أخبار عاجلة

سعيد عقل لن أموت..الحياة أمامي -كثيرون اعترفوا (بعظمتي) للشعر. – أنا أول الشعراء (القلة) في العالم – علمتُ الشعراء الكبار الشعر – شعري يتفوق على شعر المتنبي (وغيره) وهو أعمق منه. عاش القرن كلّه ويعلن استعداده لعيش قرن آخر

الوصول إليه ليس سهلاً،  انه فوق، يجلس ويرتاح هناك، في الأعالي، في جبل لبنان، بين الزهور الشاهقة والناطقة.. خرج من المدينة إلى الجبل، ليرتاح من عناء الجدران والأبنية المكدسة بوجه البصر مثل قيود محكمة. اختار العودة إلى الأصل، إلى الصمت المشبع بالحيوية.اختار المكان الذي يمكنه من خلاله مواصلة العمر بعد أن قطع شوطاً كبيراً في العمر.
سعيد عقل شاعر عاش الدهر كلّه، ولد سنة 1912وثمة من يقول انه من مواليد 1902 .. هذا ما يمكن شرحه واستخلاصه بعد جلسة طويلة معه استمرت لساعات، شرح فيها، وإن بصعوبة، تفاصيل الحياة التي عاشها وصنعها وقرن سعيد عقل أمضى كل أيامه في حديقة الشعر، وما زال إلى اليوم، يقطف ورداً من هذه الحديقة. وكأن الحياة مسافة مفتوحة إلى الأبد امامه.

انه واثق من العيش والحياة، وهو على أمل كبير بأنه سيتحدث مع زواره بعد أكثر من ثلاثين سنة.. وثقته بالشعر وبنفسه تتعدى كل ثقة.إنه من أعظم شعراء العالم، بشهادة نفسه، ولا يمكن لمن يستمع اليه الا أن يوافق على هذا التصنيف!؟
التقيته كثيراً، وفي كل لقاء كان كما هو، الشاعر الواثق، القابض على الحياة والشعر، وحين كنت اسأله، في كل مرة عن مصدر هذا الشعور، كان يسبقني، فوراً، إلى الجواب: الشعر هو الأمان الداخلي لي.
سرد سعيد عقل الكثير في حواري معه، نبش الذاكرة، وإن من دون تناسق زمني، لكنه استحضر ما كنا نرغب بسماعه ومعرفته، أخذنا إلى ملكوت الذاكرة ولى فرح الماضي، بكل ما يعني هذا الفرح من حياة ساهمت بوجودنا الإنساني والثقالفي ..
ذهبت إلى سعيد عقل وبيدي قبلة!حملتها بيدي كي لا تفلت مني في مكان ما، وحين التقيت به شعرت بانني مجدداً امام ذلك الحضور الهائل، أمام سعيد عقل الجالس بنظره الآفل وجسده العملاق والذي بدا يعطي إشارات التعب ينتظر من يحب اللقاء به دائماً. سلّمت عليه، قبلته بيدي اولاً، ثم بنظراتي، ثم بفمي ..
حاولت أن أعرف سرّ صموده الجسدي في الحياة من خلال أسئلة عن طبيعة أيامه، كيف يعيشها وماذا ياكل ويشرب ، فاكتشفت أن سعيد عقل لم يشرب المنبهات ولا الكحول طيلة حياته.انه يشرب الماء فقط وبغزارة ولكنه يتناول جميع أنواع الأطعمة.
وكالعادة ربطة العنق دائماً حمراء، وكذلك سترته فهي أيضاً حمراء، وحين سألته عن اللون الحمر قال: اللون الأحمر هو لون التاريخ ـ جلست معه طويلاً وكثيراً ، سألته وأجاب.وكان واثقاً، يحاول شحذ الذاكرة ذاكرته التي أمست لا تجاريه كثيراً.وفي كل جواب، كان قلبي يتسع، وذاكرتي تتسع وعمري يتسع.ولم يكن باستطاعتي الا تدوين الكلام، كما قاله وكما لفظه ، بالنبرة الخاصة التي يتمتع بها شاعرنا الكبير.
