أخبار عاجلة

صموئيل بيكيت ماتت الكلمات

"هكذا كنت أمضي في الضياء المخيف, متلفعا بإهابي العتيق, مشدودا الى طريق الخروج, ومتجاوزا جميع الطرق, الى اليمين والى اليسار، وفكري يلهث وراء هذا وذاك ثم يندفع دائما الى حيث لا يجد شيئا ".

برحيل صموئيل بيكيت «1906 – 1989» فقد مسرح العبث ورواية العبث وفلسفة اللاجدوى,واحدا من أهم أقطابها والمبشرين بها المؤسسين لها. وفقد الأدب, بأشكاله كافة, مبدعا ترك آثاره العميقة, خمشا، عل غير نوع أدبي واحد، وفي غير دائرة ثقافية واحدة, وأثار حوله وحول أعماله زوابع من الجدل لم يهدأ نقعها بعد.

واذا كانت فكرة «العبث » قد وجدت عددا من كبار كتاب المسرح ليجعلها محور أعماله من أمثال أدا موف ويونسكو وجينيه وبنتر وغيرهم, فإن بيكيت (الذي لم يكن يفضل استعمال هذه الكلمة العبث _ وصفا لتوجه كتاباته) هو الذي دفعها الى حدها الأقصى، عبر نصوصه في المسرح والرواية والقصة القصيرة والشعر وغيرها من أنماط التعبير المتاحة والمجترحة.

وعلى العكس من كامو وسارتر، لم يعن بيكيت بالتنظير أو التبشير التأملي المنطقي لتوجهه الفكري هذا، فلقد كان معنيا بالحالة الانسانية بحد ذاتها، بفعويتها وضعفها بعزلتها وعقدها وقدرها الحاتم.

وليس في نيتي هنا أن أعرض لفكرة العبث عند بيكيت, أو أحاور مؤداها وتفاصيل تمظهراتها في أعماله الكثيرة, ولكنني سأقف عندما أحسبه جوهر هذه الفكرة, والمعبر الأشد قسوة عنها، وأعني به الكلام, اللغة التي استخدمها بيكيت وأجراها على ألسنة شخصياته.

ففي أحد"نصوص بلا طائل " التي نشرها بيكيت عام 1950 نقرأ المقطع التالي : "أن نطلق اسما، كلا، فلا شيء يمكن تسميته, وأن نتكلم,لا، فلا شيء يمكن التعبير عنه ".

بهذا الاكتشاف الراعب يوجز بيكيت «الورطة » التي وقع بها ككاتب, وككائن بشري. فالانسان يقف أمام العالم أعزل سوى من أكوام من كلمات, يدرك كلما تعامل معها واستعملها أكثر أنها أداة للقطيعة لا للايصال, ووسيلة للتضليل لا للتعبير، وللحجب لا للكشف.

وقد مارس بيكيت الكتابة في مختلف الأنواع الأدبية, وكان في كل ما كتب يضع اللغة في برهة صراع حارة بين "الصوت " الذي تطلقه هذه اللغة, و"ا لمعنى" المفترض أنها تحمله. ففي رواية "واط " يكتشف البطل أن لغته لم تكن كافية لمنح العالم استقراره وثباته, فيأخذ في البحث عن معاني الأشياء ودلالاتها من خلال ايجاد أسماء جديدة لها. ويسوقه حذره من الكلمات وشكه بأبسط قواعد المنطق النطقي الى تخيل تفسيرات لا حدود لها لأدنى حادثة, مثيرا جملة من الهذيانات والأحلام والتعليلات البعيدة والمبالغ بها. وهكذا يأخذ "فكره " الهادف بكليته الى إدراك العالم الخارجي بالتدهور من الايجاب الى السلب, ومن اليقين الى الريب, وسوف نرى أن قراءة الفصلين الأولين من الرواية تغدو شبه مستحيلة, وذلك بسبب من تفك لغة "واط " تدريجيا،حتى وصولها الى الانبهام التام.

وفي رواية "اللامسمى" يعلن فقدان شقته بالكلمات,لأنها ببساطة تقع خارج حدود سيطرته, فبدلا من أن يشكل فهمنا للعالم كلامنا، فإن العكس هو الذي يحدث : إن اكتساب الكلمات هو الذي يكون إدراكنا للعالم ! يقول :"هل هناك أي كلمة تنبع مني فيما أقول؟ كلا…. اذ لا صوت ل ".

وامعانا في التوكيد يكثر من الالماعات والاستعارات المقتبسة من التصانيف الفلسفية ونظريات علم النفس ومصطلحات علم الهيئة والأدب الكلاسيكي، بل وعلم التنجيم, لينثرها بصيغ تهكمية مريرة, وبشكل منتظم ومتواتر في أعماله الروائية,لاسيما "مورفي " و"واط ", في محاولة مقصودة وسافرة لخلع صفة القداسة عن المعطيات الثقافية الجاهزة, واخضاعها لمقصلة الريب.فهو يستخدم, على سبيل المثال, لغة تحدرت من تراث ثقافي مغرق في القدم (يرقى الى ارسطو!) في حوار روائي شبه بوليسي. وليست المحادثات العابثة والحوارات المبتورة الباردة الآلية بين الشخصيات, وتداخلات الكاتب التعسفية في سيرورة الحدث, وتلك الانقطاعات المفاجئة والمتكررة في خيط القصة, والاستطرادات التي تطول وتقصر عشوائيا، وفترات الصمت الكثيرة, ثم حشر العبارات اللاتينية المضخمة والخاوية في آن بصورة متكلفة في الحوار،ليس كل هذا سوى توكيدات على توجهه نحو انتقاد اللغة, عبر استخدامها هذا الاستخدام الكوميدي, والهزء من بعدها الثقافي ومحدوديتها وحجب الثقة عن الكلام, على أنه قاصر لا يعبر،خاو لا يقول !

ولعل اختياره اللغة الفرنسية ليكتب بها معظم أعماله الهامة, ما عدا "مورفي " و"واط " لا يخلو من دلالة أشار هو نفسه اليها حين قال "بينما لا يمكننا في الانجليزية أن نمتنع عن الكتابة بأسلوب شاعري، نجد من السهل علينا في الفرنسية أن نكتب بلا أسلوب ".هذه غايته إذن : تقليص الأبعاد الشعرية للنص, بل والمنطقية, بغية الوصول الى غياب الأسلوب. إنه يتقصد الفرار من الدلالات الضمنية التي تحملها الكلمات, والكتابة "ضد" اللغة. لذلك تعاني شخصياته من صعوبة بالغة في الكلام, فهو كلام معزول مقطوع غير مسموع, كالحديث الذي يجري في مسرحية "كوميديا" بين الشخصيات الثلاث, الزوج والزوجة والعشيقة, إذ لا رابط بين ما يقوله أحدهم وما يقوله الآخر، إن أحدهم لا يتوقع أن يصفي الآخر اليه, مثلما هو نفسه مشغول بالكلام عن الاصغاء.

وفي "شريط كراب الأخير" يمضي "كراب " سنوات طويلة من حياته في عزلته,مع آلة تسجيل عتيقة, وذكريات مسجلة مل شريط مهتريء, لا يكف من سماعه وتعديل ما ورد فيه.

وبيكيت لايني يؤكد في أعماله كلها على أن الآخر هو الجحيم, ولكننا لا نستطيع العيش دونه, وعلى أن الكلام عقاب, ولكن الصمت هو العدم. ما العمل إذن؟ ركام من الكلمات التي تحاول استحضار الذات فلا يؤدي إلا الى تغييبها، وتسعي الى ردم الهوة بين الذات والآخر فلا تزيدها الا اتساعا, وتأمل في فك حصار الصمت العدمي فلا تلبث أن تصبح هي نفسها حصارا أشد وطأة وأعمق رعبا!

على الرغم من وعينا المفجوع هذا, علينا أن نواصل الحديث, وأن نجد باستمرار من نخاطبه ويخاطبنا، لا لنعبر أو لننقل مشاعرنا, فهذا _ كما تأكد – ليس في حدود طاقة اللغة, بل لنملأ الفراغ المحيط بنا، ونلهي سكين الوحشة – ولو شيئا – عن حز أرواحنا. ألم يقل استراغون لفلاديمير في مسرحية «بانتظار غودر» : "نعثر دائما على ما نقوله ها… ها… ديدي، لكي نمنح نفسينا الاحساس بأننا موجودان " !

لقد ترك لنا بيكيت تراثا كتابيا هائلا، شديد الفنى شديد التنوع, مشات من الصفحات في الرواية والمسرح والقصة والشعر والنصوص الحرة, وعشرات آلاف الكلمات التي كان يجدها في معتزله الاختياري (أم أنه كان مقدرا له.. وعليه؟) ليقول جملة واحدة, ختم بها النص الثاني عشر من "نصوص بلا طائل ": "لقد ماتت الكلمات !".

مسودة للمسرح "1" 
زاوية شارع. أنقاض

A، أعمى, يجلس على كرسي قابل للطي، يعزف على كمانه, الى جانبه الحقيبة, نصف مفتوحة, تعلوها طاسة الصدقات. يتوقف عن العزف, يدير رأسه الى يمين المشاهدين, يصفي صمت.

A: قرش للعاجز المسكين, قرش للعاجز المسكين. (يسكت. يستأنف العزف, يتوقف ثانية, يدير رأسه نحو اليمين, يصفي. يدخل Bمن اليمين, على كرسي بعجلات يسير بواسطة قضيب يتوقف مستثارا) قرش للعاجز

 المسكين !

 (صمت)

B: موسيقى!)صمت) إذن هذا ليس حلما، أخيرا! ولا خيالا، إنهم بكم, وأنا أبكم قبلهم (يتقدم, يتوقف, ينظر في الطاسة. بلا أي عاطفة) يا للبائس المسكين (صمت) باستطاعتي الآن أن أعود، فقد انجلى الغموض. (يدفع

نفسه الى الخلف. يتوقف)إلا إذا انضممنا معا وعشنا معا، حتى يأتي الموت (صمت) ما تقول في هذا يا بيلي, هل استطيع أن أناديك بيلي, على اسم ابني؟

 (صمت) هل ترغب برفقة يا بيلي؟ (صمت) هل ترغب بطعام معلب يا

بيلي؟

A: أي طعام معلب؟

B: لحم مملح يا بيلي, فقط لحم مملح. يكفي لابقاء الروح والجسد معا، حتى الصيف, بعناية (صمت) لا؟ (صمت   (بعض درنات البطاطا أيضا، بضعة أرطال من البطاطا أيضا. (صمت ( أتحب البطاطا يا بيلي؟ (صمت) حتى أنه بإمكاننا استنباتها, وعندئذ،وفي الوقت المناسب, نغرسها في الأرض, بإمكاننا أن نحاول ذلك أيضا. (صمت) سأختار أنا المكان وستغرسها أنت في الأرض. (صمت) لا؟ (صمت).

A: كيف حال الأشجار؟

B: من الصعب القول. إنه الشتاء كما تعلم.

 (صمت)

A: أهو النهار أم الليل؟

B: أوه… (ينظر الى السماء).. النهار، اذا شئت لا شمس بالطبع والا ما كنت سألت. (صمت) هل تتابع منطقي؟ (صمت) أما زلت تتمتع بسلامة عقلك يا بيلي, هل مازالت فطنتك معك؟

A: ولكن النور؟

B: نعم (ينظر الى السماء) نعم, النور، ما من كلمة أخرى تعبر عنه. (صمت) هل أصفه لك؟ (صمت)هل تريدني أن أحاول إعطاءك فكرة عن هذا النور؟

A: يهيأ لي أحيانا أنني قضيت الليل هنا، أعزف وأصفي، كنت فيما مضى أشعر بتشكل الشفق, فآخذ عندئذ بالاستعداد وتهيئة نفسي. أضع الكمان والطاسة جانبا، وأهم بالوقوف على قدمي، فيما تأتي هي وتأخذني من يدي (صمت).

B: هي؟

A: امرأتي (صمت) امرأة. () أما الآن…

 (صمت)

B: الأن؟

A: حين أخرج لا أدري,وحين أصل الى هنا لا أدري، وأثناء وجودي هنا لا أدري ما إذا كان الوقت نهارا أم ليلا.

B: لم تكن دائما على هذه الحال. ماذا حدث لك؟ النساء؟ القمار؟ الإله؟

A: لقد كنت دائما على هذه الحال.

B: هيا !

A: (بعنف) لقد كنت دائما على هذه الحال, محنيا بذلة تحت الظلام, خادشا بنشازاتي الرياح الأربع !

B: لقد كان لكل منا امراته, أليس كذلك؟ امرأتك لتقودك من يدك, وامرأتي لتخرجي من الكرسي في المساء، وتضعني فيه ثانية في الصباح, ولتدفعني بعيدا حتى الزاوية حين أفقد صوابي.

A: مقعد؟ (بلا أي عاطفة) يا للبائس المسكين.

B: لدي مشكلة واحدة فقط : الاتجاه المعاكس. لطالما أحسست, أثناء نضالي, أنه سيكون أسرع لو مضيت قدما، حول العالم. الى أن جاء اليوم الذي أدركت فيه أن بإمكاني الذهاب الى البيت بالسير الى الوراء. (صمت) على سبيل المثال, أنا في النقطة.A  يدفع نفسه الى الأمام قليلا، يتوقف) أندفع الى النقطة B. (يدفع نفسه الى الخلف قليلا, يتوقف) ثم أعود الى A (بحماس) الخط المستقيم ! الفضاء الشاغر ! (صمت) هل أبدأ بتحريك؟

A: أسمع أحيانا خطوات. أصوات. أقول لنفسي هاهم يعو دور، ها بعضهم يعود، ليكرر محاولة الاستقرار، او للبحث عن شيء خلفه وراءه, أو للبحث عن أحد خلفه وراءه.

B: يعودون ! (صمت) من ذلك الذي يرغب بالعودة الى هنا؟ (صمت) وأنت ألم ترفع صوتك مناديا؟ صارخا؟ (صمت) لا؟

A: هل لاحظت شيئا قط؟

B: أوه أنا، أنت تعرف, ألاحظ.. أنا أجلس هناك, في مرقدي, في

مقعدي, في الظلمة, ثلاثا وعشرين ساعة من أربع وعشرين. (بعنف) ما الذي تريدني أن ألاحظه؟ (صمت) أتظن أن بإمكاننا أن نكون زوجا منسجما، أنت الأن تزداد معرفة بي؟

A: لحم مملح, هل هذا ما قلت؟

B: على ذكر هذا، ما الذي كنت تقتات عليه طيلة ذلك الزمن؟ لابد أنك عانيت الجوع.

A: ثمة أشياء كثيرة حولي.

B: أشياء صالحة للأكل؟

A: في بعض الأحيان.

B: لماذا لم تدع نفسك تموت؟

A: لقد كنت محظوظا بشكل عام. ذات يوم عثرت بكيس ملي ء بالبندق.

B:لا!

A: كيس صغير، مليء بالبندق, في منتصف الطريق.

B: أجل, لا بأس, ولكن لم لم تدع نفسك تموت؟

B: لقد خطر لي ذلك.

A: (مهتاجا) ولكنك لا تقوم به :

A: لست تعسا لدرجة كافية. (صمت) لقد كنت دائما تعسا تعسا، ولكن ليس لدرجة كافية.

B: ولكن لابد أن تعاستك تزداد قليلا يوما بعد يوم.

A: (بعنف) لست تعسا لدرجة كافية !

(صمت)

B: لو سألتني لقلت إن أحدنا مصنوع من أجل الآخر.

A: (بإيماءة شاملة) كيف تبدو الأشياء كلها الآن؟

B: آه أنا كما تعلم.. لم اذهب بعيدا قط, الى الأعلى قليلا، الى

الأسفل قليلا، أمام بابي فحسب. لم يحدث قط أن دفعت الى هنا قبل الآن.

A: ولكنك تنظر حواليك.

:Bلا… لا

:A بعد كل ساعات الظلمة تلك, أنت لا…

B: (بعنف) لا! (صمت) بالطبع إذا أردتني أن أنظر حولي فسأفعل واذا كنت معنيا بدفعي هنا وهناك, فسأحاول ان أصف لك المنظر أثناء سيرنا.

A: تعني أنك ستقودني؟ وأنني لن أضل الطريق بعد؟

B: تماما. سأقول : تمهل يا بيلي, فنحن نتجه الى كومة قاذورات, استدر وانعطف شمالا حين أقول لك.

A: هل ستفعل ذلك؟

B : (مستغلا الفرصة) عل مهلك يا بيلي, على مهلك, أرى علبة صفيح هناك في القناة, ربما كانت تحتوي عل حساء, أو فاصوليا محمصة.

A: فاصوليا محمصة :

 (صمت)

B: هل بدأت تميل الي؟ (صمت) أم هذا ما يخيل الي فحسب؟

A: فاصوليا محمصة ! (ينهض واقفا، يضع الكمان والطاسة على الكرسي, ويتلمس طريقه باتجاه (B أين أنت؟

B: هنا يا رفيقي العزيز. (يمسك A بالكرسي ويشرع بدفعه عشوائيا لم توقف !

A 🙁 مستمرا بدفع الكرسي) إنها نعمة ! نعمة !

B: توقف ! (يضرب بعصاه وراءه. يخلي A الكرسي, ويتراجع.

صمت يتلمس A طريقه نحو كرسيه, يتوقف حين لم يهتد اليه) سامحني (صمت) سامحني يا بيلي !

A: أين أنا؟ (صمت) أين كنت؟:

B: ها قد فقدته الأن. كان قد بدأ يميل الي ثم ضربته. سوف يهجرني ولن أراه مرة أخرى. لن أرى أحدا بعد الآن. لن نسمع صوتا إنسانيا بعد الآن.

A: ألم تسمعه بما يكفي؟ النحيب والنواح القديمان ذاتهما من المهد الى اللحد.

B: (منتحبا) افعل شيئا من أجلي, قبل أن ترحل :

A: هناك ! هل تسمعه؟(صمت. نحيب) لا أستطيع الرحيل ! (صمت)هل تسمعه؟

B: لا تستطيع الرحيل؟

A: لا يمكنني الرحيل دون أشيائي.

B: وما فائدة هذه الأشياء لك؟

A: لا فائدة.

B: ولا تستطيع الرحيل دونها؟

A: لا.. (يأخذ في كمس طريقه من جديد. يتوقف) سوف أجد أشيائي في النهاية (صمت) او أخلفها الى الأبد ورائي (يتلمس طريقه من جديد).

B: هلا عدلت لي بطانيتي, أشعر بالهواء البارد يتسلل الى قدمي. (يتوقف A) أقدر أن أعدلها بنفسي, ولكن ذلك سيستغرق وقتا طويلا. (صمت) افعل ذلك من أجلي يا بيلي. بعدئذ ربما سأعود وأستقر في ركني القديم ثانية, وأقول لقد

رأيت رجلا لآخر مرة, وقد ضربته, فيما قدم هو العون لي. (صمت) أن أجد مزقا من الحب في قلبي وأموت على وفاق مع جنسي البشري. (صمت) ما الذي يجعلك تحدق الي مشدوها هكذا؟ لاصمت) هل قلت شيئا لم يكن ينبغي ان أقوله؟ (صمت) ترى كيف هو شكل روحي؟

 (A يتلممس طريقه باتجاهه)

A: أصدر صوتا.

 (B يصدر صوتا. يتابع A الصوت. يتوقف).

B: الا تملك حتى حاسة شم؟

A: إنه النتن ذاته في كل مكان. (يمد يديه) هل أنا قريب من يديك؟ (يقف بلا حراك ويداه ممدودتان أمامه).

B: انتظر, أنت لن تقدم لي خدمة بلا مقابل؟ (صمت) اعني بدون شروط؟ (صمت) يا إلهي الطيب ! (صمت. يتناول يدي A ويسحبهما نحوه).

A: قدمك.

B: ماذا؟

A: أنت قلت قدمك.

B: وهل أملك سوى معرفتي :(صمت) أجل, قدمي, دسها تحت

الغطاء (ينحني  Aويتلمس بيديه) على ركبتيك عل ركبتيك,

سيكون ذلك أيسر (يساعده على الرلحوع في امكان الصحيح) هنا.

A: (باهتياج) أفلت يدي! تريدني أن أساعدك وأنت تمسك يدي!

(يترك B يده. يفتش A في ثنايا البطانية) ألك ساق واحدة فقط؟

B: واحدة فقط.

A: والثانية؟

B: ساءت حالها وتم استئصالها.

 (يدس A القدم)

A: هل هذا يفي بالغرض؟

B: لفها أكثر قليلا (يشد A البطانية أكثر على القدم) يا ليديك كم هما لينتان !

 (صمت).

A: (مكسا جذع (B هل بقية الأعضاء بخير؟

B: لم يجر استئصال أي جزء آخر، إذا كان هذا ماتعنيه. (يد A تتابع تلمسها الى الأعلى, تصل الوجه, وتبقى عنده)

A: هل هذا وجهك؟

B: أعترف أنه كذلك (صمت) أي شي ء آخر يمكن أن يكون؟

 (أصابع A تواصل التلمس, تتوقف) إنها غدتي الدهنية.

A: حمراء؟

B: أرجوانية. (يسحب A يديه ويبقى راكعا) يا لليدين اللتين لك(صمت).

A: أما يزال الوقت نهارا؟

B: نهار؟ (ينظر الى السماء) إذا أردت. (ينظر) ما من اسم أخرله

A: ألن بحل المساء قربيا؟

 (بنحني B الى A ويهزه)

B: بكفي با بيلي، هيا انهض, لقد بدات  تزعجني.

A: ألن يحل اللبل قربيا؟

 (ينظر B الى السماء)

B: نهار.. ليل.. (ينظر) يبدو لي في بعض الأحيان أن الأرض

لابد قد علقت, ذات نهار بلا شمس, في قلب الشتاء، في كآبة

المساء. (ينحني على A ويهزه) هيا يا بيلي, انهض, لقد بدأت تربكني.

A: أثمة عشب في أي مكان؟

B: لا أري أية عشبة.

A: (بعنف) أما من خضرة في أي مكان أبدا؟

B: هناك القليل من الطحالب. (صمت A يشبك يديه على البطانية, ويريح رأسه عليهما) يا إلهي الطيب؟ لا تقل انك سوف تصلي؟

A: لا….

B: أو تبكى؟

A: لا.(صمت) بإمكاني البقاء هكذا الى الأبد، برأسي ملقى على ركبتي رجل هرم.

B: ركبة (يهزه بقوة) انهض الا تستطيع !

A: (يثبت نفسه في وضعه بشكل مريح أكثر) يا للسلام ! (يدفعه B بقسوة بعيدا، يسقط A على يديه وركبتيه) دأبت "دورا" على القول إنه في اليوم الذي لا أجمع فيه ما يكفي  من النقود، فإلى الجحيم أنت وقيثارتك ! ستقوم بالعمل أفضل وأنت تدب على أربع, بميداليات أبيك المثبتة بالدبابيس على مؤخرتك, وصندوق النقود حول عنقك. الى الجحيم أنت وقيثارتك ! من تظن نفسك؟ وجعلتني أنام على الأرض. (صمت) من كنت أظن نفسي..

(صمت) أن ذلك لم أستطع قط… (صمت. ينهض واقفا) لم أستطع قط..

(يبدأ بتلمس طريقه من جديد نحو كرسيه, يتوقف, يصغي) لو كنت أصغيت زمنا أطول لسمعته, لكان انبعث به الوتر.

B: قيثارك؟ (صمت) ما كل هذا الحديث عن قيثار؟

A: كنت أملك مرة قيثارا. ابق ساكنا ودعني اصغ.

 (صمت)

B: الى متى ستبقى على وضعك هذا؟

A: يمكن أن أبقى هكذا لساعات, مصغيا الى جميع الأصوات.

(يصغيان)

B: أية أصوات؟

A: لا أدري أية أصوات هي.

(يصغيان).

B: أقدر أن أراه. (صمت) أقدر..

A: (متوسلا) الا يمكنك البقاء ساكنا؟

B :لا ! (يمسك A رأسه بيديه) اقدر أن اراه بوضوح, هناك على لك الكرسي. (صمت) ماذا لو أخذته يا بيلي, ومضيت فارا به؟ (صمت) هيا يا بيلي, ما قولك في هذا؟ (صمت) ربما يأتي ذات يوم رجل هرم, خارجا من حفرته, ويجدك تعزف على الهارمونيكا. ولسوف تقص عليه قصة الكمان الذي كنت تملكه يوما. (صمت) ها بيلي؟ (صمت) أو تغني. (صمت) ها بيلي, ما قولك في هذا؟ (صمت) ينعب هناك للريح الشتائية (صوت ايقاع فظ) وقد أضاع  الهارمونيكا التي كانت معه. (يلكزه في ظهره بعصاه) ها

بيلي؟

 (يدور Aحول نفسه, يقبض على طرف العصا وبتزعها من حوزة B).
 
ترجمة وتقديم : طاهر رياض (شاعر من الأردن )

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …