير وساحة الطيران، وبينهما وبين البتاوين. وثمة روائح الأكل والخمرة تنتشر في فضاء المنطقة عندما تمتزج روائح السكارى والبارات بعد ليل ضاج، برائحة الاكباد المشوية.. لتتركز كل هذه الفعاليات لاحقا في ساحة الطيران، بعد ان انسحبت حديقة الامة الى الخلف بمقاعدها الخشبية المتكسرة.

في هذه الحديقة وقبل ان يتسرب اليها الانطفاء، أقيم فيها تمثال "الأم" للفنان خالد الرحال الذي يعد تحفة فنية رائعة للتصميم. بانسجام حركات الجسد وانسيابية السطح ودقة التفاصيل، والمعنى الشعري من ان تكون الأم في منخفض مدينة – حديقة وكأنها تحتضن في احشأئها كل ولادات الحداثة في بغداد- تعني الأم في الميثولوجيا القديمة أرض الرافدين – وكأن خالد الرحال في هذا التمثال يستوطن بغداد المعاصرة بما حملته أرض الرافدين الأم كلها. هذا النصب اعطى للحديقة وما جاورها قبل ان يشيد نصب الحرية، عمقا سياسيا وجماليا، لتتحول الى مكان يستقطب الناس والضوء، لم تقل قيمة النصب اجتماعيا وليس – فنيا- فيها الا بعد أن شيد نصب الحرية، مرتفعا فوق هامة التمثال فسرق الاهتمام البصري من تمثال الأم الذي كان يتعايش في منخفض الحديقة. لم تلق هذه الحديقة من الثقافة شعرا او قصة الا القليل، بينما كانت مقاعدها مجالس الكثيرين منهم، ولوحاها من دون مناطق ساحة التحرير كانت تحتوي على مرافق صحية للتبول، مما يعني انها جزء من بقعة مكتفية بذاتها، فقد كانت مكانا نشطا للعبور، وممرا يؤدي الى حركة أوسع في المدينة.. وبعد ان انتقلت بغداد في السبعينات الى نهضة حضارية مرورية كبيرة ومهمة، جرى لساحة التحرير تطوير لمساحاتها وتنظيم لطرقها- لأول مرة في العراق يكون لنفق ساحة التحرير مصاعد كهربائية رغم قرب المسافة مما دفع بالكثيرين منا الى مارستها يوميا كجزء من التلبس بحداثة الطرق وتنوعها- لقد اسهم تنظيم السير فيها ومن حولها في أن يكون التجول فيها غاية بحد ذاته. في مثل هذا التنظيم الجديد تنمو حاسة جديدة للمكان، مستخلصة روح الشعر من العلاقات المنتظمة بين الناس واساليب المرور.. وثمة نغمة شعرية مضمرة يجري احتواؤها في هذه الساحة تلك هي شجيرات النخيل والزيتون التي تحتويها حديقة الأمة وكأنها تحاكي خضرة تراث وتاريخ النصب فيها. في حين ان حواف الحديقة من كل جهاتها زرعت بورد الياس، اخضرارا الأمكنة يولد سعة للمخيلة، وفي العمق من هذا كله ثمة من يتقبل رائحة العشق في هفهفة ثياب الفتيات المارات وسط وحول الساحة. الهدوء الاجتماعي يولد حرية غير مفرطة في العلاقات، في حين ان هذه الساحة في فترات لاحقة اصبحت مكانا للتحرش بالفتيات، خاصة في فترة الحرب عندما تحول الجنود العائدون من ساحات القتال في اجازاتهم الى متمردين على أعراف القبيلة والبلد وتقاليدهما. وهو أمر تنامى لاحقا ليصبح ظاهرة معقدة تفصح عن هشاشة العرف والتقاليد في رهن الحروب، فالحروب ليست سلاحا واحتلالا ودفعا، انما خلخلة في البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع وهذا ما حدث للعراق ومن الصعب استدراكه مهما فعل المعنيون له، فالاعتداء على الفتيات من قبل البعض يفصح عن خلل في التركيبة الشعورية التي تخلقها ظروف الحرب. رافقتها موجة من المسرحيات التجارية الهابطة فنا وخلقا، لتستقطب جماهير واسعة تصرف كبتها الجنسي والعاطفي من خلال سماعها لمفردات جنسية على ألسنة ممثلين صغار.. الامر الذي جعل فضاء الساحة بعيد الظهر قاحلا ومقفرا بل وموحشا مقفرا في المساء، لتصبح لاحقا عبارة عن خيمة لحرس مدججين بالسلاح يتوسدون الساحة، مصوبين بنادقهم نحو صدور اخوتهم، بينما يحتل العدو الايراني والامريكي بقعا من ارض ~ تاريخ العراق. وفي اللحظة نفسها يطل عليهم نصب الحرية ساخرا.

لم ندرك بالضبط لم كانت ساحة التحرير بمثل هذه الأهمية في زمن الحرب، بحيث عندما قاطعها الناس اقفرت الطرق، فهي الملتقى والمفرق، وهي المجمع لشرايين المدينة والموزعة فيها، لذلك كانت بمثابة البؤرة المطفأة في المدينة، ومن عايش سنوات الحرب الاخيرة يجد ان معنى الحرية لا يتجسد بشعار او لافتة، بل في ان تجعل الساحات ممتلئة بأقدام المشاة، الحرية صفو القدمين وليس الرأس واللغة فقط – من كان لفترة طويلة في السجون ويخرج بعد الافراج عنه للشوارع، يجد نفسه في حركة لا ارادية بين ان يخطو خطوة وان يلتفت الى الخلف – فالحرية قبل ان تكون لغة، تكون حركة.

وعندما شيد في الستينات مركز فني بناه كولبنكيان "مستر فايف برسن" اطلق عليه في أول الأمر "قاعة المتحف الوطني"، ثم استبدل الاسم بعد تشييد بناية المتحف الوطني في الصالحية، الى "قاعة المتحف"، لتعرض فيها أعمال الرسامين العراقيين الفنية، ثم ليصبح نواة للمراكز الفنية الاخرى في العراق. في هذه القاعة تتصاهر القيم الجمالية لعمارة حديثة، مع البعد الفني للرسم العراقي الحديث. وهو ما يعني ان تمركز المنشآت فنية تتجاور مع الساحة أمر يعمق احساس المواطن العادي بحداثة مدينة.

كما أقيم في ساحة الطيران وعلى حواف حديقة الامة الشرقية جدارية "14 تموز" للفنان فائق حسن، وهي جدارية على قدر كبير من الفنية والاتقان، منفتحا على صوب الرصافة كله، ومحتضنا أعين الآتين من رصافة بغداد ومدنها الحواف، فكان معادلا موضوعيا لنصب الحرية، المنفتح هو الآخر على صوب الكرخ نصبان كبيران، يعللان بفنهما ودلالتهما وعمق أمالتهما على رؤية بصرية ومكانية واسعة للساحتين، في حين يديران ظهريهما لحديقة الأمة، لتنكفئ الحديقة بعد ذلك، فتصبح أما تحتضن في أحشائها تمثال "الأم" لوحده وهو يتجه نحو سماء بغداد المرتفعة، وقد تعرض نصب "14 تموز" للتشويه أيضا عندما مسحت الحمامات المنطلقة من قفصها على يد البعض من المسؤولين مدعين أن انطلاقة الحمامات من القفص تعني حرية الشيوعيين.

6

في السبعينات وبعد أن ازدادت نفوس بغداد، وتعددت المدن الملحقة ببغداد، واتسعت حركة المرور منها واليها وفيها، وتحسنت شبكة الاتصالات بفتح طرق حديثة بين المحافظات العراقية وبغداد، بدأ العمل في نفق لساحة التحرير. محاولة تسهيل الاتصال بين رؤوس الشوارع الكبيرة، فعمل نفق من مستويين اسفل لمرور العربات لاتصال شرايين المدينة بعضها ببعض، ووسطى لمرور السابلة الذي فتحت فيه محلات تجارية، فنقل منها تمثال المرحوم عبدالمحسن السعدون الى ساحة قريبة من الباب الشرقي سميت باسمه – وثمة نكتة تقول إن عبدالمحسن السعدون، وبعد ان سمع خطب قادة: البعثيين والشيوعيين يخطبون في الساحة بعد توقيع الجبهة الوطنية عام 1973 بجواره، طلب نقل تمثاله من مكانه في ساحة التحرير، احتجاجا على ما يحدث، ليجعل النفق من الساحة بمستويين، احدهما ممتد في أحشائها يستوعب حركة المارة والمركبات، والآخر منبسط على سطحها للأغراض نفسها، كما بنيت على حواف الساحة من جهاتها الأربع العمارات، لتصبح ساحة التحرير من اهم المناطق التي يشكل حضورها اليومي بعدا من أبعاد جمالية المدينة الحديثة. وفي هذه الاماكن المحيطة تركزت أهم المراكز الثقافية، والمقاهي، والمكتبات، والاسواق، ولتتحول في آخر المطاف الى صورة مصفرة لبغداد كلها، فكانت البقعة التي لا يصبح الجديد في بغداد جديدا، الا اذا عرض فيها…

7

يعد نفق التحرير اهم نفق يقام في بغداد، ليس لاستيعاب حركة مرور المشاة والعربات فقط، لاظهار جمالية بغداد جوا وأرضا، – وقد قدم المهندس احسان فتحي في أواخر السبعينات محاضرة في مقر اتحاد الأدباء في ساحة الاندلس عن بغداد السبعينات، عرض فيها صورا للاقمار الصناعية الامريكية وهي تظهر ساحة التحرير بنفقها فبدا لنا حديثا مضينا يكشف ليس عن بغداد فقط بل عن تصور امريكي لبغداد المعاصرة. وضمن المناقشات سألت المحاضر فيما اذا كانت هذه الصور الملتقطة لبغداد وساحة التحرير جزء من مخطط امريكي لمراقبة العراق، كان جواب المحاضر بنعم – عن ساحة التحرير- ولجعل ساحة التحرير كيانا له مدى الصورة البانورامية الكبيرة للعراق، شأنها شأن شارع الرشيد، ما من شيء يحدث فيه إلا وله تأثير في العراق كله، فكانت أرضية النفق الخضراء والمتعرجة الممرات الصغيرة للمارة، وفيها شارع وسطي للمركبات يوصل بين شارعي الجمهورية والسعدون، ميدانا لتجمع الناس، بينما اصبح سقفها فوهة مفتوحة على السماء وكأنها قبة اسلامية تستجلب الضوء الى المصلين في داخلها، وجعل من حولها دائرة لمرور المركبات تقاطعها ممرات للمشاة، وكأنها مسارب ضوء تعايش سطح الساحة وتمنحها بعدا فضائيا جميلا. وقد زينت جدران النفق بلوحات فنية اسوة بما يحدث في انفاق العالم، فكانت بقعة جمالية ترى وكأنها تنتمي للمدن الحديثة. وقد استغرق عمل النفق سنوات عدة، لينتهي به الامر في آخر المطاف كيانا حديثا ولكن بدون صيانة. فتسربت اليه مظاهر الشيخوخة والاهمال والحروب. وتحول الى بقعة مليئة بالبول والوساخة والظلمة والمتسكعين والمتسولين، خاصة النساء اللواتي يفترشن الارض مع أطفالهن العراة. وتعطلت سلالمه الكهربائية خاصة في أيام الحروب الداعية، ولتصبح الساحة – سطحها وباطنها- موحشة الا من اسلحة للشرطة وحراس الحكم وهي تملأ فضاءها المظلم. وكنا عندما نعبر الساحة ليلا يتسرب الخوف الى اقدامنا وألسنتنا، ونخشي المرور في باطنها، فقد نصبت فيها الخيام السرية، وقطعت الطرق المؤدية اليها على الناس، وكثر السؤال عن التأخير والتباطؤ، واصبحت الساحة ضيقة بعد ان كانت متنفسا حرا للناس.. أما نصب الحرية فقد أطفئت أضواؤه، واتسخت أرضيته، حتى تلك النافورة التي نصبت عمدا لتشويهه، وجعلت جدران النصب رطبة يتسرب اليها موت المياه البطيء، توقفت عن الجريان، فساحة التحرير في هذه المرحلة كانت الصورة الشاهد على ان الموت يطال أهم مرافق الحداثة في البلاد.

8

عملت جدران النفق المرتفعة في فضاء الساحة موانع علبة أمام النصب، ففقد النصب انسياب نظر المارين من حوله والقادمين من صوب الكوخ وهم يسلكون العربات المارة على جسر الجمهورية، فدفعت هذه الموانع الكونكريتية بالمارة الى السير تحت النصب وهم معلقين بصرهم في فضاء الجدار، مما قلل ذلك من رغبة التأمل في تفاصيله ودلالاتها. كما كانت الحواجز، بالاضافة الى وجود النفق بهذه الضخامة غير المبرر، مشوهة لفضاء الساحة الآخر، عندما تحولت الى اماكن تعلق عليها الاعلانات واللافتات ومكانا لتجمع الباعة الصفار، فقلت جماهيرية النصب، مما يعني ان النصب فقد جزءا كبيرا من وجوده مكشوفا امام الداخلين للساحة من كل اطرافها المختلفة. يقول جواد سليم في أحدى يومياته "انني كثيرا ما أمثل دور النحات بالمؤلف الموسيقي، فالمؤلف الموسيقي تتعلق درجة انتاجه بكثرة سامعيه: فكلما كثروا، كثر انتاجه واخذ شكلا أرقي وأنفس، وكلما قلوا صغرت نتاجاته وقلت قيمتها" ص 13 جبرا ابراهيم جبرا جواد سليم ونصب الحرية، وهذا الامر منطبق على جمهور ساحة التحرير بعد ان سيجت حواف النفق وبعد أن قصرت المسافة للمشاة من تحته.

يستمد النصب جزءا من جماله عندما يكون الفضاء المحيط به موظفا توظيفا جماليا، بحيث تبدو الرؤية له مشبعة بفنية تفاصيل المنحوتات، لهذا السبب اختار المعنيون في أمانة العاصمة ساحة التحرير لأن تكون مكانا لنصب الحرية، فعلى مقربة منها فضاء مائي جميل يصنعه نهر دجلة موشى بساحل أبي نواس وأسماعه المسكونة الأمر الذي أعطى لموضوع النصب التاريخي والتراثي والمعاصر قيمه بعدية. فقد يتصاهر التاريخ القديم بالحاضر عندما يستحضر بعمل فني يتناغم مع المسافات الجغرافية المحيطة به. فالتأمل في العلاقة القائمة بين التاريخ والنصب يمنحنا بعدا دلاليا حد اثويا، ليس في مفرداته فقط بل فيما يحيط به. الا ان الحواجز التي نصبت في الساحة قد قللت من قيمة هذه المصاهرة بين النصب والناس، بل واصبحت كتلا جاثية على الأرض تحد من حركة العين والقدم. ففقد النصب بسببها بعض جماليته التي ترى قيمتها التشكيلية عندما تهبط مشيا او راكبا وأنت آت من صوب الكوخ اليه أو عندما تقف بعيدا عنه متأملا تفاصيله الفضائية التي شدت الى جدار معلق في سماء المدينة.