من ينسى سعيد عقل صاحب ومطلق النظريات الكبيرة؟
ما زال سعيد عقل بيننا.صحته جيدة وأفكاره نابضة. شارفت سنوات عمره على إتمام القرن كله ولكن ما زالت روحه الشاعرية تنبض بالحياة والحرية  وبوعي مميز وما زال جسده محافظاً على حيويته، وما زالت خطواته تتجه صوب الجمال بفرح كبير.
بعد هذا العمر الطويل وبعد هذه التجربة الشعرية الهامة ذهبت إلى سعيد عقل ، فاستقبلني خير استقبال، ولم أصدق أن الذي يستقبلني هو سعيد عقل أو ابن السنوات الكثيرة. شعرت بأنني مع شاعر شاب ، فروحه المرحة كانت كافية لإدخال البهجة إلى روحي.
تحدثت إلى الشاعر بحذر ثم زال هذا الحذر ودخلنا في نقاش حميم.
سألته كثيراً وحاولت امتلاك الوقت كله في ذلك المساء الهادئ، في صالونه الجميل، على يمينه «البيانو» وعلى شماله اللوحات الفنية المميزة.جلست إلى جانبه، نظر اليّ فشدّني اليه وبدأنا الكلام:
 من تذكر الآن من شعراء الماضي، من يعجبك من الشعراء بدءاً من العصر الجاهلي مروراً بالعصور الأخرى وتحديداً العصر العباسي وصولاً إلى حاضرنا؟
 يوجد في الشعر العربي كله حوالي 200بيت من الشعر يمكن أن نجد فيها الشعر والشاعرية واللغة الشيقة والرشيقة. وخارج هذا الإطار لا يمكن أن نتحدث أكثر… هناك شعراء كبار ولكن لا يمكن وصفهم بانهم من الكبار الكبار.
لم أعثر في الشعر العربي على قصيدة كاملة متكاملة.هناك كلام كثير أو قصائد طويلة لكنها أقرب إلى الحشو الكلامي والإيقاعي، ولا يخلو الأمر من التماعات شعرية قد تبرز في بيت أو بيتين أما باقي الكلام فهو زوائد لا تفي بغرض الشعر والشاعرية وتجعل القصيدة مخترقة وغير قابلة للفعل الشعري وغير فاعلة أبداً.
 هل ينطبق هذا الرأي على أبي الطيب المتنبي؟
 المتنبي شاعر كبير ومهم ولكن عنده هفوات وكان يسعى إلى السلطة على حساب الشعر.
 كيف تشرح ذلك؟
 يكفي انه كان يمدح سيف الدولة.والشاعرالمهم لا يحتاج إلى السلطة والعكس هو الصحيح.الشاعر يرفع قيمة السلطة لأنه هو صانع المجد.
 أكرر سؤالي هل ينطبق رأيك على كل الشعراء، ألا يوجد استثناء؟
 أغلبهم ينطبق عليهم هذا الرأي. لقد قرأتهم ولا يمكنني العودة إلى قراءتهم اليوم.
 ألا ترى معي أن هناك بعض الشعراء الكبار الذين استمر حضورهم إلى اليوم.وما زالت قصائدهم في ذاكرة الأجيال؟
 من تقصد يا إسماعيل يا فقيه يضحك كثيراً؟
 أقصد المتنبي، أبو العلاء المعري، أبو نواس، عمر بن ربيعة، الكندي، امرؤ القيس، ابن الفارض، السموأل، طرفة بن العبد… وهناك الكثير الكثير من الأسماء الأخرى لا استطيع تذكرها الآن؟
 أكرر لك ما أسلفته واذا أردت بشكل آخر أقول: أغلب هؤلاء ذاع صيتهم وشهرتهم من خلال بعض الأبيات المكتوبة والمرددة في مناسبات معينة. هناك بعض أبيات توفقوا بنظمها فذاع صيتها.وكل جميل لا ينام يبقى في الساحة النابضة.
