أخبار عاجلة

سارد بيدرو بارامو

فرحان ريدان*

بيدرو بارامو: رواية الكاتب المكسيكي خوان رولفو التي ظهرت في عام 1955، وترجمت إلى العديد من اللغات من بينها لغتنا العربية ، وتُعتبر هذه الرواية، في نظر الكثيرين من النقاد والباحثين، من عيون الأدب العالمي، وتُعدُّ واحدة من النصوص السردية المتميزة، ولها أهميتها، وتأثيرها في فنون السرد المعاصر. تبحث هذه المداخلة خصوصية َالسارد في رواية بيدرو بارامو، معتمدةً الطبعةَ العربيةَ الصادرة عن وزارة الثقافة السورية ضمن سلسلة روايات عالمية (6) دمشق 1983 ترجمة صالح علماني.
مقاربة أولى :
في كتابه: من البنيوية إلى ما بعد الحداثة (ترجمة د.فاتن البستاني والصادر عن المنظمة العربية للترجمة) يؤكد جون ليشته: « هناك ثلاثة مصطلحات تحدد العناصر الأساسية في كل فعل سردي روائي :
القصة Story وخطاب السرد Narrative Discourse والقيام بفعل السرد الروائي…
ويعقب جينيت قائلاً:الخطاب السردي يعيش من خلال علاقته بالقصة التي يرويها، هذا باعتباره سرداً
أما باعتباره خطاباً فإنه يعيش من خلال القيام بفعل السرد » ص 134.
مقاربة ثانية :
« شهرزاد، مثلاً ، كثيرا ما كانت تفتتح حكاياتها بعبارة (بلَغَني) فكانت تعزو السردَ إلى نفْسها وتحاول إذابتَه في زمنها.. إن (الأنا) ،أو ضمير المتكلم ،يُذيبُ النصَّ السرديَّ في الناص ولعل مثل هذا الوضع السردي أن يجعلَ من ضمير المتكلم مجسداً لما يسميه تودوروف الرؤية المتصاحبة La vision aec “
د. عبدالملك مرتاض : في نظرية الرواية : عالم المعرفة العدد 240 ص 185.
في مفتتح بيدرو بارامو يطالعنا ساردها بوصفه سارداً ملتحماً بحكايته:(متمَاهياً بمرْويه)
وما يكشفُ عن هذا التَّماهي : السردُ بصيغة ضمير المتكلم :
“ جئتُ إلى كومالا لأنهم قالوا لي بأن أبي يعيش هنا، إنه شخصٌ يُدعى بيدرو بارامو. أميَ قالت ليَ ذلك. وقد وعدْتُها بأن أحْضُرَ لمقابلته… قبْلَ ذلك كانت قد قالت لي :
لا تستعْطِه شيئاً. طالبْه بحقنا.. خذْ منه غالياً ثمن النسيان الذي ترَكَنا فيه
هذا ما سأفعلُه يا أماه.. »
ولعل الملمح الجمالي الأبرز في السرد بضمير المتكلم كامنٌ في انسراب السرد إلى أعماق الشخصية وكشفِهِ عن الراعش العميق الذي يموْرُ في ثنايا نفسها فيشعُرُ المتلقي وكأنه إزاء بوْحٍ حميْم ما يجعلُهُ أكثر قرباً وتعلُّقاً بالنص المسرود ،إنها قدرةُ ضمير المتكلم على إذابة المسافة بين النص والمتلقي من جهة وإذابة الظروف الزمنية والسردية بين السارد والشخصية المسرودة من جهة أخرى. ويكفي أن نتأمَّلَ قليلاً في مفتتح بيدرو بارامو كي ندركَ رشاقة َنقلة السرد من صيغة ضمير المتكلم إلى صيغة ضمير المخاطب: « لا تستعطه شيئاً..طالبْهُ بحقنا..خذ منه غالياً ثمن النسيان الذي تركنا فيه « وهذه مزية أخرى للسرد بضمير المتكلم. غير أنه ضميرٌ يُحيلُ على الذات «ومرجعيتهُ جوانية « ما يجعلُ رصْدَه للعالم الخارجي ذاتياً، وفيه انفصالٌ عن الموضوعية التي يتمظهر فيها السارد بصيغة ضمير الغائب(الراوي العليم).وهذه الذاتية التي يُسبغها السارد بضمير المتكلم على مسروده تجعله سارداً غير موثوق. ثم إنه ساردٌ وفي نفس الوقت واحدٌ شخوص الرواية ،وفاعلٌ في أحداثها :
إنه ساردٌ ومسرود، ومن هنا تنبثق إشكاليته.على ذلك فهو ساردٌ إشكاليٌ ، وغير موثوق.
“ لقد كنتُ أتصوَّرُ رؤية تلك المنطقة من خلال ذكريات أمي ،من خلال حنينها.. فقدْ عاشت دائماً وهي تتنهَّدُ شوقاً إلى كومالا.. إنني آتٍ اليوم بدلاً منها. أحملُ معي عينيها اللتين رأتْ بهما هذه الأشياء، لأنها منحتني عينيها لأرى.. “ ص 16. نلاحظ هنا كيف أن الساردَ يُجاهرُ في أنه غير موثوق : فهو لا يرى الأحداثَ والأمكنة َ والشخوصَ بعينيه : إنه يراها بعيني أمه.
“ أوصتني قائلة :”لا تتخلف عن الذهاب”لم أستطع شيئا سوى وعدي لها بأني سأفعل ،ولكثرة ما رددتُ هذا الوعد فقدْ تابعتُ ترديده حتى بعد الجهد الذي بذلتُهُ لأُفلتَ يديَّ من يديها الميتتين “
السارد ،واسمُهُ خوان بريثادو ، يرى بعيني أمه الميتة !.
“ – أتريدني أن أصدقَ أن الاختناق قد قتلكَ يا خوان بريثادو؟ لقد كنتَ متيبساً تماماً..
وها أنتَ ترى ، إننا ندفنك..
هذا صحيح يا دوروتيا.. لقد قتلتني الأصواتُ الهامسة « ص 100
إن السارد ، ذاته ، ميت !.
لنتأمل ، الآن، في السرد الصادر من منظور دوروتيا :
“ – إنني شيءٌ لا يزعجُ أحداً. وكما ترى ،فأنا لا أسرقُ مكاناً من الأرض.لقد دفنوني في قبرك نفسه واكتفيتُ بالفراغ الذي بين ذراعيك فقط هنا في هذا الركن حيث تجدني الآن. ويخطرُ لي أنه كان يجب أن أكونَ أنا التي أحتضنكَ. أتسمع؟ إنها تمطرُ في الخارج
أشعرُ كأن أحداً يمشي فوقنا
ما عاد بإمكان أحد أن يخيفك.فكِّرْ بأمور سارَّة لأننا سنبقى مدفونين زمناً طويلاً « ص105
نتوهم ونحن نقرأ بيدرو بارامو أن السارد يوجه الحكاية لنا ، نحن القراء، لنكتشف أنه يحكي الحكاية لدوروتيا المدفونة معه في القبر ذاته:ميت يبوحُ إلى ميتة. إن الحكاية غير موجهة لنا فهل نحْنُ خارجها؟
لنوجز ،أولاً، ملاح السارد الرئيسية :إنه إشكالي. غير موثوق.لا يَرى بعينيه ،يرى بعيني أمه.
يرى بعيني أمه الميتة، هو ذاته ميت،.هو لا يوجه الحكاية لنا. فما الأغراض السردية المضْمَرة في ذلك؟
للعمل الروائي ،وفقَ تودوروف ، سمتان رئيسيتان: الحكاية ،والخطاب. والحكايةُ في هذه الرواية تبدو بسيطة ً:كي ينفذَ وعْدَه لأمه المتوفاة ،يذهب خوان بريثادو إلى بلدة كومالا،ليبحث عن أبيه بيدرو بارامو.يكتشف ،ونكتشفُ معه،خيبة الحب (بين بيدرو وسوزانا) ، وخيبة الثورة ،وخيبة الأب رينتيريا.. ثم نكتشف أن شخصيات الرواية قد ماتت كلها بمن فيها خوان بريثادو : سارد الرواية.
إن الموتى يسردون أحداثاً ،وأمكنةً ،وأشخاصاً كانوا ،في زمن ما،أحياءً.إنها(وجهةنظر)الموتى بالحياة. الحكاية ،إذن،ليست بسيطةً.و(وجهة النظر)تكشف عن العلاقة بين السارد(المتخيَّل ،والميت)والعوالمِ الروائية المتخيَّلة،ثم إن هذه العلاقة تتجسَّدُ في الخطاب الروائي في الوضعية التي يتخذها السارد.
ولكن هل نحن ،القراء ، خارج الحكاية؟ لنصغي إلى صوت دوروتيا :
“ الوهم ؟هذا يكلف غالياً.فقد كلفني أن أعيش أكثر من اللازم.دفعتُ بهذا دَين العثور على ابني، لنقُل إنه لم يكن إلا وهماً آخر ،لأنه لم يكن لي أي ابن على الإطلاق. وبعد أن متُّ الآن ،أصبح لدي متسع من الوقت لأفكر وأدرك كلَّ شيء.. وصلتُ إلى السماء وتطلعتُ لأرى ما إذا كنتُ سأتعرف على وجه ابني بين الملائكة..اقترب مني أحد القديسين.. غرس إحدى يديه في معدتي وكأنه يغرزها في كومة من الشمع. وعندما سحبَها أراني شيئاً يشبه قشرة جوزة..قديس آخر دفعَني من كتفي وأشار إلى بوابة الخروج:اذهبي.. وحاولي أن تكوني صالحة ليكون مظهرك أقصر “ ص104
صوتُ دوروتيا يقطع نياط القلب ويُبكي الحجر ، خاصةً عندما تتمنى لو أنها ، في القبر، هي التي تحضن خوان بريثادو : “ لقد دفنوني في قبرك نفسه واكتفيتُ بالفراغ الذي بين ذراعيك ويخطرُ لي أنه كان يجب أن أكونَ أنا التي أحتضنكَ..” وهكذا فإننا ،القراء ،منجذبون ومتعاطفون ومتفاعلون.. ومشدودون إلى الحكاية حابسين أنفاسَنا ، والحكايةُ تهزُّنا وتحرض مخيلاتنا وتنتعشُ في ثنايا نفوسنا ،لسنا خارج الحكاية ولا الحكايةُ تزدهي برونقها إلا في دواخلنا. ثم إن الساردَ ميتٌ ومدفون مع دوروتيا في ذات القبر ولأنها ماتت قبلهُ فقدْ اكتسبتْ خبرةً في شؤون الموت :
“ ما عاد بإمكان أحد أن يخيفك.. فكِّرْ بأمور سارَّة لأننا سنبقى مدفونين زمنا طويلاً “
لا يستطيع القارئ منا إلا أن يرى نفسَه في شخصية السارد خوان بريثادو ، لأننا ندرك جميعاً أننا في نهاية الأمر سوف نموت والاختناق الذي يتحدث عنه بريثادو ينتقل إلينا. والسارد هنا ، ومن ورائه الكاتب، يضغط على مكامن الرعب فينا فهل نحن خارج الحكاية؟ والسارد يسرد أشخاصاً ميتين كانوا قد لعبوا دورا في أحداثٍ جرَتْ في فترة زمنية انقضتْ.إنه سارد لا غاية َ أو أغراضَ ذاتية له فهو ميت. على ذلك فهو ساردٌ (موضوعيٌ) بكل ما في هذه الكلمة من معانٍ سردية ودلالات رغم عِلْمِنا أن السارد بضمير المتكلم في معظم النظريات النقدية يُنظرُ إلى سرده على أنه(ذاتي) فنحن ،في هذه الرواية، إزاء تقانة سردية حاذقة تقوضُ تصوراتنا المسبقة عن السرد وتخلخلُ الكثيرَ من التنظيرات النقدية.وتقويض الأحكام المسبقة أحدُ الأهداف العليا، وأحدُ الأغراض السردية الحاسمة في هذه الرواية وهو ،أيضاً، في صُلب الخطاب السردي :
“ – كان الأفضل لو أنكَ لم تخرجْ من أرضكَ.ما الذي جئتَ تفعله هنا ؟
لقد قلتُ لكِ في البدء.أتيتُ بحثاً عن بيدرو بارامو لأنه كان أبي كما يبدو لقد شدَّني الوهم
الوهم ؟ هذا يكلف غالياً.. « ص 102
لكن من أين تأتينا الأوهام التي تنأى بنا عن الحقيقة ؟ يقول السارد عن أمه :
“ إنني آتٍ اليوم بدلاً منها. أحملُ معي عينيها اللتين رأتْ بهما الأشياء، لأنها منحتني عينيها لأرى “
إنها الأحكام المسبقة التي تتخذ هيئة نظَّارة نضعُها على عيوننا ونرى ،من خلالها ،إلى الوجود، وهذه الأحكام المسبقة تزوِّدنا بها الإيديولوجيا حيناً ، والتمذهبُ والتحزُّبُ حيناً آخر فنجد أنفسنا منحازين ونحن ننظر إلى الظواهر والأحداث والشخوص والوجود ، كيف ،إذن، سنعْرفُ الحقيقةَ إذا كنا نقررُ ، مسبقاً، ماهي.وقد أشرْنا أيضاً كيف تنبثقُ حكاية بيدرو بارامو، وتبرعمُ، وتوْرقُ في مخيلاتنا ،إن الموتى في هذه الرواية ينهضون ويجولون ويتنفسُّون في مخيلات القراء وهذا هو،فيما نعتقد الهدف الجمالي الأول، والأعلى لهذه الرواية: وحدَه الفن يواجه الموت ،وهذا، أيضا، في صلب الخطاب السردي في هذه الرواية.إن الموضع الذي احتله السارد قد استأثرَ إلى حد بعيد بتوجيه المنظور السردي الذي ،بدوْره، يستأثرُ في نسق الرؤية السردية ثم تمظهر كلُّ ذلك في خطاب سردي ينهض على تقانات سردية فذة وذات فرادة ،ويذهب إلى جوهر الكائن ما يجعلنا نقول في ثقة إن رواية بيدرو بارامو اجتراح جمالي ،وإضافة نوعية واضحة في مشهد السرد العالمي.

شاهد أيضاً

«امرأة بمظلة ورجل بقبعة» لدلدار فلمز

يؤرخ الشاعر (دلدار فلمز) في ديوانه (امرأة بمظلّة ورجل بقبعة)- الصادر عن دار الرائد سنة …