لم يقف هذا التشويه لرؤية النصب عند هذه الكوابح الجاثية في الساحة، بل تبعتها موانع أخرى عندما عمدت أمانة العاصمة بوضع جدار من المرمر تحت النصب، وفيه نافورة مياه، سببت شقوقا ورطوبة في جسور النصب الأرضية – من أجل أن يكتب عليه: ان النصب شيد في عهد "أحمد حسن البكر وصدام حسين"، في حين ان النصب شيد في عهد عبدالكريم قاسم، وذلك في عام 1962، الذي لم يستطع الفنان جواد سليم من مشاهدته حيث توفي قبل ان يكتمل، وأوكل أمر تكملته الى فريق عمل كان على رأسهم الفنان محمد غني حكمت. هذه النافورة وجدارها سدا فضاء النصب الأسفل الذي يكون علاقته جمالية مع فضاء حديقة الأمة الأرضي، والتي- فقدت هي الأخرى أهميتها بعد أن سدت الممرات النازلة اليها بالشرطة السرية من أجل ان تحرس اسمي البكر وصدام المكتوبان على الجدار!!

9

في مفهوم ساحة التحرير نعثر على تركيبة لغوية – تنظيمية لا توفرها لنا الأماكن الأخرى، جزء من هذه التركيبة فرضه نصب الحرية عليها، فأسبغ عمقا فنيا على المارين فيها فالمار يعي انه في حضرة نصب له قيمة فنية وجمالية وسياسية كبيرة. وأي لغة بصرية تتعامل معه هي لغة اجتماعية – تاريخية. جزء من هذه التركيبة اللغوية آتى من النفق الذي توسطها، فأسبغ عليها عمقا وجدانيا وعمليا، على من يسلك النفق ان يفكر أنه ينتقل عبر أمكنة المدينة بسهولة وجزء ثالث أتى من فضاء جسر الجمهورية، الذي اسبغ هو الآخر على الساحة مشهدا عيانيا لا يمكن حجبه، انه تركيبة تنسجم والتآلف البصري والوجداني بين الساحة والجسر. وجزء رابع أتى من البناء والمعمار الذي يحيط بها، وهو وحده الذي كان عبر الزمن عرضة للتغيير المستمر، بحثا عن انسجام ما بني حداثة النصب والساحة والجسر، وبين تخلف العمارة المحيطة بها عن مواكبة هذا التقدم. وجزء خامس أتاها من مصبات ونهايات الشوارع الكبيرة: شارع الرشيد وشارع الجمهورية وبدايات شارع أبي نواس وشارع السعدون وغيرها، كل هذه المفردات صنعت ما نسميه "بألفة مكانية جانبة" رغم تباين مصادرها ولغاتها ومكوناتها، هذه الألفة لم تأت اعتباطا، بل جاءت وهي محملة بتكوين تراثي- معاصر. هو مركز مدينة نابض بالمتناقضات، ولها مدى ثقافي- وجداني يمتد من ثقافة البستان العباسي وحتى اليوم. وممارسة سياسية واعية وغير واعية لأجيال من الثوريين اليساريين فيها.. لذلك يحمل الكرنفال أو الأعياد التي تقام فيها تاريخ مفردات هذه اللغات المكانية، ثم يعمق حضورها في المحتفلين، كما لو كان إرثا يتداوله الأبناء. بمعنى أن الكرنفال يستعير كل هذا الارث اللغوي ليجدد، فالمكان يفرض ثقافة ما على الممارسة فيه، من هنا تصبح ساحة التحرير ميدانا للممارسة التاريخية – المعاصرة، لا تقوم بالمهمة ذاتها أي ساحة أخرى.

10

شهدت ساحة التحرير في الباب الشرقي منذ الخمسينات معظم الفعاليات الجماهيرية التي كانت تقام في بغداد، تلك التي كانت مع أو ضد الدولة. فالاحتفال والساحة مفردتان متلازمتان، لا نفكر بالساحة إلا ونفكر بالاحتفال، ولا نفكر بالاحتفال إلا ونفكر بساحة، فالساحة والاحتفال يفكر أحدهما بالآخر ودائما كانت ساحة التحرير نهاية المظاهرات، بعد ان كانت هذه الفعاليات متمركزة في رأس شارع الرشيد: الباب المعظم وساحة الميدان، فشارع الرشيد هو الممر العلني لفعاليات الجماهير خلال حقب عدة، والذي كانت. بعض مناطقه خاصة في الحيدر خانة ومحلة جديد حسن باشا والثانوية المركزية ومقاهي الرشيد منطلقا للمظاهرات، في حين كانت مناطق أخرى من الشارع، خاصة في رأس القرية والسنك مكمنا للشرطة السرية، لضرب المتظاهرين المتجهين الى ساحة التحرير. فشارع الرشيد شارع جدلي يفجر المظاهرة ويقمعها في آن واحد، أما الساحة فهي الوعاء الشعبي الذي يحتضن الخطب والأفكار، ليس لأنها واسعة وتستوعب جموع المتظاهرين، بل لأنها ترتبط بالرصافة، هذا الصوب الذي يعد صوبا شعبيا في كل الأحوال – على العكس من صوب الكرخ الذي تمركزت به مراكز السلطات الحاكمة منذ أبو جعفر المنصور وحتى الوقت الحاضر، ولم يشهد ان خرجت فيه مظاهرات ضد حكم ما، اضافة الى كونه مركزا لقصور الملكية عندما انتقلت من منطقة الوزيرية اليه بعد وفاة الملك فيصل الأول. وبالرغم من وجود مدن شعبية عدة في الكرخ منها: البياع والعامل والشرطة والعدل والاسكان وغيرها، الا ان الطابع العام للكرخ طابع تغلب عليه خصوصيات السلطة.

يفصح ارتباط ساحة التحرير بالرصافة مكانا ودلالة، لارتباط صوب الرصافة بجذر بغداد الزراعي، فهي من بقايا مؤسسة ثقافة البستان ء تلك الثقافة القائمة على البنية العشائرية – الزراعية التي يتعاضد فيها الاقتصاد الريفي والطبيعة المائية، لتؤسس بنية سياسية عادتها ثقافة العلاقات القائمة على اقتصاد السوق المحلي، مما يعني ان البعد السياسي يمكن ان يبقى ثابتا في اشخاص لكن آليته تتغير تبعا لتغير العلاقات الانتاجية.. لعل جذر بغداد المنحدر من ثقافة الدولة العباسية يعتمد بنية البستان في تأسيس أخلاقية وسلوك الثقافة والحكم فيها. ولنا في الأدب المنتج يوما يؤكد أن ثقافة البستان تؤسس رؤية شاملة تتصاهر فيها كل الأساليب الفنية، لعل الفناء الشعبي "المقامات العراقية" مثلا افضل صورة للتدليل على انه كان يمزج بين الفصيح الموروث والشعبي. ومن يستقرئ تاريخ العلاقة بين أمكنة الباب الشرقي وأمكنة الطرب والخمرة والتنزه ودور السينما والنوادي الليلية والمقاهي والمسارح والفنادق الكبيرة، وشوارع الليل النسائية، وغيرها من مراكز الترفيه يشعر ان بنية ثقافة البستان تؤسس حاليا على تصاهر ثقافي مكاني مركزه ساحة التحرير وما جاورها.. ويلاحظ أن بقعة ساحة التحرير هذه كانت ملحقة ببساتين بغداد الممتدة من الكرادة الشرقية خارج الى الباب الشرقي ومن منطقة معسكر الرشيد، والجادرية داخل، الى عمق بغداد الرصافة، بل وكانت منطقة ساحة التحرير الحالية مكان لبيع منتجات بساتين المنطقة الشرقية من بغداد كلها، ولم يكن الناس في الكرخ الا متنقلين عبر المعابر المائية باتجاه الرصافة، ولم يحدث العكس.. مما يعني أن جذرها الزراعي يعطيها حضورا وأفقا شعبيا وتاريخيا لا يغيب عن أي تكوين معاصر لها.. وبقيت بعض مناطق شارع السعدون الى وقت قريب تسمى ببساتين الخس. اضافة لذلك أصبحت ساحة التحرير نهاية متقدمة ومتطورة لمدن حديثة قوامها من العامة، ومنها: مدن الثورة وبغداد الجديدة والمشتل وشارع فلسطين وحي المعلمين وجميلة ومنطقة ديالي- التي تعد أهم منطقة للا نتاج وللتسويق الزراعي والصناعي والتجاري- ومن خلفها الكمالية موطن الفجر وأحياء الطرب الليلي امتدادا الى أهم بساتين العراق في ديالي ويعقوبة في الجنوب – الشرقي والحلة والكوت جنوبا.. كما ان الساحة تحاذي أهم مكان للمسيحيين في العراق هي محلة البتاوين وكنيسة الكلدان مما أكسبها ديمومة في العمل والنزهة. وشارع "أبو نواس" الذي يشكل عصب المدينة الليلي، ويعد من أهم مناطق اللهو والطرب والخمر والنزهة والراحة وأكل السمك المسكون. كما برزت فيه دون غيره من مناطق بغداد ظاهرة وجود البيوت البارات، ونوادي القمار الليلية، والملاهي. الخاصة، والمتنزهات النهرية، القمار الليلية، والملاهي الخاصة، والمتنزهات النهرية، والمقاهي الحاضنة ليلا لأنوار دجلة وسفنه السياحية الصغيرة الذاهبة الى جزيرة أم الخنازير والعائدة منها. وثمة محيط يمتد بين جسرين من جسور بغداد الحديثة هما: جسرا الجمهورية والجسر المعلق وقد شحن بما هو مغذ للساحة ومستل منها.. فقد أعطى الشارع أبي نواس للساحة بعدا جغرافيا تمتد فيه وتتجدد دون أن تفقد حضورها المستقل.. في حين لم يكن في مناطق الأعظمية والوزيرية والكاظمية بالرغم من انها تقع في الرصافة أيضا- إلا القلة من المظاهر الشعبية. بعد أن كانت متنزهات الأعظمية قبلة للعشاق.. كل ذلك جعل من ساحة التحرير مكانا وممرا الى أقبية المدينة الحديثة ونواديها وأزقتها ومحلاتها وحوافها، فكسبت هوية العامة والخاصة معا، وأصبحت المكان الذي ترى فيه بغداد كلها.

11

في هذه الساحة شهدنا أهم أحداث بغداد السياسية؟ الشعبية منها والرسمية: احتفالات الثورة في 1958. فى هي أول بذرة تحديث في المجتمع، ولكنها بذرة تحديث قافزة من سياقاتها المنطقية الى سياقات الثورة المسلحة، وقد لا تكون مثل هذه القفزات ناجحة دائما لاسيما اذا كانت الخميرة الاجتماعية والسياسية لما تزل غير ناضجة، وفيها من عناصر الضعف الكثير، فقد تتحول بنية التحديث رغم مشروعيتها الى بنية تدميرية. وهذا ما حدث لاحقا عندما تضافرت قوى الظلام الخارجية والعربية والداخلية على إجهاض بذرة الحداثة في المجتمع العراقي الذي من شأنه أعاد صدام حسين بعض الأمل لها في أوائل السبعينات مقتفيا درب عبدالكريم قاسم في كل مشاريعه. لكن ثورة النفط لم تجعل الرجل الا مسحوقا تحت عباءة التراث العسكري لأمة كانت !! فقضى على بذرة التحديث تلك بتدميرها من داخل مشروعها الثوري الذي ابتدأ في 14 تموز 1958. فتداخلت في الساحة نفسها الصباحات السياسية ولياليها المقمرة، بالظلمة والقمع والمشانق والموت والمنع والفراغ والتدمير. نصبت أعواد المشانق؛ الواطئ منها والمرتفع، لتعلق عليها جثث الوطنيين واللصوص والجواسيس: منها المشانق التي علقت فيها لأقطاب الحكم الملكي، ومشانق الجواسيس الاسرائيليين، وكأن مفهوم التحرير المطاط لا يكتمل الا بهذه البانوراما السياسية المتدلية، ثم احتفالات أعياد الثورة واحتفالات سقوط عبدالكريم قاسم، ثم احتفالات سقوط من أسقط عبدالكريم قاسم، ثم احتفالات من انتصر على من أسقط الذين اسقطوا عبدالكريم قاسم، ثم احتفالات الجبهة الوطنية، ثم احتفالات بدء الحرب الأولى، واحتفالات نهاية الحرب الأولى، ثم احتفالات بدء الحرب الثانية: وفيها خطب الملوك والوزراء والحكام العسكريون وقادة الأحزاب وممثلو طبقات المجتمع وكذلك الدبلوماسيون الأجانب – شهدت ولفترات طويلة لافتة معلقة في سماء ساحة التحرير ومثلها في سماء ساحة النسور في الكوخ منذ العهد العارفي 1964 وحتى 1977 مكتوب عليها: – الجماهير تؤيد الثورة – يا للحيادية التي أبقت على لافتة لا تنتمي لزمن أو اتجاه فترات طويلة معلقة في سماء بغداد دون أن تتغير. مما يعني الا جماهير مؤيدة ولا ثورة حادثة. والنظرة التاريخية لساحة التحرير لا تفصح عن أنها مكان للتنزه أو للتمتع، بل مكان يتصل برحم الحداثة الثورية، ما أن يحدث حادث في البلاد إلا ووجدنا صداه في اليوم الثاني فيها. لذا كسبت الساحة هوية المكان الذي يمنح مشروعية أي فعل جماهيري، ويكون نصب الحرية وهو يطل بتماثيله على الفعاليات المارة من حوله وتحته الشاهد الرسمي عليها.. لتأتي بعد ذلك الاذاعة والصحافة الرسمية لتعلن ما حدث فيها، ثم ليتداول الناس أثر المكان على الفعل الذي حدث فيها.

من جهة أخرى نجد الساحة محط أقدام عراقية وعربية وأجنبية، شاركت في الفعاليات التي أقيمت فيها، أن زمنها الدائم يوحي بأنها مركز لسلطة شعبية مضادة أو متوافقة مع سياسة الدولة. حتى ان مصابيحها لم تطفأ نهارا إلى وقت قريب وهي دالة على أنها مكان شائع الممارسة، ومع ذلك كله أصبحت للشرطة السرية فيها أماكن ثابتة، لا لترصد حركة السياسيين واللصوص والقادمين من مدن العراق فقط، انما لتؤكد جدلية الحضور القمعي في الأماكن البيضاء. وهو ما يعني ضمنا أن أي بنية تحديث تنمي معها بذرة تدميرها، لأن مبدأ الصيانة مرتبط في مجتمعات القمع بالسلطة والسلطة أي سلطة قوى صيانية – تدميرية في آن واحد.

وفي محيط الساحة أنشئت الفنادق الشعبية، والبيوت المؤجرة للعزاب، ليستقدموا فيها العاهرات والصديقات وذوي الدخل المحدود، خاصة بعد أن ضيق الحصار على بيوت الدعارة في محلة الميدان. وفيها أيضا يحط كل متسول، وطالب رغبة، وعارض بضاعة، وناشد إعلان، وباحث عن كتاب، وراغب في أكلة، فامتزجت فيها باجة الليل بكاهي الصباح، وطبيب يبحث عن عيادة، بمكتب هندسي حديث، ببقال يعلن عن حضور لدكانه قبل بضاعته، بمطعم يقدم باجة الصباح، ببائع صحف يستقبل النائمين وهم سكارى، وبعامل يرش الماء أمام البار ليرطب جو المنطقة، فما يحدث فيها هو كرنفال شعبي حداثوي- استبطنه عدد من الشعراء والفنانين والقصاصين في أعمالهم – فالحداثة تنمو في مزابل المراحل أولا.

تجد فيه العربي الى جوار الكردي والآثوري والصابئ واليزيدي، كرنفال يتكرر يوميا، لا يمحوه ليل، ولا يؤسسه نهار. أما في الليل فتتوزع الساحات الصغيرة المجاورة لساحة التحرير عربات باعة الأكباد والفشافيش والكباب والتكة، وشوربة العدس، واللبلبي، والشلغم، والكيك، والكعك تتغذى الناس بأكباد الجاموس ليلا، وبالقيصر صباحا. وتنام على أمل أن تجد لافتة حمراء معلقة في الساحة !! – لاحقا علقت مئات اللافتات السود تعلن عن شهداء ميتين في حروب اللامعني معلقة في كل مسامات الساحة، فقد جرى توظيف علانيتها وشعبيتها وحداثتها لاعلان الموت المجاني- ووسط أغاني الراديو المحمول وأصوات السكارى وغناء البارات القريبة، ترسم صورة لبغداد الليل الحزين – المفرح. ساحة تغذي أطراف المدينة بمواصلات لا تعرف الهدوء أو الصمت. وكأنها وجدت من أجل هذه الموازنة بين أطراف جسد المدينة كله، مستقبلين برائحة ورد الرازقي الذي تشيعه حديقة الأمة ليلا ومودعين برائحة العرق المغشوش، وباغاني أم كلثوم ويوسف عمر والقبانجي وحسن خيوكه وزهور حسين ووحيدة خليل. وفي العمق من هذه الحركة المتسعة، تنهض بغداد في الصباح معافاة، لا ترى فيها أثرا لندوب الكبر أو الشيخوخة، ولا اتساخ في ثوبها التراثي والحديث ولا عتة في لسانها، ولا اضطرابا في تسريحة شعرها الداكن، بل وجنتان متوردتان تعلن عن ميلاد "بغداد الجديدة" في أحشاء بغداد القديمة.

12

ليس للحياة عدو أكبر من الآلية التي تحد من عفويتها، والساحة بمعناها الشامل مكان عفوي التكوين، ينشأ بين البيوت أوفي تقاطع الطرق، ثم يستقل لأنه لا ينتمي لأحد. لذا فهي واحدة من عناصر الحداثة التي تنتمي للناس كلهم – بعض عناصر الحداثة تولد قسرا نتيجة تطورات داخلية في الشيء نفسه – ولأنها خلاصة لتركيبات العلاقة الجدلية بين القدمين والأرض، باعتبارها مستخلصة من أمكنة أخرى، تطلب الموقف منها وعيا يفرض علينا الانتباه بأنها ليست مكانا مطوبا لجهة. بل هل هي من أمكنة اشتراكية المجتمع؟ وعندما تتعامل بقدميك معها، تنتبه الى انها مكان قار، لك ولغيرك. من جهة علاقتنا بها نجدها تتصل بنا كامتداد لأجسادنا، هي عباءة مكانية. في ضوء ذلك اكتسب نصب الحرية فيها هوية البلاد، وليس هوية منتجه أو نحاته أو منشئه، وساحة التحرير بما تمتلكه من أرض وطني، والنصب الذي أنشئ فيها يستمد هويته من تراثها العريق، لذا فهو ليس نصبا دينيا أو تاريخيا كما يرى العنصر الديني- التاريخي في نصب مثل طاق كسرى أو مدينة الحضر، او آثار بابل، بل يرى من خلال العلاقة اليومية التي نمارسها معه. وفي بلد كالعراق الممتلئ بالتراث، تاريخا مدونا وآثارا شاخصة، يصبح أي نصب قاصرا عن تكوين علاقة مع الناس ان لم يكن بالدرجة نفسها التي عليها نصب الحرية بعلاقته بساحة التحرير، وعلاقتهما معا بالحياة اليومية للناس – عندما ضعفت هذه العلاقة بعد 1963 عندما أطلقوا النار على النصب، نجد الفترة اللاحقة مشحونة برغبة احتواء النصب والساحة من قبل السلطة كان آخرها وضع جدار مشوه للفضاء الأسفل مكتوب عليه أن هذا النصب شيد – في عهد أحمد حسن البكر وصدام حسين، ويعنون الجدار الواطئ لا النصب، فاللغة السياسية عار على الفن ان لم تكن في موقعها. وهذا ما نجده قائما حتى بعد أن جرى احتواء الساحة ثانية عندما تحولت الى ثكنة عسكرية ليجوب المار فيها.. وفي مراقبة بسيطة لتاريخ العلاقة بينها وبين الناس نجد أن تغيرا جذريا حدث فيها، فقد ابتعد الناس عن الساحة بينما احتفوا بذكرى محببة عن نصب الحرية. من هنا يخشى الفنانون العراقيون المغامرة بالنصب الكثيرة اذا لم تكن لها ساحات ملائمة، هكذا ضعف تمثال الشاعر عنتر بن شداد الذي شيد في ساحة عنتر في منطقة الأعظمية. ليس لأنه غير جيد، انما لأن الساحة لم تكن شعبية كساحة التحرير. ولا تمتلك ارثا شعبيا، وليس لها تاريخ، اضافة الى ضخامة غير مبررة في النصب. والفنان جواد سليم، وبما خبره من العمل الفني في فلورنسا، وبما ملكه من ثقافة فنية عالية التي جمع فيها بين النحت والرسم، اضافة الى تمارينه الفنية في عمل التماثيل، التي خلقت لديه أمنية كما يقول جبرا ابراهيم جبرا لعمل نصب كبير يمجد فيه الحرية والعمل والانسان كان يعي تماما العلاقة بين الناس والمكان الذي يشيد به نصبه، فقد تم اختيار الساحة قبل أن يبدأ العمل بالنصب. وقد عمل تخطيطات كثيرة لهذا الغرض، منذ أوائل الخمسينات ساعدته على انجاز نصب الحرية لاحقا بوقت قياسي، حذف بعضها لأنها لا تنسجم وبنية الفضاء الكبير للساحة، الأمر الذي كانت الخبرة النحتية له مع تأثيرات أشورية وسومرية وفرعونية ويونانية ومن ثم تأثيرات هنري مور والنحت الانجليزي، معمقا إياها بروح شعبي وميثولوجي وتراثي محلي مركزه ألف ليلة وليلة، برمزية السندباد المغامر، وبرسوم يحيى الواسطي بالوانها الشعبية الحارة، كل ذلك صير له رؤية عميقة لدلالة الفن الشعبي في النصب الحديثة. عندما تصبح شاخصة أمام الناس تعيد عليهم قص حكاياتهم القديمة ويتعاملون معها تعامل الأكل والشرب والمعايشة والقول الشفاهي، هكذا أنزل جواد سليم التراث من زمنه القديم المعلق بالموروثات، الى الشارع العراقي المعاصر بعد أن مزج كل ذلك بفكرة الثورة التي قامت في 14 تموز 1958، وهي فكرة التحديث. من هنا ليس في النصب آلية قديمة، تعيد علينا ثيمات قديمة، بل عفوية الخبرة التراثية وهي تتشرب في وعي الناس والفنان. لاسيما وان النصب كان كما يقول جبرا اضخم نصب في العالم، بل هو من التشكيلات التي تلائم طبيعة المجتمع الزراعي- الصناعي- الثوري، تلك الطبيعة التي لا تجد صداها إلا في بيئة مزيج بين المائية والجبلية، كالبيئة العراقية، وكان هذا الصدى بما حدث بعد الثورة كافيا لأن يقترح المهندس رفعة الجاد رجي الذي كان مشرفا على تنفيذ النصب ان توضع أجزاء النصب على جدارية عريضة تشبه اللافتة التي يحملها المتظاهرون رواد الحداثة في المجتمع العراقي، فلقيت الفكرة قبولا من قبل جواد سليم الذي باشر فورا في تخطيطاته قبل سفره الى فلورنسا لتنفيذ النصب هناك. وبالفعل كانت الـ14 قطعة التي احتواها النصب رمزا الى 14 تموز كما يشير جبرا ايضا الى ذلك. ضمن هذا الاطار تصبح العناصر الحديثة كالساحة والنصب الكبيرة الدالة على معنى التحديث، مهددة بالوعي السطحي، وبالممارسة العادية، ان لم تدخل في سياق الحداثة من خلال حضور التراث في المعاصرة، ومن خلال احتواء المعاصرة على التراث دون أن يكون ذلك مدعاة للالتزام بما كان عليه ذلك التراث.

13

تفرض التفاصيل المكونة لموقع ساحة التحرير، ثقافة منبثقة منها أولا، وثقافة متضامنة مع ما يحيط الساحة ثانيا، ففي صلب أي مكان توجد مساحة من الحرية لا يحدها أي تنظيم، ولا تفرضها أي قوانين، في هذه المساحة تولد لفة الحداثة هذه المساحة هي ميدان المخيلة، والاستعارة الشعرية، والبحث عن لفة جديدة مستلة من أفواه الكلام. فعندما يكتب الشاعر سعدي يوسف عن ساحة التحرير ويضمنها قصيدته "بغداد الجديدة" يبني من خلال تصوره لحركة الباعة والعمال فيها، صورة لبغداد القادمة، بغداد الثمانينات، ورغم ان تلك الصورة كانت حلمية منفتحة على أفق جديد، لا نجد الشعر دائما متفائلا، ففي داخل القصيدة المتفائلة تتأسس بذرة التدمير وهذا ما حدث بالفعل للساحة ولبغداد لاحقا على يد الحروب. فالشاعر تعامل مع المساحة – الحرة الكامنة فيها تعاملا باطار حلم يقظة شعرية تصب في تكوينات غير مرئية، عادتها الاستمارة اليومية لأشياء الواقع الكامنة في الساحة، ومفرداتها معطاة من تلك الحرية غير المنظمة التي تولدها ساحة منفتحة على كل الجهات. لنذكر هنا ان رؤيتنا لفضاء الساحة كان لوحده يؤلف نسيجا شعريا جميلا، فقد اسبغت الأرصفة البطة بالآجر الأحمر والاسفلت والخطوط البيضاء على الرؤية تحولا شعريا من وحل الامكنة التي كانت ممتلئة بالطين والاوساخ في الساحة وفي المحيط المتحرك لها على الرؤية جمالا يرتبط بالحداثة المدنية الجديدة التي كنا نراقب ولمدة ثلاث سنوات العمل المتواصل في نفق الساحة وفي ارصفتها.

ففي مدخل شارع السعدون توجد مكتبات عراقية عدة، فمن حيث الدلالة ليس من فرق بينها وبين غيرها من المكتبات في شارع المتنبي مثلا لاشتراكها جميعا في وظيفة واحدة، لكنها من حيث العراقة تعتبر مكتبة المثنى اقدم المكتبات العراقية واكثرها اختصاصا بالموروث الثقافي وبالحضور في ميادين النشر والتراث. الا ان هذه المكتبة نفضت عن اكتافها ذلك الارث القديم لتصبح من خلال ما استوردته من كتب حديثة في صدارة المكتبات ثانية، كل ذلك ويضع المتتبع في حسابه ان هذا التجديد نبع بالضرورة من المكان الذي تطل به على الساحة وفي الموقع الذي تلتقي فيه كل السبل. ومن حيث القيمة تعتبر كل المكتبات جزءا من تاريخ الباب الشرقي الذي ما ان توسعت هذه المكتبات فيه حتى استقطب قطاعات واسعة من الثقافة، نذكر ان أكشاك بيع الكتب الصغيرة التي فتحها المرحوم هاشم وبناي في الساحة سرعان ما تحولت الى مكتبات كبيرة.. هذه الجزئية المكانية تصبح كلية عندما ترتبط بالتحديث، وتصبح جزئية عندما تكون تتمسك بالقديم.. بمعنى ان المنظومة المكانية التي تؤلفها الساحة وما يحيط بها من منظومة متضامنة في خلق مفردات جديدة، قد تكون في قصيدة أو قصة أو لوحة أو ظاهرة مكانية، أي ان هذه المنظومة تشكل مفهوما قارا للساحة وللمكتبات معا. فلا تصبح المكتبات ملحقة بالساحة ولا معزولة عنها، كما لا تصبح الساحة مكتملة اللغة بدون مكتباتها، وعندما ننظر الى "كلية" الساحة نعرف ان هذه الكلية وجدت متن خلال بنية تتشكل في فضاء المدينة، بنية تتعايش مع التبليط ومع القدمين ومع الرؤية ومع التجديد. لتتحول ساحة التحرير لاحقا الى المكان الذي لا تغفله قدماك كلما نزلت الى بغداد. فالمنظومة اللغوية – المكانية المكتملة، يمكن استعارة أجزاء منها أو كلها في أي تعامل ثقافي- مكاني جديد.

قد لا نفترض ان المكتبة رافقت الساحة منذ نشوئها، ولكن المكان يحمل في أحشائه مفرداته المكونة له، وعندما يستوي المكان على شيء من القبول الاجتماعي يطالب بها، استعارة من مثيل له أو توليدا في أحشائه. ولو لم يكن الأمر كذلك لقلنا ثمة تنظيم عشوائي فرضته سلطة ما على الساحة لان تكون محتوية على مكتبات. وجدت المكتبات في أول الأمر على هيئة بسطات فرشت على ناصية الشارع، ثم وجدت مداها التعبيري والبصري من خلال حركة الناس في الفسحة المكانية التي اتاحت لهم التأمل فيما تحتويه من مفردات، ثم توسعت العلاقة بين المكتبة والساحة بتوسع حركة الناس فيها، لتنتقل الى مكتبات كبيرة بل ولتصبح الساحة والمكتبات معلمة أحدهما بالآخر. وللتذكير أن أقدم مكتبة أجنبية للآداب وباللغة الانجليزية كانت مكتبة مكنزي، تطل على الساحة وتستثمر حركة الناس. من هنا نجد أن المكان يفرض أشكال تنظيمه، ليس ثمة تنظيم ثابت لكل الأمكنة، مما يعني ان ظاهرة اندماج الجزء تدريجيا بالكل تعني هيمنة تنظيم أشمل على تنظيمات أصغر. ان جوهر الحداثة في المدينة الشرقية لا ينطلق من تنوير التراث، بل من قدرة هذه المدينة على استيعاب الجديد المحمل بارث الآخرين، قد تكون هذه مفارقة، ولكنها حقيقة فساحة التحرير لا علاقة لها بأي إرث قديم، لكنها تستوعب تقنيات الحداثة في الطرق والنفق والنصب والمحيط، وهي حداثة معمارية تتلاءم وسياق بنية العمارة الحديثة التي بدا شارع الجمهورية وشارع السعدون يعللان بها على مشارف الساحة. وليس في عمارة هذين الشارعين ما يمت بصلة للعمارة الاسلامية. مما يعني أن التنظيم بنية قائمة ومضمرة في المكان نفسه، ما ان ننشئ مكانا حتى ينمو التنظيم في داخله، ثم نتطلع لأن ينمو اللانظام الى جواره، والسؤال الجوهري في هذه المعالجة لماذا تعتبر المكتبات أمكنة جاذبة ومرتبطة بالثقافة المكانية قبل ارتباطها بما تحتويه كتبها من ثقافة؟ كثير من المكتبات تلاشى لأنها في أمكنة طاردة، رغم أن محتوياتها الثقافية كبيرة !! فالمكتبة من الأمكنة الجاذبة عندما تكون في أمكنة جاذبة في جوهر التساؤلين تكمن الاجابة المبهمة والشعرية، وهي ان نظاما لغويا- مكانيا ما يفرض علاقة مصاهرة على الموجودات المتجاورة، ولذلك اقتصرت المكتبات على مكان قار هو مداخل الشوارع المطلة على ساحة التحرير وكأنها عين ثقافية متقدمة لكل ثقافة شارع الرشيد المتدفقة من باب المعظم وحتى ساحة التحرير، ولكل ثقافة شارع السعدون الممتدة من المسبح حتى ساحة التحرير وكل ثقافة شارع الجمهورية الممتدة من الباب المعظم وحتى ساحة التحرير كل جزء له ثقافته وخصوصيته المنسجمة ووظيفته، لكنه يبقى قاصرا إن هو لم يضفها الى ثقافة البنية الكلية، ربما يعي ذلك بشكل مادي ملاك العقارات عندما يعرضون عقاراتهم مؤكدين على ارتفاع الاسعار كلما تحسن محيط المكان هذه بدهية تضمين الماديات لغة شعرية.

ان من يتأمل ثقافة ساحة التحرير لا يجدها في بنية الصورة المشهدية له، فقط، بل في استيعابها لحداثة البلد التي تبلورت مدنيا في السبعينات، لتضخها يوميا لروادها وسالكي دروبها وهذا هو المعنى الكبير الذي توفيه لنا ساحات وجدت في وسط مدينة معاصرة وفي وسط مرحلة نقلة الحداثة في السبعينات.

14

تمتلك الاماكن التاريخية، او تلك التي ستصبح تاريخية قوة مهيمنة وصلبة، تمكنها من استيعاب ما يحيط بها من وحدات ثانوية وحيادية، غالبا ما تأتي هذه القوة من التراث والثقافة، فساحة التحرير مثلا، وبعد تشييد نصب الحرية فيها، اصبحت وحدة صلبة ومهيمنة على ما يحيط بها، ثم تمكنت من احتواء العادي والحيادي والاقل أهمية مما جاورها حتى ولو كان اقدم منها. نذكر ان سوقا للبالة كان وجودا حتى اواخر السبعينات ولكن ما ان دخلت ساحة التحرير في وجدان المجتمع حتى زحفت العمارات الحديثة على مداخلها فقمعت تلك الاسواق ومن ثم انحسرت بعد ان وجدت لها مواقع بعيدة. كذلك جرى تنظيم لكراجات النقل وللمطاعم الشعبية وللباعة المتجولين، فهي قبل ان تمتلك – الحرية لم تصبه و حدة صلبة و مهيمنة، لكنها وبعد ان صيرتها الحياة اليومية لحركة المجتمع الى مكان تاريخي مهم فرضت هيمنتها على ما يحيط بها- العمارات، حديقة الامة، موقع تمثال السعدون، محلات القيمقجي، حسر أخوان، شارع ابو نواس، ثقافة البيوت القديمة المجاورة، الكنائس، مدرسة الراهبات، المكتبات، ساحل دجلة، ساحة الطيران، الاماكن التراثية الاخرى، المتحف الوطني… الخ. ثم تمكنت من ان تطوع الجديد الذي انشئ حديثا- مبنى وزارة الثقافة، مداخل الشوارع المحيطة بها مثل، مدخل شارع السعدون وابو نواس، وشارع الرشيد، ثم استوعبت الاقل حداثة مثل البيوت والبارات والمخازن والساحات الصغيرة. هذه الحركة المتقدمة الى الامام تجعل التاريخ شيئا غير ثابت، وبالتالي يمكن تضمين المدن القديمة الجديد المهيمنة. او احتواء الجديد المهيمن لميزات خاصة لا تقبل الموت من القديم.

الا ان الوحدة المهيمنة تحمل خللها الفكري، فمن داخلها تنمو بنى تدميرية فيها، خاصة عندما تلغي فاعلية التراث بقصدية.. مثلما الفت ساحة التحرير مكوناتها القديمة دون ان تبقي منها شاهدا.. ربما نصل هنا إلى نتيجة ان الايديولوجيا المهيمنة تفرض مؤسساتها بالقوة نفسها التي تلغي بها مؤسسات أخرى لا تتفق وايديولوجيتها، وقد حدث لنصب الحرية ونصب 14 تموز مثل هذا التأثير على ما جاورهما.. وبالمقابل لا يمكننا ان نبقى حبيسي ثقافة قديمة واشكال ثابتة لا تستوعب التغيير. هذه النقطة مثار جدل عميق بين عمارة بغداد الاسلامية، وبين تطلعات المهندسين المعمارية الحديثة. برغم ان الثقافة العربية تبقى في كل الظروف تابعة وغير مؤسسة على تقاليد واعراف قارة، هذا لمخلل يشير الى ضعف في التأصيل الثقافي لكل مرحلة، ومن يتتبع حركة الثقافة العربية في السنوات الخمسين الاخيرة في ميدان العمارة يجدها متأرجحة بين التأصيل والتقليد. رغم انني من اشد المعارضين لالغاء البنايات التراثية واستبدالها بالجديد، ومن اشد المعارضين كذلك للركض وراء القفشات المعمارية الجديدة دون ان ترى القديم قائما في احشائها، ربما ان الثقافة الاسلامية لم تستوطن رؤية المعماريين بعد، لانها ثقافة مرتبطة بالدين، في حين اذا حررت من سماتها الدينية يمكنها ان تطوع الجديد دون الخلل بمفرداتها الاساسية، كما هو الشأن في عمارة الاندلس وما فعله جاردي في اشبيلية، من نصب وبنايات حديثة وهو يستلهم ثقافة الحكايات الشعبية العربية في صنع عمارة حديثة، فبقي اطارها العام – اسلاميا- أندلسيا، لكن وظيفتها غربية – مدنية حديثة. فالبعد الديني في شرقنا العربي بحاجة الى تفجير قيم الحداثة فيه بعدا عن مسكناته الوظيفية كي يتلاءم والجديد في عالم اليوم، اقول ذلك وانا من اشد المتحمسين الى عدم تبديل الثقافة المعمارية الاسلامية بغيرها من الثقافات، ولكن يمكن للثقافات الانسانية ان تتجاور في بنية كلية واحدة دون ان تخل بالقيم الجمالية والوظيفية، فالثقافة الاسلامية تمتلك ارثا لغويا وارضية عريقة لم تمتلكها ثقافات اخرى. مما يعوز المعماريين في هذا الصدد هو البحث عن جدل الحداثة في القديم، من خلال رؤية معاصرة وحديثة، وعن جدل القديم في الحديث من خلال الشخصية الفردية للمهندس.

15

ليس الباب الشرقي ساحة التحرير وحدها، وان بدأ لنا ذلك، وليست ساحة التحرير مجرد ساحة في الباب الشرقي وان حدد موقعها، فساحة التحرير هي الباب الشرقي كله: ملتقى ومتفرعات، وهي موقع ومنطقة، وهي بعد ذلك تكوين يلغي وتكوين يولد، ولهذا السبب علينا ان ننظر الى العلاقة بين الباب الشرقي وساحة التحرير نظرة جدلية لمظاهر حياتية تولد واخرى تندثر، وفي استقراء بسيط لهذه الفاعلية نجد ثمة ثلاثة وجوه لهذه الجدلية: الوجه الاول لها هو ما يتشكل يوميا من منتج اجتماعي- اقتصادي للساكنين فيها بالفعل، وللآتين اليها من اطراف بغداد ومدن العراق خاصة الشمالية.. وغالبا ما يكونون من المسيحيين والاكراد، الامر الذي يجعل هذه الفئات متمركزة في بيئة انتاجية وسط المدينة، دون ان يعني ذلك تفرقة او تمركزا طائفيا، فقد أسسوا أسواقا ومحلات تجارية وورشات عمل منذ عشرينات هذا القرن، فمسكوا بقطاع اقتصادي مهم،

لكنهم في كل الظروف يعدون من بسطاء الناس ومن فقرائها، فهي مكان انتاج وبيع وشراء وتبادل وعمل وتسويق. ولذلك اكتسبت البيوت فيها طابعا مزدوجا يجمع بين السكن والعمل البيتي، بين السكن والمحلات التجارية الكبيرة والصغيرة، بين السكن والبارات، بين السكن والفنادق، بين السكن والتنزه، بين السكن والعمل التجاري السري، فأنت تجد في هذه المناطق ما لم تجده في الاسواق الاخرى من سلع ممنوعة بما فيها المشروبات المهربة والمصنوعة في البيوت ومن المخدرات. وهذا يعني انها تشكل بعدا اقتصاديا مهما ودائما لانتاج البضائع الصغيرة والكبيرة، الامر الذي يسهم في تنشيط الحركة في ساحة التحرير وما – يجاورها خاصة منتجي الحلويات والمخللات واللحوم والمطاعم الليلية. وفي المناطق المحيطة بالساحة تشكلت قطاعات من العمال الصفار الذين امتهنوا العمل بالقطعة فكثر وجودهم في ارصفة شارع السعدون ومحيط ساحة التحرير في الليل وفي النهار، متنقلين هنا وهناك يملأون الساحة وما يجاورها مكونين علاقة مصاهرة بينهم وبين الناس، من جهة وبين المنتجين من جهة اخرى، مما يدفع برجال البلدية بملاحقتهم من البيع على الارصفة وفي واجهات المحلات، فهذه البقعة في عرف الدولة والمؤسسات عرضة لأعين الزائرين والسياح والاجانب، وفي الوقت نفسه مكان بؤرة نشط للمياة الوسطية في المدينة الحديثة.

الوجه الثاني لهذه المنطقة المهمة هو ما يشكله مظهر المخازن والعيادات والمحلات التجارية والمكتبات والمطاعم والفنادق، من حضور لرؤية بصرية ومعمارية تجمع بين رفاه مدينة حديثة وتطلعات التجارة العقارية، الا ان ذلك يتم في منطقة ضيقة الدروب طينة الارض مهمة من النظافة كثيرة السرقة، مخيفة في الليل محاطة بالهمس والسكارى. وفيها يتم تقديم وعرض الصناعة والمنتج الزراعي والحيواني الجيد والمغشوش، ولعل صناعات اللحوم والمخلل والبسطرمة والحلويات واسواق الخضرة فيها من اهم مصادر تمويل مدن العراق. وغالبا ما يكون اصحابها من الرأسماليين الصغار الذين يستثمرون اموالهم في منتجات سريعة البيع. الذين هم

خليط من قوميات ومدن وأديان مختلفة الامر الذي يضيع فيه التفريق بين مسيحي ومسلم وبين يزيدي وصابني… الخ، فالعمل المتنوع يخلق تجانسا بين الفئات والاديان.

الوجه الثالث لسكان هذه المنطقة هم من الآتين اليها يوميا من اطراف بغداد لشراء حاجاتهم اليومية والعودة الى منازلهم، ومن الطارئين والعابرين والمسافرين الذين يشكلون مجتمعا غير مستقر فيها لقربها من كراجات النقل للمدن العراقية، ولسهولة التنقل الى مناطق بغداد التجارية الداخلية كالشورجة وشارع الرشيد والمنصور وجميلة وغيرها. تحولت المنطقة الى

محطة للراجلة والمشاة وكراجات النقل بين الرصافة والكرخ، وتفزر الحركة النشطة فيها، اضافة لوجود بضاعة غير متوافرة في اسواق بغداد الأخرى، أولا الى وجود نصب الحرية الشاهد الحي على عظمة نحت وتاريخ، وثانيا الى دوائر للدولة تتعلق بالجنسية، وثالثا لوجود مراكز دينية تتعلق بالديانات المسيحية، ورابعا تتعلق بسكن الاكراد وفنادقهم، وخامسا تتعلق بالشوارع التي تفشى فيها النساء، – شارع المشجر- وسادسا تتعلق بالسكن الرخيص، حيث يستضيف سكان هذه الدور المؤجرين من العزاب واصحاب العمل اليدوي.

وسابعا تتعلق بقربها من متنزهات بغداد كشارع أبي نواس والمسبح وملاهي شارع النضال وشارع السعدون وفنادق الدرجة الاولي وغيرها، وثامنا تتعلق برخص البضائع الشعبية وسهولة الحصول عليها في أوقات انحسارها، كما هو شأن المشروبات الروحية في شهر رمضان والمناسبات الدينية. وتاسعا لوجود مركز للمكتبات في بغداد كل ذلك يجعل من المنطقة مكانا لتجمع كل فئات الشعب اغنياؤها وفقراؤها، كهولها وشبابها، نساؤها ورجالها، زوارها وسكانها، وهو ما يميز ساحة التحرير والباب الشرقي عن مناطق شارع الرشيد الاخرى كلها.
 
 
ياسين النصير (كاتب من العراق)

شاهد أيضاً

«الحنين العاري» لدى عبد المنعم رمضان

يعد الشاعر المصري «عبدالمنعم رمضان» المنتمي لجيل السبعينيات شاعرًا إشكاليًّا، تشكل قصائده حالة من الحجاج …