صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

صادق هدايات : أوجاع الخيبة الوجودية

كتب ستيفان زفايغ أنّ قسوة الوجود جعلت من دوستويفسكي بطلا قاوم سلسلة طويلة من المصائب والهزائم التي عصفت بحياته و صبغت الفكرة القائدة لإبداعه الروائي ولفلسفته(1) التي اعتبرها نيتشه أولى المدارس التي نهل منها. دوستويفسكي الذي هزمته الحياة لم يستسلم عقائديا ووجوديا، بل مارس كلّ أساليب المقاومة المتاحة للمهزومين والضعفاء وذلك إلى حدّ آخر رمق على عكس ما ذهب إليه كافكا برغبته السلبية في الاستقالة من شؤون الوجود أو صادق هدايات الذي إختار – في نهاية الأمر – الانسلاخ عن الدنيا انتحارا.
كان هدايات ارستقراطي الأصول في مجتمع متحوّل من التقليدية إلى التحديث القسري كما أنه كان عصري التكوين الثقافي في مجتمع محافظ في مجمل بناه الذهنية : تلك هي العناصر الأولى التي حدّدت تشكيل مسار صادق هدايات (1903 – 1951) الاجتماعي والفكري الذي لم يكن سوى مسار صراع ضمن سياق أزمة وجودية إنتهت بانتصار العدم واختيار الانتحار. وإن كان أدب فرانز كافكا قريبا في حمولته الفكرية والنفسية من كتابة هدايات، فقد كانت تجربة فرناندو بيسوا الحياتية شبيهة في بعض تصدّعاتها ومآزقها ومآلاتها لتلك التي عرفها الكاتب الإيراني الذي لخص قتامة حياته يوما بكونه «ليس من هنا ولا من مكان آخر، مطرودا من هنا وغير مرغوب فيه هناك …» وهو وعي تراجيدي أفرز «إبداعا استحواذيا» عبّر عنه «وضوح دلالي» دقيق حسب عبارة الناقد الإيراني يوسف ايشاغبور(2).
كان «الإبداع الاستحواذي» الذي صبغ كتابة هدايات تجسيدا لعجزه على التأقلم مع حداثة زاحفة على مجتمع هش ومتجذر» في «فوضى البنى التقليدية» كما تمثلها صاحب «البومة العمياء» والتي اعتبرها إيذانا بنهاية الكتابة الشعريّة الفضفاضة التي كانت حسب تقييمه النقدي للأدب الشرقي الصيغة المهيمنة على الإبداع في المجتمعات التقليدية. لذلك لم يكتب هدايات شعرا بل اكتفى بتأليف قصص عن ذكريات الطفولة وعن الحب والجنس والزواج والموت حسب كلامه مستلهما مضامين وصيغ الكتابة لدى النمساوي ارتور شنيتزار والتشيكي فرانز كافكا والروسي أنطون تشيخوف الذين إكتشفهم أثناء إقامته الأولى في فرنسا فيما بين 1926 و1930 وحاول التعريف بهم في بلاده.
وقد ذهب صادق هدايات إلى اعتبار أن الحداثة في المجال الأدبي تستوجب التخلص من الشعر ومن استلهام الموروث الديني الذي يهيمن عليه مشيرا إلى أنّ عمر الخيام هو الشاعر الوحيد الذي لم يجسّد الصورة النمطية التقليديّة للشاعر الشرقي القديم. كما أنّ آراء هدايات الدينية والتاريخية جعلت منه نصيرا للنزعة الفكرية (شبه العنصرية) المتمحورة حول مقوّمات الذات الفارسية خلال مرحلة ما قبل الإسلام … كل تلك المواقف والتحاليل النقدية جعلت من هدايات كائنا معزولا في مجتمعه، وفي الوسط الثقافي الإيراني على اختلاف اتجاهاته الدينية منها والفلسفية(3) حيث وجّهت إليه تهم الالحاد، والإنحراف الجنسي، واستهلاك الأفيون، والتشاؤم الارستقراطي والفردانية الرجعية … ولكنّ هدايات اكتفى بالردّ على كلّ ذلك بجملة حزينة مفادها أنه ينتمي إلى صنف من الناس يشرع في الاحتضار مع بلوغ سنّ العشرين(4).
رغم عمق الوعي لدى هدايات بحالة التناقض التي كان يحياها مع مجتمعه وثقافته فهو اختار أسلوب عدم الصدام معه وسلم بهزيمته دون خوض أي نوع من المقاومة ولم يعر أيّ اهتمام لمسألة الانخراط في الحراك الاجتماعي والسياسي في أفق تغيير المجتمع أو التأثير على من يسوسه، بل أنه حصر جهده في كتابة ذات جمالية خاصة به، واختار القبول بحياة المهمشين الخاضعين والمنفصمين عن حقائق الأغلبية ومعتقداتها.
لم يعتبر هدايات أن هامشيته الاجتماعية والثقافية بالنسبة للمجتمع تشكل انشقاقا عنه، بل أنه تمثل سلوكه ووعيه امتدادا طبيعيا لمنطق الحياة فيه وتناغما مع مقتضياته، كما أنه ذهب إلى اعتبار موقعه وهمومه نتاجا أصيلا ووفيا لمجتمع في طور السقوط في الاستيلاب الجمعي والانشطار. وعلى أساس ذلك اعتقد صادق هدايات أن أدبه واقعي المضمون ويعكس معطيات الواقع الموضوعي الإيراني (أو الشرقي) بوفاء فنـّي خالص. وبطبيعة الحال لا يمكن حشر منهج كتابة هدايات ضمن المفهوم الغربي (التقليدي) للكتابة الواقعية والذي يعتمد سلطة مطلقة للكاتب على عمله الإبداعي ومشابهة لسلطة الرب على الحياة والواقع (حسب عبارة غوستاف فلوبير) أي سلطة مهيمنة على كل الجوانب والتفاصيل في العملية الإبداعية وان كانت غير مبصرة بالعين المجردة. إن مفهوم الكتابة عند هدايات يتجذر في ثقافة «شرقية» لا تقطع مع الواقع من ناحية وتعتبر أن أروع الإبداعات الفنية (شعرا أو نثرا) هي أكذبها من ناحية أخرى. لذلك ينساق هدايات في سياق «كذب الأدب» مطلقا عنان كوابيسه وهواجسه لتكون جزءا من الواقع وتعبيرا عنه في ذات الحين. وقد كانت كتابة صادق هدايات في مستوى أسلوبها مزيجا بين ما كان أسلوب الواقعية التقليدية كما جسدها – على سبيل المثال – غي دوموباسان (1850-1893) في مؤلفاته القصصية والروائية، عبر معاينته الواقع بدقة متناهية وموضوعية، ومتابعة الشخصيات في خضم أدوارهم ومواقعهم دون الاعتناء بمشاعرهم أو انطباعاتهم، هذا من ناحية أولى أما من الناحية الثانية فقد كتب هدايات وفق صيغة كتابية واقعية مغايرة جسدها – على سبيل المثال – ستاندال (1783-1842) الذي أمعن في سياق بحثه على وسيلة رسم صورة كاملة للواقع الذي تصوغه سردية الرواية، في تحليل دقيق للمشاعر والحالات النفسية التي تطغى على الشخصيات، وذلك على أساس التقابل بين جزئيات العالم الخارجي وبين العالم النفساني لدى تلك الشخصيات.
وإن كتب هدايات عددا كبيرا من القصص القصيرة مثل غي دو موباسان (على عكس ستاندال …) فهو بقي وفيا للمنهج الذي اختاره والذي مزج فيه بين ميل للابتعاد عن خبايا صدور بعض شخصياته في سياق تفاعلهم مع واقع يقهرهم ويسحب منهم كل إمكانية للتغيير أو الهناء وبين ميل ثان يغوص وفقه في أعماق بعض شخصياته الأخرى ليجعل منها ترجمان لأزمة مجتمعية وفردية تفوق في ثقلها ما يمكن للفرد أن يتحمل … لذلك كان استهلاك الأفيون مسكـّنا للأوجاع الناجمة عن تلك الأزمة، وكانت العبثية تفسيرا لمسارها الذي يجعل من الانتحار حلا لتناقضاتها المرعبة. تلك هي الحالة النفسية التي تبوح بها مختلف قصص هدايات وهي تعبر عن المشاكل التي كانت تتلاحق بالحاح خلال المرحلة الإبداعية التي عرفها الكاتب (هدايات …) والتي نعثر عليها في مختلف جوانب انتاجه خاصة فيما بين 1929 و1951 (سنة انتحاره …). وقد تقودنا قراءة انتاج هدايات، خلال المرحلة الوجيزة التي تعاطى خلالها الكتابة إلى الوقوف عند جهوده الرامية إلى التعبير دوما عن الانطباع المتكرّر، وتصوير صادق للعالمين الخارجي والحميمي (للشخصيات) وللعوامل الموضوعية والذاتية بتدقيق يفوق العادة فيما يخص هذه الأخيرة (…). حيث أن في أعماله لا تضعف الوظيفة التواصلية أمام الوظيفة الجمالية، بل أنهما في توازن دائم … كما بيّن كتب ذلك ف. كوبيكوفا(5) في دراسة له لأدب صاحب «البومة العمياء».
هدايات والتوجس من الحداثة
في أدب صادق هدايات صدى لما كانت عليه حال إيران منذ منتصف السنوات العشرين (إقرار البرلمان بشرعيّة اعتلاء رضا خان العرش الإيراني في ديسمبر 1925) والسياسة التي هيمنت على البلاد والمختزلة لمشاعر قومية عميقة تاقت إلى تحديث وعلمنة المجتمع بسرعة خاطفة قصد اللحاق بالأمم المتقدمة في الغرب. وقد استعادت المشاعر القومية الفارسية منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تراث مجد بلاد فارس قبل الفتح الإسلامي في القرن السابع واستوعبته في تصوراتها العامة لتاريخ بلادها حيث تأسس على قاعدة ذلك التمشي الفكري نوع من المناهضة النقدية ازاء العرب ودورهم (السلبي) في التاريخ الإيراني الذي أنهى قسريا عصر عظمة بلاد فارس في مرحلة ما قبل الإسلام، وطمس ثقافتها الأصلية. ولما كانت حالة العرب وبلادهم في تدهور منذ عدّة قرون كان فيها الغرب يصنع طريقه إلى ازدهار اقتصادي وتقدّم حضاري شامل وأكيد فإنّ قطاعا واسعا من النخبة الإيرانية المتأثرة بالنزعة القومية الفارسية وبالثقافة الغربية إعتبر أنّ سبب إنهيار بلادهم هو الإسلام العربي وإختار ذلك الفصيل من النخبة الإيرانية نموذجا لتقدّمها المأمول في نمط تطوّر الغرب. ولم يكن ذلك القطاع من النخبة الإيرانية المتأثرة بالثقافة الغربية وبمناهجها الفكرية يجد أيّ ضرر في العلمنة والتحديث كنمط حضاري منشود بالنسبة لإيران خاصّة وأن ذلك التغيير قد يحمل الانتلجنسيا إلى السلطة ويجعلها القوّة القائدة في المجال الثقافي، بدل رجال الدين وأنصارهم الذين كانوا في تناقض شبه مطلق مع المثقفين المناصرين لحضارة الغرب(6).
انخرطت إيران منذ منتصف العشرينات في سياسة تحديث وعلمنة دون أن تنخرط في بناء ديمقراطي للمجتمع ودون إصلاح بناه ومؤسساته الإيديولوجية وفق ذات المبدأ المؤسّس على المشاركة والديمقراطية. وإن كان المشروع السياسي لرضا شاه مستندا إلى الإيديولوجية السائدة لدى الانتلجنسيا الإيرانية فقد تمّ إقصاء المثقفين من مجال القرار السياسي على الرغم من موقفهم الإيجابي من برنامج الشاه التحديثي الذي اتبع منهجا تحديثيا قسريا ودون مشاركة للمجتمع المدني في إنجازه(7).
وقد استنتجت دورو تياكرافولسكي من الملاحظات السابقة أن عالم المثقفين التحديثيين الإيرانيين قد ضاق بهم وعليهم من جراء تهميش دورهم في المجتمع والدولة، تحت حكم رضا شاه. كذلك تصاعدت صرخات المثقفين الإيرانيين مطالبة بالحق في المشاركة لكن تلك الأصوات كتمت وخنقت. وهكذا فإن الأسطورة التي أنعشها المثقفون بخصوص ضخامة الإمبراطورية الإيرانية وقوة دولتها في عصور ما قبل الإسلام، وما ارتبط بها من أحاسيس قومية، كل ذلك جرى استغلاله ضدهم(8). وقد انتمى صادق هدايات إلى تلك النخبة التي برزت في مرحلة رضا شاه، وهو كان يشاركها نظرتها الإيديولوجية خصوصا بعد دراسته للتاريخ الإيراني السابق للإسلام خلال إقامته في باريس وقبل عودته إلى بلاده (1930) وصدمته بالواقع القاسي الذي كانت تعيشه إيران آنذاك. لذلك كان أدب هدايات رغم عدم تناوله المسائل السياسية بشكل مباشر، أدب إحتجاج على إنسداد الأفق بالنسبة للمجتمع بأسره وبالنسبة للأفراد. وإن كان هدايات متناغما مع مكونات الإيديولوجية العامّة التي قادت تجربة التحديث الإيراني منذ سنة 1925 والتي قامت على العصرنة وإحياء القومية الفارسية وما رافق ذلك من تقليص لدور الثقافة الاجتماعية والدينية التقليدية ومن إنفتاح على إنجازات وثقافات الغرب، فهو لم يكن منسجما مع نوعية ومضامين وصيغ التحديث المشار إليه وإفرازاته الاجتماعية والثقافية أي انه كان «مع» و«ضدّ» في آن واحد متأرجحا بين موقفين متناقضين لا يمكن لأي منهما أن يجسّد رؤيته وأحلامه. كان هدايات مع تغيير المجتمع على طريق التقدّم ولكنه لم يكن مرتاحا للوجهة التي اتبعها ذلك التغيير وللنتائج التي جاء بها ذلك التقدّم. كان حلمه بعيدا عن الواقع التي بدأ في التشكل أمام عينيه، ولم يكن من بدّ له إلا أن يتمسّك بحلمه وأن يرفض الواقع الجديد في آن واحد خصوصا وأن ذلك الواقع لم يكن سوى صورة أبشع مما كان عليه الوضع قبل بداية التغيير المعلن. ولم يعثر هدايات على حلّ لتناقضاته التي كانت من صميم تناقضات الحقيقة الموضوعيّة المرّة إلا بالهروب منها وعبر الأفيون كما تصوّر لنا ذلك روايته القاتمة والقاسية «البومة العمياء».
وما من شك أن هدايات كان نصيرا للحداثة والتقدّم على النمط الغربي (الأوروبي) الذي اكتشفه خلال إقامته في فرنسا وترحاله في أوروبا بالرغم من أنه لم يصرّح بذلك علنا وتنظيرا. لكنه اقتنع سريعا بعد عودته إلى بلاده (1930) أن هذه الأخيرة لم تتبع الطريق المؤدّي إلى إنجازات الغرب الحضارية بالرغم من أنها انخرطت في مسار تحطيم لبنى وثقافة المرحلة التقليدية من تاريخها.
وقد أرعب التحديث (في إيران) وآثاره النفسية والثقافية والاجتماعية صادق هدايات وولـّد لديه شعورا مضطربا ازاء واقع «احتكاك التاريخ بالتاريخ» حسب عبارة عبد الرحمان الجبرتي إبان تأريخه لآثار غزو نابليون بونابرت لمصر (1798). وقد استأنس هدايات بقراءة أدب فرانز كافكا الذي أعجب به وكتب عنه دراسة نقدية تؤكد نزعة التماهي لديه مع هواجس الكاتب التشيكي وكوابيسه العبثية. ويمكن لقراء هدايات المعاصرين أن يقاربوا أدبه بأدب الكتاب الرمزيين والانحطاطيين الأوروبيين الذين نسجوا عالما خاصّا بهم رفضوا من خلاله مآلات الحداثة ومصائر الإنسان الذي صنعته المجتمعات الرأسمالية في أوروبا والذين اعتبروا أنّ نتائجها كانت سلبية بشكل مطلق لأنها ضحت بإنسانية الإنسان في سياق بناء فردانيته. ولا يمكن تحليل أدب هدايات من وجهة التحليل النفسي كما ذهب إلى ذلك الناقد الإيراني جلال آل أحمد لأن تلك المقاربة تقود التحليل الأدبي إلى مآزق حيث أننا نخلص على أساسها إلى اعتبار أن الكاتب (هدايات) وإن توخى المنهج الواقعي في كتابته السردية (القصصية والروائية) فهو لم يهتمّ إلا بشخصيات هامشية ومضطربة نفسانيا تتخبط في بؤس مطلق من جراء صعوبات حيواتها، أو إلى اعتبار أن الكاتب – نفسه – لم يكن سوى مبدع يحمل إعاقة نفسية وإختلالا روحانيا يقودانه إلى أن يفهم حياة المجتمع والأفراد وفق كوابيسه وهواجسه السوداوية مما يجعله – في كلتا الحالتين – ينتج أدبا تشاؤميا لا يعرف إلى النور والأمل طريقا ولا يقود إلا إلى الفناء أو الانتحار (مثلما فعل ذلك هدايات سنة 1951 في باريس) ….
لقد كتب صادق هدايات برمزية شاملة وهو لم يتناول مواضيعه وفق نظرة واقعية تقريرية بل أنه توخى أسلوب الإيحاء والإشارة غير المباشرة والترميز المكثف حيث تصبح الحقيقة التي رسمها غير واقعية في تعبيراتها وفي صيغ تجسيدها، لكنها عميقة التجذر في معطيات الحياة الجارية، وقد ربط هدايات بين المستويين المتناقضين للواقع بالهروب من أحدهما إلى الآخر عبر الحلم وعبر الانشقاق. لم يكتب هدايات عن الغرب ولم يحدّد مفاهيمه الخاصّة بالحداثة أو بطبيعة مضامين التحديث الذي كان يتوق إليه في بلاده. وبعدما عاد هدايات من أوروبا (1930) واصطدم بواقع الشرق الثقيل والذي تبيّن له أنه يصعب أن يتحوّل إلى عالم نهضة على النمط الحضاري الغربي استخلص بشكل فجائعي أن طريق المستقبل سوف يبقى مسدودا، خصوصا وأن غياب الحرية وانعدام إمكانيات المشاركة في الحياة العامة عمقت لديه وعي الشقاء ونمى لديه شقاء الوعي بعدمية الوجود حيث أن التعاسة والفشل كان يلازمان في نظره استحالة الحديث عنهما أو الدّعوة إلى تجاوزهما.
أدب هدايات هو أدب إيحاء بتعاسة المثقف وبانكسار المجتمع، وهو إيحاء صامت وخافت لأنه اختزال لهزيمة جيل من النخبة التي حلمت بالتقدّم والتحرّر فلاقت التحديث القسري والنمط الاستبدادي للحكم، فاختارت الاستقالة أو الابتعاد (ذهب هدايات إلى الهند حيث أقام وحرّر روايته اليتيمة «البومة العمياء» (1936) ولم يصدر منها في طبعتها الأولى سوى بعض عشرات النسخ لأنه لم يعد يؤمن بفائدة النشر أو الكتابة ولم يكن يؤمن بقدرة المجتمع على التفاعل مع أدب يشهر بجوانبه المظلمة …
في رواية «البومة العمياء»(9) يقرر الراوي أن يكتب لظله الذي يرسم على الحائط الذي يراه من نافذته ويأكل كل حرف يكتبه الراوي الذي يقبل بذلك بغية أن يتعرف كل منهما (الراوي والظل) على بعضهما البعض. في الفصل الأوّل الذي تجرى وقائعه في عالم الأحلام المثالي يعيش الراوي الهارب من طهران غارقا في عالم وهمي ناجم عن استهلاك الأفيون في مكان أسطوري لم يبق منه سوى آثار (مدينة الري : العاصمة القديمة لإيران … ذات المجد المندثر !!). ولا يصنع بطل الرواية في بيته المعزول والفارغ من الأثاث (بخلاف كرسي وسرير وأدوات رسم …) سوى الرسم على المقالم التي يسلمها قصد بيعها إلى أحد أعمامه الذي يشبه في ملامحه الشاعر عمر الخيام الذي كان بمثابة أب روحي لهدايات… ومن نافذته يرى البطل ما رسم على المقلمة مجسما أمامه في الواقع (الوهمي) فيحتار أين الواقع وأين الخيال : يرى المرأة الشابة والجدول والعجوز والأشجار والزهور وحينما يخرج من البيت ليتأكد من كل ذلك لا يجد أثرا لما شاهده من نافذته. كل ذلك تفعيل لرموز : مدينة الري (الجنة المفقودة). الهند (مهد العرق الآري). الرسم على المقلمة : رجل عجوز تحت شجرة سرو على ضفاف نهر تقابله على الضفة الأخرى فتاة جميلة تقدّم إليه زهرة زرقاء … (حلم الحياة الجميلة). لكن تلك الرموز تبقى مزدوجة المعنى حيث يمكن اعتبار الشيخ رمز الفناء والوهن، والنهر رمز جريان الزمن، والمقلمة تمثل الثنائية بين المثال والواقع … وتتعقد عملية تفسير تلك الرموز حينما يورد الراوي أحلامه التي يرى فيها العجوز كحفار قبور وكمستخرج للعاديات القديمة من العهود الأسطورية والمجيدة لإيران القديمة وهو يضحك ضحكة سوداوية وعالية مفزعة يتجمّد لها الدم في عروق الراوي … وتعود الأحلام التي يرى فيها الراوي نفسه متقمصا شخصية العجوز … فتنفلت الأمور من القارئ والراوي نفسه الذي يحاول أن يكشف حقيقة هويته ليتأكد من أنه هو نفسه الراوي، الظل، العجوز، حفار القبور … في ذات الحين كلهم شخص واحد يكون تارة عمر الخيام وتارة ثانية نيتشه، وتارة أخرى «البومة العمياء». بومة عمياء … لا ترى في النهار بسبب قساوة الواقع وبهتان حقائقه، وهي لا ترى في الليل … لأنها عمياء … !!
في الفصل الثاني (والأخير) يتقلب كل ما كان جميلا في الفصل الأوّل (في العالم الحلمي) إلى نقيضه في العالم الواقعي، بعد أن يقرّر الرّاوي العودة إلى مدينة طهران الحديثة حيث يكون كل شيء تافها وسطحيا، وكاذبا : تتحوّل الفتاة الجميلة في عالم الحلم إلى زوجة الراوي وهي تحيا حياة عهر وفساد تحتقر زوجها إلى حدّ أقصى وهو يموت رغبة فيها دون أن ينال ما يريد منها ودون أن يقدر على احتمال ما تقترفه مع زوارها الأنذال. وتتحوّل النافذة المطلة من بيته الوهمي على عمال الحديقة والجدول … إلى شباك عادي يفتح على مشهد جزار يمزق بسكاكينه الحادة وبلذة موجعة أعضاء وأجزاء الخرفان المذبوحة والدامية … وينهي صادق هدايات عالم الحلم بالعودة إلى العالم الواقعي، وينهي كلا من فصلي روايته بقتل الفتاة (في الفصل الأوّل) وقتل الزوجة (في الفصل الثاني). ليستخلص أن عالم الواقع هو عالم نحس وبؤس وأن عالم الحلم يعد بفردوس مفقود إلى الأبد …
لم يتأقلم صادق هدايات مع التحوّلات التي عرفها المجتمع الإيراني خلال مرحلة الربع الثاني من القرن العشرين. فهو حلم بعالم آخر. وقد اعتبر بعض الدارسين لأدبه أن أصوله الأرستقراطية وميوله إلى الفكر الشوفيني الإيراني (وحتى النازي …) هو السبب في الأزمة التي تملكت بجوارحه وبكيانه، مما جعله في اختلال دائم إزاء كل من طموحه وواقعه وفي معارضة ورفض لكل ما حوله. وقد عرف الأدب الغربي (الفرنسي) حالة شبيهة بحالة صادق هدايات وهي التي جسدها كارل هويسمان (1848-1907) وثبتها في روايته «ضدّ الجميع»10 (1884) حيث انعزل بطل الرواية (وهو آخر سليل لعائلة ارستقراطية) رافضا كل المبادئ والممارسات البورجوازية التي كان يعتبرها تجويفا للقيم العليا، فينفصل عن المجتمع وعن الناس العاديين إلى حدّ الاحتقار ليعيش في عالم مستقل وفي فردوس اصطناعي خارج مدينة باريس ليمارس هواياته الخاصة (بما في ذلك شذوذه) بشكل مطلق وحرّ دون اعتبار لواقع المجتمع وهمومه الحقيقية. لكن التجربة الانفصالية لم تنجح في توفير سعادة بطل رواية «ضدّ الجميع» بل انها زادت في تنامي نرجسيته الموروثة والمتحوّلة إلى عاهة صحية ثقيلة ينصح الأطباء من أجل الخلاص منها بالعودة إلى واقع الحياة العادية مع الناس العاديين …
رفض (دي إيسانت) بطل رواية «ضدّ الجميع» العالم الجديد الذي صنعته الحضارة الحديثة (البورجوازية) باسم القيم الأرستقراطية التقليدية والمحافظة أي أنه كان يحمل مشروعا مضادا للواقع (حتى وإن كان مشروع عودة إلى نظم وقيم سابقة) أما بطل رواية «البومة العمياء» فهو رافض للواقع الجديد الذي لم يولد بعد في إيران ولم تتشكل ملامح إيجابية أو سلبيّة له. ولم يكن بطل رواية «البومة العمياء» يحمل مشروعا بديلا لنفسه أو لبلاده حيث أنه كان يناهض القديم وحضارته وكان ممتعضا من مرحلة الانتقال للجديد الذي لم يكن يبشر بأي خير. لذلك كان بطل رواية «ضد الجميع» متجذرا في نظرته القديمة والمحافظة للعالم وللمجتمع وفي مثله وتصوّراته في حين أن بطل «البومة العمياء» كان خاوي الروح فاقدا للأمل في الماضي والحاضر والمستقبل، وكان عالمه عالم ظلام مثل ظلام الليالي الدامسة والطويلة التي يقضيها في بيته الخاوي (في عالمه الحلمي وعالمه الواقعي) والذي لا يسمع فيه سوى إيقاع مسامير أحذية رجال الشرطة الذين يجوبون المدينة (طهران) ليلا وهم يرعبون الناس وينشدون أغانيهم البذيئة : ظلام الليل والشرطة هما رمزان للنظام السياسي الطغياني الذي عرفه هدايات في بلاده فيما بين 1920 و1951. وهو الأمر الذي جعله متوجّسا من التحديث القسري الذي صاحبه.
أدب غبن العيش في نفق مظلم
يقول الراوي في رواية «البومة العمياء» مبررا سبب انجذابه إلى الفتاة التي أحبّها وقتلها : «في عينيها السوداويين وحديث الليل الأبدي والظلمة المتراكمة اللذين كنت أبحث عنهما …»، فهو كان مسكونا بالبحث عن «الليل الأبدي» وعن «الظلمة» التي يحتاجها ليحيا تجربة العذاب التي تختزل وجوده الفاقد لكل معنى أو لكل سبب إرادي فضلا على كونه إعادة لا متناهية لتجربة العذاب البدئي للإنسان …
اعتقد هدايات أن الحياة هي تجربة عذاب غير اختياري، وأن ذلك العذاب يكبل كل البشر تقريبا، أي أنه شرط بشري شامل يسحق الجميع ويشتدّ بقدر ما تكون هشاشة الإنسان عميقة مثل المرأة التي لا يمكن أن تعطي ما لم تتقبّل فتتخلى عن أبنائها لتهرب من مصيرها، أو الأطفال البؤساء والأيتام الذين يتربون تحت وطأة الاحتقار والاستغلال والكراهية(11) أو الشيوخ الذين لا يملكون قوّة بدنية تحميهم من ظلم وسوء معاملة الجميع لهم والذين لا يلقون الحنان إلا لدى حيوانات أليفة مما يدفع بداوود إلى عدم القبول بدفن كلبه الميت(12). وينجرّ عن شمولية العذاب الوجودي عجز على مقاومته وعجز على تفسير سلوك المعذبين في الأرض مثل زوجة هومايون في قصّة «الحضيض» والتي لا يمكن أن تشعر بحبّها لزوجها إلا حين تفارقه لتموت في بيت والدها متمنية رؤية زوجها الذي فارقته دون سبب …
في قصة «الأقنعة» لم يعرف كل من مانوتشو وخوجاستي طوال حياتهما الزوجية سوى الخصام والتمزق والخيانة، وهما نجحا أخيرا في التوافق ونسيان الماضي لكنهما ماتا حرقا في حادث سيارة يوم تصالحا … أما داش أشكل (بطل قصّة داش أشكل) لم يجرأ على البوح بحبه لمردان فكتم السرّ طوال سبع سنوات ولم يكتشف ذلك الأمر إلا بعد موته حيث أنه تركه وصية ليصرّح بها الببغاء الذي دربه على ذلك … كل قصص هدايات القصيرة تؤكد أن الخلاص يأتي دائما بعد فوات الأوان، وأن كل عناصر الحياة المشتركة بين الناس مستحيلة الدّوام والاستقرار، وأن السعادة وهم، لذلك انفتح هدايات خلال إقامته في الهند على الديانة البوذية، لكنه لم يستقرّ في تلك القناعة ومال إلى اعتبار أن الانتحار هو الفعل الإرادي الوحيد القادر على تغيير مجرى حياة الشقاء ممّا يجعل بطل قصّة «المدفون حيّا» يصرح أنّ «لا يختار أحد أن ينتحر. إنّ الانتحار كامن في صميم بعض الناس، هو في طبيعتهم وهم عاجزون عن الهرب منه».
لقد هيمن موضوع الانتحار على فكر هدايات وعلى سلوك أبطال قصصه القصيرة. ففي ثلاثة قصص من مجموعة «ثلاث قطرت دم» جعل هدايات من الانتحار وسيلة للبحث عن حلّ للأوضاع المسدودة التي تطغى على حياة الناس مثل : «الحبّ المستحيل» في قصة (الحضيض) والخيانة الزوجية في قصة (الأقنعة) وكذب رجال الدين في قصّة (الرجل الذي اغتال روحه …) … أمّا في مجموعة «الكلب التائه» الصادرةسنة 1943 فإن موضوع الانتحار يبرزكصيغة لهروب شاعري من قتامة المستقبل الذي تحدّده الظروف الحياتية الراهنة في المجتمع بعد أن قارب المسألة في سياق الحياة الحميمية والشخصية في مجموعة قصصية سابقة : «الغموض الواضح» الصادرة سنة 1933 والتي صوّرت بعض قصصها (مصل العقم) رغبة بعض الشخصيات إضفاء أبدية لسعادتهم عبر الانتحار (إنتحار شابين عشيقين متعانقين كإعلان عن حبّهما لكل الناس …).
تمثل هدايات الانتحار هروبا من تناقضات الواقع وبؤسه، كما تمثله كفعل إرادي ينهي الشقاء ويوجز البقاء الطويل في هذا العالم والذي يفوق قدرة البشر على احتماله، وهو في ذلك المنزع يتلاقى مع بعض آراء فرانز كافكا، لكن هدايات كان أصدق من كافكا في مشاعره وقناعاته حيث أنه لم يقبل أن يحيا مثل لباب معصور – حسب وصف كافكا – ولم يطلب من الطبيب أن يكف على علاجه حتى يموت في سريره، بل أنه حاول الانتحار مرّة (وفشل) وحاول الانتحار ثانية (ونجح في ذلك …) حيث تمثل هدايات الانتحار كفعل إرادي خلاصي من عالم قاسي الخيبات، وهو حاول الانتحار مرتين (ليس في إيران، بل في فرنسا … وفي ذلك دلالة ما …)
وإن اختلف مصير كل من هدايات وفرانز كافكا فإنهما كانا يشتركان في بعض المقاربات المتعلقة بالمصير البشري وبشروط وجوده أو بغموض دوافع ومحدّدات سلوك ومشاعر الآخر فيه(13)، وتلك تيمة حاضرة كذلك في أدب جان بول سارتر المسرحي والروائي. فقد اعتبر هدايات أن هوة ساحقة تفرق بين البشر وتجعل كل منهم صانعا غير إرادي لمصيره وللمأساة الوجودية المستمرّة. تلك العاهة المعنويّة تقود النزهاء منهم إلى رفض حالة المرض الذي يطغى على حياة البشر تحت مسوغات وسمها الشرقيون القدامى بـ «القدر»، ذلك القدر الذي لا يمكن القبول به – حسب هدايات – إلا على أساس سقوط في الميولات الهدّامة التي تصنعها كل من السادية أو المازوشية مثل تلك المرأة الريفية (زراين كولاخ) التي تكره زوجها إلى حدّ الرغبة في قتله بسبب سوء معاملته لها وضربه المبرح لها يوميا، والتي تقطع مسافات طويلة في صحراء وريف إيران بحثا عنه بعد أن هجرته لأنها اشتاقت لطعنات سوطه المؤلمة(14)، لكن عندما تعثر زارين علي زوجها الذي تزوج إمرأة أخرى يعاملها بذات القسوة وذات السوط، تفارقه نهائيا تاركة له إبنها دون تردّد لتؤكد أن القسوة التي يعامل بها البشر بعضهم البعض إنما هي قسوة مخزونة لديهم من زمن طفولتهم أو شبابهم. وهي حين تعثر على رجل ثان يقود حمارين في إحدى البوادي، وتعرض نفسها عليه، إنما فعلت ذلك لأنها رأته يضرب حماريه بسوطه بقسوة مغنيا ذات الأغنية المفضلة لدى زوجها الأوّل (غول بيبو) فتملكت بها ثانية لذة تلقي ضربات السوط مؤكدة، كذلك، أنّ الانصياع إلى «العذاب والقسوة» ميل كامن في ذوات البشر(15). وعلى أساس ذلك التمثل لواقع العلاقات البشرية لدى هدايات تتشكل مشاعر الخيبة التي تصوغ التشاؤم العاطفي الذي يجعل من الإنسان ذئبا بالنسبة للإنسان، وتجعل الآخر لغزا غامضا بالنسبة لمحيطه ومنبعا لعذابات القلب التي لا يمكن أن تنبت مشاعر الحبّ الصافي والتفاعل الإيجابي بل تقود كل رافض للصلف والنفاق إلى اعتزال العالم المحيط به (كما فعل ذلك دي إسانت في رواية «ضدّ الجميع» (هويسمان) أو بطل رواية «البومة العمياء». كما أشرنا إلى ذلك). والاعتزال كمنهج للحياة تفرضه مشاعر الخيبة يقود الفرد إلى العيش في الحفر مثل الحيوانات خلال الشتاء(16) و«الارتماء في ظلمته الشخصية والتطوّر في ذاته»(17) تاركا بهرج الحياة لهواة التفاهة والسطحية مما يجعله يقوى حتى على بشاعة الموت ومخاوفها. وإن كان هدايات يواجه أحيانا قسوة الحياة بتردّد بسبب ميله إلى رغبة التلذذ بمتعة الحياة الخاطفة كما علم ذلك من الشاعرين الفارسيين الأهمّ بالنسبة إليه : حافظ الشيرازي وعمر الخيام، فهو أشار إلى أن الخيبة تنمو أحيانا على أرض البحث عن الحكمة والتزهد وذلك تحت تأثير الانفصام الذي يخفيه الإنسان، وغموض نوايا وسلوكيات الآخر وعدمية نتائجها مثلما بيّن ذلك في قصة «الرجل الذي قتل رغبته» حيث كرّس الميرزا حسين علي حياته للأدب والفلسفة تحت تأثير معلمه المتصوّف الشيخ أبو الفضل أستاذ الأدب العربي والذي يدعي أنه بقي في حالة تجل روحاني خلال سنوات طويلة … وأنه يحيا حياة أعزب متزهد مكرسة للعلم والأدب والتأمل العرفاني وأن «يقتل رغبته» وأنه يسيطر بواسطة التصوّف على غرائزه(18). لكن الميرزا حسين علي اكتشف أن شيخه كاذب فاسق ولا يمارس شيئا من التعاليم التي يصرّح بها، فتكون صدمته محرقة لإيمانه ومبعثرة لتوازنه حيث اعتبر أن تضحياته كانت لا معنى لها وخسر بمقتضاها شبابه وطاقاته وسعادته وحرم من الزواج ومن ملذات الدنيا وعاش «دون سعادة، ودون حب، وفي امتعاض من ذاته ومن الآخرين»(19) دون مبرّر أو جدوى. وبعد تجربة في حياة المجون والتلذذ بالحياة انتحر الميرزا حسن علي لأنه اكتشف فشل كل نظم الحياة في تحقيق سعادة الإنسان. وتؤكد قصّة «الرجل الذي قتل رغبته» أن هدايات قطع نهائيا مع الفلسفة الدينية الشرقية (البوذية وغيرها) التي تعتبر الحياة الفردية كسلسلة من محطات الثراء النفساني ومن تسلق درجات الحكمة ومع النظرة البسيطة أو المادية للحياة التي لا ترى في هذه الأخيرة سوى سلسلة من فرص وحالات تلذذ وإشباع للرغبات بل أنه جذر مفهومه التشاؤمي للوجود معتبرا الحياة سلسلة من الخيبات والإنهيارات البدنية والمعنويّة لا تترك في النهاية من زاد سوى أوهام زائلة.
لقد كانت الأزمة الداخلية التي عاشها صادق هدايات أقوى من أن تعالج بدروس الحياة باعتبار أن هذه الأخيرة هي منبتها الأصلي. لذلك لم يعثر هدايات في العقيدة الدينية على ملاذ مريح لتمزقه، بل انه ذهب في بعض قصصه إلى رسم ملامح أنثروبولوجية لممارسة طقوس الدين قادته إلى تعزيز نظرته التشاؤمية إزاء كل معتقد خلاصي. انتقد هدايات سلوكيات بعض علماء الدين في قصة «الرجل الذي قتل رغبته» أو في قصة «البرثن»(20) التي تروي حياة رجل دين ورع ظاهريا وقاتل لزوجته في الحقيقة تاركا أطفاله في حيرة حول حقيقة هوية والدهم. كما أن هدايات كتب تحت تأثير أفكار نيتشة قصة قصيرة «الأخت الكبرى» التي كانت دميمة المنظر ومعتلة البدن والتي وجدت في ترويع كل أفراد عائلتها باسم التقوى والورع الديني وسيلة في السيطرة عليهم(21).
لم يناقش هدايات قضية الدين كمعتقد أو كفلسفة توفر أجوبة للأسئلة الحارقة التي شغلته طوال عمره القصير، بل أنه اكتفى بصياغة مفهوم خاص لمسألة الخليقة عبر صياغة قصصية لخلق الكون في قصته «أسطورة الخلق». وانكبّ من جهة أخرى على نقد ممارسات من انحرفوا عن تعاليم الأديان أو من كانوا يوظفونها لمصالحهم الضيقة والشخصية في سلوكيات كاذبة أو منافقة مثل ما جاء في قصة «في البحث عن الغفران».
إن عالم صادق هدايات، عالم مرعب، فهو لا يقبل ببقاء ماضيه ولا هو في غبطة من تباشير غده الذي لم يولد بعد. وهو عالم خاوي الروح لأن روحه القديمة شرعت في موت بطيء وروحه الجديدة لم تتشكل بعد. لذلك هرب هدايات نحو سبل الضياع : الهامشية الاجتماعية والثقافية والعدمية والأفيون بل هرب من الهروب لأنه إنتحر. وهو إنتحر لأنه لم يجد مستقرّا لعقله ووجدانه وروحه المعذبة. تشبع بحافظ وبالخيام وبريلكه وكافكا ونيتشة ولم ينجح في العثور على أرض صلبة يقف عليها. كانت إيران خلال السنوات الثلاثين تعيش احتضار ثقافة أصبحت بالية في قديمها وباهتة في جديدها، فلم يعد له مرتكز أو رغبة في الدفاع أو التبشير بأي قيمة أو فكرة أو نموذج حضاري والحال أن كل ذلك أصبح وهما كاذبا بالنسبة إليه. وهو كان غريبا في أوروبا وغريبا في بلده ولم تنقذه ثقافة الهند (البوذية) ولا أدب عمر الخيام لأنهما في طلاق مع حداثة ذاق طعمها في أوروبا …
وإذا كان هدايات شغوفا بالأصول الآسيوية لإيران (ما قبل الإسلامية) وبثقافاتها السابقة فهو كان مبهورا بإنجازات الغرب الأوروبي على الصعيد الثقافي والحضاري، وإذا كان منفتحا على النزعة الفكرية الممجدة للإنسان الهندوأوروبي فهو كان متحمّسا لمبدإ حرية الإنسان وإستقلاليته إزاء كل نفوذ ولمبدإ المساواة بين البشر، وإذا قضى هدايات حياته باحثا عن مصدر سعادة وهناء شخصي فهو كان على يقين أن كنه الشرط الإنساني هو العذاب وأنّ مصيره هو العود الأبدي للقسوة. لقد كان صادق هدايات بحق «كاتب الما بين بين» كما وسمه الفيلسوف الإيراني داريوش شياغان، أي أنه كاتب لم يجد الراحة في أي موضع أو حالة أو مكان عرفه في حياته. ولعلّ كل ذلك لم يكن سوى نتيجة للظروف التي واجهها … تلك الظروف التي اغتالته دون أن تقتله تماما فجعلته يقول في «البومة العمياء» : «لم أكن سوى ميت متحرك، لا أنا مرتبط بعالم الأحياء ولا أنا مستفيد من النسيان والراحة اللذين ينطوي عليهما الموت» (ص 78).

الهوامش
1 – Stefan Zweig : Trois maitres. Ed Grasset. Paris 1949. Coll Lp. 2010. Paris. pp 116-213.
2 – Youssef Ishaghpour : Le tombeau de Sadegh Hedayet. Ed. Farrago. Paris. 1999.
3 – Alin Erfan : Les demons de Hedayet. Liberation. 3/10/1996. (Paris).
4 – أورده يوسف ايشاغبور : مصدر مذكور. ص 1.
5 – V. Kubiekova : Contribution à l’analyse de l’œuvre de Sadeq Hedayet : in. Mélanges d’Orientalisme efforts à Henri Massé … ». Teheran. 1963. p 200.
6 – دورتيا كرافولسكي : العرب وإيران. دراسات في التاريخ والأدب من المنظور الإيديولوجي. دار المنتخب العربي. بيروت. 1993. ط 1. ص 247.
7 – حول جوانب تلك السياسة القسرية. راجع :
Amin Banani : The modernisation of Iran. 1921-1941. Stanford. 1961.
8 – دورتيا كرافولسكي : العرب وإيران … مصدر مذكور. ص 247.
9 – Sadegh Hedayet : La chouette aveugle. Ed. José Corti. Paris. 1953. 196 p.
10 – Joris. Karl Hysmans : A. Rebours. Ed. Gallimard. Paris. Coll. Folio.
11 – Sadeq Hedayet : Trois gouttes de sang. Ed. Press Pocket. Paris. 1988. (le chien errant). p 29.
12 – Ibid. l’intermédiaire : p 147.
13 – كتب صادق هدايات دراسة نقدية عن ادب فرانز كافكا ونشرها في طهران سنة 1948.
14 – Sadeq Hedayet : La femme qui a perdu son mari. In. Trois gouttes de sang. Op.cit. p. 87.
15 – المصدر السابق. ص 104.
16 – Sadeq Hedayet : la chambre noire. In l’Abime et d’autres récits. Ed. Jose Corti. Paris. 1987. P. 38.
17 – المصدر السابق.
18 – Sadeq Hedayat : L’homme qui tua son désir. Ed. Novetlé. Paris 1996. P. 33.
19 – المصدر السابق : ص 43.
20 – Sadeq Hedayet : La griffe. In. L’homme qui tua son désir. Op.cit. p. 18.
21 – Sadeq Hedayet : La sœur ainée. In. Les trois gouttes de sang. Op. cit. p. 116.


زهيـــر الذوادي

شاهد أيضاً

تحديد هوية الشاعر فـي الشعر العربي باستخدام Naïve Bayes

تندرج هذه الورقة في إطار مشروع يقوم بالإسناد التلقائي لنص شعري مجهول في الشعر العربي …