 ماذا يخبرنا سعيد عقل عن بداياته، وأترك لك سرد المرحلة التي تريد؟
  يتأمل كثيراً ويتذكر  ويقول: في بداية عهدي مع الحياة والوجود لم أكن اعتقد أنني ساكون شاعراً كبيراً. وكل من عرفني أيام الدراسة لم يتوقع لي ذلك. كانوا يتوقعون لي أن أكون مهندساً أو مخترعاً، ولا أزال حتى اليوم أقرأ العلوم وأتابعها بشغف. صحيح انني أكتب الشعر ولكني أتابع العلم عن كثب.
 كيف تحولت إلى الشعر؟
 في طفولتي وأثناء الدراسة كنت أذهب إلى النهر بصحبة جمهرة من الأولاد وكنا نحضر الحفلات  التي تقام في المنشية في مدينة زحلة.لم أكن يومها على معرفة بما يجول في تخوم ذاتي.لم أحلم يوماً انني سأصبح مثل أولئك الخطباء الذين استمع إليهم بإصغاء.كنت أرغب أن أصبح عالماً.
 أفهم من كلامك أن العلم والعلوم تحتل المرتبة الأساسية في حياتك؟
 كل ما أكتبه نابع من العلم والعلوم.كل قصيدة كتبتها كانت محاطة بعلوم ضخمة.
 هل للشعر علاقة بالعلوم، هل تتفق العلوم مع الشعر؟
 ثمة علاقة وثيقة بين الشعر والعلوم، وأتوقف كثيراً عند الرياضيات. هذا النوع من العلوم هو الأساس في تركيز اللغة وبسطها في إطار القصيدة. انني أتصور بل أوكد أن كل شاعر يجب أن يكون عالماً.
 كيف ذلك ، ماذا تقصد؟
 ولو كنت حاكماً لفرضت على كل الصفوف الدراسية تعلم مادة الرياضيات بشكل مضاعف ومكثّف ومستمر. حتى في صفوف الأدب، لا اعتبر ان متفوقاً في أي فرع من فروع المعرفة يتحقق له ذلك الا اذا كان متفوقاً في العلوم وخاصة علوم الرياضيات. وأنا اقول ان العلم هو الرئة النظيفة للقصيدة، يجعلها أكثر قدرة على تفسير المعنى والوجود. العلوم هو قصيدة العصر.
 ماذا تخبرنا عن الخطوات الأولى لسعيد عقل في الحياة والدراسة؟
 كانت في مدينة زحلة مدرسة ـ الفرير مارست وكنت متفوقاً في مادة الرياضيات، وكان مقرراً حينها أن أكون مهندساً .كان والدي من الأغنياء الكبار، وقد ورث عن أبيه الكثير من الأراضي.كان كريماً وحين يسأله أحدهم  مساعدة ما كان يتردد بمنحه قطعة أرض.ويدفع له ثمن تسجيلها، إلى أن خسر أملاكه.وهذا ما جعلني أعيش في حالة غير مرضية لي اذ لم يكن باستطاعتي النزول إلى العاصمة بيروت لدراسة الهندسة.وهكذا لم أستطع التخصص في مجال الهندسة.
 ماذا تذكر من شخصية والدك؟
 كانت الأخلاق بالنسبة له هي الأهم والأساس الذي ينطلق منه إلى الحياة. كان عنيف الشخصية، صادقاً مع نفسه ومع الناس. تأثرت بوالدي كثيراً وتعلمت منه الأخلاق والشهامة.
 لم تذكر والدتك؟
 القيم العليا أخذتها من والدتي.تاثرت بها كثيراً وتعلمت منها الكثير ولا أنسى الحكايات التي كانت تقصها علي.
 ماذا تخبرنا عن بداياتك، هل من حادثة معينة ما زالت ماثلة في ذهنك؟
 أذكر من طفولتي، وكنت في الرابعة من العمر. كنت في مدرسة لا تستقبل سوى أولاد الأغنياء. اعترضت أمام معلمة اللغة الفرنسية على لفظة من حرفين، ولم تستطع المعلمة إقناعي وقلت لها بأنني سأخبر أبي كي يضغط على المعلمة الكبيرة لحذف هذه اللفظة من القاموس.. اجتمعت يومها بالمعلمة التي حاولت اقناعي بضرورة هذه اللفظة فلم أقنع… منذ ذلك التاريخ القديم قررت في داخلي بان أصحح كل الحروف والمصطلحات التي تحتوي الغلط…هذا الأمر قادني فيما بعد إلى صرامة مع اللغة، فصارت عادتي ترتكز إلى تصحيح كتبي بين طبعة وأخرى. عندي مرض اسمه التصحيح..أذكر أن الشاعر شفيق المعلوف رأى مجموعتي «رندلى» مطبوعة فقرأها وحفظها. وحين شاهد طبعتها الثانية مصححة لامني بعد عودته من البرازيل محتجاً. فقلت له انها أشعاري وأنا أغير فيها كما أشاء.
 ذكرت كتابك «رندلى» وهو من الكتب الهامة في تجربتك، ماذا تخبرنا عن هذا الكتاب تحديداً؟
 لكل شيء كمال وجمال وبهاء.للكتابة للحب، للقصيدة للإنسان.. الكمال للتفاصيل، الجمال للكل.. وعندما أنشر كتاباً أتعمد فيه  الجمال ثم أعود للتصحيح فيه لأتعمد الكمال وألتقطه بكل تفاصيله، و«رندلي» هو من الكتب التي ينطبق عليها هذا النظام.
 كتابك «لبنان ان حكى» له خصوصية في حياتك، أليس كذلك؟
 يمثل لي هذا الكتاب الكثير الكثير. ونصف مدخولي من هذا الكتاب، فقد تم طبعه عدة مرات ويعلم في المدارس لأنه يصور شخصيات شهمة، وهذا كله نابع من تأثير شخصية والدي علي.كذلك نابع من تأثير شخصية أمي وشهامتها ونظافتها وطهارتها.
 «بنت يفتاح»كتابك الأول، أليس كذلك؟
 نعم انه باكورة أعمالي.
 كيف ومتى تكونت فكرة اخراج الكتاب إلى النور؟
 هذا الكتاب له قصة… كتبتها أول أيام نزولي إلى بيروت. كانت هناك جمعية اسمها «الجامعة الأدبية» ومقر الجمعية تحول اليوم إلى قصر وزارة الخارجية، وأقيمت في وقتها مسابقة لأفضل عمل روائي جائزتها 50 ليرة.ووقتها الخمسون ليرة تكفي الإنسان للعيش عاماً كاملاً.. تقدمت شخصيات أدبية كبيرة إلى المسابقة فرفضت الجمعية نصوصهم، وانتهت مدة التقديم. بالصدفة تعرفت على الأديب صلاح لبكي في مدينة زحلة، فحدثني عن المسابقة وطلب مني الاشتراك وكنت قد كتبت من «بنت يفتاح» فصلا واحدا قرأه وفرح به، وأتممت الفصل الثاني خلال أسبوعين.. فازت الرواية وضوعف مبلغ الجائزة إلى مائة ليرة، هذا المبلغ جمعوه وقتها من الأغنياء. والرواية أخذتها الجامعة اليسوعية وطبعتها وقبضت ثمنها سلفاً.
لعلني أتفرد بانني حين أطبع كتاباً أو مجموعة أقبض من دار النشر حقوقي سلفاً .
 كيف تشرح لنا مسيرة تكون شخصيتك الثقافية؟
 ثقافتي تنطلق من معرفة تقول ان على الأديب أن يكون مطلعاً على الثقافة العالمية كلها.وهذه القناعة قادتني إلى ضابط فرنسي يمتلك مكتبة مكتظة بالكتب، كتب من اليونان والصين والهند فقررت أن أخلد إلى هذه المكتبة قبل نزولي من زحلة إلى بيروت. قررت دراسة الأدب في العالم، فبدأت بالأدب الصيني، أقدم الآداب، ثم بالأدب السنسكريتي، ثم بالأدب الزندي ، أدب الفرس قبل الإسلام، الأدب الذي أخرج زرادشت، ثم تابعت بالأدب الفينيقي والمصري ثم انتقلت إلى آداب أوروبا التي ألهبت عقلي والتي أعتبرها من الآداب الحقيقية. أدب اليونان العظيم والأدب الفرنسي . قرأت كل الآداب عدا الأدب الروسي الذي  لا أعرف منه سوى عملاقين كبيرين هما تولستوي وديستوفسكي، وكنت أحب شولوخوف وقد كتبت عنه قصيدة ألقيتها في بيروت في حفل لمناسبة نيل جائزة نوبل.
 كيف تعيش اليوم، كيف يتحرك سعيد عقل، كيف يتحرك الوقت في مساحة حضورك.حياتك اليوم كيف ترسم معالمها، أما زال سعيد عقل هو هو؟
 بالتأكيد سعيد عقل هو هو.انه الشاعر الذي ما زال في عهدة الشعر، ولغته نابضة بالفرح العظيم. أما كيف أعيش، فإنني أقول، أعيش كما أريد، ان حياتي ما زالت على حالها.الحياة أنصفتني والله أعطاني كل الحب، وسيعطيني بعد، وأنا على ثقة كبيرة بان الحياة ما زالت واسعة أمامي.
 شارفت على اتمام القرن من العمر وما زلت تعيش ثقة الشباب بمستقبلهم، كيف تفسر هذا الشعور المتعاظم في نفسك وكيانك الوجودي؟
 إن الله امدني بالحياة، أحبني كثيراً، وهو كريم عزيز وسيعطيني المزيد .
 أقول لك، إن شاء الله سنزورك بعد خمس سنوات…؟
 ستزورني كثيراً أكثر من مائة مرة، ستزورني بعد أكثر من ثلاثين سنة.
 هذا إذا عشت أنا إلى ذلك الوقت.
 الشعراء أصدقاء الله.
 تحمل في جعبة حياتك قرناً من الحياة.كأن الدهر كله معك ولك، وأرى فيك الآن شعور الشباب الطامح إلى تحقيق المزيد من الحياة والعمل؟
 نعم انك تقول كلاماً حقيقياً .
 هل للشعر كل هذا الفضل في بناء هذا الإشراق في حياتك وأيامك؟
 أنا سعيد عقل ولست سواي، وعندما أقول سعيد عقل يعني ذلك أن الحياة معي ولي.نعم الشعر هو مجد وخلود. الشاعر الكبير الذي يجسده سعيد عقل  هو الثقة الكبيرة وهو الطاقة الهائلة التي تبث الحياة  دائماً وبلغة متجددة، عابقة، تساهم في توليد النبض الذي يغذي مفهوم الجمال .الشعر وسعيد عقل هما العظمة والجمال، فهل تنتهي العظمة؟ وهل ينتهي الجمال؟؟ لقد أعطتني الحياة ما اعطيتها، أعطتني العمر المديد، وأعطيتها الجمال والشعر والعظمة .
 أنت أعظم الشعراء؟
 كثيرون اعترفوا بهذه العظمة؟
 من قال أنك أعظم الشعراء، طبعاً غير سعيد عقل؟
 الشاعر السوري سليمان العيسى قال:اذا العرب أعطوا كل مائة سنة سعيد عقل يعيشون مليار سنة .
 المتنبي ، طاغور، لوركا، شكسبير، ..وكثر هم من العظماء؟
 سؤالك الطويل العريض أرد عليه كالآتي:المتنبي شاعر كبير ولكن كان عليه أن يشعر أكثر، ويتعمق أكثر مما تعمق، كان عليه أن يستعمل اللغة أكثر مما استعملها!؟ أنا هالسعيد عقل كتبت وشعرت واستعملت اللغة أكثر من المتنبي.ان شعري يتفوق على شعر المتنبي وهو أعمق منه بكثير.. أما العظماء الذين ذكرتهم في سؤالك، فإنني أقول انهم من الكبار أيضاً، وفق موازاة هذا الكلام أقول: في اشعاري جمال متفوق وغير موجود في الشعر الأوروبي كله.
 وباقي الشعر العالمي؟
 ليس في العالم شعراء كبار سوى قلة.
 وأنت منهم؟
 أنا أولهم .
 هل كتبت وصيتك؟
 شعري هو وصيتي، فيه كل الكلام وكل الأسئلة وكل الأجوبة.قلت في شعري كل شيء، حاورت الجمال وابتدعته وابتكرته. أليست هذه وصية؟رسمت معنى الإنسان وحددت له مفهوم الإقامة في الوجود، أليست هذه وصية؟؟ علمت الشعراء الكبار الشعر، أليست هذه وصية؟؟؟ كلهم ساروا على خطى سعيد عقل، من كل الأجيال، أليست هذه وصية كافية؟
 هل من زيادة على هذه الوصية أو الوصايا؟
 وصيتي أن يبقى الجمال في مأمن، أن يحافظ الإنسان على مرتبته الإنسانية .
 هل أنت خائف على لبنان؟
 لبنان مثل سعيد عقل، لا خوف عليه. انه تاريخ العالم. أنا سعيد جداً اليوم وربما أكثر من الماضي، لأن لبنان قوي جداً .
 ما سبب هذا التفاؤل؟
 أنت صغير في العمر ولا تعرف ما هو لبنان، واذا عرفت ستشعر بالعظمة لأنك لبناني. يقول بول موران، وهو مؤرخ فرنسي كبير «صور وصيدون كانتا ذات يوم تاريخ العالم»! هل تعرف معنى هذا الكلام؟مدينتان صغيرتان من لبنان تختصران العالم.
 ولكن هذا الكلام ينتمي إلى الماضي، اين نحن منه اليوم؟
 انه كلام مستمر ويسري على كل العصور.
 حتى العصور القادمة؟
 بالتأكيد وبثقة وعنفوان أقول: نعم.
 ألا ترى في كلامك ما يوحي بالإنتقاص من بقية العالم؟
 أحيلك إلى ما قاله المؤرخ الفرنسي الآخر أنتون .
 ماذا قال؟
 لا يجوز أن لا تعرف ماذا قال!.
 أعتذر لأنني لا أعرف وأريد ان اعرف، ماذا قال؟
 قال أنتون:لبنان أعلى قمة في التاريخ.هل قيل عن بلاد أخرى مثل هذا الكلام!؟
 لكن الحاضر مختلف، السياسة اليوم في لبنان غيرت مجرى هذا الكلام؟
 أنا اليوم مرتاح وقلبي مطمئن على لبنان..السياسة اليوم لا تهمني كثيراً وأسيادها إلى زوال، لا يهمني اذا كان هذا السياسي أو ذاك يغتصب مال الخزينة، هذه تفاصيل يمكن حذفها.أنا دائماً مستقو بلبنان.ومهما كانت الحروب حوله، فهو أكبر من كل شيء، ولا يمكن لأحد زعزعة مكانته.أهل السياسة يشوهون الحياة وألفضل أن لا نتحدث عن هذا القبح.
 كيفك أنت والقراءةوالكتابة اليوم؟
 لا أخفي عليك انني لا اتمتع اليوم بنظر فعال كما في السابق، هناك من يقرأ لي  وأملي عليه ليكتب ما ابتكره.
 ماذا تشعر عندما تسمع أشعارك اليوم؟
 عندما أستمع إلى أشعاري يقف شعر راسي، أطرب لها يجتاحني الأمل وأتساءل:من هو هالسعيد عقل الذي كتب كل هذا الجمال والعظمة.
 كلامك عن تفوق أشعارك على أعظم شعراء العالم، أليس فيه شيء من الإعتداد بالنفس، وقد يلقى ردوداً عليه؟
 صحيح ما تقوله، لكنه حتماً  وبالتأكيد كلام صحيح وله خصوصيته الملزمة .
 هل تعرف شعر علي أحمد سعيد؟
 طبعاً أعرف شعره، ولكن لماذا سألتني عنه؟
 سألتك لأن علي أحمد سعيد هو أدونيس وهو الحاضر الأكبر اليوم على الساحة الشعرية. ما رأيك بأدونيس وأشعاره؟
 لا أحب شعره ، ولا طريقة حضوره في الساحة الشعرية. وأدونيس خرج من اسمه إلى اسم مستعار وهذا يتنافى مع رسالة الشعر الخالدة .
 يبدو أنك صاحب نظرية معينة حول هوية الشاعر؟
 نظريتي تقول، أكتب الشعر ولا «تحرتق»على الشعراء .
 تقصد أدونيس بهذا الكلام؟
 أدونيس وسواه، أدونيس حرتقجي كبير وهذا ما يتنافى مع الشعر والشعراء.
 هل تعجبك أشعار محمد مهدي الجواهري؟
 كيف لا تعجبني وهي تقاطعت مع أشعاري.أشعاره مرت في أشعاري.
 نزار قباني؟
 شاعر خفيف الظل، شهرته نابعة من تغزله بالمرأة .
 سليمان العيسى؟
 أكبر شاعر في سوريا.
 ميشال طراد؟
 شاعر كبير.
 من يعجبك من الشعراء العرب؟
 قلة.
 مثل من؟
 لا أذكر الأسماء.
 من يعجبك من الشعراء المحدثين؟
 أقل من القلّه يضحك بغزارة .
 نعود إلى شعرك، سعيد عقل متهم بأن أدواته الشعرية محصورة بأقل من ستمائة كلمة، كيف ترد على هذا الكلام؟
 ستمائة كلمة كافية لإنتاج وقول كل الجمال. هذه الأدوات الشعرية كانت كافية في شعري لتفي بغرض الشعر كله، ولتؤكد ان الثرثرة الشعرية لا قيمة لها، وهذا حال أغلب شعراء كل العصور.. كانط استعمل أسلوبي، قدم كل فلسفته بخمسمائة كلمة.
 ما الذي ذكّرك بكانط؟
 أنا قارئ للعلم والفلسفة والرياضيات.
 كيف تقرأ صيحات العلم المدوية اليوم؟
 العلم هو القصيدة الجديدة للبشرية، وسوف يأتي اليوم الذي يصير فيه العلم هو الجواب على كل سؤال في الحياة.
 هل تعرفت على الكومبيتر؟
 حسب قدرة نظري وصحتي.
 المرأة في حياة سعيد عقل كيف كانت وما هي؟
 كانت وما زالت كما هي، المرأة الشريفة التي تتمتع بالنبل والأخلاق، وهذه المرأة توحي بالشعر العظيم.
 تغزلت بالمرأة، من هي المرأة التي تغزلت بها؟
 انها المرأة النبيلة التي تحافظ على جمالها وروحها، المرأة التي تستحق الشعر، تغزلت بالمرأة الشريفة التي تحترم زوجها وعائلتها.الغزل الذي لا ينطلق من القداسة هو كلام خارج الغزل والشعر.
 بالنهاية دعني أصارحك بأنك تبدو  معجب بشخص واحد اسمه سعيد عقل؟
 أنا معجباً بالإمام علي ودانتي ونوفالس وفاليري وسواهم من الشعراء والفلاسفة الذين أغنوا التاريخ بأفكارهم. لكني بالمقابل أجاهر بعدم اعجابي بافلاطون وسقراط .

إسماعيل فقيه
كاتب وشاعر من لبنان

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …