أخبار عاجلة

طائرة تبدد لون السماء

في وقت الظهيرة كانت جدران البيت الخشبية هادئة لأن الطقس لا يعكر صفوها بالرياح. وكان حمود ببشرته الحنطية يحلم بركوب أرجوحة في حديقة خضراء طقسها بارد ومليء بالرذاذ. لكن أمه أيقظته فجأة، فأحس بالعرق يتصبب منه. وقالت له: «هيا قوم.. اليوم موعد الموكب». لم يفهم كلامها ولكن النشاط دب في جسمه الطويل ونسي الحلم والحر، وركض كالأرنب ولبس نعليه. أمرته أمه بأن يأتيها بالترمس الصغيرة التي وضعت في المطبخ.
سألها بدهشة: «لماذا؟».
وبعد أن استخدمت لحافها في مسح قطرات العرق من على جبينها أجابته وقالت: « سنملأها شربت(1) الفيمتو.. وقد إشتريت الثلج».
 أحس بعطش وتمنى شرب عصير الفيمتو مثلجا، وبعد أن جلب الترمس أضافت الأم وقالت: «هذا سنبيعه للناس الذين سيحضرون لمشاهدة الموكب». 
سألها: «ما هو الموكب؟ ».
«ستعرف هناك». أجابته بسرعه بينما كانت تسكب الماء في الترمس وتخلطه مع قطع الثلج والسائل الأحمر الغليظ، كانت تعمل بنشاط وسرعة، رغم إفتقادها لزوجها الذي رحل منذ سنوات ولم تعرف عنه شيئا. وقد أوهمت حمود بأن أبيه سافر إلى الهند في رحلة عمل وسيعود، وحمود ما يزال ينتظر عودة أبيه من البلاد البعيدة والتي لا يعرف عنها شيئا سوى الحلويات ذات نكهة النارجيل التي تذوقها حينما رجع خاله راشد ذات يوم من الهند.
حمل حمود كيسا به أربع كؤوس بلاستيكية، والأم لبست نعلها وحملت الترمس وإناء يحتوي على ماء لغسل الكؤوس، وذهبا إلى ناحية الشارع المسفلت حيث زحمة الناس واقفين وجالسين على الأرضية المتربة بمحاذاة الشارع. سؤالان ناوشا رأسه: ما قصة هؤلاء؟ وما الفائدة التي سيجنونها من وقوفهم في هذا الحر؟ حين وصلا إلى هناك إنشغلت الأم بالبحث عن مكان تضع فيه عدة العصير، بينما هو أخذ يبحث عن منفذ لرؤية الموكب، كان الناس مثل أحجار رصت حول الشارع، الرجال يلبسون دشاديش أغلبها يحمل اللون الأبيض والنساء بعبايات سوداء، بينما الأطفال يبدو أنهم غير عابئين بشيء لأن حدثهم الأكبر هو اللعب بالتراب والحصى والكرة. الناس هناك يتجرعون الانتظار والعطش، وقد عرفوا بأن الترمس لبيع «الشربت» البارد. وضعت الأم الترمس على حجر مسطح وبدأت تبيع العصير البارد ذا اللون الأسود. وكانت هناك فتاة صغيرة تبيع الحلويات للأطفال. وهناك امرأة بدينة عملاقة تبيع عصير البرتقال ورجل مسن منحني الظهر يبيع الماء البارد.
كان مصدر رزق أم حمود هو خياطة الملابس النسائية في بيتها، ودائما ما تتذكر زوجها حين دخل عليها منذ سنوات وهي بالغرفة بهيئته العملاقة حاملا على ظهره بندقية عتيقة وحقيبة صغيرة، على الفور أحست بالقلق يسري في فؤادها، لم تتكلم، فقط كانت تحدق في هيئته المزرية تلك، تسجل قامته وتجهم وجهه المتعرق مع تلك البندقية، تخزن الرائحة الكريهة التي تنبعث منها ومن الحقيبة.
نظر إليها بحدة وقال لها:
«إسمعي يا حرمة.. أنا راحل.. حمود أمانة عندك.. كلها كم شهر وأرجع.. لا تخبري أحد».
أغلق الباب وراءه ورحل، تركها مع ولدها الصغير، ولكنها ما زالت تتساءل لماذا لم تدمع عيناها في ذلك الوقت؟ رحل ولم يرجع حتى الآن، ربما بلعه البحر، وربما خطفته حورية جميلة وعاش معها على ضفاف الشواطئ الهندية. 
كان حمود متلهفا لرؤية شكل الموكب، والشربت بدأ ينقص وينقص وكأنما الشمس هي التي تشربه، وبإلحاح شديد شرب آخر كأس من «الفيمتو» وأحس بأن كل شي أصبح باردا، بعد ذلك جلست أمه مع آخريات فرشن التراب تحت ظل شجرة. بدأ يبحث عن منفذ ولو صغير بين الأحجار البشرية المتراصة ليكتشف الموكب، حاول أن يجد ثقبا يمر منه، وهو يتساءل:«هل ينتظرون فلوسا؟». سمع رجلان يتحدثان عن موعد مرور الموكب وأن هناك ضيفا كبيرا، كان جدالهما صاخبا، فالأول يزعم بأن موعد الموكب بعد نصف ساعة والثاني يؤكد بأنه لم يتبق سوى عشر دقائق فقط. ثم حدثت جلبة صاخبة بسبب سقوط بائع الماء، تنبه الجميع للحدث وعلى الفور جاء رجل قوي يشبه الثور حمله كطفل نائم وأودعه داخل سيارة «بيك أب بو غمارتين» كانت تقف قريبا من التجمع، ثم صنعت غيمة من الغبار بعد أن ولت مسرعة بعيدا عن الشارع المسفلت. انتزق قلب حمود من أثر سقوط الرجل الضعيف وتمنى أن لا يكون قد فارق الحياة، وقد تذكر الآن بأنه رغم وجهه المتغضن فقد كان كثير الابتسامات. ثم سمع حمود صوتا جهوريا يقول: «مسكين.. سقط بسبب الشمس والوقوف»، وبقلق توجه حمود بنظره إلى أمه التي جلست تحت ظل الشجرة فاطمأن عليها.
وفجأة ساد الصمت بين الرجال والنساء وتحولوا إلى أصنام، بينما استمر الأطفال يعزفون المرح والصخب، أيقن حمود على الفور بأن تلك هي إشارة وصول الموكب إلى منطقتهم، وبسرعة نجح في إدخال رأسه بين رجلين، ومن هناك رأى الشارع خاليا من السيارات، وهذه أول مرة يشاهد شارعا وحيدا بدون عجلات سوداء وعلب حديدية تسرع وتزأر وتدوس بطنه، وفي الاتجاه الآخر من الشارع كان هناك أيضا سور آخر صنع من لحم ودم، وبعد قليل إنكشفت من بعيد سيارات ودراجات شرطة تقدمت مسرعة وأطلقت صفيرا حادا، لكن المشهد انقطع فجأة لأن أحد الرجلين أخرج رأس حمود عنوة ليجد نفسه خارج السور، لكنه صمم على محاولة اختراق الحاجز البشري مرة أخرى وإذ به يحشر رأسه هذه المرة بين امرأتين مكتنزتين تفوح منهما رائحة السمك ليشاهد سيارات كثيرة زرقاء لم يستطع أن يتبين أحد فيها لأنه سرعان ما ركل خارجا، حاول أن يقف ويمشي مرة أخرى باتجاه الشارع، لكنه تعثر بحجر وسقط، فشاهد السماء زرقاء صافية، وقبل أن يستمتع بالمشهد ظهرت طائرة مروحية اخترقت صفاءها، فتبدد لونها واستحال إلى رماد، نهض حمود من سقطته ليسمع صوت أمه تنادي عليه، شاهدها واقفة بجانب الترمس وأدوات العصير، كانت مثل حمامة تدعوه لتحمله على جناحيها وتطير به إلى البيت، إتجه ناحيتها وحمل معها عدة العصير، لكنه لم يلتفت خلفه ليشاهد ماذا سيحدث بعد مرور الموكب وما إذا كان الناس سيظلون هناك في إنتظار شيء آخر أم سيعودون إلى بيوتهم سعداء، كل الذي يعرفه الآن بأنه موجود مع أمه بأمان، يعودان إلى البيت لكي يشعلا السراج بسائل الـ«حل تراب(2)» لإبعاد كمية ولو قليلة من الظلام. إنتابته سعادة مؤقته حينما تذكر بأن أبيه سيعود وسيجلب معه هدية السفر إلى جانب الحلويات الهندية. ومع كل خطوة يخطوها يشعر برغبة قوية في احتضان أمه.
هوامش
(1) الشراب أو العصير
(2) سائل الكيروسين
يحيى سلام المنذري

قاص من عُمان

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …