أخبار عاجلة

ضيوف منتصف الليل خمس مكالمات هاتفية حول ثياب السهرة ورقصة الموتى وحلم العوانس ونتصار الصدفة والعودة الى المحسوس واعتذار المضيفات

المكالمة الآول.

"أسمعي, لقد تلقينا دعوة لحضر كوكتيل سيقام يوم السبت عند منتصف الليل. وأريد أن أرتدي ثيابا لائقة. أليس لديك قبعات لطيفة ؟" بالطبع, لدي قبعة جميلة. لأن ابنة عمي تهديني دائما قبعات عديدة لا أستعملها أبدا". "لكن نحن أربعة, ونريد أن نتقدم على شكل رباعي. وكما لا يخفى عليك فالرباعي والخماسي أصبحا موضة اليوم "، "إذن فلتقتسموا القبعة. وتدبروا أمركم ".

يبدو أن الناس يناضلون من أجل الحصول على مثل هذه الدعوات الغريبة. وحفل استقبال في منتصف الليل يغري بالحضور والانبساط لبعض الوقت بعد سهرة رسمية ومقابلة أشخاص غير منتظرين. وحدوث مفاجآت مسلية خلال موسم مضجر. لكن منتصف الليل في كل الأساطير هو الساعة التي تنفتح فيها القبور كي تبرحها الأشباح وتخلد لرقصة الموتى حتى مطلع الفجر. هم أيضا يعدون ثياب السهرة. والشيوخ يصففون لحاهم ويثبتون عرى قمصانهم. والسيدات يبحثن عن أكاليلهن وعقودهن وفرائهن النفيسة وتنوراتهن. والممثلات يتبرجن لأداء أعظم أدوارهن في الحياة. والجنرالات المتقاعدون يلمعون أوسعتهم. والعوانس يحلمن برقصة فالس في أحضان فارس وسيم…

المكالمتان الثانية والثالثة:

بعد عشر دقائق, اتصلت بي صديقتان رسامتان وطلبتا مني بلهجة لا مبالية مصطنعة أن أذهب لرؤية لوحات أنجزتاها معا. وكانت احداهما لحوحا: "إننا نتسلى كمجنونتين ولا يمكننا أن نتوقف عن ذلك, لكننا في حاجة الى من يدلي لنا برأيه في عملنا هل هو قيم أم ينبغي تمزيقه ".

غريب أمر هذا التعاون المفاجي0بين فنانتين مزاجهما مختلف الى حد بعيد، وأنا صديقتهما الوحيدة, لأنهما لا تعاشران أحدا. وقد بدأ هذا التعاون بمحض الصدفة. حين دعيت "كارسكايا" لعرض بعض رسومها المنقوشة بالخارج, وبحكم أنها لم تشتغل على ذلك منذ مدة طويلة اقترحت على "اشتير هيس " القي تهتم بالنقش أن تعمل معها. وفي اعتقادها أن العمل المشترك وتبادل الأراء والنصائح التقنية سيفيدهما معا. وعوض أن تشتغل كل واحدة منهما على حدة, كانتا تكملان بعضهما لإثراء تكويناتهما وأساليبهما وتنويعها. وكانت النتائج مرضية شجعتهما على الاستمرار في التعاون وإنجاز لوحات – كولاجات تساير ميولهما.

ويتضمن هذا العمل تجاربهما الشخصية, ذلك أن "كارسكايا" ظلت تبحث منذ أكثر من عشر سنوات عن الأشياء الغريبة والمهملة لإحيائها في بعض الكولاجات والوصلات.أما "إشتير هيس " فيحلو لها أن تبدع بمزق الأوراق الملصقة رسوما غاية في الشاعرية. وكلتاهما مولعتان بالتردد على سوق البالي لاكتشاف أشياء غريبة وأدوات قديمة قابلة لأن تكتسي جمالا جديدا في إطار مناسب.

وإذا كانت نفس هذه الميول تنسجم مع العمل المشترك فإن تباين مزاجهما يساهم في إنجاح التجربة. وحين يسرف خيال أحدهما في النزوح الى الغرابة واللامتوقع, تفرض الأخرى حسها القوي بالتشكيل. واذا كان ضبط الوسائل التقنية من طرف احداهما يساعد على ضمان الصلابة الضرورية, فإن النظرات اللبيبة التي تلقيها الأخرى تأتي في الوقت المناسب كي تربك التوازن الرزين جدا. وقد تتغير الأدوار في كل لحظة دون أن نعرف أي – قرار عشوائي سينتصر في النهاية.

المكالمة الرابعة:

"اسمعي" أصحيح أنك الآن تدافعين عن البوب آرت (فن الأشياء اليومية ) وتتنكرين لكل ما دعمته من قبل ؟".

كلا، يا أعزائي, فأنا لا أتخلى عن أفكاري، وأمقت الأشياء البلاستيكية ذات السعر الموحد، وأنفر من الشرائط المرسومة, وهذا ما يمنعني من تقدير كل فن يزدهي بمضاهاة موديلاته دون أن يتجاوزها. ويبدو لي بعض الاعلانات الفرنسية رديئة وأدرك جيدا المتعة التي تنجم عن تمزيقها. فليعفوني من رسومهم السيئة التي تندس في بعض اللوحات الحديثة والحال أني أقتات بـ"المادة البديلة " حتى لا أصبو الى "غذاء روحي"مشبع.

لكن, لا ينبغي الخلط بين ما يحدث حاليا في المجال الفني. والتذمر من كل عمل فني لا ينتسب الى الرسم اللاتشخيصي. فهناك في الفن المعاصر دوامات ملتبسة لا ندري الى أين تقودنا. ومن المؤكد أن ثمة حاجة ماسة الى العودة الى المحسوس بعد استنفاد التجريد. والبحث عن أساليب تعبيرية أقوى فصاحة من العلامات والخطوط الخالصة. وهناك أيضا، على النقيض من أنصار البوب آرت, فنانون آخرون يحاولون الهروب من الحياة اليومية الى عالم  لاواقعي عجيب.

كل هذه النزعات تلتقي في كولاجات "كارسكايا" و"إشتيرهيس ", حيث تتداخل العناصر التجريدية والواقعية. بعضها تدل على أشكال معينة, وبعضها الآخر يخفي معناه الحقيقي. فالريشات والقفازات والمجوهرات تبتهج وتنمسخ بجوار أوراق قديمة مغضنة ومطوية, وثوب منسل وممزق, وليست هناك لوحة تطرح موضوعا محددا، إذ أن كل لوحة توحي بتأويلات متنوعة شتى.

والوجوه التي ترسم على قوالب من ~كرتون تتحول الى أقنعة مذهلة والسيقان التي تركض, والأيادي التي تنقبض, تذكرنا بالمآسي والمغامرات التي لن تعرف نهايتها أبدا.

ويبدو أن ضيوف منتصف الليل عازمون على التسلي في هذا اللقاء المخبول. وأننا مدعوون بدورنا – نحن المتفرجين – الى مقاسمتهم هذه التسلية.

في بطاقة الدعوة تعتذر المضيفات عن الطابع الارتجالي السيىء لسهرتهن, لكن إذا كن يدعين أن ما يقدمنه لنا لا ينبغي أن يؤخذ مأخذ الجد. فنحن واعون على الأقل بأن أحاديثهن المازحة لن تؤثر فينا، إذا لم تتردد في أجواء السهرة نوتة خافتة وكئيبة.

المكالمة الخامسة, موجهة الى منظمات الحفل:

"أود أن أعرف إذا ما كنتن قد طلبتن, لحفلكن الليلي هذا، كل اللوازم الموسيقية: كالجوقة الصاخبة والأبواق والنفائر، والموسيقى المحسوسة بالأصوات والأصداء. ولا تنسين أيضا الأغاني العتيقة الرومانسية والعاطفية التي سينشدها الضيوف بدورهم !".

ولحظة الانصراف تبدأ المسيرة المأتمية.

 
 
 
ضيوف منتصف الليل
خمس مكالمات هاتفية حول ثياب السهرة ورقصة الموتى وحلم العوانس ونتصار الصدفة والعودة الى المحسوس واعتذار المضيفات
  تأليف:هيرتل فيشر
ترجمة:عزيز الحاكم (كاتب من المغرب)

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …