أخبار عاجلة

صوتان.. ورؤيتان الرواية النسوية في اليمن

1- يلاحظ الدارسون ندرة (الرواية) كجنس أدبي مكتوب ضمن الأدب اليمني الذي يبدو انه – شأن الأدب العربي عموما- يشكو من (سيطرة الشعر).

فالرواية اليمنية المنشورة في كتب أو تلك المنشورة مسلسلة في الدوريات لا تتجاوز الأربعين رواية على مدى ستين عاما (1) منذ صدور أول رواية يمنية لمحمد علي لقمان بعنوان (سعيد) عام 1939م أي أن هناك وراية واحدة كل عام ونصف، أما حصة المرأة في هذا العدد فهي خمس روايات فقط، تبدأ برواية رمزية الارياني (ضحية الجشع) وروايات عزيزة عبدالله الثلاث، وهناك رواية تاريخية يصعب عدها (رواية) بالمعنى الفني هي (دار السلطنة) لرمزية الارياني أيضا.

1-1

ويمكن إيراد أسباب عديدة لهذه الشحة في النتاج الروائي عامة، والرواية النسوية خاصة، كقصر نفس الكاتبة، وضعف ثقافتها أو انعدام الموروث الروائي المحلي، وانقطاع اليمن عن الثقافة العربية والعالمية خلال هيمنة الحكم الامامي في الشمال، والاستعمار البريطاني في الجنوب، لكن الدكتور عبدالعزيز المقالح – وهو شاعر وناقد متابع بدقة لنتاج الأدبي العربي واليمني- يرى أن سبب استمرار (سيطرة الشعر) على ميدان الخلق الأدبي اليمن وغيرها من الأقطار العربية، لا يتعلق بالشعر ذاته كفن العربية الأول والأعمق جذورا في ثقافتنا وذاكرتنا، بل يراه في (الظروف العربية) وما يكتنف الواقع الراهن من قلق واضطراب، مما يقطب سنوات لتمثل جوانبه الفنية والفكرية وإنجاز عمل روائي يتسع للتفاصيل والتوغل في أعماق الشخصيات موضوع الرواية.. وذك ما يدعو المقالح إلى وصف الرواية في اليمن بأنها (النوع الأدبي المفقر). (2)

2-1

وفي حالة الرواية النسوية يتساءل الدارسون عن الشحة الواضحة في كتابتها، رغم أن المرأة تأخذ دور الراوية في المجالس النسائية الخاصة في كثير من بيئات اليمن ومناطقها، فتحكي المرأة لزميلات الجلسة ما تحفظ من حكايات شعبية ذات دلالات اجتماعية وأخلاقية، وقصص تقليدية مصحوبة بالأداء الدرامي في السرد، كما تروي في تلك المجالس النسائية بعض مآسي الحياة الواقعية، بينما تستمع النسوة الحاضرات إلى القص باهتمام وتعاطف كبيرين، وربما يجري التعليق على مدلول تلك الحكايات ومغزاها. (3)

3-1

واذا أضفنا الحكايات الشفافية التي ترويها الأمهات والجدات في المنازل وترسخ في ذاكرة الكاتبة، فسيكون هناك امتداد سردي في مخيلة الكاتبة من المنتظر أن يؤثر في (خلق) الكاتبة (الروائية)، وإنعاش هذا الجنس الكتابي المفقود. ولكن المعين الأخير والذخيرة الأكثر حيوية وتأثيرا في خلق الروائية وتوليد الأعمال المنتظرة أو المفترضة، هو (الواقع) والحياة اليومية للمرأة في المجتمع اليمني وما تعانيه من إكراهات وضغوطات باختياراتها كوجود وذات ويسهم في تشكيل هويتما الثقافية كمبدعة.

-2-

ولكي نتفحص التحول في وعي المرأة الكاتبة وإحساسها بظروفها والتعبير عنها بعد تمثلها واستيعابها، سنواجه مشكلة إجرائية تتلخص في صعوبة رصد الاتجاهات الفنية وتحولها، وما يشير إلى تحول وعي المرأة ذاتها، بسبب ندرة الأعمال الروائية النسوية.

لكننا نستطيع عبر قراءة الأعمال المنشورة أن نلاحظ هيمنة الاتجاه الواقعي على الكتابة الروائية النسوية.

فالمجتمع ونقل الواقع وكثافته والظروف التي تعيشها المرأة عمليا، رغم وجود التشريعات والفرص والقوانين التي أعادت لها كثيرا من حقوقها، ترشح كلها هيمنة الواقعية كأسلوب في الكتابة وليس فقط كنظرة أو رؤية فكرية. لذا ارتبط الرواية النسوية بهذا الواقع كمرجع لأحداث السرد وأفعاله وشخصياته، وسادت النظرة التي تتصور قيمة الحل بمقدار تمثيله للواقع بأمانة وارتباطه به.

وذلك أمر يعكس بساطة ومباشرة وتواضعا في تقنيات العمل الروائي، مما لا نراه في أجناس أخرى كالشعر الذي نلاحظ هيمنة تيار الحداثة على كتابته واندفاع الشاعرة اليمنية في إنجاز قصيدة حديثة تلاحق التحولات المتلاصقة في الشعرية العربية.

1-2

وإذا كانت الروايات المنشورة لا تعطي تنوعا في رؤية الروائيات وتحصر الأسلوب بالواقعية ونظرية الانعكاس والتقليد ونمطية الشخصيات والأحداث، فإن ذلك لا يعني انعدام النظرة المقابلة أو المعاكسة التي تستفيد من التحولات الثقافية والمكونات المتاحة للكاتبة.

1-1-2

وتد استدعى ذلك البحث عن كتابات لم تصدر أو تطبع، تعبر عن ذلك الرؤى المغيرة سواء بالنظر إلى مضمون السرد أو إلى صيغه وأساليبه.

وكان النموذج المتاح هو رواية كتبتها شاعرة يمنية معروفة ذات إنجاز شعري طيب، هي نبيلة الزبير، حيث أطلعنا على روايتها المخطوطة (لا.. ليست معقولة) فاتخذناها نموذجا لما دعوناه الصوت الأخر والرؤية المغايرة.

فالزبير(المولودة عام 1964م والتي صدر لها ديوانان شعريان حديثان)(4) تنتقل بالخطاب الروائي إلى مناطق أكثر حداثة مضمونيا وأسلوبيا.

ولبيان هذا التحول في الرؤية والأسلوب سنعقد مقارنة بين رواية نبيلة الزبير، ورواية واقعية نشرتها مؤخرا الكاتبة عزيزة عبدالله (التي ولدت عام 1945م وصدرت لها ثلاث روايات) (5) وهي جميعا تأخذ أحداثها وشخصياتها من الواقع إلى درجة التطابق مع الوقائع أحيانا، كما سنرى عند التحليل.

2-1-2

وأول ما سنلاحظه في المقارنة هو وجود هموم مشتركة على لائحة اهتمامات الكاتبتين تتعلق بالذات النسوية ومكانتها في الأسرة والمجتمع، واختياراتها المحددة برغبة الأسرة، في قضايا الزواج والطلاق والميراث، والعمل، والحجاب، ومكانتها بين الأخوة الذكور، ونظرة المجتمع لها.

كما تلامس الروايتان، بدرجة او أخرى، قضايا الهجرة والاغترب عن الوطن لغرض العيش، وهجران المرأة وترك الأبناء لديها لتربيتهم، وعلاقة المرأة كزوجة بأسرة الزوج وبأفراد اسرتها هي ايضا.

ولا يغيب عن تلك اللائحة وجود نماذج نسوية شريرة هن في الأصل ضحايا التقاليد المرفوضة ذاتها وسقوط المرأة أخلاقيا أو اجتماعيا في بعض الحالات، نتيجة الانسحاق تحت وطأة استبداد الرجل، والعنف المسلط على المرأة.

-3-

تنتمي رواية عزيزة عبدالله (أحلام.. نبيلة) إلى الاتجاه الواقعي، لذا تنجز الرواية برنامجها السردي وفقا لاشتراطات هذا الاتجاه، ولا تكتفي بتأكيد ذلك على مستوى الفن أي كتابة العمل ذاته، بل على مستوى التلقي حيث تسرب للقارئ – في مقدمة العمل وتمهيده وفي ثناياه أيضا- ما يوجه قراءته باتجاه مطابقة أحداث الرواية للواقع والتصاقها به.

1-3

وأول ما يطالعنا هو عنوان الرواية الذي يعتمد على التمويه ومخادعة القارئ.

فأحلام هي بطلة الرواية التي تسرد ما جرى لها منذ أن عرفت باسم (حليمة) ثم تحولها الى (أحلام). و(نبيلة) هي ابنة أخيها الطفلة التي تعهدتها بالتربية بعد هجرة والدها (راجح) لكن العنوان يوحي بوصف الأحلام بالنبل لأنها أحلام امرأة فقيرة لم يتح لها التحقق بسبب الظروف القاسية التي مرت بها البلطة.

كما يمكن قراءة جملة العنوان باعتبارها جملة اسمية (مركبة من المبتدأ وخبر)(6) أي أن أحلام بطلة الرواية موصوفة بالخبر (نبيلة) رغم الشر الذي مارسته بعد أن تحولت الى (أحلام الجديدة) وتأكيدا لبراءتها كونها ضحية لاستبداد الآخرين.

وإذا ما انتبهنا الى استراتيجية العنوان وكونه نصا مفتاحيا يضيء الطريق الي النص الاكبر أو متن الرواية، لأمكننا اكتشاف ما في هذا العنوان من جماليات تقليدية تختفي وراء لعبة التورية، واخفاء أهداف مضمونية وراء التسمية.

ولا يخفى أن التسميات العنوانية أو المتصلة بالشخصيات تعكس جزءا من أيدلوجية النص الروائي ورؤية كاتبته التي تريد تلخيص رأيها بمأساة (أحلام) وما جرى لها، وبذا يؤدي العنوان وظيفة استباقية، أي أنه يحقق هدفا سابقا على إنجاز البرنامج السردي للنص.

2-3

ويؤازر هذا التصور(اخلاقي)والرؤية الشاملة لقضية المرأة الضحية رنم نبلها، ما عكسه مصمم الغلاف (حلمي التوني) حين وضع في واجهة الكتاب الأمامية رسما لإمرة ملفوقة بستارة تقليدية مما تلبسه النساء اليمنيات كجزء من الحجاب، الذي تأكد كذلك بالنقاب الموضوع على الوجه، فلا تظهر منه إلا العينان بينما التف على المرأة حزام عريض بالغ فيه الرسام ليعكس أسر المرأة وتقييدها، مظهرا الخنجر اليمني (الجنبية) رمزا لمكانة الرجل وسطوته، في حين تظهر المرأة ملحقة به. (8)

3-3

وسوف نتجاوز عبارة (رواية يمنية) التي أثبتها الناشر تحت العنوان، ربما ليزيد جاذبية العمل الروائي، أو يخصصه بهذا الجزء المجهول والمشرق من بلاد العرب، فقد علمت أن الروائية لم تنص على وصف روايتها بأنها (يمنية) في أصل عملها.

لكن ذلك يعكس أفق انتظار الناشر كقارئ للعمل، ودرجة تلقيه له وإحالته له – بعد القراءة – إحالة قوية ومباشرة الى الواقع، وإلا فإن هذه الرواية منجز إبداعي عربي في المقام الاول، ولا مبرر لهذا الوصف إلا في الروايات المترجمة في العادة. (8)

ويتعمق إحساس القارئ بمحلية العمل وواقعيته عندما تطالعه عتبة أخرى من عتبات القراءة وموجه آخر من موجهات القوية، وهو التنويه الذي تصدر العمل وهو بتوقيع المؤلفة حيث تقول: "تنويه لم أبذل في هذه الرواية جهدا سوى الصياغة وترتيب الأحداث وذلك أن وقائعها المثيرة وواقعيتها الدرامية لم تكن في حاجة الى المزيد." المؤلفة.

بالمؤلفة- وهي تصر على هذا الوصف، وليس وصف الكاتبة أو الروائية- إنما اكتفت بالصياغة وترتيب الأحداث، أي أنها مسؤولة عن المبنى الحكائي نفسه وترتيب الأحداث بحسب وقوعها ودرجة صدقها وواقعيتها (الدرامية) فهي تعود للساردة وبطلة القصة كما يظهر من القراءة.

وبهذا نفسر مقدمة (طارق فودة) للعمل، حيث اعتبر الرواية ((حكاية اليمن كلها عبر شخوصها التي عاشت أزمنة محددة في قراها الصغيرة تعاني وتحلم بعد أفضل …)). (9)

أما قراءة الدكتور عبدالعزيز المقالح في تقديمه للرواية فتعكس رؤيته لصلة العمل الروائي بالواقع، حيث اعتبر نجاح الرواية، ليس في مطابقتها للوقائع ومقدار واقعيتها بل ((في إبراز القلق المخيف الذي تعاني منه بطلة الرواية وما تتعرض له من مشاكل نفسية واجتماعية)). (10) ولكن قراءة المقالح (إسقاطية) أي انهها تنبثق من ذاته القارئة كفاعل، أما قراءة فودة فهي (تفسيرية) تتبع العمل وتنفعل به وتنقاد الى موجهاته. وهذا في ظني مصير أغلب القراءات المتناغمة مع واقعية العمل والبحث عن انعكاس مفردات الواقع داخل العمل، ومدى مطابقتها له ونقلها لجزئياته.

1-3-3

تختار عزيزة عبدالله المزاوجة بين نوعين من السرد هما (السرد الموضوعى) الذي يقوم فيه راو خارجي عليم بمهمة السرد و(السرد الذاتي) المتميز بحضور السارد وقيامه بالمشاركة في الأحداث. لكن المؤلفةالمكتفية (بترتيب الأحداث) تعطي مهمة السرد لأحلام، بعد لقائها بها في أحد المجالس النسوية وانتباهها الى الطفلة ذات الأعوام الأربعة التي تصاحب أحلام، ثم تستدرجها الى بيتها بعد معالجة الطفلة لتقص عليها حكايتها.. وتلجأ المؤلفة الى تجزئة أو تشظية الأحداث عبر لوحات أو مشاهد قصصية قصيرة ذات عناوين فرعية، ترتب من خلالها أفعال يبدأ من النهاية، أي أن المصائر كلها قد تحددت وأن النهاية قد انكشفت، لكن المؤلفة، الساردة الأولى، تجزئ الاحداث وتقدمها بتعليقات ومقدمات منها لتربط سياقها..

2-2-3

تنجو شخصية أحلام من النمطية داخل الرواية عبر تمردها واصرارها على ما تفعل خلافا لصورة النمطية المتوقعة لها ضمن أبعادها الواقعية..لذا فهي تتحول من (حليمة) التي تقص مأساتها التي بدأت عند زواجها وسفر زوجها الذي اختاره لها أبوها بعد أن عرفه في المهجر، ثم هجرته ثانية بعد زواجها منه، وما تعانيه من عنت أسرته خلال غيابه، وتطليقها منه برغبة والدها، وزواجها ثانية رغم أن لها ولدا من زوجها الأول، لكن الزوج الثاني يهاجر أيضا بعد حادث دراماتيكي يموت فيه ابن حليمة من زوجها الأول وابنها من زوجها الثاني، ويتشرد أخوها (والد الطفلة نبيلة) وتزداد النزعة المليودرامية للرواية بزواج الأب نفسه ثم موته واضطرار حليمة الى إعالة أكثر من أسرة بينما يوغل زوجها في أسفاره، وتنتاب أحلام شتى الاضطهادات من اخوتها وزوجة أبيها حتى تضطر الى الجنوح والبحث عن سند أو قوة تواجه بها الحياة، فتجدها في (أمة الملكة) المتزوجة من أجد المسؤولين والتي تعينها لتثأر من كل مضطهديها وتزين لها الإيغال في الشر .. ولا تنتهي الرواية نهاية محددة فحليمة تغيرت وصارت (أحلام) وامرأة جديدة لا يثنيها شيء عن هدفها، فتعلق المؤلفة – الساردة الأولى على الأحداث في فصول الرواية الأخيرة تعليقا مباشرا حين لا تستطيع مساعدة أحلام في بناء حياة جديدة، وتخاطب القارئ لتأمل ما حدث لهذه المرأة والعمل على ألا تكون نبيلة الصغيرة كأحلام .. وبذا يتحول القارئ الى مروي له بعد أن كانت الكاتبة هي المروي لها .. وهكذا تتكشف الفلسفة الواقعية للرواية بتعليقات وتعقيدات مباشرة مثل ((لا أحب للمرأة في بلدي السعيد أن تكون غير تلك الابنة الصالحة المطيعة والزوجة الراضية والأم المتفانية .. لكن مع كل المراعاة لشعورها وكرامتها، وعدم الدفع بها لأن تضطر للتحول الى أحلام جديدة تنتزع حقوقها بيدها وبأية وسيلة متاحة أمامها وحتى لو كانت غير شريفة ..))(11) وهي تعليقات تتخلل السرد وتقطعه بعد أن أصبحت الساردة الأولى مستمعة (أي مرويا لها) لقصة أحلام كما لاحظنا .. وفي عمل يتطابق مع مرجعه مثل (أحلام … نبيلة) لا يمكن للمحلل العثور على سمات سردية واضحة، فتخطيط البرنامج السردي خاضع لتمثيل الواقع والدفع بالرواية الى مطابقة وقائعه .. كما أن السارد هنا مطابق لما يروي فلا مجال التوترات أو تعارضات إلا في بعض الأفعال والأحداث التي اكتفت الكاتبة التعليق عليها.. ورغم أن الكاتبة جعلت من أحلام شخصية مركبة لا سطحية، فإنها اعتمدت على ازدواجيتها الظاهرية وتحول مشاعرها وعواطفها وأفعالها بناء على ذلك. أي أنها لم ترصد دواخلها وأعماقها لتعكس صدى تلك التحولات عليها..

3-3-3

ولم تهمل الكاتبة الأساليب الممكنة لإنجاز السرد: وصفا وقصا وحوارا، لكنها أتاحت للأفعال وأحداث السرد مكانا واسعا بحيث تلاحقت الأفعال وصار لها زمن أكبر من زمن القص نفسه، فضلا عن زمن الكتابة، لدفع الأحداث الى نقطتها الميلودرامية المؤثرة.. واكتفت من الوصف بما يحيط جلسات القات ومواصلة السرد بين إضفاء خصوصية على مكان الحدث وهو (منطقة حراز) في الريف اليمني، ولم يظهر الزمن واضحا أو متعينا، كما أن لغة السرد اكتفت بالبساطة المطلوبة من شخصية كأحلام، وبدلا من صنع فضاء لغوي وجماليات تعبيرية كانت اللغة تقوم بدور الانجاز الحدثي وتوصيل الأفكار دون اعتناء بالمفردة أو الصورة أو الحوار المؤثر واللجوء الى دلالات شائعة ومعان ومغازي معروفة تنصب على عكس معاناة الشخصية كامرأة في مجتمع يمارس عليها أنواع الاضطهاد والتهميش..

-4-

بمقابل هذه الرواية الواقعية المتمثلة للوقائع ومفردات الحياة، تتقدم رواية نبيلة الزبير المخطوطة (لا .. ليست معقولة) لتعكس صوتا ورؤية حديثتين، ينهلان من إشكالية الشخصية الرئيسية والراوية المشاركة التي نرى من خلالها ..

1-4

فالرواية منجزة عبر مونولوج طويل استغرق (226) صفحة، على لسان البطلة (سكينة علي عمر). هذا النوع من السرد المعروف بالسرد الذاتي يتيح التعرف على أعماق الساردة المشاركة في الأحداث، ويؤكد جرأتها لانها تنسب الأحداث كلها الى نفسها دون اختفاء وراء شخصية أخرى.. كما أن المطابقة بين شخصية الساردة- البطلة وشخصية الكاتبة وارد أيضا، لكونها شاعرة، ويستطيع القارئ الاستعانة بنتاجها الشعري المنشور باسمها لتصور هذه المطابقة.. فالساردة هنا راوية مشاركة، ومتطابقة مع المروي بشكل كامل، وقد أبعدت الكاتبة عملها عن مجال السيرة الذاتية، باعتمادها المتخيل عمودا فقريا لروايتها التي تشكل مونولوجا طويلا من الهذيان الذي تطلقه بطلة الرواية في نوبات مرضها وجنونها، مما جعل الكاتبة تختار عنوانا موحيا هو (لا .. ليست معقولة) فالنفي بأداتين (لا) و(ليس) ينصب على معقولية ما سيروى في المتن، فكأنما تهيئنا الكاتبة لهذا الهذيان ليناسب لا معقولية الاشياء من حولها، ويؤكد رأيها فيما يجري حولها، ويلخص وجهة نظر الكاتبة في العلاقات التي تنظم حياة المرأة. (*)

2-4

وهذا هو أول افتراق نتلمسه للابتعاد شعوريا وعاطفيا عن الواقع المرفوض، ورغم حضوره بقوة في الراوية، فالكاتبة- وعبر السرد الذاتي- تعري هذا الواقع وتعطيه بعدا غرائبيا لاقناعنا بلا معقوليته، لا كوقائع حادثة فعلا بلا كمنطق وانساق تفكير وتعامل، وكل ذلك مقدم من وجهة نظر امرأة شاعرة، مقتلعة من طمأنينة الاسرة والفردوس الزوجي والعمل وما يقدم المجتمع من رشاوي أو هبات واغراء للمرأة كي يزور وعيها ووجودها، ويكيف حياتها بحسب خطابه .. ولاشيء في الرواية يمكن التيقن من حدوثه، الواقع نفسه ملتبس رغم ثقله وقسوته وضراوته. تبدأ الرواية بفصل من أول من اثنى عشر مشهدا تفضل بينها الارقام، لكننا نتسلم شكوكا تؤكد لا معقولية الحدث وغرابة الفعل السردي: ((كنت أصحو من شيء لا أظنه النوم، عينان مغمضتان .. أنا مستيقظة، ممدودة، نعم أنا ممدودة تماما، اسمع كأن مجرفة تسحب أطرافي، قد لا تكون مجرفة ربما يد، أين يدي؟ الحمدلله، هذا رأسي بدأت أتحسس جسدي كله)).(12)

الراوية إذا مسلوبة الوعي، لكن عليها في هذه الفوضى وفقدان الذاكرة ووهن العقل والجسد أن تنقل لنا، عبر الفصول الثلاثة ومشاهدها الستة والثلاثين ما حصل لها. بعد أن تسقط أرضا فاقدة الوعي في ارض مهجورة سنكتشف في فصل الرواية الأخير أنها ارادت بيعها بعد أن قررت الطلاق من زوجها الذي وعدها بالتعامل معها كشاعرة وانسانة وإذا به يريدها امرأة عادية كما في تصوره عن المرأة.. لا يحتمل وجودها الإنساني واهتماماتها وكتابتها لشعر، تماما كما كان موقف الأب من قبل وكأنه صورة أخرى له..

 

امرأة نبيلة الزبير لا تتفوق على امرأة عزيزة عبدالله بهذا الوعي المضاف ولا العمل أو الجرأة على اتخاذ القرار ومجابهة الأسرة ولكنها تتجه الي الداخل متأملة ذاتها، ومفلسفة كل شيء حولها، حتى بحضور الأب والأخ والأخت والجارة والصديقة والبنت والزوج فإن سكينة (البطلة/ الراوية) لا تكف عن الإعلان عما في داخلها من لوعة لأنها صدمت بكل شيء، ولم يبق لها سوى ابنتها (رؤى) التي تلتمع كالضوء الباهر وسط ظلام غيبوبتها وهذياناتها. وعلى القارئ أن يفرز الحقائق المتشظية وسط تلك الفوضى، ويقرأ الحدوس كاحتمالات لا كأشياء يقينية، كقول سكينه (مرت ساعات.. ربما سنوات.. ساعة رأسي خوي.. الخواء بطن.. أحاول أن أفكر، لا أجد رأسا).(13)

فالزمن هنا غير متعين، وعلي القارئ أن يدمج أفق قراءته بسياق السرد الذي ألغى الزمن.. وهذه الإشكالية في عدم تحديد الزمن وغياب الوعي تستكمل انغلاقها بغياب المكان نفسه، سواء أكان خارجيا (المدينة صنعاء وضواحيها) أم داخليا (الغرفة والأمكنة الصغيرة التي اتخذتها سكينة مقرا لها وأطلقت عليها تسميات طريفة)، ويتضح هذا اللبس المقصود ضمن المونولوج الهذياني حتى في علاقة الراوية بالأشياء كبيتها القديم ومفتاح الباب وكتبها وسريرها وثيابها، وعلاقتها بالنبتة التي اطلقت عليها اسما، وراحت تلقي عليها تداعياتها وافكارها، وكذلك الزاوية التي اعتكفت فيها..واذا عرفنا أن نبيلا شاعرة في المقام الأول ولها تجارب شعرية كثيرة، فهمنا سر هذه اللغة المتعالية التي يرتفع فضاء مجازها عن أرض الرواية وأمكنتها، فكثيرا ما كانت الراوية – البطلة (وهي شاعرة أيضا) تعلق وتحاور أو تفكر بلغة شعرية لا تمنح السرد ملموسية حديثة، بل تراكم الفوضى التي خلفها مونولوج الهذيان المرضي كقولها: ((يا لهذه المدينة.. كيف يمشي الانسان وسط دمه؟ لكن طريقا تنبض .. الطريق التي مازالت في خطواتنا.. هربت بها.. أصخت الخطى.. احتدم الايقاع السريع لمشيتي)).(14)

وليس هذا المجتزأ إلا جملة سردية طويلة تمثل تداعيا للبطلة الساردة وهي تستذكر مكانا كانت قد ألفته قبل مرضها، وهو نموذج لاشتغال اللغة في هذا النص، فإذا كان القارئ ينتظر توصيلا للأفكار أو تجسيدا للأحداث ونموا لها أو وصفا متعينا أو حوارا معقولا فإنه سينخذل إذ يتسلم فضاءات يصنعها المجاز والرؤية الشعرية رغم أنها تناسب شخصية البطلة وجو الكابوس الذي تعيشه.. وقد اتضح ذلك في التعليقات المميزة بخط مغاير وهي جمل تقولها سكينة مع نفسها دون أن يسمعها أحد وتستكمل بها مشاعرها ومواقفها.

لكن الفضاء الشعري في الرواية لم يحجب عنا كسرا وبقعا من حياة البطة وعلاقتها بالأخر لا سيما والدها الذي تمر من خلاله بأخطر القضايا التي تواجه المرأة، وأولها نضوجها الجسدي الذي استدعى لبسها الحجاب، وقرارها بالتمرد على ذلك القرار الأسري، وتعرضها للعنف من أخيها، ومواجهة الأب المحاط من أفراد الأسرة الآخرين بقدسية كبيرة، وذلك يتكرر بقرار اخر أكثر جرأة وهو كتابة الشعر الذي تعده الأسرة محرما على البنت فيكون رد سكينة (كتابة الشعر أصبحت محور حياتي ولن أتنازل عنها يا أبي).(15).. وسيكون (الشعر) سببا آخر في افتراقها عن (أحمد) الذي تهدد أمته في ختام الرواية وانهار مبتعدا..

4-4

هكذا تتشكل شخصية سكينة من مجموعة تحديات أم تكن على لائحة بطلات الرواية الواقعية، ذلك ان الوعي المتزايد للمرأة يبرز مشكلات أخرى أكثر تعقيدا رغم وجود العامل المشترك المنوه عنه سابقا.

1-4-4

إن الأب في وراية نبيلة الزبير يقترب شأن الأب والأزواج في رواية عزيزة عبدالله، لكن اغترابه ذلك لا يزيد في وقعه عن اغترابه الروحي عن ابنته التي تحس أنه بعيد عنها حتى وهو داخل المنزل. أما البنت فهي ليست صورة مستنسخة عن (أحلام) كما في رواية عزيزة عبدالله، بل هي كيان منفصل تتعمق من خلالها وجهة نظر الساردة – الأم.. ونعود هنا الى إهداء الرواية كعتبة قراءة مهمة في السرد الحديث، فنجد نبيلة الزبير تهدي الرواية لابنتها (نخلة أو كرمة مستأنسة) فهي ترى فيها تلك الروح المتطاولة والممتدة الى أعلى حيث الفضاء والانسانية بأجلى صور عطائها (النخلة والكرمة) وذلك يعكس ثقة بالآتي من الأيام التي لا تخيف الكاتبة كما أخافت رواية أحداث (أحلام .. نبيلة) وجعلتها تخشى على نبيلة الصغيرة من تكرار دورة العذاب والجور التي مرت بها أحلام.

2-4-4

أما العلاقة بالرجل الزوج ولحبيب فهي تنطوي على ندية واختيار تصبح معهما المرأة فاعلة مسهمة في الأحداث والمصائر لا منفعلة بها فحسب، فهي إذ تجد في (أحمد) أمنا وملاذا وتختاره لحياتهما المشتركة لا تتردد في الانفصال عنه آخر الرواية عندما تحس أنه قد فقد أمنه.. فتنصحه أن يبحث عن سكينته فيه لم تعد محصنة أحدا!

لقد ارتدت الى ذاتها بثقة واضحة رغم افتقار مونولوجها الهذيياني للترابط السببي أو توالي الأحداث انصياعا لمنطقها الداخلي الخاص وترتيب أحداث السرد وأفعاله على هذا الأساس.

وهذه الثقة تتضح ايضا في تمرد سكينة على مسؤوليها في العمل ورفضها التزوير والغش والرشوة ومواجهتها لأوامر المسؤولين بالرفض، كما حصل قبل ذلك في مواجهتها مع عمادة الكلية أثناء دراستها ومواجهتها لأبيها وأخيها وجيرانها وزوجها..ولكن المرأة ليست نمطا ثوريا متمردا على الدوام، فها هي (تقية) نموذج للخذلان والوقوع في فخاخ الرجل المنحرف، بل هي تحاول إغواء سواها من النساء. وهذا يحيل الى نموذج (أمة الملك) لدى عزيزة عبدالله فهي لا تزال تعتبر بعض بنات جنسها سببا في الإثم والذنب أو جزءا منه على الأقل.

إن رواية نبيلة الزبير تقدم، عبر وجهة نظر الساردة المشاركة في الأحداث والمتمركزة في القلب منها، نموذجا لوعي حاد، يرفض الواقع باستيعاب آلياته وطرائق عنفه واضطهاده، ويصنع خلاص المرأة باستجداء حقوقها أو العطف عليها بل باختيار مصيرها.. وتلك هي الرواية الجديدة المعبر عنها بهذا الصوت الروائي الذي يحفظ للفن شروطه ومتطلباته بينما يعكف على تسرب مضامين التمرد واستقلال ورفض القهر أيا كان مصدره.

-5-

لقد كانت انتقالة الرواية النسوية كما لاحظنا من قراءة العملين قد تمت على أكثر من مستوى، فالرواية هنا متغيرة من الالتصاق بالواقع ومجاراته لنقله ولو منتقدا ومعابا في عمل عزيزة عبدالله الى الحفر في طيات الذات الأنثوية وكشف الاكراهات التي تعانيها وضغط الخارج بشتى تعيناته وأشكاله. وقد استلزم هذا التبدل الرؤيوي تبدلا أسلوبيا، فلم تعد الرواية تجهد في إثبات واقعيتها باصطناع لغة حكي وشخصيات وأحداث ومواقف وفضاءات تشير الى الواقع ومفرداته وتسلسلها المنطقي المعتاد، بل تبعثر ذلك كله في فوضى المونولوج أو التداعي الحر.. وهذا ما جعل رواية نبيلة الزبير ذات بعد حداثي أسلوبيا وتمدد في ثناياها الشعر كأسلوب مجاور يتسلل أحيانا الى المتن ويلونه بأطيافه.. ولاشك أن المؤشر الثقافي المكون للكتابة سيكون له أثر كبير في إنجاز سرد حديث بمواصفات متقدمة واستثمار في أنواع أدبية شقيقة لها.. وهذا هو مقترحنا لإغناء التجربة الروائية النسوية في اليمن وتجاوز طابعها الرجولي أو احتكار كتابتها..

الهوامش

(1) تنقل آمنة يوسف في كتابها (تقنيات السرد في النظرية والتطبيق) اللاذقية، 1997ببلوغرافيا عن الدكتور شكري الماضي وتضيف عليه روايتين أخريين ص 143-144، وقد أضفنا بدورنا ما اطلعنا عليه من روايات الى العدد المذكور.

(2) د. عبدالعزيز المقالح: دراسات في الرواية والقصة القصيرة في اليمن، بيروت 1999م ص 11 وص79.

(3) ايانث ماكلانمان: نساء عمران، ضمن كتاب (صورة المرأة اليمنية في الدراسات الغربية) ترجمة أحمد جرادات، تحرير ومراجعة لوسين تامينان، المعهد الامريكي للدراسات اليمنية صنعاء، 1997م، ص 106 وما بعدها.

(4) هما: متواليات الكذبة الرائعة، ثمة بحر يعاودني.

(5) أحلام .. نبيلة: القاهرة 1997م- أركنها الفقية: القاهرة 1998- طيف ولاية صنعاء، دون تاريخ.

(6) هذا الاقتراح تقدمه قراءة عبدالكافي الرحبي في مقالته: (أحلام .. ونبيلة) العتبة وجدل التحول، مجلة الحكمة، العدد 208، صنعاء، اكتوبر ديسمبر 1997م ص 11.

(7) عبدالكافي الرحبي، ص 17.

(8) عبدالكافي الرحبي: ص 15.

(9) مقدمة طارق فودة لرواية (أحلام .. نبيلة) ص 12.

(10) تقديم الدكتور المقالح للرواية: ص 9، وقد أعاد نشرها في كتابه (دراسات في الرواية والقصة القصيرة في اليمن) المشار إليه في الهامش (2): ص 377.

(11) (أحلام .. نبيلة) ص 189-190.

(12) (أحلام .. نبيلة) ص 189-190.

(13) نبيلة الزبير (لا .. ليست معقولة) رواية مخطوطة، ص 26.

(14) المصدر نفسه ص 220.

(15) (لا .. ليست معقولة)، رواية مخطوطة، ص 220..

* بعد إنجاز دراستي علمت من الكاتبة أنها غيرت عنوان روايتها الى عنوان جديد هو (إنه جسدي) ولم أستطع تغيير قراءتي للعنوان الأول لأنني كنت قد انتهيت من دراستي.
 
حاتم الصكر (ناقد وأكاديمي من العراق يقيم في اليمن)

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …