أخبار عاجلة

طاغور ان كتب

يعتبر الشاعر والفنان رابندرانات طاغور من أكثر حائزي جائزة نوبل في الآداب إثارة للجدل ذلك لأن الإحاطة بنتاجه تشبه ركوب المحيط او شرب ماء البحر، فماء البحر كلما شربت منه ازددت  عطشا.

نظرة سريعة على الجوانب الإبداعية لرابي – اسم التحبب لطاغور- تؤكد ما أذهب اليه فرابي أبدع 12 رواية واا مسرحية شعرية وموسيقية – فقد كان ملحنا ومجددا في الموسيقى البنغالية – وثلاث مسرحيات راقصة، و4 مسرحيات ساخرة، وعددا من مجلدات القصة القصيرة، وعددا من كتب الرحلات، ومقالات متعددة في الأدب واللغة والتاريخ والفلسفة والتربية، و44 ديوانا شعريا، وعددا من قصص وأغاني الأطفال أكثر من ثلاثة آلاف أغنية، وحوالي 3 آلاف لوحة تشكيلية كل هذا انجزه طاغور خلال عمره المديد الذي امتد للثمانين عاما إذ ولد في 1861 وتوفي في 1941.

وفيما عدا استراليا فقد زار «رابي» مختللف بلدان الدنيا وحظي بشهرة عالمية تقارب تلك التي حازها المهاتما غاندي ذاته، فقد عرفه الناس في كل مكان وصار علما على الأدب الهندي والبنغالي خاصة.

يعرف الكثير عن أدب طاغور، ويعرف بدرجة أقل مسرحه، وتندر معرفة طاغور كسينمائي أخرج فيلما واحدا ووحيدا هو «نيتير بوجا» وعن قصة له أخرج «ساتيا جيت راي» فيلما هو «البيت والعالم»  لكن الجانب الخفي والذي يقع في الظل من جوانب هذا العملاق هو رابي المصور والرسام. لماذا؟

لأن «رابي» المصور والفنان أتى متأخرا. إذ بدأ مشروعه التشكيلي وهو في الثالثة والستين من العمر على الرغم من أنه حكى في كتابه الممتع «ذكرياتي» أنه تلقي في طفولته دروسا في الرسم، وفي السنوات الثلاث والستين الأول من حياته المديدة لم يقدم سوى شخبطات لا تخلو من روح المرح والسخرية، والجنوح نحو تسلية الذات.

وفي خلال سنواته الثلاث والستين هذه كان طاغور مهتما بالفن التشكيلي بشكل عام ويتابع أحدث التيارات العالمية في التشكيل، وكان هناك ثلاثة أفراد من عائلته على الأقل ذوو ميول فنية وبعضهم يحترف الرسم والتصوير، من هؤلاء ابن أخيه «ابا نيندرات» وأخوه الأكبر «جيوتريندرا».

ورغم أن طاغور قدم معرضه الفني الشخصي الأول في باريس في عام 1930 إلا أن النقاد الفنيين يعتبرون عام 1924 هو عام بزوغ نجم طاغور الرسام / المصور لأنه وهو في طريقه من بيرو الى الأرجنتين في نهاية الـ 1924 كتب قصائد ونثريات تتخللها رسومات وكان هذا في ايزادورو بالقرب من بيونس ايوس، مما اعتبره النقاد أول بدايات معروفة وملموسة لطاغور الرسام / المصور. كانت رسوم هذه الأيام تمثل طيورا خرافية ووجوها بشرية غامضة وحزينة وزواحف وأشجارا لا ظل لها مما عكس ما كان يدور في مخيلة طاغور في هذه الأيام البعيدة.

وفي عام 1930 استطاع النقاد الفنيون في جنوب فرنسا إغواء طاغور الذي كان قد رسم حوالي 400 لوحة بأن يقدم معرضه الفني الأول في باريس لأن أعماله متميزة جدا ومن بين هذه اللوحات ال 400 اختار طاغور 126 لوحة قدمها لجمهوره وهو يصرح «بصراحة أنا كنت خائفا جدا بخصوص رسوماتي، وكنت مترددا كثيرا في اعتبار نفسي  رساما، ولم تكن لدي حتى الآن الشجاعة الكافية لعرض لوحاتي عل الجمهور». لكن النجاح الذي حققه من خلال هذا المعرض الباريسي دفعه لأن يعرض في برلين حيث احتفى به النقاد الألمان، ثم في موسكو حيث اطلق عليه النقاد الروس لقب «الميجور/فنان»، ثم اتجه الى العرض في أمريكا على أمل أن يتمكن من تكوين ثروة تتولد من حصيلة بيع لوحاته هناك يتمكن بها من بناء استوديو فني لنفسه عند عودته الى كلكتا، لكنه لم يلق القبول الذي كان يأمله، وضاعت النشوة التي امتعت طاغور خلال خمسة شهرر- هي الفترة الزمنية ما بين معرضه الباريسي ومعرضه الأمريكي – لذا انكسر كفنان طويلا، وفيما عدا معرض لندني له قبل وفاته بثلاث سنوات لم يعرض طاغور ثانية في الغرب.

ومن بين أكثر من ثلاثة آلاف لوحة رسمها طاغور لم يترك سوى 2500 لوحة عند وفاته، مما يعني أنه اما باع الكثير أو حطم الكثير ايضا – ويحتمل أنه أهدى الكثير من لوحاته أيضا لاصدقاء أو مشاهير في أوروبا.

ولأن طاغور بدأ مشروعه التشكيلي في شيخوخته فقد كان مهموما بإنجاز مشروعه الفني بسرعة فائقة، وانعكس هذا على خاماته المستخدمة في اعماله إذ كان يفضل الأحبار والمائيات، وأحيانا كانت له أعمال جرافيكية (الأحبار والمائيات والجرافيك تعطي نتائح سريعة ) وكان أيضا يرسم بالقلم الرصاس، ويستخدم الفرش والخرق في التلوين وأحيانا كان يستخدم أصابعه. وكان يعمل في اليوم الواحد في أعمال متعددة، بعضها كبير الحجم ويعضها صغير الحجم، وتتميز لوحاته التي تركها بالتنوع الكبير في عوالمها، ففيها حيوانات خرافية وطيور، وزواحف، وزهور وأشجار، ووجوه بشرية غامضة، ورموز، وموضوعات غريبة وغامضة، بعض النقاد يشبه شخوصه بأنها تشبه شخوص «الكوتشينة» بعضهم يقول أن وجوه شخوصه مستأصلة ومختصرة، وأثيرت مسألة أن طاغور كان يرسم أحيانا أبطال أعماله الأدبية العديدين وربما كان يرسم أشخاصا حقيقيين خاصة شخوص الاوبرات التي كان يحب أن يحضرها في أوروبا، في حين أن بعض شخوصه مستوحى من الف ليلة وليلة والأساطير البنغالية.

بمن تأثر طاغور في أعماله التشكيلية؟

خلال زيارته لليابان عام 1916 تأثر طاغور مباشرة بالفن الياباني الذي رأى فيه فنا مؤثرا، واضحا، يتميز بالبساطة في التنميل واللون، كما أشار الى المستقبل الباهر الذي ينتظر المصورين اليابانيين الذين رآهم آنذاك.

تأثر أيضا بالكثير من موتيفات الرسوم البدائية التي كانت منتشرة في غرب الباسفيكي،أو الرسوم التزيينية الطوطمية لبعض قبائل الجزر النائية وبعض رسوم الأواني البرونزية الصينية.

زار طاغور متاحف اوروبا وأمريكا في الفترة ما بين 1921- 1939 وقضى حوالي 6 سنوات في رحلات ما بين أوروبا وأمريكا حيث وضع مخيلته على مكامن الثروات الثقافية الموجودة في الغرب وأطلع على الكثير من المواد الفنية من خلال الكتب والصحف، كما أنه احتك بشكل مباشر بمختلف تيارات الفن المعاصر في الغرب واستجاب وتأثر بهذه التيارات بدرجة أو باخري. كما يقولون على الأقل من خلال تكوينه فكرة عما تفعله الحرية الخلاقة في العالم الغربي آنذاك.

وفيما عدا «سيزان» وتشويهه الفني للوجوه لا يمكن بسهولة رصد أي تأثير غربي مباشر على أعمال طاغور بما يمكن اعتباره ليس مدينا لاحد على المستوى الفني.

ولأن طاغور رسم أكثر من ثلاثة آلاف لوحة فإن أعماله بالطبع متفاوتة القيمة وكما يقال فهذه سمة نتاج الذين يبدعون بغزارة.

بعض أعمال طاغور يبدو فيها التخطيط المسبق والذهنية العالية، بعضها يتسم بالعفوية، كثير منها يبدو كمشاهد من مسرحياته، بعضها يبدو مبهما وغامضا من خلال التلخيص والاختزال، بعضها يبدو جميلا وسحريا كغاباته ومناظره الطبيعية إلا أن أكثر أعماله تتسم بقوة الانفعال وهذا على الأقل هو ما يضمن لها البقاء.

قوة الانفعال هذه التي اعتبرها طاغور من أهم ما يجب توافره في العمل الفني، على حد قوله «إن الأمر يحتاج الى جموح الغابات وحفيف أشجارها وعصفها وقصفها ورعدها».

وعن تجربته الفنية يحكي طاغور «عندما بدأت أرسم لاحظت تغيرا كبيرا في نفسي، بدأت اكتشف الأشجار في حضورها البصري، بدأت أرى الأغصان والأوراق من جديد، وبدأت أتخيل خلق وابداع الأنواع المخلفة منها، وكأنني لم أر هذه الأشجار مطلقا من قبل أنا فقط كنت أرى الربيع، الأزهار تنبثق في كل فرع من فروعها، بدأت اكتشف هذه الثروات البصرية الهائلة الكامنة في الأشجار والأزهار التي تحيط بالإنسان على مدى اتساع بموه ».

وفي نهاية الأربعينات عندما أثيرت على نطاق واسع مسألة ساذجة انعكست في تساؤل غير بريء: أي الفنون أفضل ؟ الموسيقى؟ الأدب ؟ المسرح ؟ الفن التشكيلي ؟ أدلى طاغور برأيه معتبرا أن فن التصوير بالنسبة له الأفضلية والأولوية عنده لأن لغته البصرية عالية ويستطيع بسهولة أن يصل الى أي مكان وأي إنسان في العالم، واعتبر أن تذوق الفن لا يقل أهمية عن تذوق الأدب. وهكذا وضع طاغور فن التصوير والرسم في القمة. فهل كان بهذا يلفت النظر الى أبعد الجوانب فيه عن بقعة الضوء. أم انه كان يعني ما يقول؟
 
 
محمود جمال الدين (كاتب مصري)

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …