سليمان العيسى .. كنت زميلاً للسياب «ذكريات تنشر لأول مرة»

حاوره: بيان الصفدي*

عام 1995 في جلسة خاصة مع الشاعر سليمان العيسى في صنعاء قال لي: ما رأيك أن تكتب عني كتاباً؟ قلت له: موافق، بشرط أن يكون على شكل حوار تجيب فيه على أسئلتي بصراحة، وسيكون وثيقة مهمة لجيلكم كله، تحدثتُ بعدها مع الشاعر إبراهيم الجرادي الذي كان جار العيسى في السكن، فتحمَّس أكثر مني، وقال: سأشاركك، وأحاوره أنا أيضاً.
اتفقنا على ذلك وبدأنا العمل، حيث أسجله على شريط بداية، لكن العيسى عندما كان يستطرد ليذكر أمراً يراه حساساً، يقول: «أوقف التسجيل هذا ليس للنشر رجاء».
بعد أن تكرر ذلك مراراً اعتذرت له، وقلت له: «لا أقبل أن أقدم الأشياء العادية المعروفة، إذا لم تذكر الأمور المهمة وآراءك الحقيقية حولها فما قيمة عملي؟!»
استمر الجرادي بعدي لعدة جلسات، ثم جاءني متعجباً وغاضباً:
«ما في أمل، الرجل لا يتخلَّى عن حذره وتخوُّفاته»
مرت سنوات، وشريطا تسجيل فيهما ست ساعات من الحوار، أكثره مكرر، أي مما قاله الشاعر في مناسبات ومقابلات عديدة، ثم نسيتهما، ونادراً ما تذكرتهما.
ومنذ أشهر قليلة شعرت أنه علي أن أنقل القسم الطريف الخاص بعلاقة العيسى بالشاعر السياب، ففيه الكثير من الإضاءات ربما على حوادث ومواقف قد تثير بعض الأسئلة الجديدة فيما يخص السياب، قد تفيد دارساً، وعلى الأقل تقدم شهادة جديدة من شاعر عرف بدر شاكر السياب عن قرب وفي مرحلة مبكرة.
vv أستاذ سليمان أنت رافقت السياب في الجامعة، احكِ لنا كيف تعارفتما؟
– السياب كان شاباً قادماً من الريف، ومسجلاً في قسم اللغة العربية في دار المعلمين العالية في بغداد، وأنا كنت طالباً في القسم نفسه، إضافة إلى ذلك كان يسكن أيضاً معي في السكن الجامعي، يسمونه في العراق القسم الداخلي التابع لدار المعلمين العالية، شاب نحيل جداً، ملامحه حزينة تفتقر إلى أي مقدار من الوسامة، خجول جداً ويبدو مرتبكاً باستمرار، ما إن اقتربت منه، وتبادلنا القليل من الكلام حتى أحسست مقدار ما لديه من تهذيب وطيبة، إضافة إلى ما يُعرف عن أهل البصرة من طيبة وكرم أيضاً.
vv لكنه كان يسارياً.
– لااااا…كان معنا قريباً منا كقوميين عرب، فعندما تصادقنا لم نشعر إلا أنه قومي عربي حقيقي.
vv أنتم لم تكونوا بعثيين بعد، فالحزب تأسس عام 1947 في دمشق.
– صحيح، لكنا كنا حركة قومية عربية، وأبناء «عصبة العمل القومي» وتلاميذ زكي الأرسوزي، أو ممن يعتنقون فكرة القومية العربية عموماً، طلبة من لواء إسكندرون السوري قَبِلَهم العراق للدراسة في بغداد، والتقينا بعراقيين مثلنا، ولا تنسَ كان العراق وقتها يناصر الفكرة العربية بقوة حكاماً وشعباً.
vv محيط السياب ماركسي، أهله وأعمامه معروفون بانتمائهم لليسار.
-كان معنا فكرياً في البداية، وكنت أتحدث معه فيشاطرني أفكاري، وظل يرافقنا متحمساً لما نطرحه، وكنت شخصياً أفكر في فكرة الحزب القومي، حتى إنني سميتها «البعث» ولي قصيدة في تلك الأيام ذكرت فيها اسم البعث في قصيدة نشرتها في مجلة دار المعلمين العالية في عام 1945، فقلت:
أرى وطن الأحرار قد طال ليله غداً يشرق الصبحان: البعث والفجرُ
vv أظن هذا حصل فيما بعد، عندما اختلف مع الحزب الشيوعي، فاقترب من القوميين.
– لا لا، كما أقول لك، ألم تقرأ كتاب صديقنا علي جعفر العلاق مثلاً «شعراء الطليعة العربية» ؟
vv قرأته عند صدوره فقد كنت في العراق.
– هو يؤكد ذلك، ويضع السياب ضمن شعراء البعث، وهذا طبيعي، ماركسية السياب كانت طارئة.
vv لن أناقش الموضوع أكثر، لكنه اضطهد واعتقل وطورد على أساس أنه ماركسي.
– صدقني هذا حصل بسبب البنات، الله يرحمه كانت كلمة من بنت تأخذه وتعود به، سأقول لك أشياء، كنت مشهوراً بين زملائي وزميلاتي خاصة الزميلات، لكن صدِّقني لم أفكر عاطفياً بواحدة، كان همي الوحيد هو الشعر وقضايا العرب، وتجرأت مرة وقرأت قصيدة خطيرة في دار المعلمين العالية، وكان فاضل الجمالي حاضراً، أقول فيها أمامه:
العفاريت في البلاد لهيب
فحذار من بطشهن حذارِ
وصدر أمر بفصلي وقتها من الدار، لكن توسط كثيرون لي فعدت.
استوقفتني بعد فترة زميلة وطلبت مني القصيدة، وكان السياب معي، وبعد أن ذهبتْ راح يرجوني أن أعطيه القصيدة ليسلمها هو إليها، فقبلتُ ببساطة، وكان مسروراً كالأطفال بذلك.
وصرت بعدها نجماً، والطالبات يحطن بي، فكان السياب يقول لي بحُرقة: «ماذا أفعل يا سليمان حتى أكون محبوباً من الصبايا»
كان يفرح عند حصول أمسية شعرية في دار المعلمين العالية، لأنه بانتهائها قد تأتي إليه طالبة أو أكثر تطلب قصيدة أو مجموعة أشعار، وعندها كان السياب يذوب، فيقرأ لهن بصوته الحزين الخافت، أو يعطي القصيدة، أو يتبرع بإعطاء مخطوط شعري، وطبعاً خلالها يكون قد أحب وكتب القصائد، وأمضى أيامه وهو يحدثني بكل تفصيل، عن أحلامه وأوهامه، ومع ذلك كان لديه حرمان فظيع، لعب الشكل والخجل فيه دوراً كبيراً.
vv لم يخرج من دائرة الإحساس بأن شكله لا يساعده، وهو السبب في أزمته مع النساء.
– أكيد، هل تصدق مرة دخلت عليه وإذا به قد دهن وجهه بمساحيق، صرخت به: «بدر شو عامل بحالك؟! شو جنيت؟ مو عيب؟!»
ورحت أشرح له أن هذه الأمور لا تقرِّبه من أية فتاة، وأن عليه أن يثق بنفسه، لكنه عصَّب، وراح يبكي ويقول: «أنا بشع، لهذا لا أجد واحدة تحبني.»
وتكررت قصصه، يقول «بس أريد ….تحبني» ويسمي زميلة معينة.
المهم بعدها لاحظ أن قسم اللغة العربية ليس فيه فتيات جميلات كفاية، ولفته قسم اللغة الإنجليزية بطالباته المميزات شكلاً، فعاد ونقل قبوله إلى ذلك القسم، خاصة بسبب ثلاث فتيات معروفات بجمالهن اللافت.
vv لكن صداقتكما لم تنقطع؟
-أبداً كنا نكاد لا نفترق، فلا يخبِّىء عني سراً، ويحكي لي همومه، وأكثرها يدور حول المرأة، ولاحظتُ أن بضع فتيات شيوعيات بدأن يتقرَّبن منه، ويستعرن منه كتاباً أو قصيدة، فبدأ يتغير في آرائه، وصار فجأة صديقاً للماركسيين، ربما كان هناك شيء عن قصد في ذلك، فجأة بدر صار يقول قصائد سياسية نارية، فتلقى الإعجاب، ويشترك في مظاهرات، فالتف حوله كثيرون ومنهم بالطبع طالبات ماركسيات، وصار بدر يتخيل نفسه سيد العشاق.
vv ألم يكن معجباً بواحدة محددة؟
– بدر يحب كل فتاة تحكي معه، لكن كان هناك فتاة جميلة وأرستقراطية متعالية وماركسية، فجن بها جنوناً، ولم يكن يجرؤ أن يصارحها بشيء، فقط يلاحقها ويفتعل أي مناسبة للتقرب والحديث معها، وتعذَّب كثيراً بسبب هذه المشاعر.
وكان هناك فتاة أخرى أقل تعالياً لكن علاقته بها أيضاً لم تتجاوز المجاملات، وكان السياب يمضي الأسابيع بالأحلام لمجرد أنها قالت له أنه شاعر عبقري مثلاً، وعندما يعود مخطوط له من فتاة استعارته كان يتحوَّل ذلك المخطوط إلى باقة ورد بالنسبة إليه.
كنت مرة أجلس معه في المقهى فمرت «المصلحة» ولمح فيها الفتاة الثانية التي حدثتك عنها، واسمها «لمعان»، فوجئت ببدر يصيح: لمعان! ويقفز كالمجنون خارجاً من المقهى راكضاً وراء «المصلحة» ليعود بعد دقائق منهكاً وينزف من أنفه.
«لمعان» هذه شاهدتها خلال زيارتي للعراق فيما بعد وقد صارت مسؤولة بوزارة الإعلام.
وكانت هناك طالبة في الحقوق تشغل باله، ويكتب لها قصائد الغزل، وبطلب منها، فيفرح ويعيش قصة حب وهمية، كنت أعرفها جيداً، بل هي صديقة محترمة، وفوجئت بها ذات يوم، ففي مهرجان أقيم للسياب عام 1969 أو 1970 لم أعد أذكر كنت مدعواً فشاهدتها، كانت قد كبرت وصارت أماً لعدد من الأبناء.
vv ألم تؤثر ماركسيته على علاقتك به فيما بعد؟
– أبداً، السياب كان يحبني وأحبه كثيراً، وفيه أخلاق ريفية أصيلة، هو شخص شهم وعاطفي ورقيق الأحاسيس، وكنت أحس أن إحاطته بالمعجبات الجميلات هدفه الذي يسعى إليه، ويرضيه، فلم يكن متعصباً للشيوعية، وأنا شخصياً لست متعصباً، فالأفكار العامة مشتركة، لكن دائرته صارت مختلفة، فلم تعد صلته قوية بالقوميين.
vv أظن أن للشعر دوراً رئيسياً في بقاء صداقتكما.
-طبعاً طبعاً، بدر كان يقرأ لي كل ما يكتبه، وأنا كذلك، وننتقد بعضنا بمحبة وحرص، ونتشارك في القراءات، ونتبادل الكتب، أو ندلّ بعضنا على الكتب التي نراها مهمة، كما نتحاور في أمور الشعراء في العراق والوطن العربي.
vv هل ترى أستاذ سليمان أن السياب أخذ حقه كشاعر؟
– السياب شاعر كبير، وفيما بعد صار مشهوراً، وكُتِب عنه الكثير، وحصلت مبالغات حوله، بالنسبة إلي يبقى الشاعر الصديق البسيط الطيب الذي شاركني سنوات لا تنسى من حياة الطلبة، سهرنا وشربنا وتسكعنا وبكينا وضحكنا، الله يرحمه قسا عليه المرض، والسياسة، والحياة، أنا لا أنساه كتبت عنه قصائد كثيرة، حتى إنني قدمته في كتيِّب للأطفال، السياب بالنسبة إلي هو أجمل ذكرى عراقية.

شاهد أيضاً

حسن أوزال نحن في عصر تسوده الرداءة وقيم العبودية سرعة التنقل بخَّس من قيمة المكان

بصدور عمليه الأخيرين « تضاريس فكرية، نحو فلسفة محايثة» 2012 و«منطق الفكر ومنطق الرغبة» 2013، …