أخبار عاجلة

سيرغي يسينين روح الشعر الروسي الصافية

إن للمقولة الشهيرة، بأن بزوغ نجم "يسينين " "غير الآفل أعجوبة فائقة ما يبررها، فقد أصبح الشاب، "يسينين " القادم من عمق أدغال الريف نجما شعريا وأدبيا وحياتيا في زمن عمته نجوم شعرية غفيرة، ونضح بمدارس أدبية شتى.

ولعل عوامل عدة قيضت لا بداعات الشاعر الفلاح المولود في إحدى ضيع "ريزان " في 3من تشرين أول 1895 أن تصبح دون محض ريب، عالما وعلما في الحياة الثقافة الروسية، وأهلت صاحبها ليكون ظاهرة شعرية وأدبية عالمية.

فطبيعة الحياة الروسية الريفية الأخاذة عمقت حس الشاعر بالجمال، وحرضت روحه على التوق الأبدي للحرية : غالبا ما كان يسينين يتهرب من وطأة الدوام المدرسي أثناء دراسته الثانوية في مدرسة داخلية لتأهيل المعلمين، ليعتق روحه في الطبيعة. متمتعا بمشهدها الخلاب، يكتب في إحدى رسائله لصديقه : أدبي توق أن يأتي سريعا للخلاص من هذا الجحيم " يقصد ضرورة الانصياع للدوام المدرسي.

والحرية ذاتها تحرض الشاب، "يسينين " لمغادرة العمل مع أبيه الذي كان يعتقد أن الشعر لا يطعم صاحبه خبزا أسود، فيندلع الخلاف بينهما حادا وشاحبا، فيغادر الشاعر الغرفة التي استأجرها له والده، ليفرق في حالة فاقة وتشرد ثقيلة مستسلما لقدره الذي يقوده أخيرا ليتعرف على الشاعر "سيرغي كاشكاروف " الرب الروحي لحلقة "سوريكوف الأدبية "، فيدعوه للعيش معه، بعد أن يؤمن بنضوج موهبة "يسينين "، فينتسب الى حلقته.
ثم يعمل "يسينين " في مكتبة ويعافا مدققا في مطبعة، وبهذا

 
الشاعر

شاحب يتعمق في الطرق المرعبات

وفي روحه تتناسل أشباح شتى

وفي صدره لطمات الحياة تدق

وقد جرح الشك خديخ

حائرة خصلاته وجبهته بتجاعيدها سامقة

لكن احلامه الصافيات

اللواتي اضطر من بلوحاته الممعنات بهاؤه

يجاس في ركن علية ضيقة

وبقايا الشموع تغبش ألحاظه

في يده قلم من الرصاص

بسرية كان يجري حوارا معه

ثم يكتب أغنية برؤاه الجزينات

بالقلب يلقف ظل السنين اللواتي عبرن

وهذا الدوي صدى روحه.

هاهو يحتمل الان بكراه

من أجل ما قد بقيت الحياة.

وليس يرى خلف ذاك الضباب السحيق

ماذا هناك سيحصل لي ؟

هل هي الغبطة المشتهاة

أم راحة تعتري صدري التعس

أم الضباب الاشيب الاشيب هذا

 

ثانية يطمرني بالحزن.

يملا القلب جراحا كميدة ثانية

يلهبني دون محض نار؟

لكنني عبر حلكة هذا الضباب السحيق

أرى الفجر مندلعا

هذا الموت لارض الكئيبة

والسكينة لي
صلاة أم

في الكوخ القديم هناك على حافة الضيعة

العجوز تصلي على صدر أيقونة

العجوز تصلي، الدموع تهال وأحلام

تبرق في مقلتيها الكليلة

ترى الارض ، ساح المعارك

حيث ابنها بطلا، كان ملقي قتيلا

من صدره الواسع، الدم ينفر ، والبيرق

العدو في اليدين الثابتتين

جمدت من الفرح الأشد ، المر بالغصات/ العجوز

وعلى يديها نكست رأسا شائبا

بياض قليل غزا حاجبيها

وكالخرز تنهال من مقلتيها الدموع الذبولة

روسيا ياوطني

أنت لم تؤمني لإلهي

وذرعت البعيد كساحرة

حيث كنت ربيبك

ها. نسي المقاتل إنعمي

فامنحني إذا يدي الباردة

والمضي بدربي الوحيد

أيتها القيصرة النعيسة

فلنمض الى الايمان الجذل الاوحد

حيث ستزهر غبطتنا الاولى

حيث الايقونة خاشعة بطمأنينتها

لا تحني إذن هامتك على الصدر البطاش
ولاتخشى تفاصيل الحلم

 
   

وفي سقوطك المهلك

كوني إذن أمي المرشدة

وطني، مأواى الاخر!

بالسقف الذهبي.

انفخ في البوق، وخور كالبقرة

أجأر كالعجلة الثائرة.

أتسكع في الغابات الزرقاء ، أي رضى!

مغتبطا وقنوطا. لكني كلي لك ايتها الام.

في مدرسة الادمان على العربدة

عززت حواس جسمي

من عويل البتولات

ينمو ضجيجك هذا الربيعي.

كم أحب خطاياك: السلب والنهب

ثم ،صباحا، ضياع نجومك في الشرق

وكما أعي

إن بي رغبة ان" اخذك جميعا" ، وادعكك

وباقصى المرارات ألعن انك لي ، أما.

السهل الثلجي ،القمر الابيض

جهتنا ملفعة بالكفن

والبتولا ، ببياضها ، تنشج في الغابات

من المقتول هنا

من الميت،

ألست أنا؟.

وداعا ، وداعا صديقي

صديقي الرفيق ، وداعا ، صديقي

هذا الفراق المعد

يعد لقاء عتيدا

وداعا صديقي، دون سلام

ودون كلام

فلا تحزن الروح، لا تعقد الحاجبين

كما الموت ليس جديدا على هذه الارض:
فالعيش ليس جديدا.

 
   

وسيسمى :" عزرا المنتقم".

غن وضج ايها الفولغا

في حظيرتك الزرقاء سترمي وليدها

لا تقولوا لي : ما هذا؟

مكتملا سيشرق القمر

هذا هو!

هذا هو يطل برأسه من رحم السماء
الانسان الاسود*

صديقي ، صديقي

مريض أنا، ثم جد مرض

لست اعرف من أين يعصف بي ألمي!

أم هي الريح تعوي

على ناصيات الحقول الموحشات المقفرات

أم أن الكحول، كما الدغل في شهر ايلول،

ينثر عقلي.

ان راسي يرف بأذني كجناحي طير

لها فوق رأسي ساقان

بما لا يطاق ،لا حثا.

الانسان الاسود

الاسود، الاسود

الاسود الانسان

على محض مقربة مني الان

يقبع فوق سريري

الانسان الاسود- الليل كله

لايهب النوم عيني

الانسان الاسود بأصابعه

يتتبع في "الوحي" الفاحش

ويخنحن فوقي، تماما كما جثمان راهب

يلقنني حياة احد ما مدمن ودنيء،

ثم يلقي على روحي الكأبة والرعب
الانسان الاسود،

 
   

الاسود الانسان

اصغ اصغ ،غمغم بي

لوحك غاص بالرؤى والنوايا الباهرات

هذا الانسان

عمر في بلد الاوباش الاشداء،

والمشعوذين الكريهين،

ثلج كانون، ذلك البلد، نظيف حتى الشيطان

وعواصفه تدير المغازل الجذلي

لكن علاماته فائقة.

لبقا كان ،غير هذا الشاعر

الانسان ذاك كان ارعن

لكن ان ارادته ليست كما ينبغي، لكنها حاذقة

سمى امراة تنوف الاربعين: حسناءه

وفتاته الفاحشة

الغبطة، قال، تكمن في لباقة الذهن واليد .

كل ارتباكات الروح، ابدا، متعوسة لا ضير.

وغمرات العذاب تولد انكسارات خادعة.

في البروق، وفي العواصف

في الزمهرير الدنيوي، في الضياع الكتيم

حيث يطمرك الحزن

يبقى ابداعك الفذ:

ان تطل مبتسما في الكون، وبسيطا.

أيها الانسان الاسود،

انت لا تجرؤ على هذا!

وليس عليك، طالما لست في خدمتك،

ان تحيا غطاسا.

ماذا تعني ،حتى الحياة ،لشاعر فضاح؟

ارجوك،قص على غيري- اذن – حكاياك

الانسان الاسود

ثبت في عينين متلفعتين بقىء أزرق

كان به رغبة ان يجهز بي: انت مكار ولص

دونما خجلما ، وبالوقاحة ذاتها، سطوت على سيرة
احد ما.

 

صديقي ،صديقي

مريض انا، وجد مريض
لست اعرف من أبن يعصف بي ألمي؟

أم هي الريح تعوي على ناصيات الحقول الموحشات

المقفرات

أم ان الكحول ، كما الدغل في شهر ايلول ، يذر عقلي.

متجمدة هي الليلة

تقاطع شارعين هادىء ومستكين

ووحدي على النويفذة

لست على انتظار ضيف ، او صديق

السهول جميعا مجللة بالثلوج.

بالعكس الطفيف سريع الانهيار

والاشجار كفرسان التقوا ، في بستاننا.

في مكان ما يعول طير الشؤم

بينما يبث الفرسان القرويون وقع الحوافر

وهذا الاسود ، من جديد ، يحتل مقعدي

رافعا قبعته العالية للتحية ، راميا،

دون اكتراث ،سترته.

"اصغ ، اصغ ". جشر ، محلملقا ، في وجهي

جميعه على مقربة مني ،ومال علي :

لم ار احدا من الاخساء،

هكذا دون جدوى حمقاء ، يبريه الارق

اه ، فلأسلم ، اخطأت.

ها . القمر الان.

ماذا سيحتاجه، بعد ،الشاعر مكتمل الاغفاءة؟

ربما ، على غفلة، تعود هي ، بفخذين مكتنزين

وتتلو عليها قصيدتك الخائرة الساجية.

كم احب الشعراء!

بشر مسلون . دائما

ألتقي فيهم التاريخ ، قلبه المالوف

كطالبات كثيرات البثور

وشعر خنفسائي دميم،
يحدث عن عوالم ، وباسترخاء

 
   

عن النزف الجنسي،.

لست اعرف. لست اذكر

في قرية ما ، ربما ، في "كالوغي " او

ربما في "ريزان"

عاش فتى عائلة فلاحية بسيطة

بشعر أصفر، وعينين زرقاوين

وهكذا، راشدا صار ، شاعرا

وليكن : بقوى ليست صلبة، لكنها قابضة

وامرأة ما نافت الاربعين ، سماها:

حسنائي ، وفتاتي الفاحشة".

"أيها الانسان الاسود!

انت ضيف شؤم

ذائع ،من قديم ، صيتك هذا".

وانا ساخط ، واغلي بغيظ رجيم.

ثم تطير عصاي، هاوية ، على خطمه

وقصبة أنفة

وعلى نافذتي يرزرق الشرق.

اه منك انت ، يالليلة!

مابك ، أيتها الليلة ، تهشمت ؟

وأنا واقف تحت قبعتي

لاأحد ، سواي معي

وحدي ،

وحكام مراياي.

14 تشرين الثاني 1925

*الانسان الأسود رمز الشيطان او صورة الموت.

* الترجمة الحرفية : كتاب . والكلمة الاقرب لهذا
     التعبير: اللوح ، وهو ما يرصد في حياة الكائن ويكشف بعد موته ، والمقصود ان الانسان الاسود يقرأ حياة الشاعر كما يقرأ كتابا.
 
ترجمة: عبدالله عيسى (كاتب ومترجم
فلسطيني يعيش في موسكو)

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …