أخبار عاجلة

سيأتيكَ الغزال

(الديرة طلبت أهلها)
        مثل بدوي
  هناك مشهد يطاردني منذ أشهر. لا أعلم تماماً كيف استحوذ عليّ أخيرا بكل تفاصيله. هذا الصباح استيقظت كمن لدغته أفعى بخسارة ساعتين من نومي المعتاد. أفكّر بالمشهد نفسه، وكأنه وقع للتو: طفل في السابعة يلهو في صحراء. طفل يمسك بخيط مربوط بذيل يربوع خائف يركض أمامه كي يدلّه على مخابئ اليرابيع الأخرى. سيلوذ اليربوع في جحر صغير، وسيكون الجحر بالتأكيد ليربوع آخر مختبئ، فهو لن يغامر بدخول جحر لا يخص سلالته. اللعبة تبدأ بحفر الجحر الأول وإخراج اليربوع الثاني ليدل على يربوع ثالث، ثم رابع، في صحراء لانهائية، بين رعاة يسلّون عزلتهم بإخراج اليرابيع والعقارب وممالك النمل من مخابئها. العقارب لا تحتاج إلى جهد كبير في إخراجها، يكفي أن يميّز أحدهم فتحة الغار الضيّق، ثم يبول فوقه حتى تخرج العقرب مبللة طلباً للنجاة، لتجد نفسها بعد خطوات من هروبها، في حفلة تعذيب مسلّية لهؤلاء الأطفال اللاهين تحت شمس الظهيرة اللاهبة. أحدهم يضع عقرباً داخل زجاجة، ثم يضع عقرباً آخر، لتبدأ معركة ضارية بينهما، قبل أن ينتهيا إلى جثتين هامدتين. سينتبه أطباء شعبيون إلى أن السائل الذي تفرزه العقارب المنتحرة يصلح لأن يكون ترياقاً لمعالجة لسعة العقرب، وذلك بدهن مكان اللسعة بهذا الترياق. لا أعلم لماذا كان هذا  المشهد يلح عليّ باستمرار طوال الأشهر الماضية، مؤجلاً مشاهد أخرى، ربما كانت أكثر أهمية، لكن صورة طفل السابعة في اكتشافه برّية واسعة ونباتات وحشرات وحيوانات وطيور، وأودية ومغاور وكهوفاً، كان الرعاة يجوسون أسرارها، أغرتني بإعادة تركيبها الآن، في هذا الصباح الربيعي من أواخر آذار.
 مشاهد وصور مغبّشة تومض مثل برق في ليلة معتمة. تغيب سنوات بأكملها في هباء النسيان، تهبُّ  وتنطفئ  في موقد الحواس. 
هل الربيع وحده من قادني إلى تلك البراري البعيدة في هذا التوقيت المتأخر نحو أربعة عقود كاملة؟ ربما، ذلك أن مشهداً آخر لطفل السابعة بصحبة فتيات يستيقظنّ باكراً لالتقاط نباتات العكوب والكمأة والفطر، في السفوح البعيدة، بعد أن تتكشف أيام الرعد والبرق والمطر عن يومٍ مشمس، كان يتماوج بالتناوب مع هذا المشهد، ولكن بتفاصيل أقل. يعرف البدو بخبرة أصيلة أماكن هبوب الكمأة في الأراضي البكر، وكيفية نبشها من دون أخطاء. كنت ألهو باكتشاف أماكن الفطر وجمع كمية كبيرة منه، متباهياً بقدرتي على العمل، والركض من فقع فطر إلى آخر. لم يكن أبي يسمح لي بمغامرات من هذا النوع، لكن غيابه المتواصل في قرى بعيدة، أتاح لي مثل هذه الفرصة، إلى فرصٍ أخرى، كأن ألتحق بالرعاة للتسلية. كان الرعاة يجتمعون كل ظهيرة في وادٍ معشوشب عند تخوم مناجم الملح، يشعلون الحطب اليابس في حفلة شواء لليرابيع التي اصطادوها، ثم يلتهمونها بشهيّة وصخب. أحدهم ناولني فخذاً مشوياً، لكنني رفضت أن آكله، مستهجناً طعمه أو إنني خشيت خوض هذه المغامرة. لدي رغبة الآن بالقول إنني التهمت ذلك الفخذ وطالبت بحصتي كاملةً من الصيد، وتسلقت مغاور معتمة لجمع بيوض الطيور، واشتبكت مع ذئب ما، كان يحاول أن يسطو على خروف ضال، متكئاً على أحاديث الرعاة ومغامراتهم التي كانت تدهشني حقاً. مغامرات أبطالها ضباع وذئاب وطيور وحمير، وسعالي تخطف الرجال إلى أعماق النهر ثم تعيدهم إلى الشاطئ بأظافر طويلة، وقد اكتسبوا قدرات سحرية في شفاء أمراض مستعصية، إذ يكفي أن يمسّد أحد هؤلاء الرجال المحظوظين بيده على مكمن الألم حتى يشفى صاحبة إلى الأبد. للذئب حكاية مختلفة، إذ يروى أن من يلتهم عين الذئب سيجافيه النوم، ويبقى متيقظاً طوال الليل بحاسة شمّ قوية تلتقط دبيب النمل في الظلام، ولكن من يجرؤ على التهام عين ذئب؟ يضحك الراعي الحكيم ويقول «أنتم لا تعلمون أن الجزء الأيمن من جسم الذئب أكله حلال، أما الجانب الأيسر فهو محرّم». في لحظة شجاعة مستعارة، ألتهمُ عين ذئب وأتمدد في فراشي، فيما أخوتي يغطون في نوم متقلّب تحت ضوء مصباح الكيروسين المعلّق على الجدار، أنظر باتجاه النافذة، خوفاً من مجيء الذئب لاستعادة عينه المفقودة، أقاومه بشراسة ثم استسلم لنومٍ مضطرب، إثر يوم طويل ومرهق. أحسد الرعاة على رباطة جأشهم وقدرتهم على الركض حفاة غير عابئين بالملمس الخشن للحجارة والأشواك، والقفز على ظهور حميرهم برشاقة الطيور. أحاول تقليد حركاتهم لكنني أفشل بامتطاء حمار مهما كان مستسلماً وأليفاً. أتفرّج بأسى على أطفال في مثل سني يركضون حفاة ويتسلقون مؤخرة شاحنة عابرة، رغم تهديدات السائق لهم، لأجد نفسي عصر يومٍ خريفي على دراجة هوائية يقودها شاب كلفه والدي بإيصالي إلى قرية جدّي لأمي للانتساب إلى المدرسة، بناء على نصيحة وليّ كان في زيارته السنوية لأبي، بعد أن أهداني حجاباً، سوف يبقى معلّقاً في رقبتي أمداً طويلاً لحمايتي من الأقدار السيئة. في أقل من ساعة كنت في قرية أخرى، بين عدد هائل من الخالات وبنات وأبناء العم، فقد كان جدي متزوجاً من امرأتين. في ذلك البيت الطيني، المبني فوق دكة عالية، اكتشفتُ عالماً مدهشاً، فقد كان البيت بغرفه الست المتقابلة، يشبه قصراً قديماً في طرازه المعماري الفريد بشبابيكه الواسعة وأبجوراته وأدراجه وخزائن غرفه وستائره المشجّرة، وصالونه المفتوح على جهتي الجنوب والشمال. بيت محاط بزرائب وبساتين وحقول قطن، وأكواخ للفلاحين، وسواقٍ للماء، تضللها أشجار توت وتين ورمّان  . كان بناء المدرسة يقع في أملاك جدي فوق تلةٍ مرتفعة. ذهبت برفقة خالاتي إلى المدرسة، بعناية خالتي الكبرى التي لم تدخل المدرسة قط . كان التلاميذ يفدون من قرى بعيدة، بهيئات شاحبة، بعضهم خُطت شواربه للتو، وقد دخلوا المدرسة بسن متأخرة، بناء على إحصاء مرتجل. في المساء كان المعلم يحضر إلى بيت الجد لتدريس خالاتي، وكنت أجلس معهن أراقب الصور والكلمات المبهمة، وأنصت إلى دروس الكبار بانتباه، فتعلمت الكتابة والقراءة في ثلاثة أشهر، وقبل نهاية العام الدراسي الأول، نقلني المعلم إلى الصف الثاني الابتدائي، لأقفز إلى الصف الثالث مباشرة، بعد أن تبرعتَ، خلال نزهة خلوية، بقراءة قصة منشورة في كتاب الصف الخامس، استعصت على تلميذٍ كسول.
 في أيام العطل كنت أرافق جدي إلى بستان كبير يقع عند حافة النهر. لم يجرؤ أحد دخول هذا البستان بمفرده، بسبب قناعة راسخة لدى الجميع، تؤكد على وجود أفعى ضخمة، كانت تحرسه من الغرباء، لكنها كانت تتسلل خارج البستان بمجرد حضور جدّي. هناك تذوقت التفاح والرمان والخوخ من أغصان الأشجار مباشرة، لأول مرة في حياتي. في المساء كنت أتسلل إلى مجلس الجد أمام الديوان الكبير، أجلس في حضنه، أو أدور بصينية الشاي على الفلاحين الذين كانوا يتوافدون يومياً إلى الديوان، ينصتون باهتمام إلى نشرة الأخبار من الراديو، دون أن يفهموا عبارة واحدة، على الأغلب. في المطبخ المتاخم للبيت تنشغل الخالات بتحضير العشاء، وتسخين الحليب في مواقد مكشوفة، وإشعال الحطب في التنور لإعداد الخبز. لا يمرّ يوم واحد تقريباً من دون أن تُعلّق ذبيحة في الفناء الشرقي للمطبخ احتفاءً بقدوم ضيف طارئ. كان على الجد أن يعالج خصومات يومية تحرّكها سخونة دماء البدو، وخناجر تلمع فوق أحزمة من الجلد المرصّع بالخرز، لتنتهي بتبويس اللحى. جدتي فضة الجاسم كانت تروي وحدتي بماء الحكايات، وسأكتشف لاحقاً أن هذه الحكايات مستلة على نحوٍ ما، من مدوّنة «ألف ليلة وليلة»، و«كليلة ودمنة»، وموروث الميثيولوجيا البدوية المرتحلة. التنين في حكايات الجدة يتحوّل إلى أفعى بسبعة رؤوس تبتلع كل ما يقع في طريقها، والغول إلى حنفيش يخطف النساء الفاتنات إلى تحت الأرض، وحوصلة النعامة لها قدرة سحرية على إنتاج كيس من الذهب في كل ليلة تحت رأس من أكلها، وعظام البقرة تتحول هي الأخرى إلى ذهب، والديك على هيئة  شاب يشارك في غزو قوافل الأعداء. الأفعى وحدها كانت تطاردني في مناماتي، فأستيقظ ليلاً و قد أرهقني الفزع والعطش، أوقظ جدتي بصعوبة في نداءات متكررة، وأقول لها «أريد ماءً» تجيبني من قلب النعاس»نمْ..نمْ، سيأتي الغزال حاملاً قربة ماء ويرويك». أنظرُ إلى باب الغرفة المغلق، ثم إلى النافذة المشقوقة قليلاً، أتوقع أن يأتي الغزال من النافذة بقفزةٍ واحدة، ثم يتوقّف فوق رأسي، راخياً فتحة القربة. انتظره.. انتظره، إلى أن يأخذني النوم مجدداً في أحلام غامضة. استيقظ في الصباح وقد فارقني العطش. أفكّر: هل أتى الغزال حقاً؟
 الآن تقتحم المشهد ثلاثة عجول سمينة يجرها رجال أشداء إلى عتبة الديوان الكبير صبيحة عيد الأضحى، وسكاكين مصقولة تنحر أعناقها بحركةٍ خاطفة، فيسيل الدم ليغطي ساحة الديوان. بعد صلاة العيد تتوافد الصواني النحاسية من المطبخ إلى الساحة. يتكوّم الرجال في دوائر متلاصقة حول الصواني. يغرقون أيديهم وأفواههم بالثريد والعظام، فيسيل الدهن من اللحى. أتسلل إلى حضن جدي وأحاول أن أقلد الكبار في غمس الخبز في الحساء، من دون نجاحٍ ُيذكر. ينبهني جدي ألا آكل بيدي اليسرى، لكنني سأبقى أعسر إلى اليوم.
 في بداية العطلة الانتصافية يصل أسعد الفاضل على دراجة هوائية كي يعيدني إلى أهلي لقضاء فترة العطلة بين اخوتي. تمشّط خالتي شعري، وتحشو جيوبي بالسكاكر الفاخرة من ماركة «ناشد أخوان». السكاكر التي سيستولي عليها أسعد  في غفلة من عينيّ المشغولتين بنباح كلاب تطارد الدراجة ثم تبتعد وهي تهزّ ذيولها.  الدراجة الهوائية تتهادى في الدرب الترابي، فيما كان أسعد الفاضل يردّد موّالاً عن امرأة سمراء بحاجبين يشبهان سيفين مسلولين، سنلتقيها في قرية تفصل بين القريتين. تناوله رغيف خبز أخرجته للتو من التنور، ثم نكمل الرحلة بأغانٍ أكثر شجناً كان يرددها أسعد تاركاً المقود يسير على هواه. تحتضنني أمي بقبلات طويلة أقرب إلى الشّم. يطارد أخوتي ديكاً، سوف يذبحه سائق الدراجة بضربة واحدة من خنجره. يركض الديك المذبوح نحو ثلاثة أمتار ثم يهمد مرةً واحدة. أنا ضيف لدى أهلي، لا أجد ما أفعله في هذا البيت الموحش، مقارنة ببيت جدي بمتاهاته وأقواسه وأدراجه وصخبه. أجلس على العتبة، أنظر إلى أمي وهي تعد اللبن بسواعد قوية ذهاباً وإياباً بشكوة من جلد الماعز المدبوغ بقشر الرمان. تناولني صحناً من الزبدة، وكوباً من اللبن الرائب مع التمر. الأرض تموج بالأعشاب والورود البرية، والدواب السارحة، قبل أن تمتزج بحقول القطن المتاخمة لنهر الخابور. أحمل وجبة الغداء إلى أسعد الذي يعمل ميكنسيان لمضخة الماء. أجده نائماً تحت شجرة توت ضخمة وإلى جانبه راديو ترانزيستور صغير غطى على صوته هدير المضخة . أضع الوجبة عند طرف البساط المهترئ، وأمضي إلى النهر. أجلس على صخرة،  أراقب حركة الأسماك في الماء. بعد صيفين أو ثلاثة، سيعلّمني أسعد السباحة، بناء على توصية من والدي. هكذا أقطع النهر من الضفة إلى الضفة الأخرى بمساعدة قربة منفوخة مربوطة على ظهري، سيرخي خيوطها المدرّب وسط النهر في لحظة مباغتة، تاركاً إياي لمصيري، وما أن أتمكن من السباحة بمفردي إلى الضفة الأخرى بأنفاس مقطوعة، تكون التدريبات قد انتهت بنجاح. يلفُّ أسعد سجائره على مهل، ويخترع لي قصصاً عن بطولاته في الحرب، وكيف أسقط طائرة إسرائيلية بحذائه العسكري. سأكتشف لاحقاً إنه يقصد حرب حزيران 1967، وإن كل مارواه أمامي مجرد أوهام جندي مهزوم في حرب خاسرة. كنت أنتظر بصبرٍ نافذ غروب الشمس، كي يفي أسعد وعده بأن يسمح لي بإطفاء محرك مضخة الماء، وذلك بإنزال عتلة تشغيل المضخة إلى الأسفل، لتتهاوى بعدها حركة دوران عجلتي المضخة. ألهو بزراعة أشتال البندورة، والباذنجان، عند طرف ساقية، أتفقدها في اليوم التالي، فلا أجد أثراً لها، فأكرر المحاولة مرةً أخرى، لكن شتلاتي ستذبل على الدوام.
  على الدراجة الهوائية نفسها، أعود ثانيةً، إلى المدرسة، تقبّلني أمي، ويحضنني والدي مدارياً دموعه، إلى أن نبتعد وراء التلال. يتوقف أسعد في المحطة نفسها، ويدس زجاجة عطر بيد المرأة السمراء، وأنا أتشبث بالمقود كي لا أقع عن الدراجة المائلة التي يمسك بها العاشق، وهو يوشوش المرأة بكلام غرام، لم أكن أفهمه تماماً.
كتب معلم الصف على السبورة «من قاسيون أطلُّ يا وطني..» إلى آخر النشيد، وطلب من تلاميذ الصف الخامس، أن يرددوا أبيات النشيد وراءه، أما نحن تلاميذ الصف الأول فكان علينا أن نكتب البيت الأول من النشيد عشرين مرةً في حصة الخط العربي. المعلم الذي وصل المدرسة قبل أيام على حمار هزيل يحمل حقائبه، أعلنَ أن هذا النشيد من تأليفه، فصفق التلاميذ لهذا الشاعر المجهول.
في درس الرياضة الأول، جُرحتْ ركبتي في السباق. كانت اللعبة تتطلب وضع منديل في منتصف المسافة بين متسابقين يقفان في مواجهة بعضهما بعضاً، على أن يفوز من يختطف المنديل أولاً ويعود إلى فريقه. ركضت بأقصى طاقتي باتجاه المنديل فتعثّرتُ بحجرةٍ ناتئة ووقعت. جلست جانباً أتفرج على السباق، ثم هجرت الرياضة إلى الأبد. 
لا مناص، ينبغي أن تُجرح ركبتي مرةً أخرى، فأثناء محاولتي تعلّم ركوب الدراجة الهوائية من الحجم الصغير، أبلغني صاحب الدراجة الذي يكبرني بسنةً واحدة، أنه لن أتعلّم إذا لم أقع وتُجرح ركبتي ويسيل الدم.
 بدفعة واحدة من يديه، وجدتُّ نفسي انحدر في أقصى سرعة الدّراجة في وادٍ عميق بخطٍ متعرّج، قبل أن أقع وتُجرح ركبتي فعلاً. قلتُ لنفسي وأنا أداري الألم : ها أنذا أحصل على علامة تخوّلني ركوب الدراجة من دون خوف.
 (ستُجرح ركبتي بعد سنوات، مرةً ثالثة: كنت ممدداً فوق بساط من اللباد في غرفتي، اقرأ كتاباً، حين باغتتني امرأة في فترة القيلولة، وهي تفتح الباب، وتدخل. أخبرتني بأنها تحتاج إلى علبة تبغ، وقد وجدت الدكان مغلقاً. بجسارة رغبة مفاجئة، ضممتها إلى صدري، ووقعنا معاً فوق اللباد الخشن. كانت تلك المغامرة المجنونة، أول تعرّفي على الشهوة، وبعد أن لملمتْ المرأة نفسها، وخرجت من الغرفة، انتبهت إلى جُرح في ركبتيّ، فأدركتُ بأنني اجتزت امتحان نشوة الجسد )    
 في ذلك الربيع وصل مخيّم الغجر، ونصبوا خيامهم عند أطراف القرية، ثم أطلقوا حميرهم في الحقول. كانت حصتي من زيارة المخيّم، سناً ذهبية من معدنٍ رخيص، مقابل وجبة من الطحين، وكدت أن أحصل على وشم يحمل شكل سمكة كتلك التي نقشها والدي على ساعده الأيسر، لكنني تراجعت خوفاً من الألم الذي تخلّفه الإبرة في ساعدي الطري. كانت العجوز الغجرية تمزج الكحل العربي بمواد أخرى، ثم تختار الوشم على هواها: طلاسم وتمائم وخطوط، ستجد طريقها إلى الشفاه والأنوف والمعاصم كنوع من الزينة. الوشم والخزام الذهب في الأنف المثقوب من الأسفل، والحجل المصنوع من الفضة في القدمين، والهباري الحرير التي تغطي الرأس علامات إضافية للجمال الأنثوي، تتباهى بها النساء في حفلات الأعراس. كنا نضيع في متاهة السيارات وصوت إطلاق الرصاص، لحظة وصول العروس.
 فجأة وجدت نفسي تائهاً ومستوحشاً، بعد أن اختفت خالتي الكبرى بين جموع النساء ليلة زفافها، لتتكفل خالتي الصغرى وجدتي الاهتمام بشؤوني بعد رحيل الخالة. لم أصمد طويلاً في غياب أمي الثانية، إذ لطالما عشت في حيرة بين أمّين، واحدة بعيدة عني، أراها في الإجازات المدرسية وعطلات الصيف، وأخرى نشأتُ في أحضانها. بعد مماطلات عدت إلى قريتي الأصلية، قريباً من خالتي الكبرى، فالتحقت بمدرسة أخرى تبعد نحو ثلاثة كيلو مترات عن البيت، وكدت أرسب في الصف الخامس، إذ لم أعد ذلك التلميذ المتفوق على أقرانه.
 في مذاكرة مادة الحساب، حصلت على ثلاث علامات من عشرة، وكان علي أن أخضع لعقوبة قررها المعلم على التلاميذ الكسالى. رفضتُ أن أمدّ يدي لعصا المعلم، إذ لم اعتد أن أخضع لعقوبة من هذا النوع، فطردني من المدرسة.
 في صباح اليوم التالي، وبعد تحية العلم مباشرة، قرأ المعلم قرار فصلي من المدرسة، وأنهاه بعبارة حاسمة تفيد بأنني مفصول من جميع مدارس سوريا، ولن أُقبل حتى في مدارس «الجمهورية العربية المتحدة». اليوم حين أستعيد ذلك التاريخ الذي يقف عند أواخر الستينيات، استغرب من أين جاءت عبارة «الجمهورية العربية المتحدة»؟ وقد حصل الانفصال قبل سنوات، أنا المولود بعد سنة واحدة من الوحدة بين سوريا ومصر. كانت أمي تقول بأنني ولدت «سنة جمال»، في إشارة إلى زيارة جمال عبد الناصر إلى الجزيرة السورية في العام 1959، فقد كان البدو يؤرخون الأحداث تبعاً لقوة وقع حادثة محلية ما، في وجدانهم، مثل «سنة الثلج»، أو «سنة المحل»، أو «سنة غزو الجراد».
على الدراجة الهوائية نفسها غادرتُ مرةً أخرى إلى مدرستي الأولى، غير عابئ بقرار الفصل، وكان عليّ أن اعتاد غياب خالتي الكبرى، لألتصق بجدتي التي كانت مشغولة طوال النهار في زريبة الأبقار، وتجفيف الزبل على شكل أقراص فوق سور الزريبة، لاستخدامه لاحقاً في إشعال مدفأة الحطب في المطبخ. كنت أتمدد في حضنها، قريباً من موقد تسخين الحليب، تفلّي رأسي من الصئبان، إلى أن أغفو، لأجد نفسي في غرفة نومها بين السهاد والصحو. ألتقطُ صوت جدي يهمهم بأدعية وآيات قرآنية، وهو يدخل الغرفة، في الليلة التي يخصصها لجدتي بالتناوب مع زوجته الثانية. ضحى أحد أيام العطلة وجدت ابن عمي  إبراهيم،الذي يكبرني قليلاً(ليس لدي أعمام مباشرين، فقد كان والدي يتيماً، وحين أذكر عبارة ابن عمي أو ابنة عمي، فهي على سبيل المجاز)، منهمكاً في قراءة القرآن، فقد وعده والده، بأن يسمح له بالذهاب إلى مدينة الحسكة بصحبة نساء العائلة، في حال اختتم القرآن. كان عمي، شقيق جدي، متزوجاً من امرأتين أيضاً، واحدة من أصول أرمنية، من أولئك الذين انحدروا من بلاد الأناضول، إثر مجازر الأرمن مطلع الحرب العالمية الأولى، لذلك كان ابن العم أشقر بعينين خضراوين. اقترحت عليه أن أساعده في القراءة كي يستعجل في ختم القرآن، فاشترط عليّ أن أتوضأ أولاً. لم أكن أجيد الوضوء ولا الصلاة، لكنني استعرت تمارين الوضوء، كيفما اتفق. كنا نتناوب على قراءة السور والآيات، من دون أن نتمثل أو نفقه معانيها،  بترتيل وخشوع مصطنعين، وفي أحيانٍ  أخرى، نقفز عن قراءة آية صعبة، وهكذا بعد ثلاثة أيام، كنا قد أنهينا المهمة، على أكمل وجه. حين شاهدتُ جموع النساء تتهيأ للذهاب إلى المدينة التي لم أكن قد رأيتها قبلاً، بدأت البكاء إلى أن وافق العم أخيراً على انضمامي إلى القافلة، خصوصاً أن ذريعةً أخرى أقنعته بالموافقة تتعلق بالتلقيح الإجباري ضد مرض الجدري الذي كانت أوصت به إدارة المدرسة. قطعنا مسافة طويلة للوصول إلى النهر، ثم ركوب السفينة إلى الضفة الأخرى، وصولاً إلى الطريق العام، بانتظار مرور حافلة قادمة من دير الزور. في بيت جدي المبني من الحجر الأبيض في ساحة جمال عبد الناصر، أحضر خالي عشاءً للقافلة، من مطعم فلافل، يقع قبالة البيت مباشرة اسمه «مطعم الهناء». سأحفظ هذا الاسم جيداً، لأنني – بصحبة أولاد عمي- سنذهب إليه كل مساء، أثناء الدراسة الإعدادية كوجبة مقررة ولذيذة. في تلك الزيارة اشترى لي جدي طقماً بنياً مخططاً بالأبيض. ارتديت الجاكيت فوق الفانيلة البيضاء، لعدم وجود قميص لدي، واصطحبني خالي إلى السينما. نبهّني قبل أن يبدأ الفيلم ألا أخاف من صوت الرصاص الذي سيهطل بعد قليل من الشاشة، فقد كان الفيلم حربياً بامتياز. في المستوصف الحكومي طلب مني ممرض يجلس وراء نافذة صغيرة أن أشمّر عن ساعدي الأيمن، ثم بضربتي دبوس متقاطعتين، أنهى عملية لقاح الجدري.  عدّنا إلى القرية ليلاً، وما أن اقتربنا من البيت، رغبت في أن أسبق القافلة. ركضت في العتمة كي أفاجئ جدتي بحلتي الجديدة، لكنني وقعت في جبلة وحل إلى ركبتيّ، كان عمال قد أعدوها لتلييس سطوح الزرائب قبل قدوم المطر. لكن هذه المهمة لم تُنجز وقتها، إذ اضطر هؤلاء العمال ورجال آخرون إلى الاختفاء في شاطئ النهر والحوائج التي تتوسط الماء، إثر وصول دورية شرطة للبحث عن متهمين بمقتل مزارع، كان يدير مساحات واسعة من حقول القطن. سأدرك تفاصيل حكاية مشابهة بعد سنوات على حدوثها، وسيرويها لي نهار الفرج، ابن عم القاتل، في باحة المدرسة، عصر يومٍ قائظ على كأس شاي مخدّر، فيما كان «تلاميذي» يلعبون كرة القدم بصخب، أنا المعلم الوكيل في المدرسة.   أمضيتُ السنة الدراسية الأخيرة في قريتي الأولى، بعد تشييد بناء طيني جديد للمدرسة مؤلف من ثلاث غرف، واحدة كانت لمبيت المعلم وللإدارة في الوقت نفسه. لم تكن المدرسة بعيدة عن بيت أهلي . كنا نذهب – نحن تلاميذ الصف السادس- عشية كل يوم إلى المدرسة لتسلية المعلم الغريب في وحدته. هذه المرة سنتعرّف على طيار حربي  سابق من أهل الساحل، لديه حكايات أكثر غرائبية من تلك التي كان يرويها أسعد الفاضل، عن بطولات تحدث في الجو حصراً، ولا أعلم صراحة، ما الذي أتى بهذا الطيار إلى قرية صحراوية، ليصير معلماً وحيداً لستة صفوف تتزاحم في غرفتين!
 كنّا نتخيّل شكلاً ملتبساً للبحر، البحر الذي لم نشاهده مرةً واحدة إلا في خرائط كتاب الجغرافيا، وكان المعلم، يتنقّل في حكاياته بين السماء التي تخترقها الطائرات إلى أماكن بعيدة، والبحر بأسماكه وحيتانه وبواخره وصياديه، فيما كنا نتلمظ للانقضاض على علبة سردين، أحضرها أحد التلاميذ كوجبة عشاء للمعلم، في برنامج يومي يتوزعه التلاميذ شهرياً في ثلاث وجبات يومياً.
   
 كنت عصر كل يوم، أتأبط كتابي، وابتعد نحو البريّة، أقرأ واجباتي المدرسية بصوت عالٍ،غارقاً في أناشيد حماسية، ومعارك خاضها الأجداد ببسالة على حدّ السيف، في صحارى ووهاد ورمال مترعة بالدماء. أدخلُ قلاعاً، وأتجوّل بين جدرانها ومتاهاتها السريّة. أتوقف مليّاً أمام بنود معاهدات بين قبائل متطاحنة، وتواريخ قوافل حطت أخيراً عند تخوم المدن. أرسم على التراب وأنا أتذوّق طعم الخرنوب البرّي، مسار قبيلتي التي انحدرت ذات يومٍ بعيد من الحجاز إلى العراق، لتستقر أخيراً على كتف نهر الخابور. لم يكن هؤلاء الرعاة على علاقة وطيدة بالزراعة، لكن سنوات الجفاف المتلاحقة، أجبرتهم على نصف استقرار، ففي الربيع كانوا يتبعون مناطق الكلأ، وغدران الماء، ليعودوا إلى ديارهم مع مطلع الصيف. كان والدي اليتيم قد استبدل قطيع الأغنام الذي ورثه عن أبيه،  مقابل وعد بمساحة مائة هكتار تقتطع من أرض أبناء العم، لكن أبناء عمومته، باعوا القطيع، ولم يفوا بوعدهم أبداً، ليكتفي  مرغماً بقطعة أرض مستأجرة، هي في الأصل حصة أمي من ميراثها المؤجل، وكان عليه أن يبني بيتاً طينياً بمحاذاة ملكيته الجديدة. تروي أمي التي كانت تعمل في حقول الآخرين، إلى وقت الغروب، إنني عفّتُ صدرها بعد ستة أشهر في فطام فجائي، لعله كان احتجاجاً رمزيّاً على غيابها الطويل.
 هل عطشي إلى حليب الأم هو من أورثني نزقاً دائماً، وعزلةً اختيارية؟ 
كان على المعلم، في أربعينيات القرن، أن يلتحق بالمخيّم الربيعي للبدو، فُيخصص له بيت من الشَعر لتدريس التلاميذ، ثم يعود معهم إلى القرية مجدداً، وكان على من يؤدي الخدمة الإلزامية، أن يبحث عن أهله في البوادي، خلال إجازاته القصيرة، وقد تنتهي الإجازة دون أن يلتقيهم، فيضطر إلى العودة من حيث أتى، كأن هذا الحماد منذور للتيه والفجيعة والصمت. عصر يومٍ مغبر، وصل طه عبد الرحمن إلى القرية، بعد أن عيّنته وزارة المعارف معلماً في قرية لم يسمع بها قبلاً. قرية تبعد سبع عشرة ساعة عن العاصمة، يتطلب الوصول إليها ركوب أكثر من حافلة ودابة، والمرور بخمس مدن، وصحارى وأنهار، وسهول، وبيوت طينية متناثرة، لكنه، خلافاً للصدمة الأولى التي انتابته، وهو يضع حقيبته، أمام غرفتين طينيتين منعزلتين عن بيوت القرية، أحسّ في الأيام التالية بألفة غير مسبوقة بين هؤلاء البدو الذين توافدوا إلى المدرسة،  ينظرون إليه بريبة، وهو يخرج حاجياته من الحقيبة، ويغسل وجهه بالصابون، مبدين دهشتهم من هذه المادة العجائبية ذات الرغوة، في الوقت الذي كان بعضهم يدهن لحيته بحساء الثريد، كي لا تفارقه رائحة هذه الذكرى، أطول فترةٍ ممكنة. لم يتردد المعلّم الشامي في مرافقة الأهالي إلى البادية، خلال فصل الربيع، جرياً على عادتهم كبدو نصف رحّل، خشية أن يفشل في إتمام العام الدراسي، بعد أن فرغت القرية من سكانها. هكذا امتطى حمارا في مؤخرة الظعن، من دون أن يتخلّى عن بزته السوداء وربطة عنقه، وقد ثبّت أمامه لوحاً خشبياً مدهوناً بالأسود، فيما تكفّل التلاميذ بحمل كرسي من الخيزران، وكراريس، وكتب، وأصابع الطبشور الأبيض. الطبشور الذي كانوا يمضغونه خفية عن المعلّم لتغيير طعم أفواههم الجافة من العطش وطول المسافة، لتختلط في تلك البريّة أصوات التلاميذ بثغاء الأغنام، وتأوهات المرضى.
كان والدي أحد تلاميذ طه عبد الرحمن، وقد تعلّم على يديه أسرار الحروف، وروعة الخط العربي، وكتابة يومياته في مفكرة صغيرة، يستبدلها مطلع كل عام. لم تكن يوميات بالمعنى المتداول، بقدر ما كانت تسجيل لديونه، والحاجيات التي ينبغي إحضارها من المدينة، وقوائم بأثمان الخراف التي باعها، والدّيكة التي اشتراها، وكلفة محروقات مضخة الماء، ومواعيد بذار القمح والكمية المطلوبة للتخزين من أجل مؤونة الشتاء المقبل، وملاحظات تتعلق بقياس أقدامنا لشراء أحذية جديدة، فهو كان يقدّر نمرة القدم بالشبر، وأسماء أدوية وأطباء اختصاصيين بأمراض المعدة، للعلاج من قرحة مزمنة كانت تنتابه في الصيف عادةً، وحساب عمّال حراثة القطن، وأثمان أقمشة كان يهديها سرّاً لعشيقات في قرى بعيدة، من دون أن يحقق رغبته في زوجة ثالثة، فبعد أن اكتشف أن وسادته محشوة بعظام هدهد، وخرز، وودع، كتمائم سحرية، وضعتها زوجته الثانية، كي لا يتخلى عن حبها، طلّقها على الفور، وانتظر ثلاثة أشهر، ريثما تضع مولودها الأول، وأرسل من يحضر الطفلة لتتقاسم حليب أمي مع طفلتها التي ولدت في الفترة نفسها تقريباً، وسجّل الطفلتين في دفتر العائلة كتوأم، لكن لوثة العشق لم تفارق روحه يوماً واحداً، متنقّلاً على دراجته الناريّة، في أمسيات حزينة، بحثاً عن امرأة تخمد جذوة أشواقه، وما أن يقع في غرام إحداهن، حتى يغرق عائلتها بالهدايا، إلى درجة أن أحضر مرةً، مائة وخمسين ذراعاً من القماش الأسود، لنساء عائلة منكوبة بحادثة وفاة، ليعلنّ حداداً لائقاً على روح جدتهنّ العمياء، من أجل عيني امرأة تنتمي إلى هذه العائلة البائسة، لكن محبوبته تزوجت من آخر، بعد سنة ونصف من المكابدات المضنية. كان الأب يدفن أحزانه في بئر عميقة، بمجرد أن يجد امرأة أخرى، ليبدأ جولة أخرى من العشق بزيارات يومية لأحد بيوت القرية، تتكشف لاحقاً عن رغبته بالزواج من إحدى نساء هذه العائلة، لتنتهي بالفشل كسابقاتها.
 بمساعدة دراجته الناريّة ونظارة شمسيّة، وسيجارة لف مشتعلة على الدوام، وواقية من البلاستيك المقوى لحمايته من هواء الشتاء القارس، وصل أبي إلى قرى بعيدة، في قصص حبّ ملتبسة، تدوم سنوات من الأسى والانتظار، ونهايات مفجعة، ما جعل أمي، درءاً لفضائح – لا تليق بمقام أبي – تتعلق بإغواء فلاحات كنّ يتسللنّ إلى غرفته في وضح الظهيرة، تبحث له عن عروس مناسبة، لكن أحداً لم يغامر بالموافقة على تزويج ابنته من رجل لديه حفيدات متزوجات، وزوجة تنتمي إلى عشيرة ذات شأن. هذه الخيبات المتلاحقة لم تصبه باليأس أبداً، وإن زادته نزقاً، فقد كان يخترع ذرائع واهية للغضب واللعنات، وهو يغادر المنزل راكباً دراجته النارية إلى مكانٍ مجهول، لكن أحد أشقائي لمحه عصر يومٍ ربيعي، يعبر طريق الإسفلت المحاذي لبيوت القرية، متجهاً إلى الشمال، وقد وضع دزينة من الكراسي البلاستيكية فوق المقعد الخلفي للدراجة، مثبّتة بحبالٍ متينة، لتستقر أخيراً، أمام عتبة بيت طيني متهالك في قرية عند حدود البريّة، لفلاح استأجر أرضاً من والدي، ترويها بئر ارتوازية، لديه ثلاث فتيات شابات، لاشك أن أبي العاشق، قد وقع في غرام إحداهنّ، وبدأ خطته التقليدية في الإغواء، عن طريق هدايا تخصٌّ العائلة بأكملها، تبدأ بتليين موقف الأم أولاً، ثم الأشقاء الشرسين، إذ لم يخل خرج درّاجته من حاجيات ثمينة، وأكياس فاكهة، وسكّر، وشاي، ومكسّرات، كانت بالنسبة لعائلات فقيرة، لا تتمتع بأدنى متطلبات العيش، بمثابة معجزة صغيرة. 
في الأيام التي لا يذهب خلالها إلى مواعيده الغامضة، يجلس والدي في الفناء الشرقي لغرفته، يفرم أوراق التبغ اللاذقاني الذي كان يحضره إليه، مدير الناحية، من قريته الساحلية، ويملأ علبة تبغه المعدنية. العلبة التي تدور على الدوام بين أيدي ضيوفه، متلذذين بلفافات تبغ ذات مذاق حريف، وكؤوس شاي مخدّر، وأحاديث عن مطر، يأملون أن تحمله غيومُ بعيدة، لكنهم يفاجأون بزوبعة عجاج تنسف كل توقعاتهم بمواسم قمح جيّدة.         
 تحطُّ أمامي الآن أسراب القطا على حافة غدير ماء، فيما يكمن رجال وراء أكمة قريبة ببنادق صيد. تصطفق أصوات الأجنحة عالياً، وتتخبط الطيور الجريحة، من دون أن تتمكن من الطيران، فنهبّ نحن الأطفال إلى جمعها، وبتر أعناقها على الفور، ثم جمعها في كيس من الخيش.

خـــليل صويلــــح
روائي من سورية

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …