أخبار عاجلة

سيميائية القناع مقاربة تأويلية فـي ديوان: «فيوضات المجاز»

٭ يقوم الشعر المعاصر أساسا على عنصر المفارقة، وإذا كانت هذه الأخيرة قديما قد انحصرت في مستويين مألوفين – المعنى والمبنى – فإن الشاعر المعاصر قد خلق شكلا جديدا من أشكال العدول تجلى أكثر ما تجلى في العلامات الرمزية المصاحبة للنصوص الشعرية والتي قد ينبني النص وفقها أو على أساسها كتوظيفه للأشكال الهندسية الرمزية، والصور والعلامات البصرية بشكل يسهم في خلق عنصر المفارقة. وهذه القراءة تحاول جاهدة القبض على بعض تلك العلامات في شكليها اللغوي، والتشكيلي معتمدة في ذلك على القراءة التأويلية التي تعنى بتحليل وعي الذات المبدعة أثناء استبطانها للأشياء، ومن ثم تحاول تأويلها وفق الاستراتيجية التي يقتضيها النص.

 ٭ يقوم العمل الأدبي على أفعال قصدية من قبل مؤلفه، حيث كثيرا ما تحضر الأشكال الرمزية بتعدد مظاهرها في النصوص الشعرية ؛ كالمربع والمثلث، والشكل التشجيري، والدائرة، وهي جلها أشكال أضحت مألوفة في شعرنا العربي المعاصر، كما تحضر الاستهلالات واللوحات التشكيلية وغيرها من العلامات الرمزية التي بات حضورها ملفتا للانتباه، بل إن التشكيل البصري أضحى في بعض الأحيان ضرورة من ضرورات الكتابة الشعرية المعاصرة فهو كعلامات الترقيم، إذ تساعد في التكثيف الرمزي للعبارة الشعرية، ومن ثم ترميز النص الشعري كله. وتلك القصدية في التشكيل تخلق لدى القارئ نوعا من المعايشة، أو نوعا من التداخل عبر التجربة القرائية بين المؤلف والمتلقي، ذلك أن النص لا يأتي كاملا من مؤلفه، بل هو مشروع دلالي وجمالي يكتمل بالقراءة النشطة التي تملأ ما في النص من فراغات، وبالتالي يشارك القارئ بطريقة فعالة في كتابة النص حيث يصبح مبدعا آخر له، وهو ما حدا بالنقاد إلى اعتبار كل قراءة نصا إبداعيا جديدا يحتاج هو نفسه إلى قراءة أخرى، وهكذا تتوالد النصوص إلى ما لا نهاية.

  وإذا صدقنا سلفا بأن القارئ هو «الغاية الكامنة في نية المؤلف حين يشرع في الكتابة»(١) فإن الكتابة الشعرية التي تستثير قدرات القارئ المعرفية والجمالية هي الكتابة التي تؤسس الخلود لنفسها باعتبارها مستمرة في الزمان والمكان.

والقصدية التي ركزت عليها المدرسة الألمانية – كونستانس- والتي تسعى إلى «خلق قارئ نموذجي قادر على الإتيان بتخمينات تخصه، فإن مبادرة هذا القارئ الأساسية تكمن في تصور كاتب نموذجي لا يشبه في شيء الكاتب المحسوس، بل يتطابق مع استيراتيجية النص»(٢). وهذه الاستيراتيجية غير موجودة في النص أصلا، بل يمكن خلقها عن طريق التقاء النص بالقارئ فقط. لأن النص ليس بنية لغوية فحسب بل يتجاوز ذلك إلى مجموعة من البنى الأخرى التي يسقطها القارئ عليه، وهذا سبب وجيه لتعدد مفاهيم النص، وتعدد آليات تحليله.

  ونظرا لكون خطابنا الشعري الجزائري المعاصر قد سجل حضوره المتميز في الساحة الشعرية العربية، إذ تجلت فيه العديد من الملامح الحداثية من الناحيتين اللغوية والشكلية فإننا سنحاول قراءة مجموعة شعرية للشاعر علي بوزوالغ والموسومة بـ «فيوضات المجاز» (٣)، هذه الجموعة كتبت وفق القالب النثري، وتعبر عن رؤية شعرية حداثوية، تستلهم شعريتها من جماليات عدة، ولعل أولها هو حضور المكان بكل تجلياته الفنية،إضافة إلى أسئلة الكينونة التي جعلت النصوص الشعرية تحاول خلق قارئها الذي بات لا يؤمن بجدوى القراءة المسطحة، بل بالغوص في الدلالات المتخفية للبحث عن جوهر العبارة، وقد أسهم في خلق هذه الخصيصة كذلك العنوان الذي لم يكتف برمزيته عبر غلاف المجموعة أو عبر النص المعنون به، بل تعدى ذلك إلى كامل المجموعة الشعرية، وهذا ما جعلنا نحاول تتبع هذه الايقونات الرامزة محاولين بذلك تقديم قراءة أساسها التأويل.

  سيميائية العنوان :

  يشكل العنوان إحدى العلامات السيميولوجية البارزة التي تعمل على كشف الأقنعة، فهو المدخل الأول الذي يستطيع من خلاله القارئ تحضير أفق الانتظار، أو أفق التوقعات باعتباره قد أعد سلفا، ومن ثم إعداده لكل محاولة انتهاك لتلك المعايير الجمالية والفنية التي ينبني عليها ذلك الأفق، هذا الأخير هو «جهاز عقلي يسجل الانحراف والتحويرات بحساسية مفرطة»(٤)، كما أن الفارق بين كتابة مؤلف ما باعتبارها تمثل نص الرسالة أو الخطاب وتوقعات القارئ أو أفق انتظاره تسمى بالمسافة الجمالية، وهي التي تمثل تغير الأفق، «يقوم هذا المفهوم الذي يسعف على بناء تاريخ الأدب في نظرية ياوس على التعارض الذي يحصل للقارئ أثناء مباشرته للنص الأدبي كمجموعة من المحمولات – الموسومة الفنية الثقافية ؛ وبين عدم استجابة النص لتلك الانتظارات والتوقعات فيقف القارئ هنا ليبني أفقا جديدا عن طريق اكتساب وعي جديد قد يكون مقياسا يعتمد عليه في التأريخ للأدب»(٥).

  «فيوضات المجاز» هذا العنوان الذي ينقلنا من عالم العبارة إلى عالم آخر هو أقرب إلى عالم الإشارة بالمفهوم الرمزي الصوفي. فالفيض مصطلح له امتدادات فلسفية  قديمة، فقد ورد في معجم مقاييس اللغة لابن فارس في مادة فيض أن «الفاء والياء والضاد أصل صحيح واحد، يدل على جريان الشيء بسهولة ثم يقاس عليه، ومن ذلك فاض الماء يفيض  ومنه أفاض القوم من عرفة، إذا ادفعوا وذلك كجريان السيل» (٦)، كما ورد في القرآن ليدل على المعنى اللغوي السابق، قال تعالى :«ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق»، أما محي الدين بن عربي فنجد الفيض لديه يأخذ ثلاثة مستويات – الفيض الأقدس، الفيض المقدس، الفيض الدائم – حيث ينطلق في فلسفته هذه من كون الحق يتجلى في صور مخلوقاته، فالخلق لديه ليس من العدم، بل هو ظهور وتجلي إلهي فيما لا يحصى عدده من صور الموجودات، ويسمى ذلك بالفيض ؛ وأول هذه الفيوضات هو الفيض الأقدس «وهو مرتبة العماء ؛ وهو تجلي الذات الأحدية لنفسها في صور جميع الممكنات التي يتصور وجودها فيها بالقوة، فهو أول درجة من درجات التعينات في طبيعة «الوجود المطلق» ولكنها تعيينات معقولة لا وجود لها في عالم الأعيان الحسية، بل هي مجرد قوابل للوجود» (٧)، أما الفيض الثاني فقد أطلق عليه مصطلح الفيض المقدس وجعله في مرتبة لاحقة للفيض الأقدس، والتجلي المقدس هو «تجلي الواحد في صور الكثرة الوجودية، أي ظهور الأعيان الثابثة من العالم المعقول إلى العالم المحسوس»(٨)، أما الفيض الدائم فيشير به إلى كون الفيض لا ينقطع البتة ؛ فهو تجل مستمر للحق في صور العالم المحسوس، يقول ابن عربي في فتوحاته المكية «والحق تعالى وهاب على الدوام، فياض على الاستمرار»(٩).

 وفي المجموعة الشعرية نجد هذا الفيض بصيغة الجمع «فيوضات» وهو دلالة على استمرارية الفيض ودوامه، ولكنه مرتبط بصطلح آخر وهو المجاز ؛ هذا الأخير له ما يبرره في البلاغة العربية والغربية على حد سواء، فهو «كل الصيغ البلاغية التي تحتوي تغييرا في دلالة الألفاظ المعتادة»(١٠). أو هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، مع وجود علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المراد، وقرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي (١١).

  إن المجاز من طبيعته التحول، والتغير الدائم، أو هو المفارقة التي تفضي إلى التلغيز. والخطاب الشعري الحداثي يعتمد المجاز سبيلا للتعبير عن العالم المرئي، لأن التعبير عن شيء محسوس بأسلوب مباشر وتقريرية فجة يعجل حتما بتصنيف هذا الفعل ضمن العمل التأريخي، أو الوصف الصحافي الذي يعلن موته بعد فعل القول مباشرة، ومن ثم فالتعبير عن عالم لا مرئي سيتم بالضرورة عن طريق لغة المرئي، كما أن التعبير عن المرئي يجب أن يتم بلغة هذا الأخير ولكن وفق سلطة المجاز؛  ولعل المجاز هو الباث الأكبر للروح الإبداعية داخل أي عمل شعري، حيث يعمل على خلق مسافة التوتر ؛ أو ما يسمى بالمسافة الجمالية، لكونه يفتح القارئ على عوالم المغايرة والاختلاف، إذ يضيع المتلقي وسط قراءات عدة، يخيب أثناءها أمله في العثور على مرجعيات مألوفة في مخيلته، مما يعجل بتغيير أفق انتظاره، وحسب ياوس  فإذا كنا ندعو المسافة الجمالية «المسافة الفاصلة بين الانتظار الموجود سلفا والعمل الجديد، حيث يمكن للتلقي أن يؤدي إلى تغيير الأفق بالتعارض الموجود مع التجارب المعهودة، أو يجعل التجارب الأخرى المعبر عنها لأول مرة تنفذ إلى الوعي، فإن هذا الفارق الجمالي المستخلص من ردود فعل الجمهور، وأحكام النقد، يمكن أن يصبح مقياسا للتحليل التاريخي» (١٢).

  يرتبط المجاز بالفيض في هذه المجموعة ارتباطا وثيقا، حيث تنتقل مواصفات المجاز لتنصهر في مواصفات الفيض، باعتبار هذا الأخير لا نهائي، وكذلك المجاز يقدم نفسه على أنه ذلك الإكسير الهلامي الذي يتشكل مع كل قارئ، فهو جزء من الفيض الذي من طبيعته كذلك التغير، فالفيوضات الربانية تختلف باختلاف المحل، أما إذا قاربنا ذلك بالنص الشعري، فالفيض الشعري ذو طبيعة رؤيوية يحكمها الخيال، وهذا الأخير في العرف الصوفي هو البرزخ بعينه، لا تحكمه قوانين الطبيعة، بل هو فوق ذلك بكثير، ويمكن التمثل لهذه العلاقة بهذا الشكل :

  إن الفيض وسيط بين حضرة الخيال وحضرة المجاز، لأن الكتابة لا تعدو أن تكون ترجمة رمزية وفق نظام المجاز لصور الخيال، والصور التخييلية التي ينبني الشعر عليها  لا يمكنها الوصول إلى عقل الكاتب إن لم تمر بالفيض ؛ هذا الذي يشكلها وفق نظام المقام، أما المجاز فهو المرحلة الأخيرة التي تصقل فيها العبارة وتشفر وفق تداعيات  السياق والأسلوب في آن واحد. 

  سيميائية الغلاف :  

تقوم المقاربة الظاهراتية عند هوسيرل، وميرلوبونتي، وغاسطون باشلار على مبدأ تحليل الذات نفسها، باعتبارها ترتكز على القصدية في توظيف الأشكال والعلامات الرمزية، فالمعرفة الحقيقية للعالم لا تتأتى بمحاولة تحليل الأشياء كما هي خارج الذات، وإنما بتحليل الذات المبدعة وهي تقوم بالتعرف على العالم، أي بتحليل الوعي وقد استبطن الأشياء، فتحولت إلى ظواهر، ذلك أن الوعي لايكون مستقلا، وإنما هو دائما وعي بشيء ما.

  وقد شكل غلاف المجموعة الشعرية بطريقة رمزية، إذ نلحظ في الصفحة الأخيرة من الغلاف صورة شخص يقف مجابها القارئ بظهره، وكأنه يتركنا ليعبر محطة أخرى، وهذه العلامة الرمزية تقتضي تأويلا خاصا، حيث ينفتح هذا التأويل على تعدد القراءات متجاوزا بذلك قصدية المؤلف الذي خلق فضاء التأويل.

 السير إلى الأمام : هذه الوجهة تعبر عن الاختلاف والمغايرة، فكأن الشاعر يقول لنا حان الوقت للرجوع إلى الأصل.

  السير إلى الخلف  :  المدبر هو الذي يقول لعدوه لك جسدي ولي أن أموت دون مواجهة  وهي الميتة التي تبقي على شرف القتيل لأنه قد طعن غدرا.

  صورة الغلاف الخلفي لها دلالات متعددة، فهي نوع من أنواع الاختلاف لكونها تقدم أيقونة جديدة تتميز بكونها غير مألوفة في الخطاب الشعري، فما نعرفه أن الشاعر يضع على الغلاف الخارجي صورته، حيث نتفرس قسمات وجهه لنكتشف المتخفي من تلك القصائد التي لم يقلها الشاعر في نصوصه، ولكن الشاعر هنا يستقبلنا بظهره ومؤخرة رأسه، وهي ربما محاولة جديدة للخروج عن النمط، محاولة لتأكيد الذات التي ترى في استمراريتها تصورا جديدا، يتجه دوما نحو الأمام مخلفا الراهن وراء ظهره، كما أنه يتجه نحو القارئ فقط بما خلفه، أو بما يعد بالنسبة له من الماضي، فهذه الأيقونة السيميولوجية تقدم نفسها بنفسها باعتبارها نمطا جديدا في التعبير الشعري، فالشاعر المعاصر بوجهته هذه أصبح يبحث عن مخرج اضطراري يبث من خلاله أشواقه وأحزانه المرعبة التي انبثقت عن أزمته الداخلية وعن وضعه الوجودي المتأزم، أنه ذلك الإنسان القلق الذي يواجه مصيره بكل ما أوتي من شجاعة.

  إن البحث عن الوجه الضائع للشاعر وسط متاهات القصيد وتداعيات الجمل والأساليب لهو ضرب من المغامرة، بل هو تأكيد لضرورة المجازفة، لأن المعاني متخفية دوما، أما صورة وحضور الشاعر داخل لحمة النص أو فضائه المترامي فهو حضور رمزي فقط، وقد يكون هلاميا أو معدوما، لأن الشاعر المعاصر يريد لنصه الخلود بينما يقبر نفسه خارج نصه حتى لا يعطي للقارئ فرصة واحدة لتقريب المعنى المقصود ولا ربطه بنفسية مبدعه. كما أن هذا التخفي المعلن من قبل الشاعر يعد بمثابة بيان غياب، لأن الصورة الظل بإمكانها أن تحل محل أي صورة أخرى فالشاعر يريد أن يقول بأن نصوصه لها أكثر من كاتب، كما أن لها أكثر من قارئ،  ولعل  المقطع الشعري الذي طرز به واجهة الصورة يفضح ذلك التوجه يقول :

  امرأة الشعر تأتي..ني /  لكن حين تعود إلى أعينهم

  تبكي وتموت/  فلمن أمنح وجهي / ولمن أمنح هذا الصوت/ امرأة الشعر تأتي..ني / أقطف حبات العشق لها/ أقطف حبات الحلم لها / أقطف حبات القمح/ وأهديها حبات التوت/ لكن حين تعود إلى أعينهم / تبكي وتموت.( ١٣)

  إن الشاعر المعاصر يظل في حل وترحال باحثا عن قارئه النموذجي الذي عادة ما يكون داخله، ولكنه في حالات قصوى يتصوره شخصا له قداسته ومقاييسه التي تؤهله لأن يكون نموذجا يبوح له الشاعر بأسراره وخطابه الشعري كما يعتبره محل ثقة لأن يفضي إليه بكل ما أوتي من ماء الحكمة الشعرية، ولكن هذا المتخفي يظل بعيدا عن القدسية المتوخاة، ومن ثم تصبح امرأة الشعر هذه غريبة في حد ذاتها عن الشاعر الذي نراه يعلن في كامل مجموعته الشعرية بأن الغربة ليست لصيقة فقط بامرأة الشعر، ولا بالمكان والزمان فحسب بل بالداخل الذي أضحى غريبا بكل تجلياته:

  غياب خلفي أستدعيه/ يركض أمامي/ أنا أرسم ملامحه/ غياب قبالتي، أعبر المكان إليه/ محاريب تتآكل فيها الذكريات/ محاريب تتباوب..تتنافذ/ تسرحني نسرا/ وديعا في فضاء الغياب/ محاريب تشنق في أعماقي الحبيبة/ وداعا يا أمكنة الوداع/ خطوتي شاسعة كالنهار/ تحملني إلى كف الغياب(١٤)

  إن هذا الغياب الذي ينشده الشاعر قد عبر عنه بطريقة إيقونية متميزة، فالغلاف الخارجي يعكس حتما ما بالداخل، فقد استعاض الشاعر عن العبارة الشعرية بأيقونة جديدة موازاة بالخطابات الشعرية المعاصرة، حيث بدا وكأنه فنان تشكيلي يريد صدم المتلقي، فإن كانت النصوص الشعرية لم تشف ظمأ شاعرنا، ولم يستطع من خلالها أن يعبر عن غربة علي الذيب، فإنه قد وفق في إيصال ذلك لنا عن طريق اللوحة التي نعتبرها إيقونة شعرية، ويضاف إلى كل هذا الإهداء الذي يجابه القارئ في مستهل الديوان، فهو بمثابة المصباح السحري  الذي يواجه به القارئ الزوايا المعتمة في النص الشعري، لأن الإهداء هو عتبة نصية لها ما يبررها في لحمة الخطاب الشعري للمجموعة ككل، يقول الشاعر موجها خطابه للقارئ: «… لعلك تجد فيها وجهي الذي لن يراه أحد»(١٥) وهذا إقرار صريح من شاعر اعتاد الغياب ويريد أن يظل كما هو إلى موعد مهزوم لا يتحقق. 

   علي الذيب وقناع الشاعر المعاصر:

 الاسم المستعار، أو الاسم الذي يتخفى وراءه الشاعر المعاصر والذي يقدمه في شكل لعبة مقننة يختفي وراء تداعياتها السياق الشعري، أو السياق العام للمجموعة الشعرية، أو التجربة الشعرية برمتها، بإمكانه خلق المفارقة، فهو علامة سيميائية دالة، ويمثل ثالث دال رمزي في المجموعة الشعرية، وقد جاء هذا الدال متصدرا بداية المجموعة، حيث لم يستطع الشاعر صبرا، فألقى بحمولة هذا الدال في الإهداء ليكون مفتاحا للقارئ، وقد جاء في شكل فني يرقى لأن يكون سطرا شعريا داخل المجموعة، يقول: «إلى علي الذيب مع اعتذاري لكل الذين قد لا أحبهم»، وهذه الجملة تحيلنا مباشرة إلى لوحة الغلاف – صورة علي الذيب – أو صورة المؤلف وهو يستقبلنا بظهره، كما أن هذا الإهداء يمكنه أن يكون مفتاحا جريئا لقصيدة «طقوسات علي الذيب» والتي تصور لنا واقع الشاعر ونظرته للكون والحياة من خلال ما يعيشه من متناقضات؛ فهو الذي يستحم مع الموجة العارية، وهو ذلك الصالح، أو هو الخضر عليه السلام يتبعه الأنبياء والينابيع ويدخل بيت النخلة الغاوية، يرى الله ويضيع في الموت، إنه علي الذيب الذي يتناول قهوته مع الجنرال، وهو الطفل الوديع الذي ما أحب غير البراري، يطلق تغريداته في فيافيها فتصير أناشيد تتناقلها الخليقة من بعده، يقول: علي تسكن كفه نجمة بسماء وردية/ علي يقول للصحاري اخضوضري/ فينمو عشب الله ويجري الماء/   علي يلتقط وجهه من قرية نائية / ويدهش بعينيه مدينة/ علي يقول لحبيبته/ أنا نبي لي رسالة الموج/  فكوني أولى المؤمنات واركبي موجة الطير(١٦)

  وقد يكون علي الذيب إشارة واضحة إلى المكان «سيدي علي الذيب» الذي يوجد بالمدينة التي أحبها الشاعر  -روسيكادا- والتي يحتل هذا الولي الصالح جزءا كبيرا من مساحتها، وهو يطل علينا الآن من منبر المسجد الذي سمي باسمه، والذي بقي  شاهدا على ذلك.

  إن إيمان الشاعر المعاصر بأناه هو أكبر ما يملكه هذا الأخير ويعتز به، فمن خلاله يستطيع الشاعر أن يغير العالم بأحلامه ورؤاه، كما يمكنه من النطق ببعض الشطحات الصوفية التي تعبر عن أنا متعال وليد لحظة سكر صوفية، فقدر الشاعر أن يظل ناشرا لرسالته المقدسة؛ والتي يعتبرها موازية للرسالات السماوية أو مقتفية لأثرها، لأنها رسالة تنشد الحب والخير والجمال في أرقى المظاهر، وبأبهى العبارات، يقول في قصيدة «فطنة الموج»:

  أيها الرجل الأخير في قبيلته / اطلع على العرش من خيمة المهب / أيتها المرأة الأخيرة في هودج الاحتمال/   أيها الأطفال/ أيها القادمون من قبضة الصحارى/ لا تنسوا/ قربة النبوءات خذوها من شاعر/ ما عاد يحبه.. يكرهه.. يسمعه.. يجلده/ يقطع رأسه.. يخلع عليه.. ما عاد يحبه أحد(١٧).

  إن الحب هو بداية كل البدايات، وهو الهودج الحامل لكل النبوءات، والشاعر المعاصر يساوي بين متناقضين (الحب، الكره)، (الحياة، الموت)، بل يعتبر ذلك قمة الحقيقة، لأن الحياة خليط بين تلك المتناقضات، فقد اعتاد الإنسان المعاصر العيش ضمن برزخه الخاص – الشر من جهة، والخير من جهة أخرى – فهو في صراع دائم مع هذه الثنائية التي أضحت ثيمة أساسية في كل كتاباته وتصوراته، بل أضحت أيضا موضوعا لأحلامه. وفي مقطع شعري بعنوان «انفلاتات» من قصيدة بعنوان «لافتات الموضة الأخيرة يقول :

  قلمي حصان/  يشرب من نهر الغياب/ ويترك حوافره/   على ذاكرة حجرية

٭ ٭ ٭

  التقينا على أقاصي الرؤى/  كان يشبه خطوط الكف/ أو يشبهه الضوء والمدى/  قال لي: سأولد منذ جيل وجيل/   واختفى (١٨).

  تحيلنا هذه الأسطر الشعرية مباشرة على نصوص النفري في مواقفه ومخاطباته، والتي تعتمد تقنية أسلوبية يتناوب فيها: (قال لي)، مع : (قلت له)، وهنا يطغى ضمير الغائب حتى يبدوا للقارئ أنه يجابه متخاطبين من طبيعة واحدة، غير أن الأسئلة التي تطرح لا تقدم قليل معرفة عن شخصيتهما، فينمحي بذلك الأنا والآخر، وتنوب عنهما شخصيات أخرى أكثر استفهامية وحيرة، ولعل المكان هنا حين يخاطب المشاة أو العابرين هو نفسه الشاعر، كما يمكن أن يكون شيئا آخر:

  الأمكنة تقول للمشاة/ أنتم فتافيتي… شظاياي/   والذين يحلمون بالفرار مني / مجانين أو جناة/ من يفتح نوافذ الأمكنة/ كي من جحيمها تفر قبرة الأمنيات(١٩)

  إن الأسئلة العميقة التي تطرحها الكتابة الشعرية هي سعي حثيث وراء الكمال، ولذلك تبنت الحداثة الغربية مقولات الصوفية في الاحتفاء بكل ما هو من طبيعة استفهامية، ومبهمة، لأن الحقيقة دوما متوارية خلف ألف حجاب، وكشفها يقتضي طرح الأسئلة الوجودية التي تلوب على المجهول، والكتابة الشعرية عند الشاعر علي بوزوالغ هي ضرب من ضروب التخفي وراء المجهول، حيث تصير كل العبارات مبهمة وغير واضحة الدلالة بمجرد ملامسة النص المعطى لنصوص غائبة، وهذه السمة كثيرة الحضور في هذه المجموعة الشعرية، والتي هي مدونة تضاف إلى راهن الشعر الجزائري المعاصر الذي بات ينسج تجارب جديدة قوامها الانزياح والمخاتلة في المعنى والمبنى.

هوامش

١ – حسن مصطفى سحلول : نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياه، منشورات اتحاد الكتاب العرب، سوريا، 2001، ص١٠.

٢ – ينظر : أمبيرتو إيكو : التأويل يبين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة : سعيد بنكراد، ط١، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ٢٠٠٠، ص٧٨.

٣ – علي بوزوالغ شاعر جزائري معاصر، بدأ الكتابة الشعرية في نهاية الثمانينيات، صدرت له في مارس 2001 أولى مجموعاته الشعرية بعنوان «فيوضات المجاز» عن رابطة كتاب الاختلاف وجمعية ترقية الثقافة والفنون لولاية سكيكدة، حامل لشهادة الليسانس، وإطار بمديرية الثقافة لولاية سكيكدة، حاصل على عدة جوائز وطنية في الشعر والقصة.

٤ – حافظ إسماعيلي علوي، مدخل إلى نظرية التلقي، مجلة علامات في النقد، ج٣٤، مج٩، ديسمبر ١٩٩٩، النادي الثقافي بجدة، ص ٩٠.

٥ – مدخل إلى نظرية التلقي، ص٩٠.

٦ – ابن فارس : معجم مقاييس اللغة، مادة فيض.

٧ – سعاد الحكيم، المعجم الصوفي، دندرة للطباعة والنشر، لبنان، ط١، ١٩٨١، ص٨٨٩.

٨ – نفسه، ص89.

٩ – محي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، الجزء ١، ص٥٧.

١٠ – انظر مجدي وهبة، وكامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، ص٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٥.                                   

١١ – نفسه، ص٣٣٤.

١٢ – مدخل إلى نظرية التلقي، ص٩١.          

١٣ – فيوضات المجاز، ص٤٤

١٤ – فيوضات المجاز، ص٨٩.

١٥ –  إهداء خاص من صاحب المجموعة الشعرية لكاتب هذه المقاربة.

١٦ -فيوضات المجاز، ص134.

١٧ – فيوضلت المجاز، ص137.

١٨ – المصدر نفسه، ص٨٦.

١٩ – فيوضات المجاز، ص٨٧.
 
محمـــد كعــــوان كاتب وأكاديمي من الجزائر

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …