أخبار عاجلة

شهادة نصير سابق للالتزام

من مفارقات الثقافة العربية المعاصرة، الخاضعة بقوة لقانون التثاقف انها قد تستورد أحيانا المفاهيم، وحتى الشعارات، قبل ان تكون المكتبة العربية قد استوعبت – عن طريق الترجمة – الكتب الأمهات التي صيفت فيها تلك المفاهيم.

هذا ما حدث لفكرة الالتزام التي استطاعت ان تفرض نفسها بمنتهى القوة في الساحة الثقافية العربية ابتدأ من اواسط الخمسينات، بفضل تبني مجلة "الآداب" البيروتية لها، قبل ان يكون المنبع الرئيسي لهذه الفكرة، وهو كتاب سارتر "ما الأدب؟" قد أخذ طريقه الى النشر بالعربية.

فكرة الالتزام قد ولدت من البداية اذن بنوع من عملية قيصرية، فالجنين قد رأى النور بضرب من حمل كاذب، وبدون فماء عضوي في رحم الثقافة العربية.

وبدون أن أدعي انني كنت واعيا بهذه المفارقة، فقد كان أول حلم ثقافي حلمته هو أن أنقل الى العربية النص الأصلي الحامل لفكرة الالتزام بحيث تخرج هذه الفكرة من ضبابيتها وتتأصل في سياقها الطبيعي وتفرض نفسها لا بقوة العدوى والشعار السريع الافتلاك، بل بقوة منطقها الذاتي.

وهكذا انصرفت في أواخر الخمسينات، وانا في السنة الجامعية الأولى أو الثانية، الى ترجمة نص سارتر الكامل وبما ان فكرة الالتزام كانت تسري في الجو الثقافي العربي سريان النار في الهشيم، فانه لم يصعب علي أن أجد للحال ناشرا. وكان هو زهير بعلبكي، صاحب المكتب التجاري للنشر، الذي دفع لي مكافأة زهيدة – "رمزية" كما يقال اليوم – مقابل تنازلي عن حقوق الترجمة.

ولن اقول – رغم ذلك – فرحي عندما وجدت بين يدي النسخة المطبوعة لأول كتاب أترجمه في حياتي. ولكن هذه الفرحة سرمحان ما تكدرت، فأحد اساتذتي في الجامعة أخضع الكتاب لقراءة نقدية وصارحني بانه قد وجد فيه عدة أخطاء في الترجمة بدءا بالعنوان نفسه.

فقد كان الكتاب صدر تحت عنوان "ما هو الأدب ؟"، وكانت ملاحظة استاذي- وهي صائبة – ان هذه الصيغة لا تصح عربيا الا في حال حذف علامة الاستفهام. أما في حال الابقاء عليها، فعندئذ يتوجب أن يقال: "ما الأدب ؟" وليس "ما هو الأدب ؟".

ملاحظات استاذي أشعلت نوعا من "حرقة" في قلبي، فكيف السبيل الى ستر عار تلك الأخطاء- ولعلها لم تكن خطيرة الى هذا الحد؟- بعد ان بات النص مطبوعا وفي متناول جميع القراء؟ ولكن عزائي أن أحدا معن علقوا في الصحافة الأدبية على الكتاب لم يشر الى اية أخطاء في الترجمة، ولا حتى الى الخطأ النحوي في العنوان.

في أثناء ذلك كانت صلتي بدار "الآداب" وبمجلتها ويصاحبها قد بدأت تتوطد، وكنت أنجزت لحسابها ترجمة رواية "المثقفون" لسيمون دي بوفوار، التي كانت في حينه في نظري- ولعلها مازالت الى اليوم – آية من آيات الأدب الملتزم. وفي أثناء ذلك أيضا كان اسم سارتر قد غدا ألمع اسم في الثقافة العربية؛ وكانت كتبه تباع كالخبز، وهنا أيضا لا أكتم القارئ فرحتي عندما عرض سهيل ادريس ان أعيد ترجمة "ما الأدب ؟" كجزء أول من مشروع متكامل لترجمة جميع "مواقف" سارتر بمجلداتها السبعة، ومع ان تعويض الترجمة لم يكن – كما قد يظن القارئ- مرتفعا "ليرتان لبنانيتان، أي ما يعادل دولارا في حينه، للصفحة الواحدة"، فقد أقامت على عملية اعادة الترجمة بسعادة: فها هي الفرصة تأتي لي لكي أصحو أخطائي، وعلى هذا النحو صدرت في مطلع الستينات طبعة جديدة لكتاب سارتر، ولكن هذه المرة تحت عنوان "الأدب الملتزم" بدلا من "ما الأدب ؟"، علما بأن ذلك العنوان الجديد لا وجود له في النص الأصلي، ثم تعاقب صدور مجلدات "مواقف" السبعة – ودوما بترجمتي-: "جمهورية الصمت" و "شبح ستالين"، و "قضايا الماركسية"… الخ.

هنا لا بد من أن أصارح القارئ أنني على حماسي الشديد لسارتر- الذي غدا لي استاذ فكر لا تطو على كمته كلمة – فقد كان في جانب "ميتافيزيقي" لا تلبيه عقلانية سارتر المغالية. ففي الوقت الذي كنت شغوفا فيه شففا لا يحده حد بالنظرية السارترية، ما كنت أتواصل تواصلا كبيرا مع كتابات سارتر الأدبية والروائية – ربما باستثناء مجموعة "الجدار" القصصية. كان عقلي النظري والنقدي في ناحية، وهواي الأدبي في ناحية أخرى. فقد كان أحب أنواع الرواية الي تلك التي تعرف كيف تنفذ الى "العالم الآخر"، وتكشف للواقع بعدا ما فوق واقعي،أو "ما ورائي" كما بتنا نقول اليوم. وهكذا كنت مولعا بأفكار سارتر، ولكني كنت "مأخوذا"- وهذه كلمة سارترية طالما عذبني ايجاد مقابل عربي لها- بالعوالم الماورائية للروائي الفرنسي جوليان جرين الذي كان – ولا يزال – مجهولا للأسف لدى القارئ العربي. وهكذا أقامت بيني وبين نفسي على ترجمة لؤلؤته "الصوفية"..: "المسافر على الأرض". ولكني لم أجد ناشرا لهذه القصة، وقد انتهى مصير النسخة المخطوطة لترجمتها الى الضياع بعد أن طال ترحالها – بلا جدوى- بين مكاتب الناشرين في بيروت.

ودوما ضمن هذا الهيام بالترحال نحو عوالم أخرى لا يقر بمشروعيتها العقل العقلاي أقامت على ترجمة رواية ددزوربادد للكاتب اليوناي كازانتزاكي. وقد كان من الممكن أن تعرف مصير "المسافر على الأرض" نفسه. ولكن تدخلت هذه المرة "فرصة سعيدة". فبعد أن نامت النسخة المخطوطة من ترجمة الرواية سنوات في درج الناشر، خرج الى النور الفيلم الامريكي الشهير الذي لعب فيه دور "زوربا اليوناني" انطوي كوين، فكانت فرصة ذهبية لنشر الرواية بالعربية، وتعددت في سنوات قلائل طبعاتها حتى وصلت الى ثمان على ما أعلم، بدون أن يعود علي ذلك بأية فائدة "مادية" إذ كنت أتعامل مع الناشر "على المقطوع" دون اعتبار لعدد النسخ المطبوعة ولا لعدد الطبعات، بل حتى من الناحية "المعنوية" تأذيت، اذ نشرت للرواية في أكثر من عاصمة عربية طبعات مزورة مع اسقاط اسمي كمترجم.

يمكن أن أقول اذن انه لم يكن هناك من تطابق، بين وعيي النظري وحساسيتي الأدبية. فنظرية الأدب الملتزم كانت توجه ذهني في اتجاه واحد، ولكن حساسيتي الأدبية كانت منفتحة المسام بالمقابل على اتجاهات متعددة. ولقد عانيت من جراء ذلك مثقاء في الوعي. فقد كنت أحب ما أحبه من نصوص الأدب، وتحديدا الرواية، غصبا عن وعيي اذا جاز التعبير. وسأضرب على ذلك مثالا، فقد أحببت في حينه حبا بالفا قصص عبدالسلام العجيلي القصيرة، مع ان أدب هذا القاص كان أبعد ما يكون قابلية للوصق بأنه أدب ملتزم. بل كان هناك، في الساحة الثقافية، من يصف أدبه بأنه "رجعي" أو "لا عقلاني" ولا أقول انني أحببت أدبه لانه "رجعي"، ولكن لا أكتم القارئ أن ما سحري في قصصه كونها "لا عقلانية"، وعالما هو عالم ما وراء الواقع، ولقد كتبت دراسة عنه أسميتها، على ما أذكر، "قصص العجيلي بين الرؤية والرؤيا" ولكنني ترددت في نشر هذه الدراسة لأن دفاعي عن "رؤيوية" العجيلي كان يتنافى والفكرة التي في ذهني عن الالتزام في الأدب. ولكن حب الأدب غلب التشنع النظري في خاتمة المطاف، فنشرت الدراسة في كتابي "الأدب من الداخل"، ولعل عنوان هذا الكتاب بالذات يشير الى ما كنت أعانيه من وعي ممزق، فتوكيدي على "داخلية" الأدب كان بمثابة نفي غير معلن لـ"خارجية" الأدب الملتزم، وبالفعل، فان الالتزام، بما يوجده من مسافة "وعيية" بين الكاتب ونصه، يجعل هذا النص "خارجيا" بالضرورة. وأسوأ أنواع الأدب باطلاق، هو ما كان "خارجيا" لأن النص يكف في هذه الحال عن أن يكون نصا أدبيا ليصير نصا دعائيا أو تبشيريا، أي "لا أدبيا". وذلك هو العيب الجوهري أصلا في نظرية سارتر عن الالتزام: فهي نظرية في الكتابة وليست نظرية في الأدب. وهي تعطي كل الثقل للايديولوجيا التي يصدر عنها أو يخدمها الكاتب، ولا تقيم اعتبارا لاستقلالية اللغة الأدبية في فعل الكتابة، ولا لكونها مقصودة لذاتها لا لغاية ايديولوجية تجاوزها. فعند سارتر ان "الكلمات" هي محض وسيلة، مع أنها في فعل الابداع الأدبي غاية في ذاتها. والأديب لا يكتب ليغير كما افترض سارتر، بل يكتب ليكتب، أي ليخلق بالكلمات عالما لا وجود له في الواقع، ومحكوما بغير القوانين التي تحكم عالم الواقع. ولقد خلط سارتر بين دور المثقف ودور الأديب. فالمثقف قد يتفق له أن يكون تقدميا، يضع كل رهانه على تغيير الواقع، تماما كما قد يتفق له أن يكون رجعيا او محافظا يريد الابقاء على الواقع القائم او احياء واقع مضى. وفي مثل هذه الحال لا يختلف المثقف اختلافا جوهريا، على الصعيد النائي، عن المناضل الحزبي. والالتزام هو نظرية، برسم المثقفين التخييريين، ولكنه لا يصلح بحال من الاحوال برنامجا للا بداع الأدبي. فهو قاتل للابداع، وهذا ما يقدم عليه الدليل الأدبي السوفييتي- وقد غدا في معظمه لاغيا اليوم – الذي وجهته منذ منشئه الى ساعة مماته على مدى قرن بكامله نظرية الالتزام.

وأنا لا أماري في أنني، كمثقف، كنت ولا أزال ملتزما. ولكنني أفلحت، ولحسن الحظ، في أن أتحرر من نظرية الالتزام في كل ما يتعلق بممارستي الكتابية كناقد أدبي، أي كناقد للعمل الابداعي من حيث هو عمل ابداعي حصرا، تكمن غائيته فيه لا في هدف ايديولوجي مفارق. ففي كل فا كتبته في النقد الأدبي انتصرت للأدب السميمي، وأدرت ظهري بإصرار لكل الأدب "المفبرك" برسم غاية سياسية او ايديولوجية تفارقه.

وبديهي انه ليس من السهل دوما الفصل بين المثقف والاديب. فالأديب قد يكون أيضا ملتزما، مثله مثل المثقف تماما، والتزامه لا يخل بشرط الابداع ان كان ينبع من صميمه وان كان التعبير عنه يأخذ شكلا صميميا. ولكن ليس كل أديب مجبرا على ان يكون له التزام المثقف. فللأديب أن يكتب عقله، ولكن له ايضا ان يكتب جنونه. وأدب الجنون قد لا يقل ابداعا عن أدب العقل، هذا ان لم يتفوق عليه، فان الأديب كان بطبعه مجنونا، وما كان "مسؤولا" كما افترض داعية الالتزام الكبير- في حينه – رئيف خوري. أو فلنقل ان الكتابة قد تكون فعلا بديلا عن الجنون. وللجنون فنون كما يقال. فللعاقل فنه، ولكن للمجنون ايضا فنه، وفن المجنون قد يكون أكثر عقلانية من فن العاقل، لانه ينوب له بذاته مناب العقل.

ولا استطيع أن اختم بدون التنويه بأن المحصلة الختامية لنظرية الالتزام ولتطبيقها في الساحة الثقافية العربية كانت سلبية. فنظرية الالتزام لم تتأد في نهاية المطاف الا الى تقليب أدب النضال السياسي والاجتماعي، السريع الافتلاك والشديد التسطيح، على الأدب السميمي الذي هو أبقى وأعمق. وقد يكون هنا مثال حنا مينه بليغ الدلالة، فهذا الروائي لم "يتعملق" الا عندما كف عن أن يكون ملتزما بالمعنى السياسي والايديولوجي للكلمة، أو بالأحرى عندما لم يعد له من التزام آخر سوى اطلاق العنان لصميميته، أضف الى ذلك أن نظرية الالتزام قد فقدت اليوم مشروعيتها النضالية، بالذات. فقد فرضت نظرية الالتزام نفسها في الحقل التداولي للثقافة العربية في أواسط الخمسينات كما تقدم البيان.

وفي حينه كانت الأحزاب والحركات السياسية العربية ذات البرامج الايديولوجية التخييرية لا تزال تحتل مواقعها في خنادق المعارضة. وكانت نظرية الالتزام قابلة للتوظيف في خدمة مقاصدها التخييرية. ولكن منذ أن تحولت أحزاب المعارضة الى أحزاب حاكمة صادرت مفهوم الالتزام لصالحها لتمنع نقد الواقع وتغييره بعد أن باتت هي القيمة عليه. وعلى هذا النحو انعكس رأسا على عقب مفهوم الالتزام: فقد كان مؤداه في الأصل أن المثقف حر، فهو بالتالي مسؤول، وصار مؤداه، في ظل التحول السلطوي لأحزاب المعارضة السابقة، أن المثقف مسؤول، فهو اذن غير حر، ولهذا أقولها صادقا: إن شعار الالتزام قد جرى عليه قانون التقادم، وخير ما نفعله هو أن نسحبه من التداول.
 
جورج طرابيشي (كاتب ومترجم من لبنان)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …