صرخة فـي مهرجان المسرح العربي الأخير

في كل عام، ومع بداية شهر يناير يحمل المسرحيون العرب أحلامهم إلى عاصمة عربية، في هذه الدورة التاسعة، احتضنت مدينتا وهران ومستغانم فعاليات المهرجان عبر مجموعة من العروض، تفاوتت بين الرداءة والرداءة، سواء ما كان مرتبطاً بالمسابقة الرسمية أو عروض قدمت على الهامش لأول مرة تغير خريطة المهرجان، هذا المهرجان الذي شكل في الدورات السابقة نقطة إشراق حقيقي، وبدعم لا محدود، من الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي يضع كل الإمكانات من أجل إحياء وترسيخ المسرح، كان السؤال الذي شكل لغزاً كيف تم اختيار هذه العروض؟ وهذا ليس طعناً في قدرات أحد.. ولكن كانت الصرخة صرخة جماعية أعرف قد ينبري أحدهم للدفاع عن مكتسباته الآنية. ولكن أقولها بأعلى صوت، علينا أن نحاسب المقصر. لأن هذا الحلم لابد أن يستمر وأن يحقق رغبات المسرحيين في مشارق الأرض ومغاربها، نعم في بداية كل عام نحمل جميعاً أحلامنا، تطلعاتنا. نمني النفس بأن نخرج بالمسرح من عنق الزجاجة.
نعم هناك الفعاليات المختلفة في المهرجان، وهذا أمر يحسب للمهرجان ولكن أين المسرح؟ أنا لا أستحضر العرض الافتتاحي «خيرية» عبر استحضار الماضي، وقصة حب قد تتكرر عبر نسيج لغة الضاد، في الجاهلية والعصور المتلاحقة منذ عنترة وعبلة وقيس ولبنى وليلى ومجنون وفوز وعباس بن الأحنف والفيحاني وميّ ومئات الشعراء والأدباء والمرتبطين بوشائج الحب.. صاغ هذا العمل عبر شكل متميز الشاعر الوزير عزالدين ميهوبي، وتعدد اللوحات عبر الرقص والغناء، وكان الأجمل في تصوري في حفل الافتتاح وقوف كوكبة من شيوخ المسرح الجزائري على خشبته ما أجمل التكريم في أي إطار كان، وإن يأتي متأخراً خير من أن لا يأتي أبدا.
كان اعتلاء نجوم اللعبة قبل الاستقلال مثار تحية خالصة من الجميع، كيف لا. وقد حملوا سلاح الفكر والقلم ودافعوا مع أشقائهم بسلاح الفن، إذن للفن دور في الحياة، وأن المسرح ليس ضحكاً وتهريجاً كما يعتقد ويظن البعض، بل رسالة سامية وعميقة الجذور، كان المسرحي إذا مناضلاً في جزاير الثورة والتحرير كان سلاحه الحوار فوق خشبات مسارح العالم، يطرح للعالم قضاياه العادلة.
وهذا أحوج ما نكون إليه الآن لطرح كل قضايانا المصيرية، كان المسرحي موازياً للبطل الشهيد في الغابات وفي المدن وفوق سفوح الجبال، هناك سلاح يتمثل في الرشاش وهنا القلم والحوار، من هنا فإن تكريم هؤلاء في نهاية العمر يمثل حلقة من حلقات التكريم وأن القادة في الجزائر لم ينسوا من حمل السلاح ومن حقق الغايات، ذلك أن الفن مكمل لوجه الحياة، وهذا ما عبر عنه الشاعر الجزائري محمد صالح خرفي الذي زار الدوحة عام 1961، عندما ترنم وقال: فالضاد والرشاش قد نطقا معاً. فانظر هنا تجد البطولة منبراً، وترى البطولة في الجزائر مدفعاً، وكان الشاعر الزائر يحمل قضايا وطنه.. إنه صورة من صور البطولة والكرامة.
في الجزائر.. وعبر هذه الدورة. كان هناك أكثر من مسار واحد للعروض، كان عروض المسار الثالث يحمل عنواناً جانبياً «تفاعل وتنمية» وقد شارك في هذه الفعاليات فرق من المملكة العربية السعودية عبر مسرحية أماني، والجزائر عبر «أوديب» والعرض العماني الذي حصد الثناء «المزار» من إخراج ابننا جلال جواد، وكما قيل ابن الوز عوام، خاصة وقد شارك في التجسيد مجموعة من ذوي الاحتياجات الخاصة، هذا بجانب عرض سوداني «حصان البياجه» بجانب عدد من العروض الجزائرية مثل: لويزه، أنا والمارشال، ايش كلبك مات».
أما فيما يخص الندوات التطبيقية والندوات الفكرية، فقد تم استحضار سيرة شهيد المسرح الجزائري، عز الدين محبوبي، وندوات ذات طابع فكري حول قيمة المسرح وارتباطه بالإطار العلمي، والورش المختلفة، سواء ما ارتبط بالمايم أو المكياج.
إذن تعددت أوجه النشاط عبر عدد من الأماكن والفنادق، والأطروحات والمسابقات، منها ما هو مرتبط بالكبار والصغار، واستحضار سيرة بعض كبار المسرحيين من شهداء المسرح مثل عبدالقادر علوله، وتكريم عدد من رموز المسرح في الجزائر.
العروض المسرحية توزعت بين قاعة السعادة، وهي التي تم تخصيصها للعروض الموازية التي لم تنل شرف الدخول في المسابقة الرسمية مثل: المجنون، زي الناس، دوخة، القراب والصالحين، النافذة، فندق العالمين، خريف، الزوبي والخطايا العشر، وجل هذه الأعمال الموازية لا ترقى إلى مستوى فنية المسرح، ولا أدري لماذا وكيف تم اختيار هذه العروض.
سؤال برىء. هل الأهم الكيف أو الكم؟ لأن بعض العروض الموازية لا ترقى إلى أيّ مستوى فني أو إبداعي.
سؤال آخر: لماذا مثلاً لم يطلق على هذه الدورة، دور المرأة أو قضايا المسرح، خاصة أن جل الأطروحات قد غاصت في مضامين لم تخلق تواصلاً مع المتلقي. لقد كان الأمر يشكل بحق، فجوة في مسار المسرح والمهرجان، هذا لا يعني أن العروض التي قدمت لم تحمل بعضا منها بذرة فنائها.
نعم هناك ومضات في العروض وهي لا تشكل ظاهرة تستحق الالتفات، وحتى الآن لا أدري هل ما درسناه هو المسرح أوما شاهدناه عبر ما يوازي نصف قرن في المشارق والمغارب هو المسرح أم نتاج مشاهدتنا في وهران!
العروض الرسمية:
(1) الثلث الخالي:
أتوقف قليلاً أمام العروض المقدمة من الجزائر، على سبيل المثال لا الحصر، ذلك أن اللغة كائن حي، واللهجات العربية تختلف من مكان لآخر، فنحن نعي وندرك مفرداتنا في الخليج وأهل الشام يملكون خاصية المفردة.
وذات الأمر مع بلاد المغرب العربي، الاستثناء الوحيد اللهجة المصرية من خلال عدة عوامل، التدريس والأغاني والأفلام والدراما التلفزيونية لاحقاً، من هنا كانت الإشكالية، صديق جزائري قام بالمهمة مع الأخ حمد عبدالرضا وتولى آخر مهمة الشرح لي، وكان طوال العرض يضحك وأنا صامت في انتظار أن يساهم في فك طلاسم العرض، كان يضحك ويلتفت إليَّ ويقول: فهمت؟، وأنا كالأطرش في الزفة أهزّ رأسي تأكيداً على أنني لم أفهم ومع ذلك سلمت القيادة له وخرجت من العرض كما دخلته، هذه الحالة تتكرر، لماذا مثلاً لا توضع ترجمة بجانب الخشبة؟ سؤال برسم الإجابة أو يقتصر الأمر على اللغة العربية الفصحى غير المقعرة، إنني أضع هذا الأمر بين يدي الأمين العام الأخ والصديق إسماعيل عبدالله، هذا المسرحي الخليجي والعربي الذي رفد مسرحنا بعدد من أبرز الأعمال عبر لغة الضاد.. لغة يخلق مع المتلقي عوالم للاندماج. وبالمناسبة هذا الصديق الذكي والفطن كان صريحاً وهو يضع النقاط على الحروف في جريدة الشروق – الأربعاء 18 يناير ص 16، عندما قال: «إن هذا المهرجان نجح في تحقيق أمور كثيرة أبرزها أنه وفر فرصة التقارب بين المسرحيين على غير العادة بشكل لافت، فضلاً عن كثافة الفعاليات في مختلف المجالات التي بلغ عددها «200» فعالية، تضم «10» ورش للتكوين وندوات فكرية، فضلاً عن عروض المسرح الجامعي تحت مسمى نجوم التمثيل الجامعي»، نقول للصديق كل هذا مهم، ولكن الأهم أن نكون في إطار اللعبة، يكفي أن نتحمل كل شيء من أجل عرض مسرحي يخلق مع الذاكرة حالة من الفرح والسعادة.
(2) كل شيء عن أبي: من مملكة المغرب
عبر نص الكاتب والروائي محمد برادة والذي يحمل عنوان «بعيداً عن الضوضاء.. قريباً من السكات» وقد تصرف فيه المخرج المقتبس الضعيف.. كان المنظر اللافت للنظر الدوائر في وسط الخشبة وتتداخل الدوائر الأربع مع منح دور مواز للإضاءة والموسيقى الملائمة.
الأجمل في جل الأعمال التي تقدم من بلدان شمال إفريقيا قدرة الأنثى في أداء كافة الأدوار، عبر لياقة بدنية وقدرة على التقمص، كان الجسد هنا حاضراً عبر الإشارة والإيماءة، والحقيقة أن السؤال الذي شغل حيزاً من تفكير المتلقي الوعاء المملوء بالماء في مقدمة الخشبة منذ اللحظة الأولى، ومع هذا فإن الرد قد أتى في نهاية العرض حول وجود هذا الحوض الذي يشبه حوض أسماك الزينة في البيوت.
* سؤال آخر: هل الرجل ملوم في كل أمر؟ سؤال مقلق. مع أن النص يتطرق إلى قضايا عبر الحدود المغاربية، منذ الثورة حتى التحرير مع استحضار النماذج التي ارتمت في أحضان الآخر، مثل الفتاة المغربية المسلمة التي ارتبطت بشاب فرنسي مسيحي وتطلقت لاحقاً. هل هذا كناية عن واقع دول شمال إفريقيا بفرنسا؟ كما أن حكاية الطبيبة مع الفتاة المغتصبة أعطت مجالاً آخر للتفسير خاصة أن الطبيبة تعاني من ذات الداء، الأطروحات والعزف على الآخر مثل ممارسة العادات الغربية مثل التدخين والانسلاخ عن الواقع المعاش شكلت لبنة من لبنات العمل.
الملاحظ أن النهايات قد تعددت في العرض ولكن الأجمل أن المجتمع بما يملك من إمكانات وظف كل شيء من أجل صالح عمله، واعتقد أن هذا العمل من حسنات المهرجان في دورته التاسعة عبر مدينة وهران.
(3) يارب – العراق
للمسرحي العراقي علي عبد النبي الزيدي الذي قدم عددا من أبرز الأعمال، وقد تصدى ابني فيصل لأكثر من عمل من أعماله في هذا الإطار يستحضر ويلات العراق، الحروب والدمار والموات، ولكن مع هذا فقد كان العرض صادماً للمتلقي.
نعم هناك من دافع عن اختياراته مثل لينا أبيض ولكن عبر تاريخ المسرح العربي هناك حدود للفن وحدود للفكر، حريتك ألاّ تحرم الآخرين من حريتهم، وإذا كان الدين أو المعتقد يبيح للآخر، فإن المسلم لا يمكن أن يكسر التابو بجرة قلم، كان استحضار سيدنا موسى، وهذا الكم من الاستدعاء لبقية الرسل على لسان الممثل ومن ثم تحدي الرب بأنك إذا لم تعد لنا فلذات أكبادنا فإننا في حل من عبادتك، ولا نريد صيامك وصلاتك، نوع من التجديف قد يكون ملائما للآخر، وكما أسلفنا فإن لكل مجتمع عربي أو إسلامي عقائده ومذاهبه، ونحن هنا لا نفرض رأينا، فقد يكون هذا الأمر جائزاً في العراق ولبنان كما ذهب كل من المؤلف والمخرج وفريق العمل، والسيدة عضوة لجنة اختيار العروض، ولكن استحضار الرسل غير جائز حتى ولو تم عبر المسلسل التاريخي قصة سيدنا يوسف عليه السلام، نعم هناك من يتخطى الحدود بفكره ولا يبالي بالمقدسات ولكن هل الفن في جماليته تحطيم كل الأعراف؟ منذ أقدم العصور كانت الويلات والحروب جزءاً من رحلة الإنسان في الحياة، نعم اسخيلوس في الفرس استحضر صراع الحضارات بين الإغريق والفرس. دعونا منه، وتعالوا نقلب في جل الإرث الإغريقي.. هناك شواهد عدة وإذا انتقلنا إلى برخت فسوف نجد «الأم شجاعة» وها هو محمود دياب في رائعته «رسول من قرية تميرا» وغيرها من الإبداعات التي ترصد ويلات الحرب.

(4) خريف: المملكة المغربية
هذا الخريف داخل المسابقة الرسمية، ويختلف شكلاً ومضموناً عن العرض العراقي «خريف» والذي قدم في قاعة كنيسة قديمة، واعتقد أنه واحد من أقسى العروض، حيث تحوّل الأمر أو ما يسمى بالمسرح إلى استنزاف لقدرة الإنسان وآدميته، عرض العراق لا علاقة له بالمسرح.
أما العرض المغاربي، فقد تطرق إلى موضوع آخر، صراع الإنسان مع المرض الخبيث. كان الأمر أشبه بمونودراما، تطرح قيمة الحياة والموت، ومصير الإنسان في هذا الكون، وعبر هذا كله يتم استحضار مواضيع ذات ارتباط عضوي بالإنسان في رحلته، مشاكل اجتماعية، اقتصادية وقد تكون هناك ملامح للعزف في الإطار السياسي، في العرض كان المتلقي مع حالة يتمثل في رحلة المعاناة، هذه المعاناة اليومية، عبر الألم والأوجاع، كان نقطة المعاناة هروب الزوج.. نعم تركها في لحظة قاسية، في زمن موحش، نعم هناك عليها أن تواجه قدرها بكل ما تملك من إدارة. ومع أن العرض قد تشكل من فتاتين، كانت المعاناة تطرح قسماً، والآخر تجسد الأمر عبر الجسد والرقص التعبيري، ومع أن الرجل لم يكن حاضراً في العرض، فقد كان محور المعاناة يعبر أن هرب بجلده وترك زوجته لمصيرها، ولكل العروض كان البطل في تجسيد العمل قدرة الممثلتين، لياقة بدنية، وقدرة على تجسيد الأبعاد وأيضاً موضوع ومضمون المرأة.

(5) العراس الوحشي ? الأردن
عبر نص العراقي فلاح شاكر، وأيضاً استحضار ذات النغمة، الحرب والدمار.. ولكن هنا موضوع وإن ارتبط ببلاد الرافدين فإن المضمون قد اتخذ من عملية الاغتصاب قيمة لمعالجة وطرح أبعاد اللعبة وفي نهاية المطاف ماذا تفعل المرأة العراقية التي تعرضت للاغتصاب من قبل قوى كانت من المفترض أن تساهم في رفع المعاناة عن الشعب العراقي، ومع الأسف أن الجندي قد اعتدى على حرمة الإنسانة، هل هذه صرخة عربية وأين صرخات تلك المرأة العربية ذات يوم وامعتصماه!! كان المشهد في حقيقة الأمر يؤكد ويجسد الصورة القاتمة، وكان التساؤل المقلق عن والده نعم.. يبحث عن الانتماء، كان الطفل مهموماً بالإنسان، الأب، الأصل، الجذور وأمام الأمر الواقع لا يجد مفراً سوى الاعتراف.. تقول الأم.. والدك هو جلادك!! ولكن هل قلب الأم بهذه القسوة.. هل تستطيع أن تمحى من ذاكرتنا متى كانت حبلى؟ ومعاناة الطلق؟ خاصة أن مفردات الابن تخلق وشائج مع أذن الأم «ماما» ولكن هل بمقدور الأم التي تعرضت للاغتصاب أن تلقى خلف ظهرها كل شيء؟ ولكن كل هذا يتلاشى والأم تسلم قيادتها للموت، وعندها تسمع كلمة ذات شجن جميل.. ماما.
هذا الاغتصاب لا يشكل حالة فردية، ولكن تعرية لواقع عربي، حيث إن شكل الاغتصاب يختلف من مكان لآخر. استلاب للسلطة، واستلاب للوطن، ولذا فإن النص محمل بالعديد من القضايا الآنية والمزمنة.,

(6) ثورة دون كيشوت ? تونس
هذا العرض اعتقدنا أن الفرقة سوف تقدم رائعة سرفانتس الكاتب الإسباني ولقد سبق أن قدم مراراً وتكراراً عبر العواصم أجمع ولكن كان استحضار دون كيشوت من أجل تعرية واقع آخر.. منذ أن فجر بوعزيزي حرقاً ذات يوم من عام 2011 وفجر خلال تلك الأيام الواقع العربي، وتحوّل إلى جان دارك آخر.. يحمل روحه فوق كفيه يتمنى أن يعيش الآخر بعده بسلام، العمل في تصوري لم يرق إلى المستوى المأمول، مع أن اللاعبين حاولوا مزج الكوميديا عبر ضحكات الجمهور وإلاّ لماذا كانوا يضحكون بين حين وآخر؟ هل كان الضحك على الفضائيات مثلاً؟ وكيف سيطر المال على مقادير الإنسان، هل المسخ هو القتلة الذين هبطوا من السماء؟ هل أصحاب الثروة والمال والجاه هم أشر خلق الله؟ وهل هؤلاء يمزقون أوصال الإنسان البسيط ويمارسون عليه الاضطهاد والقتل والدمار؟ قد تكون بعض الشركات الكبرى عبر العالم تمارس هذا الدور، ولكن السؤال المهم هل المسرح فقط الحزن والكمد واليأس، وطرح الشكل المغلف بكل ما هو فاسد وتالف، وهل تونس الخضراء مرتبط بعد بوعزيزي بكل قبح، أم أن تونس قد تطهرت، وهل رجال المال في العهد السابق لا يكون لهم موطئ قدم في الواقع الحالي.. تونس مثل كل العواصم مليئة بالنجاح والفشل بالجمال والقبح، وما أكثر قضايانا التي لا تنتهي ولن تنتهي.. فهل حقاً نحارب نحن طواحين الهواء مثل دون كيشوت؟

(7) الخلطة السحرية للسعادة ? مصر
لو كان الأمر بيدي لما سطرت حرفاً حول هذا العرض. لماذا؟ حتى أظل وأنا المنتمي إلى المسرح المصري طالباً في المعهد العالي للفنون المسرحية، ومتابعاً دراساتي في أكاديمية الفنون واحصل على أعلى الشهادات، نعم احتفظ في ذاكرتي بكوكبة من أبرز أساتذتي: إبراهيم حماده، فوزي فهمي، سمير سرحان، نهاد صليحة، محمد عناني، أحمد عثمان، جلال حافظ، عبدالعزيز حموده، علي فهمي، سعد أردش، أحمد عبدالحليم، كمال عيد، كمال ياسين، كمال بشر، سمير أحمد، صبري عبدالعزيز، فؤاد دواره، وعشرات العشرات من أساتذتي.
الأساتذة والدكاترة العظماء، وزملاء ومعلمين في كل القطاعات الفنية، سمير خفاجي، محفوظ عبدالرحمن، عبدالغني داود، عبدالغني زكي، محمد صبحي، سعيد صالح، وزملاء الدراسة، الدكتور سامي عبدالحليم، محمد عبدالهادي، عادل معاطي، أشرف زكي وعشرات الأسماء، بجانب الأساتذة عمرو دواره، الدكتور سامح مهران، خالد جلال، سامية حبيب، وعذراً لأنني لو سردت كل الأسماء لاحتاج الأمر إلى صفحات، وبعد.. هل هذا العمل جزء من تاريخ المسرح المصري العظيم.. ديكور ثابت عبر معبرين وكرسي أبيض في الجانب الأيمن وسلالم في الخلفية، ثم هذا الحاوي الذي يحاول أن يوصل رسالته، ومواقف لا تضحك أبداً. فلا سعادة هنا ولا سعاد. الموضوع قد يكون.. أقول قد يكون لو أحسن إعداده أن يرسم الابتسامة على بعض الشفاة، لأن هذا الطرح مع الأسف أصبح صبغة للمسارح الفقيرة دغدغة حواس الجمهور.. آه.. يا مصر العظيمة.. كم من الجرائم ترتكب باسم الفن المسرحي، نعم كانت خلطة مسرحية بلا معنى.. كوميديا الحركة.. وكوميديا اللفظ الساذجة.. نماذج تحمل واقعها وتحاول أن تطرح بعض قيم المجتمع في زمن غير أصيل.. ثم ماذا؟ نعم هناك خلطة سحرية قوامها الرقص المجاني.. وموتيفات من قصص لإحدى النجمات عبر الإغراء والممثل المغلوب على أمره، طرح موتيفات من النفاق والرشوة وتفسح العلاقات الاجتماعية، واستحضار تيمات هشة من البيروقراطية وقصص الحب وحتى الحاوي الذي بحث مع الأسف عن السعادة، كان السعادة بحق وأنا أرى هروب الجمهور، بعد هذه الصدمة، والسؤال البريء من اختار هذا العرض ولماذا؟ ومصر ولادة. ومصر كنز من الإبداع في كل قرية ونجع.. مصر الحضارة لماذا يحاول البعض أن يشوه الصورة الرائعة والجميلة بمثل هذه الأعمال.. «منهم لله» الذين رشحوا وأضافوا مكرمة أخرى بإدراجهم مع الأسف عبر المسابقة الرسمية!!

(8) القلعة ? الكويت
الصراع الأزلي بين الخير والشر.. وهنا صراع آخر.. صراع في الأداء التمثيلي بين النجم أحمد السلمان، صاحب التجارب والإبداعات والنجم فيصل العميري في هذا العرض اكتمل عناصر العرض المسرحي، موسيقى حية.. إضاءة، مؤثرات، قدرة على خلق الموقف، منذ اللحظة الأولى تحدي الثري «ما الذي يجعلك تقف في وجهي» إنه عابر سبيل.. نعم إنه لا يرد على أي مفردة.. الطريق هل يكون واحداً هل يكون نديماً.. صديقاً.. رفيق درب؟ ولكن المقلق ياخذنا إلى مسارات عدة.. هناك برد.. عواصف.. والرحلة تمتد إلى ما لا نهاية.
إذن نحن إزاء لعبة، الجولة إلى المقبرة.. نعم كانت مباراة.. المقبرة هي نهاية المطاف.. الثري يبحث عن ثروته وميراثه.. وتبدأ اللعبة.. بين هذا وذاك.. ثري وصعلوك.. هذا الصعلوك كما يقول الثري يتلاعب بالكلمات والمفردات «الدرب كالأفعى.. فأشوك المدينة أن تموت … إلخ».
هذا العرض الفلسفي.. يطرح مئات الأسئلة المقلقة.. هذا العمل في تصوري مسكها ختام.. هنا عبث الحياة.. هل الحياة هكذا.. هل الحياة تحمل هكذا من الترميز.. هل الحياة فصول من الخوف.. هنا تراجيكوميديا.. هنا المأساة.. والكوميديا.. هنا. الظلم والمظلوم.. ولكن القلق أكبر بكثير. من جريمة مرت ذات يوم.. الأمر هنا.. صراع القوة والضعف.. ولكن النهاية إلى أين؟ مقبرة موحشة.. مهما كان الإنسان قوياً جباراً فإن الأمر لا يختلف، هنا نكتشف أن الضعف الإنساني واحد. الثري مثل الفقير، والقوي صورة من الضعيف.. كان الأجمل سينوغرافيا العمل. كان مهندساً يعرف أبعاد اللحظات، لقد سقط كلاهما.. كلاهما إذاً هشان، وأن القوة اللفظية من قبل الثري لا تختلف عن الآخر.. كلاهما أوهى من خيط العنكبوت.
اعتقد أن كل عناصر العرض المسرحي قد أدت دورها بتناغم حقيقي بين كل العناصر.. واستطاع المتلقي في وهران أن يعيش ساعة من عمر الزمن مع كل عمل مسرحي يحمل رائحة الخليج.. وأن الخليج ليس نفطاً.. هذا العرض منح المتلقي فرصة التنفس بعد عدد من العروض أقل ما يقال إنها سقطت من ذاكرة رواد المسرح.
* وأخيراً:
فإن جل اللقاءات عبر فعاليات مهرجان الهيئة العربية للمسرح تخلق تواصلاً بين كل الأجيال.. فرح كل موسم هناك مواسم للفرح المسرحي، فشكراً جزيلاً لصاحب الريادة.. صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي.. عضو المجلس الأعلى ? حاكم الشارقة، هذا الأديب، المثقف، الذي لا يتوانى عن خلق كيانات تسهم في رفع ذائقة المثقف أينما كان وأينما وجد. كما أن الدور الذي يلعبه أخي المسرحي الكبير إسماعيل عبدالله جهد رائع، يواصل العطاء مع فريق عمله.. من أجل حراك مسرحي أكثر تأثيراً.
وأخيراً وليس آخراً.. أتمنى أن تكون دورة تونس الخضراء في إعطاء العروض المشاركة الأكثر تأثيراً.. ومن منطلق انتمائي لهذا الكيان.
ومن منطلق حبي للهيئة ولزملاء الرحلة، أتمنى أن تتم مناقشة ما تم طرحه وتقديمه، خاصة أن هناك عروضا لا ترقى إلى مستوى مهرجانات الهيئة.
أتمنى.. وأنا على ثقة بأن هناك من لا يرضى بمشاركة عروض لا ترقى إلى نتاج المرحلة الابتدائية، في إحدى القرى النائية..
اللهم قد بلغت. اللهم فاشهد.. والله من وراء القصد

د. حسن رشيد*
* باحث وناقد مسرحي


 

شاهد أيضاً

الأمـاكـن .. فــي الشـعر والروايــة

تثير الأماكن توهجا عاطفيا في النفوس بقدر يتفاوت على حسب ما تحمله من ارتباط أو …