أخبار عاجلة

شيزوفرينيا الذات في فلسفة سورن كيركغارد

إن الفيلسوف الدانماركي سورن كيركغارد الذي عاش   حياة قصيرة (1813-1855) استطاع أن يقلب الكثير من المفاهيم الفلسفية من خلال استثماره لموضوعات ومقولات الحياة اليومية المشبعة بالعبث واللامعقول والعاطفة والقلق اليومي وتعابير الرغبة الاروتيكية، وهو بهذا جعل من الحياة اليومية مدخلا الى فلسفته التي تبتعد عن المفاهيم الميتافيزيقية، والتجريدات  التي استندت الى عقائدية وجاهزية التفكير النظري المجرد، وجعل اشكالية الوجود باعتبارها اشكالية الكائن ضمن الموقف.

إن فلسفته كانت مونولوجا داخليا متوترا، وكان يريدها "أن تكون تعبيرا عن وجوده الخاص الذي هو نسيج من المتناقضات، وان يستخرج من اعماقه ما يشعر به من ألم وعذاب ومعاناة ليكون نظرية عن الانسان بصفة عامة، فما يعانيه من قلق ويأس وشعور بالخطيئة ومرض نفسي… الخ ليس حالة خاصة به وحده، لكنها تمثل عوامل تتألف منها الذات البشرية "* لقد كان كيركغارد يعتبر مؤسسا حقيقيا لفلسفة الذات باعتبارها مركز الوجود، انه الاب الروحي للفلسفة الوجودية المؤمنة في القرن التاسع عشر، وهو بهذا فتح المجال امام المفاهيم الوجودية في القرن العشرين.

لقد اقلق كيركغارد معاصريه ومازال يقلقنا حتى الآن لانه عالج مقولات فلسفية وجودية تخص جوهر وجود الانسان وذلك من خلال علاقتها بحياة الفرد واختياراته الواعية والتي مازالت تمتلك حيويتها.

ولا يمكن فهم فلسفة كيركغارد إلا بوضعها ضمن مفاهيم عصرها بسبب التغيرات التي طرأت على الكثير من مجالات الفلسفة وموضوعاتها في الوقت الحاضر، حيث يفصلنا عنه اكثر من قرن ونصف القرن.

إن سورن كيركغارد عاش حياة معلقة على وتر فوق هاوية الوجود الهامشي، وقد كان يعي العمق السحيق لهذه الهاوية، لذلك فقد كانت مهمته تكثيف شعور الانسان من خلال القلق والرعب تحذيرا من السقوط في الهاوية. وبما أنه حاول دائما العمل على تحويل الفكر الى ممارسة عملية مرتبطة بالحياة فان معاركه الفكرية كانت دليلا على امتزاج الفكر بالحياة، سواء كانت هذه الصراعات في المجالين الفكري او الديني وخاصة معاركه مع الكنيسة الرسمية آنذاك، بحيث منحت الفكر العملي امتياز التفرد في الحياة والابتعاد عن الفكر الغيبي. لذلك فان الكنيسة شنت هجومها العنيف ضد افكاره اللاهوتية المصيرية الصائبة ولم يكن لديها سلاح فعال سوى محاولة غير مجدية في تحويل افكاره الى ثرثرة في الشارع الغوغائي.

إن معاركه كانت متمركزة حول الذات البشرية من خلال ايمانها وعلاقتها المطلقة بالله المطلق بدون اي وسيط آخر كالكنيسة او الرهبان الذين كان يعتبرهم موظفين لدى الدولة. لكن الكثير من رجال اللاهوت والكنيسة درسوا فلسفة كيركغارد بروح غير متحيزة بعد ذلك، فاكتشفوا اهمية فلسفته وامكانية عقله الفلسفي التركيبي والتحليلي، وذلك فقط عندما انتشرت فلسفته خارج وطنه "الدانمارك. وهذا قدر المفكر المتفرد الذي يرى المستقبل بشكل واع ".

إن الفلسفة الوجودية تعرضت للكثير من المغالطات والادراكات الهامشية لذلك تحتم الضرورة على دراستها بشكل اكاديمي ونقد واع. وقد قام بهذه المهمة الدكتور عبدالرحمن بدوي. اما الدكتور امام عبدالفتاح امام فقد درس فلسفة كيركغارد بكتابين مهمين (1) حيث حلل في كتابه الاول فلسفة كيركغارد باعتبارها فلسفة للذات البشرية المتفردة من خلال مناقشته للكثير من الفلاسفة والباحثين اضافة الى تحليل الملامح الشخصية للفيلسوف الدانماركي باعتباره "ذاك الفرد" والعوامل المؤثرة في بناء شخصيته. وقد اسهب الدكتور امام في دراسة حياة كيركغارد بشكل كبير، ويعتبر هذا مدخلا مهما للوصول الى العوامل الاساسية في تكوين عقله الفلسفي، والمتناقضات التي عاشها في حياته الخاصة. وقد استعرض أيضا قضية اساسية هي المعارك الفكرية التي خاضها الفيلسوف وخاصة معركته الشهيرة مع صحيفة "القرصان" وصراعه مع الكنيسة الرسمية التي اتهمها بالتزوير والتزييف لمهمتها الدينية، حيث اخذت على عاتقها آنذاك مهمة مشابهة لمهمة ارسال الناس الى الجنة مقابل خمسة دولارات كما يسخر كيركغارد ذاته من وظيفة الكنيسة الدينية.

أما الكتاب الثاني والذي نحن بصدد قراءته تفصيليا فان د. إمام استعرض فيه بشكل دقيق مكونات فلسفة كيركغارد وتأثرها بالفكر الهيجلي في بداية حياته ثم اعتماد مبدأ الشك والرفض لكل فلسفة أخرى (ما عدا التهكم السقراطي) من اجل تكوين فلسفته الوجودية المتفردة، التي يحاول من خلالها طرح منهج او فكر فلسفي يناقش فيه امكانية خلاص الانسان، حيث اعتبر نفسه كالشوكة التي تغزنا وترعبنا دائما (لان الفلاسفة عندما يأتون، يرعبون الناس، لكنهم يطهرون الجو).

إن حديثنا سيتمركز على الخلل الذي يصيب الذات والذي يشكل شيزوفرينيا الذات في فلسفة سورن كيركغارد، وذلك من خلال كتاب الدكتور امام عبدالفتاح امام الاكثر اهمية – كيركجور -رائد الوجودية – فلسفته – الجزء الثاني.

إن فلسفة سورن كيركغارد تحدثنا عن الفرد كمركز للوجود وكمنهج حياة الذات باتجاهها نحو المطلق، نحو الله، ولا يتم هذا الا عندما يمتلك الفرد "الوعي الذاتي"، وهذا يعني امتلاك الوجود الذاتي، لان الوجود هو الوعي والاختيار الحر.

بدون هذا فان الذات البشرية ستعيش في حالة من الاضطراب وعدم التوازن، وتصاب بامراض روحية مختلفة.

ان تشخيص امراض الذات اي الشيزوفرينيا الروحية يفترض وعي الانسان بذاته اولا. بدون هذا الوعي فان الذات ستعيش بشكل هامشي ولا معقول وعبثي في الوجود، وحتى تكون لحياة الذات معنى، لابد ان تواجه مشكلاتها – امراضها – بكل قلق وتوتر وجدية.

فمهمة الفلسفة الوجودية هي التأكيد على ان الانسان لا يولد انسانا وانما يصير كذلك من خلال وعيه، وتحقيق مشروعه الحياتي، بمعنى ان يكون انسانا، اي ان يكون ذاته من جديد. وقد يفشل في تحقيق هذه الذات – هذا المشروع. لقد اخذ كيركغارد على عاتقه مهمة تعقيد مشكلات وظاهرات الوجود امام الانسان، وهو على حق، لان تعقيد المشكلة فلسفيا يعني وضعها امام المجهر لرصدها ومن ثم حلها، لكن التعقيد متأت نتيجة لتعقيد الحياة ذاتها.

من هنا تأتي أهمية دراسة فلسفة كيركغارد باعتبارها فلسفة مهمتها إعادة وعي الذات بنفسها من جديد. لانه من السهولة ان يفقد الانسان ذاته، فهذا لا يثير ضجة كبيرة (كما هي الحال عندما يفقد الانسان ساقه او ثروته او زوجته) لكن من الصعوبة ان يقوم الانسان باسترداد ذاته من قلب المسببات التي تحاول تهميش حياة الفرد، بمعنى ان يختار الانسان ان يكون انسانا من جديد. وهذا يتطلب وعيا وجهدا كبيرين، لأن الذات الواعية هي الذات التي تقوم بنضال شاق لمعرفة نفسها، بعكس الذات غير الواعية، فانها تبذل جهدا متعمدا لنسيان نفسها وسط ضجيج العالم. ان هذا الوعي يعني النظر من خلال الذات الى العالم.. الى الخارج.

لذلك فان كيركغارد عدل من مبدأ سقراط الشهير (أيها الانسان اعرف نفسك) الى (ايها الانسان اختر ذاتك) وهذا يعني ان اختار ذاتي بوعي وهي في شرعيتها الازلية من اجل ان تصل الى خلاصها وسعادتها الابدية عند اعتمادها الكلي على المطلق. وهذا هو الاختيار الايجابي في حياة الذات.

لقد بذل كيركغارد جهدا شاقا في دراسة العوامل الانطلوجية (3) التي تكون الذات البشرية، حتى يتوصل الى الاجابة على السؤال الذي طرحه على نفسه وهو: كيف يمكن للانسان ان يكون انسانا؟ اي كيف يمكن للانسان ان يختار ذاته ؟

وبكل وضوح يجيب، ان على الانسان ان يكون مؤمنا وان يعتمد اعتمادا كليا على الله، بهذا فقط تكون له القدرة على امتلاك ذاته واستردادها من جديد. لكن كيف تمتلك الذات وعيها؟ وهل لها القدرة على حرية الاختيار؟ ان هذا السؤال الذي يورده د. امام اعتمادا على كيركغارد يفترض الاشارة الى مراحل تطور الذات البشرية، حيث يؤكد بان هنالك ثلاث مراحل لتطور الذات الفردية في علاقتها بنفسها وبالعالم ويسميها كيركغارد (مراحل الوجود الثلاث الكبرى).

1- المرحلة الحسية الجمالية المباشرة – والحسية التأملية.

2- المرحلة الاخلاقية.

3- المرحلة الدينية.

ان كيركغارد يضعنا دائما امام خيار واحد، إما ان تختار ذاتك بوعي او ان تضيع.

وهذا يعني عليك أن تختار بين ان تعيش في المرحلة الحسية الجمالية والتي يعتبرها مرحلة دنيا من الحياة ينغمس فيها الانسان بالحياة الحسية او ان يرتقي الى مرحلة أعلى هي المرحلة الاخلاقية، اي ان يلتزم فيها الانسان بالقانون الاخلاقي، او ان يعيش في المرحلة الدينية التي يصبح فيها الانسان واعيا في اختياراته، لانه يعي ذاته ويعرف خلاصه.

في المرحلة الحسية الجمالية المباشرة: يعيش الانسان في اللحظة الواهنة من اجل اللذة الحسية وحدها ولهذا فانه يضيع في بيئته الطبيعية او الاجتماعية بدون ان يمتلك الوعي الذاتي، اي لا يكون "روحا واعية" ولا يمتلك ارادة اتخاذ القرار، وهو بهذا لا يعي ولا يعطي اهمية لالتزاماته الاخلاقية والدينية. والانسان في هذه المرحلة اما ان يكون طفلا أو شابا، بمعنى انه لا يمتلك ذاتا واعية أو حرية اتخاذ القرار وينساق الى امكانياته الطبيعية المحدودة وغير الواعية.

وقد يكون الانسان كبيرا في السن لكنه يبقى في المرحلة الحسية المباشرة عندما لا يعمل على استرداد ذاته من جديد.

ان ضياع الذات في عالم الحس فقط يجعلها تؤكد على جانب واحد من عوامل مكونات الذات الانطلوجية وهو جانب المتناهي.

واعتبر كيركغارد "دون جوان" ممثلا حقيقيا لهذه المرحلة الحسية المباشرة. ولكن الذات احيانا تمر بلحظات نضج فكري ينتقل فيها الانسان الى شطر آخر من المرحلة الحسية، اقصد الحسية التأملية أو الفكرية، وتحتاج الذات فيها الى ان تدرك نفسها على انها "روح "، اي ذات فاعلة، لكن هذه الذات تغرق في الفكر التأملي المجرد بدون ان يتحول هذا الفكر الى فعل حياتي. لان الانسان هنا يمتلك فهما شاملا وموضوعيا ومعرفة بكل الظاهرات ومشكلات العالم، لكنه لا يمتلك المعرفة والوعي بذاته نفسها، حيث ان الذات هنا تتبخر وهي تتأمل مشكلات بعيدة عن وجودها الذاتي وتهرب من اتخاذ موقف اخلاقي محدد. وقد اكد كيركغارد بان فاوست يعتبر ممثلا لهذه المرحلة التأملية الفكرية. وعندما تفرق الذات في هذا الجانب فانها ايضا تؤكد على عامل واحد هو اللامتناهي اي (الامكان – الخيال – الفكر المجرد).

وبما أن المهمة الأساسية للذات في وجودها العياني هي المحافظة على التوازن بين العوامل الانطلوجية لتكوين الذات الحقة فاننا نجد ان هذه المرحلة الحسية بشطريها هي تأكيد على عدم التوازن ويؤدي هذا الى ان تقع الذات في المرض الروحي بلا وعي. ان تحقيق الفعل الحياتي يحتاج الى قرار من قبل الذات، والذي يعبر عن فرديتها وفاعليتها في الحياة، ا:ن عندما تمتلك الذات القدرة على اتخاذ قرارها حينذاك تنتقل الى "المرحلة الاخلاقية".

إن هذه المرحلة لا تعني الالتزام بأخلاق وضروريات المجتمع او المجموع وانما تعني الالتزام الباطني الداخلي للذات تجاه مسؤولياتها هي.

اذن في هذه المرحلة يقوم الانسان باختيار ذاته ومن ثم امتلاك القدرة على اتخاذ القرار (اي الوعي المتعمد)، والاختيار الذاتي يفترض ان الذات موجودة أولا كذات تمتلك امكانياتها المعطاة لها من الطبيعة، لكنها غير موجودة بوصفها وعيا ذاتيا، وامتلاك هذا الوعي يؤكد ان الانسان اصبح له معرفة بذاته. لكن معرفة الانسان لذاته اولا ليست هي النهاية بل تؤدي بالنتيجة الى ظهورا لذات الاخري. واختيار الانسان لذاته يعني قبول المسؤولية تجاه الذات، ويعني ايضا الاعتراف بتجاوز الذات الموجودة اصلا الى ذات واعية، وهذا يعني أن الانسان يختار ذاته اخلاقيا.

ان السبب الاساسي في الانتقال الى المرحلة الاخلاقية هو الملل او الضجر، اي الشعور بالملل من ضياع الذات اما في الاستمتاع الحسي الخالص او في حياة التفكير التأملي الخالص فتسقط بالملل، لهذا تبدأ الذات بالتفكير في ضرورة الالتزام والخروج من هذا الملل يكون عن طريق التهكم أ ` ` او السخرية من هذه الحياة المملة الرتيبة الخالية من القيم والمثل العليا.

والدور الايجابي للتهكم هو ان يخلق في داخل الانسان اهتماما بوجوده الاخلاقي، فيعمد الى تحقيق التزاماته الاخلاقية ليست اللحظوية بل الابدية، فلا يعني الحب بالنسبة الى الرجل الاخلاقي هو حب النزوة كما في المرحلة الحسية، بل يصبح الحب في الزواج حبا ابديا ويتحول الى واجب اخلاقي. اذن المثالية الاخلاقية هنا تنبع من داخل الذات وحاجتها في ان تصبح ملتزمة اخلاقيا.

وبالرغم من ان الاعتراف بالله موجود لدى الرجل الاخلاقي، لكنه متحد مع "الواجب الاخلاقي". اي ان الانسان هنا لا يمتلك التمايز بين الله والنظام الأخلاقي، التمايز بين الله ككيان مستقل وبين العالم، بين الله والذات، وبمعنى آخر عدم معرفة الذات في الاعتماد الكلي على الله، وهذه نقطة ضعف اساسية في هذه المرحلة وتؤدي الى اضطراب في توازن الذات. اذن الذات تحتاج الى مرحلة جديدة تحقق فيها خلاصها ووجودها اي مرحلة الوعي الكامل بالمطلق وهي "المرحلة الدينية".

ان حقيقتي هي ان اختار ذاتي المؤمنة الواعية، اذن خاصية الوجود هي الاختيار اي ان اختار ذاتي ولا اختار شيئا آخر. ولهذا ليس هنالك وجود حقيقي الا وجود الذات امام الله ولا يمكن للانسان ان يحقق هذا ما لم يعش في حالة قلق متواصل، لكن الايمان هو قلق وسكينة، وليس هنالك اي اختيار بدون قلق. ان تقلق معناه ان تعود الى باطن ذاتك من اجل ان تختارها وتكون لها علاقة متكاملة بالمطلق بالله.

وعند معرفة الانسان بطبيعة العلاقة مع الله وليس مع العالم (لان العالم نسبي) يبدأ الانسان بالانشغال بسعاد ته الابدية او خلاصه.

ولهذا فالانسان المؤمن هو الذي يكون علاقة مطلقة مع الله وفي نفس الوقت يكون علاقة نسبية مع المخلوقات، والعالم. ومن خلال الاتجاه المطلق نحو آت المطلق، تحاول الذات ان تمتلك وعيها وان تصبح ذاتا حقة. ولهذا فان الذات هنا تمتلك قدرة التمايز بين الواجب الاخلاقي والواجب نحو الله. فالانسان المؤمن هنا يعتقد بأن الامر الاخلاقي الحياتي لابد ان يؤجل (لان الاخلاق هي بضاعة بشرية) بسبب علاقة مطلقة او غاية مطلقة هي العلاقة بالله.

لكن المهمة الاساسية (مرة اخري) هي ان تنزاح الاخلاق نفسها عن مركز الصدارة نهائيا لتصبح نسبية وتحل محلها غاية أعلى هي غاية مطلقة بمعنى ما يريده الله من الذات.

ويمثل هذه المهمة لدى كيركغارد ما يسميه "فارس الاستسلام" الذي يطلقه على النبي ابراهيم عندما طلب منه التضحية بابنه. ان استعداد الانسان المؤمن في ان يسمع فقط صوت الله وينفذ اوامره بدون نقاش هو اذعان كامل يعلن الانسان فيه استسلامه واعتماده الكامل على الله بحيث يتخلى نهائيا عن اشياء العالم. وهنا يعترف الانسان بانه لا يستمد وجوده من ذاته الخاصة او العالم وانما يستمده من الله.

لكن الاستسلام اللانهائي لاوامر الله هو المرحلة الاخيرة من الايمان وليس الايمان ذاته، لذلك يحتاج الانسان الى خطوة أخرى حتى يتحول (فارس الاستسلام) الى (فارس الايمان)، وهذا يقوم بالهجر الكامل للعالم والاتجاه الى الله. اي اتجاه الذات نحو خلاصها – بمعنى انها تتحول الى ذات لاهوتية. وهذا يعني ان الذات تتجه الى تكاملها وتفردها. ولا يتم هذا إلا في الديانة المسيحية كما يفترض كيركغارد.(4)

إن العوامل الانطلوجية لتكوين الذات ترتبط ارتباطا جب ليا فيما بينها، فاذا حدث اي اضطراب في هذه العلاقة، او اذا رفضت الذات علاقتها بالمطلق وعدم قدرتها على وعي هذه العلاقة فانها ستعيش حالة من الشيزوفرينيا وتقع في امراض روحية مثل اليأس والقلق. اذن ما هو مفهوم كيركغارد لهذين المرضين حسب ما ورد في كتاب د. امام عبد الفتاح امام.

ان اليأس مرض روحي شامل، اي انه يصيب البشر جميعا، وهو "اعدل قسمة بين الناس" وبالرغم من ان اليأس يميز الانسان عن الحيوان، الا انه هلاك ابدي، انه موت في الحياة.

واليأس هنا لا يأتي من مصدر خارجي كما هو مفهوم عادة. وانما يعني ان الانسان يقع في اليأس لانه ييأس من اصلاح ذاته، بإنقاذها من تلوثها الواقعي والارتقاء بها الى السمو.. الى الغاية المطلقة. انه ييأس من هذه الذات التي تصبح عبئا عليه، يود القضاء عليها لانها ليست الذات الواعية بعلاقتها بالمطلق.

واليأس ظاهرة موجودة لدى البشر سواء كان الانسان على وعي به  أم لا. لان الانسان في حالة اللاوعي باليأس لا يستطيع ان يشعر بنفسه (كروح) اي ذات واعية. وان الذي ينقذنا من اليأس هو اليأس ذاته الذي يكون انكارا مطلقا للذات المتنافية. واننا لكي نختار الابدي لابد ان نيأس من ذواتنا غير الواعية.

وقد ينغلق الانسان على ذاته كما هي (اي الذات المتنافية) وبهذا فإنه يختار ان يكون يائسا كليا وهنا يصبح اليأس ضد الله.

والامر الحاسم في علاج اليأس هو الايمان، اي بمقدار ما يكون الانسان غير واع بالله فانه لا يعي ذاته الفعلية.

ان اليأس بمعناه الدفين هو رفض الانسان ان يكون ذاتا أصيلة، اي انه يرفض القيام بمحاولات شاقة نحو استرداد ذاته من جديد، وهذا الرفض في الا يكون ذاتا حقة هو الخطيئة التي تخلق عدم التوازن والاضطراب، واليأس في جوهره بالضبط هو القيام بهذا الرفض، انه محاولة الانتحار الروحي، انه الشيزوفرينيا الابدية.

اذا كان اليأس يرتبط بالفشل في قدرة الذات الحقيقية على رفضها تكوين علاقة مع المطلق، فان القلق يسبق الخطيئة ويرتبط بالحرية.

إن القلق ينشأ نتيجة لتعرف الذات على حريتها في تحقيق قدراتها التي يمكن ان تتحقق من خلال حرية الذات وهي تتخذ القرارات. فكلما تعمق الانسان في ادراك حياته رأى وجوده وهما وآمن بان حياته بلا معنى، ولا يمكن ان يصل الانسان الى التعمق بذاته الا من خلال القلق الذي يسبب له دوارا.

اذن القلق مرتبط بالروح التي تعني الذات او الحرية، فاذا ما قل وجود الروح قل وجود القلق. والحرية تتضمن في الكثير من الاحيان حالة من التمرد، لان الحرية هي القدرة على الاختيار، فاذا كنت حرا في الاختيار، فهذا يعني ان في قدرتي اختيار الشر ايضا. اذن هناك ارتباط بين القلق والحرية او بين القلق والاختيار.

ان القلق كالدوار لان القلق هو حرية يكتشف فيها الانسان عمق الهوة الشاسعة امامه فيعتريه شيء من الدوار، تماما كما يصاب الانسان بالاغماء اذا نظر الى هوة سحيقة فيسقط فيها بعد ان يفقد توازنه كذلك يقع الانسان بالخطيئة بسبب دوار الحرية. لكن الانسان عندما يأثم لا يتخلص من القلق بل يتضاعف لان الخطيئة لا تتوقف بل تتكرر باستمرار ويزداد القلق مع تكرارها.

إن علاج القلق هو القلق ذاته، كما ان اليأس هو علاج اليأس، ان القلق في الذات يولد ذلك الشعور الجديد، اي ذلك القلق الجديد، قلق يطهر الجو، ولن نستطيع ان نتخلص من القلق اللامتناهي الا بإيمان لا متناه. واذا كان القلق هو الذي قادنا للخطيئة وجعلنا مذنبين فهو نفسا الذي سيقودنا الى الايمان ويعيد الينا البراءة، ولهذا فان كير كفارد يفترض ان المقابل للخطيئة ليس هو الفضيلة وانما هو الايمان.

وهذا معناه ايمان الانسان بالتجسيد Incarnation اي بالمسيح، اذن الايمان المسيحي هو الغاية من الوجود كما يفترض كيركغارد.

ان الذات امتلكت القدرة على ان تحقق وجودها من خلال حرية اتخاذ القرار، لكن هذه الحرية قد ضاعت من خلال ضياع الذات بوقوعها في الخطيئة (سواء كانت الخطيئة الابدية، الموروثة -خطيئة سيدنا أدم.. او خطيئة الذات في الابتعاد اراديا وبشكل واع عن الله) وضاع معها امكانية خلاصها. وعندما يتاح هذا الخلاص من جديد، فإن الذات تعود اليها حريتها مرة أخرى وتستطيع ان تختار خلاصها. اذن هنالك فرصة لغفران الخطايا والخلاص، اي هنالك فرصة ان تكون الذات ذاتا جديدة عندما تختار الله، وهذا يعني ان يصبح الانسان مؤمنا بشكل كامل اي ان يصبح ذاتا تستمد وجودها الكلي من المطلق.

ان الدكتور امام عبد الفتاح امام من خلال دراسته ومعرفته الدقيقة بفلسفة كيركغارد يورد بعض لملاحظات اهمها:

1-  ان التحقق الكامل للذات البشرية هي الهدف النهائي لفلسفة كيركغارد، لكن هذا الفرد الذي يدافع عنه لابد ان يكون معزولا من المجتمع لانه الفرد المتميز الأوحد، المستثنى، الخارق، لا الانسان العادي متوسط القدرات.

2- ان الهدف النهائي للتطور الجدلي للذات هو بلوغ الذات المؤمنة التي تصل الى سعادتها من خلال المسيحية، ان هذا يعني ان كيركغارد قد تحول الى واعظ ديني مسيحي وليس فيلسوفا، في حين ان مهمته كانت وضع نظرية شاملة للانسان بغض النظر عن >يا نته وهذا هو الذي دفع كاو فمان أن يؤكد "اذا كان كيركفار يصر على انه ليس فيلسوفا، فلماذا نصر نحن انه كذلك".

لقد تساءل الفيلسوف الفرنسي ريجيس جوليفيه (هل كيركغارد هو المسيحي ام ان المسيحية هي الكيركغاردية ؟).

اذن ان كيركغارد يدعونا ان نعيش الحياة بتوتر وخوف مستمرين من اجل الحصول على السعادة الازلية التي تحقق الذات المتكاملة من خلال ارتباطها بالله، فالوجود معناه ان نعاني اليأس والقلق، لذا فانه يدعو الى وجودية مسيحية. لكن وكما يؤكد د. امام عبد الفتاح امام بان كيركغارد استطاع ان يخلق فلسفة وجودية جديدة فتحت الباب امام فلسفات أخرى تأثرت بها، وانه انطلق من الذات البشرية ودرس مكوناتها الانطلوجية وتطورها وامراضها الروحية بحيث تعتبر دراسة متفردة وعميقة لليأس والقلق. منحت أفاقا جديدة امام علم النفس والعلوم الاخرى.

ان الدكتور امام عبد الفتاح امام في دراسته لفلسفة كيركغارد استطاع ان يلج العالم الفكري المعقد للفيلسوف الدانماركي من خلال بصيرته الثاقبة وفهمه الشمولي لمكانة فلسفة كيركغارد ضمن تاريخ الفلسفة العام وأهميتها لعصرنا الآن، ويستطيع القارىء عند الرجوع الى هذه الدراسة القيمة ان يتمثل التحليل الفلسفي الدقيق لفكر كيركغارد، احد أهم العقول الفلسفية في تاريخ الفكر العالمي.

الهوامش

* د. امام عبد الفتاح امام – كيركجور- فلسفته ج 2.

1- سورن كيركجور – رائد الوجودية حياته وأعماله. الجزء الاول – دار التنوير- بيروت 1983، اما الكتاب الثاني فقد نشر عن دار الثقافة للنشر والتوزيع – القاهرة 1986.

2- انطلوجيا الذات لدى كيركغارد تتكون من:

1- الذات مركب من المتناهي واللامتناهي = (العيني).

2- الذات مركب من النفس والجسد = (الروح).

3- الذات مركب من الواقع والمثال = (الوعي).

4- الذات مركب من الضرورة والامكان = (الحرية).

5- الذات مركب من الزماني والازلي = (الزمانية).

3- يتحدث الدكتور امام في الفصل الاول من كتابه عن مفهوم التهكم عند كيركغارد باسهاب وبشكل ممتع، ويعتبره موضوعا يعرض لاول مرة في المكتبة العربية. والتهكم هو رسالة ماجستير تقدم بها كيركغارد الى جامعة كوبنهاجن تحت عنوان (مفهوم التهكم مع اشارة مستمرة الى سقراط).

4- يشير د. امام عبد الفتاح امام في حاشية مهمة حول العلاقة بين مراحل الوجود الثلاث لدى كيركغارد وتشابهها مع القرآن الكريم، حيث تكون الذات -او الروح – في البداية ضائعة او مغمورة داخل شهوات الحس، والروح التي تستيقظ في – عالم الاخلاق، ثم تجد نفسها في الدين، هذه المراحل موجودة ايضا في القران الذي يحدثنا عن (النفس الامارة) الغارقة بالشهوات والحس ثم (النفس اللوامة) التي يستيقظ فيها الضمير وتبرز المثل العليا ياتي فيها «اللوم» على ما ترتكبه من اخطاء. واخيرا (النفس المطمئنة) التي هي أعلى الوان الذات وهي لا تكون كذلك الا من حيث وعيها وارتباطها بالله. ويؤكد د. امام بان هذا التشابه مثير ويستحق دراسة فلسفية متأنية.

انظر د. امام عبد الفتاح امام كيركجور – رائد الوجودية -الجزء الثاني – دار الثقافة للنشر والتوزيع -القاهرة صفحة 294.
 
 
فاضل سوداني (مسرحي واستاذ جامعي عراقي يقيم في الدانمارك)

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …