أخبار عاجلة

سقط متاع الكتابة

حمل العدد الحادي عشر من "نزوى" مفاجأة للقراء، هي المادة الموسومة بـ "تناسقية التوحد في المكان، الزمن،الذات الأخرى". للسيد : عبدالغني السيد، واذ حمل العنوان إيحاء راقصا، فإن الموضوع ذاته لم يشتمل على غير التخبط والتلاعب بالألفاظ والكليشيهات، مما يحتسب من سقط متاع الكتابة الصحفية الخفيفة والانشائية.

بعد أسطر تمهيدية من المدائح من قبيل : مواكبة الركب الحضاري، والتغلب على قضايا فكرية ! و" أريج دقة الطباعة " (؟!!)" وبعد عبارات لاحقة مختلة المبنى والمعنى كهذه : "ونجد أن تلك الأبواب هي التي محورت منهج المجلة لتحدد بدقة اتجاهها الفكري من أجل إنقاذ وجدان وعقل المتلقي لمواجهة قضايا راهنة فرضها عصر الخصخصة والمؤتمرات التآمرية ورجال الأعمال المشبوهة (؟!) حتى كاد المثقف العربي أن يتوارى خلف أطلال عصور الأدب السامي (؟!).

بعد ذلك يطرح "ملاحظة أخرى هامة " كما يقول باعتبار أن ما سبق هو هام، ومفاد الملاحظة أن مجلة "نزوى" تمتاز عن غيرها بالاهتمام الشديد بـ "روح الفن التشكيلي ". ويدرك أي قاريء يمتلك قواه العقلية أن المجلة تعني بتجسدات الفن التشكيلي وأثاره المادية المتحققة. إلا أن هذا الكاتب الروحاني لا يميز بعد، بين ما هو مجسد ومحقق، وهو اللوحات والتصاوير والألوان والخطوط، وبين الأثر النفسي والجمالي الذي يثيره العمل الفني، وقد قاده اندفاعه المحموم لكيل المدائح الى هذا الخلط متوهما أن إطلاق تعبير روح يعلي من شأن المادح والممدوح.

وما تقدم هو مجرد مقدمة. أما متن الموضوع فهو التعرض لقصص ونصوص نشرت في العدد الثامن. ويقول من كتب : ليس من باب المصادفة أن يدور معظمها حول تأثير عنصر المكان (لماذا : ليس من باب المصادفة ؟!) على تقلبات الدوافع والرغبات وحميمية الحنين للأرض والطبيعة ما ينعكس على ذاتية الطقوس شديدة الخصوصية بصورة أو بأخرى لفرض تابو إنساني.. الخ !!

وبافتراض أن هناك تسلسلا ما في هذه العبارات المتدافعة التي تأخذ بخناق بعضها بعضا، فإن النتيجة التي يخلص اليها قاريء هذه الأسطر، إن تقلبات الدوافع والرغبات تؤدي لفرض تابو، خلافا لكل منطق يقول : إن تقلبات الدوافع والرغبات تتجه الى الالتفاف على كل تابو ومحاولة التحرر منه، لكن الكاتب العابث بالألفاظ وصريعها، يكاد لا يتبين فرقا بين استخلاص منطقي أو غير منطقي. حسبه أنه يورد لفظ "تابو"، كما أورد من قبل عبارة "روح الفن التشكيلي " كيما يملأه الرضا والحبور عن صنيعه المتعالم.

وواقع الأمر أن المادة المكتوبة جميعها تنسج على هذا المنوال من العبارات الرخوة والأفكار المختلطة والاستخلاصات الشوهاء، والتي تنبيه بغربة كاتبها عن قواعد الكتابة العربية الصحيحة والتفكير السليم، وان قادته مصادفة ما، تثير التأمل، للنشر في هذه المجلة. ففي تعرضه لقصة آمنة سالمين، يقول :

"هكذا تبدأ آمنة.. أبجد يتها بحذر إزاء محاولة الاجابة على نفس السؤال الذي أطلقه علي شلش في يناير 1978 عبر الفقرة الأولى من كتابة النقدي الأول عالم القصة فدخل به عالم النقد من أوسع الأبواب لكن السؤال ظل معلقا وسيظل بلا إجابة ". على هذا النحو الهزلي تختلط الكتابة، فيتم الانتقال من قصة قصيرة بعينها، الى علي شلش والى يناير 1978، والى الفقرة الأولى والكتاب النقدي الأول وعالم النقد وأوسع الأبواب. وعلى هذا النحو من الهذيان يريد الذي كتب الايهام بمرجعياته عبر ذكر اسم كاتب وكتاب دون مناسبة، ويغير اتساق في الأفكار، ضاربا عرض الحائط بأوليات قواعد الكتابة، وهي تسلسل المعنى والترابط بين البدايات وما يتبعها.

وفي تعرضه لقصة أخرى بعنوان : "الموتى لا يرتادون القبور" لحسن رشيد يقول واصفا القصة بأنها : "وكما هو مبين بالعنوان تجربة تطرح رصدا فلسفيا متحجرا لحالة انطوائية تعيش معلقة بين اجترار الذكرى وبين الخضوع لما آلت اليه من مصير".لا يجد الذي كتب ما يقوله عن القصة، سوى انتباهه للعنوان والاحتكام اليه ! لينتقل من ذلك الى وصف القصة بأنها تطرح رصدا فلسفيا متحجرا! والعبارة الأخيرة هي برسم من يبحثون عن معنى للكلمات والعبارات والذين لن يجدوا ضألتهم في هذه العبارة، وما يماثلها من عبارات تطفح بها هذه المادة. فمن يكتب يخلص في تعرضه للقمة إياها. ولدى اشارته الى واقعة محددة مخصومة، تتعلق بطفل تساء معاملته، الى ما يلي : "لقد فرض عصر زغللة الستالايت والسيارات الاوتو مناتيك طبيعة غريبة عن طبيعة الشرق إذ أصبح الاستهتار والتراشق بالدعابات السمجة الاستفزازية، من اعراض التكوين النفسي للشخصية العربية " ولا ريب أنه كشف عظيم هذا الذي يرد صاحبه تعقيد المشكلات الفردية الاجتماعية من بلد الى أخر مع اختلاف الظروف والمكونات والنتائج، الى زغللة الستالايت والسيارات الأ توماتيك !! وهو ما يعف الأميون عن ترديده. خاصة وأن الأمر يتعلق بزغللة الستالايت وليس بهذا النظام ذاته ! وبالسيارات الأوتوماتيك وليس بالسيارات ذات الناقل العادي! مع الاشارة الى تأكيده بأن الدعابات السمجة الاستفزازية باتت من اعراض التكوين النفسي للشخصية العربية، ولا ندري الآن الى من ينسب شخصيته هو. الى الشخصية العربية أم الى جنس أخر. علما بأن اسمه يدل على انتسابه العربي. والأكثر إثارة للسخرية بعد ذلك، هي الفقرة التي اختتم بها عادته، فهو يعود الى ما ابتدأه من كيل المدائح. وقد جادت قريحته هذه المرة بهذه العبارة : "بلا شك أن جمال وروعة الطبيعة العمانية تساهم في صقل التجربة تجاه المبدع عامة (؟!!) كلما رنا الى الجبال المتفاوتة الاخضرار.. الخ.

ويصرف النظر عن الركاكة المضحكة في العبارة، ورغم أن هذه لا تحتمل صوف النظر عنها.. إنما سأعمد الى ذلك مؤقتا لفرض تبيان ضحالة المعنى، فلقد استقرت خبرات الباحثين والمبدعين معا على أن التجربة والثقافة هما معا ما يصقل أدوات الفنان. لكن الكاتب المولع بالدجل، يكتشف أن روعة وجمال الطبيعة تساهم في صقل التجربة تجده المبدع عامة " حسب صياغة هالتي تنم عن جهله بأحكام اللغة السليمة. وما ذهب اليه يماثل الأفكار الساذجة الشائعة عن مصادر الالهام كأن يقال بأنه يكفي أن يتخذ المبدع مكانا له أمام زرقة البحر، أو ساعة غروب الشمس أو (لمزيد من السخرية ) في أحضان الطبيعة !، كيما ينثال عليه الوحي والالهام. علما بأن سواد الشعر العربي قبل العصر الأموي كان يصدر عن بيئة صحراوية قاحلة، ومع ذلك فقد اكتسب زخما تصويريا لا يضارع.

تبقى الاشارة الى أن قاريء هذه المجلة. يستكبر ويستكثر أن تصبح نصوصها عرضة لتناول أي كان، وأن يتاح لأي تناول كان ست صفحات كاملات من المجلة.

ولن أتطرق بعد هذا لتعرضه لنص لي نشر في العدد الثامن. ذلك أن من تقعده مداركه الضعيفة عن صوغ عبارات سليمة متسقة، فإنه من المنطقي أن يعجز عن إدراك وتذوق ما يقرأ على أن مما يبعث الدهشة أن يتنطع، لالقاء مواعظ عن التريث والموضوعية، بما يعيد الى الأذهان مواعظ الأشقياء والسوقة، عن شروط العفة والطهارة.
 
محمود الريماوي (كاتب من الأردن )  

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …