أخبار عاجلة

شجرةُ النّارِنج العجوز

كانت الأشجار مُتَراصَّةً بانتظام ٍفي الحَقل الواسع. سُلالات من الأشجار المُتَنوعة تَنتشر في أرجاء الحقل. نخيلٌ، ليمونٌ، فُرصادٌ، سَفَرجل، وشخاخ.
في منتصف الحقل تماما وقفت بشموخٍ مُتَعالٍ شَجرةُ «نارِنْج» هائلة الحَجم. جِذعُها ضَخم، وفُروعها المَتينة مُمتدة في كل الاتجاهات. بعض الأغصان عُلّقت عليها أراجيح بسيطة من الحِبال. جِذعها الضَّخم مُمتلئ وتتوزّع عليه حُزوزٌ من آثار أشياء متنوعة رُبطت وفكّت منذ زمن.
كانت تَمشي بتَثاقل عبر التراب المُبتلّ بالماء، تنتقل بخطواتها الثقيلة بين الأشجار . تركز عُكّازها الضخم الباهت اللون المصنوع من شجرة العتم على الأرض. كان طرف العكاز يغوص داخل التراب الطّيني وتنزعه بقوة رافعةً إيّاه إلى الأعلى قليلا وملوحة به إلى الأمام لكي تَتحّسس الفضاء حذرا من شيء ما، كما يفعل العُميان، وقد خَلّفت بفعل عكازها حُفَرا صغيرة جدا على امتداد الطريق التي سارت فيها. كانت تمشي بثوبها الرَّمادي الفَضفاض الذي تَلطّخَ طرفه السفلي بالطين، وكانت تبحث بدقة عن شيء ما.
كانت رائحتها تنتشر بين الأحراش وتتغلغل عبر الحقل. رائحة النّارنج كانت تنتشر بين الأشجار وتتجاوز سِياج الحقل المصنوع من طين ونباتات شوكية يابسة وأعشاب وأشياء مهملة. وكان يمكن شَمّ رائحة النارنج من مسافات بعيدة ومن حقول بعيدة.
كانت العجوز تمشي بجسدها المُمتلئ في الثوب الرّمادي الفضفاض الذي تَلطَّخَ طَرفه السفلي بالطين. تمشي بتثاقل ورأسها وجذعها مائل إلى الأمام قليلا وخلفها صَفٌّ من الحُفَر الصغيرة جدا. بدت مثل قائدِ حَربٍ عجوز ووقور يمشي بهدوء ليتفحص أرض المعركة ويتبعه جيش من النمل الأسود.
كانت العجوز لا تزال تمشي في رِدائها الرَّمادي الفَضفاض عابِرةً بين الأشجار الصغيرة والكبيرة، تَخرِقُ الطّين بعُكّازها وهي مُطرِقةٌ برأسها صَوب الأرض بدون أن ترى شيئا. كانت مَلامحها جامدة وعيناها رماديّتان باهِتَتان، وتتنفّس بصعوبة وشفتاها متقوستان مثل هلال مقلوب. توقّفت فجأة بعد أن ضَرب عُكّازها على شيء خشبيٍّ عَريضٍ وأصدرَ رنينًا خفيفا.بَدَا الرّنينُ السّريع الذي أحدَثهُ ارتِطامُ العُنصرينِ الخَشَبيّينِ ببعضهما شَبيها بِحوارٍسَريعٍ جِدا ولكنه مَفهومٌ بين شخصين مُتقدّمين في العُمر.
بَدَت الآن رائحة النّارنج واضحة جدا في أقصى حالات انتشارها في الفضاء، وبدت أقرب إلى العجوز مما كانت. ها هي الآن في مُواجهة شجرة النارنج الهائلة. إنهما متقابلتان. تقدّمت منها قليلا لكي تلمسها بيديها.
ها هي الآن في مُواجهة الشّجرة. الرائحة النَفّاذة للنارنج تعبر الفضاء إلى وجه العجوز. كانت الرائحة تعبر بدقة وكأنها خيوط تنفذ عبر أنف العجوز إلى أعماق رأسها، وتنفذ إلى الذاكرة.الذّاكرة المَحشودةِ بالبشر والدّواب والأشجار. وعلى نحو خاصٍّ، كانت الرائحة تُعرِّفُها إلى لحظاتِها الخاصّة جِدا..
– امي ريحة النارنج قوية. أنا شَمّيت الرِّيحة من بعيد.
– هيه وَلْدِي. ما تشوفها النارنجة كبيرة واجد.
– يعني اماه يوم أشِمها أعرف إني قريب من البيت واجد؟
– هيه ولدي. تعال أقطفلك نارِنجة توّها ناضجة اليوم وزاهبة حل الأكل، عشان تعرف طَعمها الأصلي. طَعمها ما تقدر تنساه.
العجوز بِثوبِها الرّمادي الفضفاض تَقِفُ الآنَ أمام جذع النّارِنجة المُمتلئ ذي الحُزوز. وخيوط رائحة النارنج تعبر الفضاء بينهما وتنفذ إلى عقلها. اقتربت العجوز أكثر من الشَّجرة وكأنما تريد أن تلمسها وتتحسَّسها بِدقّة. لَمَسَتها، وكانت تمسحُ بيدِها على الجِذع المتشقّق بهُدوء وبِتركيز وببُطء. كانت أطراف أصابِعِها تمشي ببطء على الشقوق الرّطبة في الجذع. وكانت الذّاكرةُ تمشي مع الأصابِعِ بحذرٍ وتركيز. كانت الذّاكرة تمشي بها إلى يومٍ قائظٍ بعيد..
كانت تمشي بنَشاطٍ صَباحيّ مُبَكرٍ كعادتها بين أشجار الحَقل المُتباعدة. كانت تَمشي بخُطواتٍ نشيطةٍ، وساقاها الشّابّتان تَرسُمانِ أثرَ نَعلِها واضِحًا على أخاديد الحقلِ وعلى التّراب المُبتل. أشعّة الشمس تتساقط بين أوراق الأشجار الكبيرة وتترك بُقَعا من الظِّل على تراب الحقل المَروِي بالماء منذ سُوَيعات. في يدها قَفيرٌ من السّعف وثوبُها مُبَرقشٌ بعِدة ألوان فاقِعة. وفتحةُ الرّقبة مُحاطة بخيوط حريرية لمّاعة ذات لون أرجُواني بَرّاق. 
وحين وصَلتْ إلى منتصف الحقل توقفَّت عند شجرة نارنج كبيرة قليلا. أغمَضت عينيها قليلا وسَمَحت للرائحة النفّاذة للنارنج الناضج أن تنفذ إلى صدرِها. رفعت كفَّها وتحسّسَت جِذع الشّجرة الشّابة بأطراف أصابعها ووضعت كفَّها على جذع الشجرة.كانت رائحة النارنج تتراقص أمام الأنف وتخفُت وتَشتَد وتقترب وتَبتعد وكأنَّ الرائحة كانت تُحاول أن تقول شيئا. وكانت الرائحة تَجلِب لها ذِكرياتٍ عن زوجها المُتوفّي منذ سنوات طويلة وعن ابنِها الوحيد الذي تنتظره منذ أشهرٍ طويلة. وبينما هي في هذا الوضع من الإغماض والتّذكر، وما زالت عيناها مغمضتين وكفُّها على جذع الشجرة، إذْ أحسّت بأصابعَ نحيلةٍ تلمس كتِفها من الخلف،ثم حَطَّتْ يَدٌ خفيفةٌ على كتفها.
شَهَقت والتَفتَت بِحركة عنيفة إلى جسمٍ نحيلٍ يقفُ خلفها مباشرة. خلال ثوان قليلة كانت شفتاها تنتفضان وجسمها يرتعش وعيناها تنفتحان على دمعة حارَّةٍ وكبيرة جدا. بَدَتْ كلُّ ملامح الحزن والبكاء مندفعة من وجهها وجسمها بشكل قوي ومنطلقة فجأة مثل وادٍ عظيم ٍكان يَحصرُه السّدُّ ووجد الآن اللحظة المناسبة لكي ينفجر. كأنه بكاءٌ مؤجّل أكثر من مرة وها هو الآن ينفجر.
رغم التّعبيرات الكثيرةِ لجسَدها فإنه لم يَخرج منها غير كلمة واحدة « .. وَلْدِي…»
وارتَمت عليه تغرس يديها في جسمه، وتُطوّقه بقوة كبيرة كما لو أنها خائفة أن يختفي اذا أفلتته. وهي في نوبة الاحتضان والبكاء انتبهت فجأة الى وجهه الشّاحب وعينيه المرهقتين وجسمه المتعب جدا وكأنه خارج من مذبحة. وقبل أن تسأله انتبهت الى بقعة دم قرب كتفه اليمنى تنتشر حولَ ثُقبٍ مُحاط بالسَّواد في دشداشته المُغبَرَّة.
ما زالت العجوز بِثوبِها الرّمادي الفضفاض تَقِفُ الآنَ أمام جذع النّارِنجة المُمتلئ ذي الحُزوز. تقف هناك بكامل شيخوختها الناضجة في ثوبها الرَّمادي الفضفاض الملطَّخ طرفه السّفلي بالطِّين الرّطب وتَتَحسَّسُ جذع النارنجة بأطرافِ أصابعها.وتتذكر اليوم الذي مضت عليه الكثيرُ من السّنوات. اليوم الذي قرّرت فيه أن تنتقل من بيت زوجها المُتوفّي مع ابنها الوحيد الى الحقل الذي ورثته من أبيها الذي ورِثه من أبيه. زوجُها الذي لم يصلها منه إلا ثوبه الأبيض وعِمامته. ما تبقى منه- كما أخبروها-  دُفنَ في الجبل الاخضر بين أحراش الرُّمّان الجَبَلي بعد قَصفٍ عنيفٍ للطائرات على المقاتلين الثائرين والأشجار الجبليّة.
مَشَتْ العجوز إلى الأمام ببُطء لتقتربَ أكثر من شجَرتِها، أحَسَّت بقدمها تدفع شيئا ما مُدَوّرا وصغيرا. تدحرجت أمامها ثمرةُ نارنجٍ ناضجة كانت واقعة على الأرض منذ مُدّة بدون أن ينتبه إليها أحد ليأكلها. وبينما خُيوط رائحة النارنج تعبرُ الفضاء بدِقّةٍ، كانت الذّكرى تعبرُ إلى الماضي وتتّضِحُ أكثر..
« وَلْدِي..»، وسقَطَ فجأة على الأرض. استطاعت أن تَلمّ اضطِرابها وتستنجِد بأحد الجيران الذي يصير ابن خالها. ظل الَولدُ يرتعِش بالحمى يومين وليلتين. كان ينام ويصحو باضطراب ولا يكادون يتبينون شيئا من هذيانه: « .. ريحة الدخان قوية.. الاشجار تحترق.. احمد وسعيد تفتّتوا وانا شفتهم.. العقيد توماس يتمسخر.. الارض تنفجر عِدّالنا.. ما اريد احارب.. اقدر اركض بعيد.. لازم أركض بعيد.. جمرة في كتفي.. اريد اعرف من خلّوه يضربني في ظهري.. من صوّبني.. سالم؟ ناصر؟ حميد؟.. عيب عليهم.. حرام.. حرام»
كان جسمه النحيل ينتفض داخل غرفة الطين طوال اليومين مثل ريشة في الريح. 
لم تُفلِح أدعِيةُ وتَعويذاتُ ابن خالها وأعشابُ وخلطاتُ زوجته في علاجه.
في الليلة الثانية فتح عينيه وجلس على الفراش وهو يبتسم وقال لأمه بهدوء: «إمي أريد ثمرة نارنج ناضجة.. نزين؟ .. جيبيلي تو نارنجة إمي.. جيبيلي نارِنجة توّها ناضجة اليوم وزاهبة حل الأكل» . خَرَجت تَتخبّط في الحقل، وتَتبعُ رائحةَ النارنج النفاّذة ذاهبةً في اتّجاه الشّجرة. كانت ريحٌ خفيفة تلمس أغصان النخيل والأشجار وتُصدِر حَفيفا خفيفا وسط الصّمت المُطبِق للّيلةِ الصّيفيّة.
كانت يَدُها المُرتعشةُ مرفوعةً الى أغصانِ النارنجة، ونحيبُها الذي تحاول أن تَكتُمه يَعلو ويَتَخافت مع أصوات الريح والحفيف. وكانت باليد الأخرى تمسَح دُموعَها لكي تستطيع أن ترى ثمار النارنج الناضجة جيدا.
حين عادت حاملة ثمرة نارنج واحدة ناضجة، دخلت إلى الغرفة المليئة بالصمت. وقفت عند باب الغرفة تنظر إلى الداخل. ارتخت يدها وسقطت ثمرة النارنج الناضجة وأخذت تتدحرج حتى توقفت عند حافة الفراش الذي كانت ترقد عليه جثة الابن جامدة وباردة. كان مغمض العينين وتلوح في فمه ابتسامة غريبة. وكانت حركة شفتيه تبدو كأنها لشخصٍ يتلذّذ بطَعمِ شيءٍ حامضٍ في فمه.
طِوال الأيام التالية انتقلت إليها الحمّى وكذلك الهذيان. ابن خالها وزوجته كانا يحاولان إفهامها ما يقولونه، ولكنها كانت لا تسمع غير جمل متقطعة كل مرة: «يا اختي الولد انتقل لرحمة ربه وما تجوز عليه غير الرحمة… لا تفضحينا تراه الشيخ بعده ما عرف السالفة .. قريب بيجو ناس من الحكومة يسألوا عنه.. ولدك كان في جيش الحكومة وهرب عنهم والحرب بعدها شابَّة في ظفار… الولد ما مال حرب.. لا تخلينا نتلوّم يوم ما بلغنا عنه يوم رجع شارِد… لا توَرّطينا كلّنا.. خَلّينا ندفنه هنا في ذا المكان عِدّالِش أحسَنلش».
رائحة النارنج تَتَفشّى الآن بوضوحٍ أكثر في الحقل، وتنتشر مثل شمسِ الصّبح التي تتَّسع رويدا رويدا في المكان وتتضح أكثر كلما مرّت السّاعات. 
ابتعدت العجوز عن شجرة النارنج، وبدأت تمشي مرة أخرى بتثاقل في ثوبها الرمادي الفضفاض مُفتِّشة عن شيء ما في الحقل.
كانت تمشي بخطى ثقيلة كما لو أنها تَجرُّ معها سنينَها الماضية التي قَضَتها في العَمى والانتظار والوحدة والتّذكّر. كانت تمشي في أرض الحقل التي انتَشرت عليها أخاديد وبُروزات مختلفة عليها بعضُ الأعشاب الصغيرة.
وجهُ العجوز المَليء بالتّجاعيد التي تُشبه شُقوقا في جدارِ طينٍ قديم، ما زال يَختلِج بينما هي تبحثُ وتُفتّش في الحقل عن شيء ما مُستخدِمَةً عُكازَها وأنفَها معا.
حين وصلت الى زاوية في أقصى الحقل، ضَغطَت هناك بعكازها على بُروزٍ تُرابيّ بسيط يُوشك أن يَتَوارى. تَسقُطُ على رُكبتيها فوق تلك البقعة البارزة من التّراب. يسقط عكازها بعيدا عنها. لا تمد يدها لتبحث عن العكاز كما لو أنها لم تعد بحاجة إليه. تسقط على المكان البارز من الحقل وتغرز أصابعها في تُرابه وتَسقُطُ بِوَجهِها فَوقه. ثَوبُها الرّمادي الفَضفاضُ ينتشر فوق هذا المكان البارز ويُغطّيه الى حدّ أنه يَختفي بأكمله ِتحت ثَوبها. لم تعد تتحرّك، وكان جسمها البارد والجامد ملقى على ذلك المكان البارِزِ ورائحةُ النّارنج تَتَفشّى حَولَه في كلّ الاتّجاهات.
 
 
 
 
 

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …