أخبار عاجلة

شُقَّة بندر عبدالحميد

الشقة واقفةٌ
تنبِض في قلب الشامِ
وذاك الباب المفتوح ذراعانِ
طريقٌ نحو حدودٍ لا نعرف آخرَها
وموائدُ من أوهامِ المنبوذينَ
وروَّاد الكلماتِ
وباعةِ أصنافِ المنفى
الشقة تغفو حيناً
قد تُغْلَقُ أحياناً
لكنَّ أياديَنا تتلمَّسَ قبضةَ ذاك البابِ
الممدودةَ مثلَ النجمةِ في العتمةِ
كي نُلقيَ فيها بعضَ الأحلام المسحوقةِ خوفا
“بندرُ” في الغالب يُخفي ما لا يَخْفى
دمعةَ صُعْلوكٍ تركَ الأهلَ
وألقته الجَمَّالةُ في القفرِ مع الكلماتِ
يشكِّل صوَراً في وحدتهِ
يكتب قصةَ رجل يروي سيرة أهلينَ
ذئابٍ..وضِباعٍ.. وطيورِ فَلاةٍ..
وبقايا ناس رحلوا..
وطلولٍ لم تتركْ إلا كلماتٍ تتشظَّى
في إيقاع حُداء دامٍ
“بندرُ” يرثي بقصيدة نثر أطلالَ بلادٍ رحلتْ
جمَّالتُها ذابوا في الظلمةِ
وانسابوا صوب أقاصي الدنيا
باعوا تمراً وأفاويهَ وأغراضاً شتى
واختاروا أن يُبْقُوه يُعتِّب في الصحراءِ
.. ويبكي
ويقاسِم ذئباً ما في صُرَّته
ويناشد هذا العَسَّالَ الجائعَ والأغبرَ
ألَّا يغدرَ
أنْ يعرفَ نُبْلَ المقطوعينَ
كلانا يا ذئبُ غريبٌ!
في صحراءٍ موحشة لا قلبَ لها
لا قطرةَ ماءْ
يا ذئبُ رفيقا رَحْلٍ نحن الآنَ!
القصة لا تتوقَّف في حَيْرتها
الليلُ يُخيِّم فوق “العابدِ”**
والكأس تدورُ
تَخُبُّ قوافلُ أهلي فارغةً حولي
في هذي البَيْداءْ

الشقة تجمَدُ كالتمثالْ
تخْبو شمعتُها
ودمشقُ انتبذتْ زاويةً
وكؤوسُ الليل المُرَّةُ ترجُفُ
والعابدُ والمَعْبود التقيا
في زمن خطأٍ
والصَّحْب افترقوا
والذئبُ يجوسُ
وغربانٌ تتقافزُ بين الأحجارِ
و”بندرُ” يبكي بقصيدة نثرٍ
هذي الأطلالْ
…..
هذي الشقةُ نَصَلتْ ألوانُ حوائطِها
وتشقَّقَتِ الجدرانُ
ولكنْ تتذكرُ في فرحٍ
أنْ مرَّ بها أقوامٌ شتى
ما ضاقتْ يوماً
يدخلها الأخلاطُ
الشعراءُ
الفنانونَ
ضيوفُ الصُّدْفةِ
قَرَويُّون انقطعوا
أشباهٌ
جَوعى
وطُفيليونَ
نساءٌ
أشباهُ نساء ورجالٍ
والشقَّة ما ضاقت يوماً
كنا نسألُ:
من أين يجيء الخبزُ إليها
وكؤوسُ الندماءْ؟
لكنْ “بندرُ” لا يتأخَّر عن فتح الصُّرَّةِ
ويقدُّ الزادَ لنا
-حتى للذئب الجائعِ-
“لا تغدُرْ يا ذئبُ!”
يعتِّبُها حين تميلُ الكأسُ
ويعوي الليلُ كذئبٍ
هذي الشقة فيها شيءٌ مسحورٌ
هذي المَمْسوسةُ!
حاضرةٌ لمرايا الجنيَّاتِ
اللائي يأتين بكل نجوم الليل على طَبَقٍ
ويَطْفْنَ بها كالحُورِ
يُقَدِّسْنَ الكلماتِ
ويغْسلنَ الهمَّ عن القلبِ
ولا يتركْنَ عليه سوى قطراتِ الماءْ


العابد والمعبود التقيَا
في زمنٍ خطأٍ يتبدَّد كالرملِ
خرجْنا.. كلٌّ منا في شانٍ
في قلب دمشقَ المُطفَأِ
غِبْنا في العتمةِ
وتفرَّقْنا في الصحراءْ.

** العابد: الشارع الذي تقع فيه شقة بندر في دمشق.


بيان الصفدي *

شاهد أيضاً

شرفة المكان

طالب المعمري (على سبيل الوداع) يذبل نهارك و يموت على شرفة المكان جمرة شمس في …