أخبار عاجلة

طــوكيــو أو …. عيد ميلاد الإسمنت(k)

بورتريه جانبي
تفاجئك رويداً رويداً وتستهويك بكلّ هدوء ، والأجمل أنها لا تشبهك فلا تعتدي عليك . هذه طوكيو بشيء من الاختصار. لذلك تفتح لها ، عوض القبر ، قلباً واسعاً لكلّ جميل، وعقلاً واسعاً لكلِّ غريب ، وعينين واسعتين ، هما أيضاً، لكلّ ناتئ وبعيد . تنشر غسيلك، بجميع ألوانه وأشكاله، على شرفاتها وأنت مطمئن إلى أن أحداً لن يمنع الشمس من تجفيفه، كما يفعل أصدقاؤك الفرنسيون في باريس حيث يحرِّمون نشر الغسيل على الشرفات. لا أدري ما الحكمة من ذلك القانون الباريسي ولا أدري إذا كان ساري المفعول حتى الآن .
مع أنك أصبحتَ من قاطنيها ولا تزال ، وكنتَ قبلها من قاطني باريس ، وقبل باريس من قاطني دمشق ولا تزال ،وقبلَ دمشق من قاطني جبلة على الساحل السوري، وقبل جبلة من قاطني الأرياف ولا تزال ، أريافِ جبلة وتوابعها من السهول والجبال … أقول مع أنك كذلك ، تظلّ ، كما ينقل عنك الأصدقاء،
تفاجئك بكثافة قطاراتها فوق الأرض وتحتها، وتفاجئك القطارات بكثافة ركابها ، ويفاجئك الركاب بسلوكهم ، فتظل هكذا مشدوداً لا عمل لك سوى الدهشة من هذا القطار أو من ذاك الراكب أو ذاك السلوك . والواقع هو أنك ، وأنت ذاهب إلى العمل ، لا عمل لك سوى ركوب القطارات وتبديل المحطات لمدة ساعتين أو أكثر أو أقل . وأنت في هذا لست نشازا أو مخالفاً لشيء أو لأحد ، سوى أنك تأففت حتى تعودت وأصبحتَ من القوم بعد الأربعين وأربعين ساعة ويوما وعدة من أشهر وسنين . فالجميع هنا حلفاؤك في القفز من محطة إلى أخرى ومن قطار إلى قطار، وهم حلفاؤك أكثر في السير ببطء شديد لزحمة الأقدام أثناء الهبوط ومغادرة القطار . حلفاؤك ، جميع حلفائك هنا ، خبراء قطارات وتبديل محطات. حتى أنت لم تعد غريباً على هذا الصعيد وصرت واحداً من الحلفاء المعدودين على أرصفة خمس أو ست محطات ترتادها في الذهاب وفي الإياب.
تعتاد على رواد كلّ محطة وتتعرفُ على الوجوه، وحتى على الثياب إذا كان صاحبها قد ارتداها بالأمس أو قبل أسبوع، لأنك تقابلُ الوجوه نفسها كل يوم في التوقيت نفسه، وتركبون المقطورة نفسها من الباب نفسه، حسابا للدقة في تحديد وقت الوصول، وذلك على مدار سنة أو سنتين أو عشر سنواتٍ أو إلى حين التقاعد بعد ثلاثين أو أربعين سنة من العمل في الشركات والأماكن نفسها. هكذا تنعقد، فوق أرصفة هذه المحطات، قصصٌ وحكاياتٌ بعضها صامتٌ تنسجه لغة العيون ينتهي إلى النطق والحب والزواج، والبعض الآخر حيّ ناطقٌ بالصوت والصورة ينتهي ، بعد شهرين أو أقل ، إلى صداقة معلنة وتفقد يومي ، فينتظر أحد الطرفين مجيء القطار التالي إذا تأخر الصديق أو الصديقة عن الموعد المعتاد.
أعرف أنك لا تحب ركوب القطارات الصباحية، وأعرف أنك تصاب بشيء من الغصة كلما اضطررت إلى ذلك، لأنك تأكل الطعم نفسه من الجهة نفسها دائما. فها هي تلك المرأة قد سبقتك إلى المكان واستقرت به لمدة ساعة ونصف على الأقل، وستبقى واقفاً مرصوصاً بينهم كفرخ سمك في علبة سردين ساعة ونصف على الأقل ، كلّ ذلك بسبب ترددك . هذه عادتك عند الذهاب إلى العمل أو العودة إلى البيت «منذ متى صرت تعود إلى البيوت ؟!» . كم مرة نصحتك بالتصويب على الأمكنة الفارغة ومزاحمة البشر بمن فيهم النساء . دعك من أخلاق باصات دمشق أيام زمان حيث كان الصعود حلما لا يتحقق إلا بالمدافشة ، فكيف بالجلوس ، ثم كنا نقوم لتجلس النساء . أما هنا ، في هذه الجزر ، فزاحمْ يا أخي حتى النساء ، وخذ مكانا وإلا فستصل إلى عملك أو إلى بيتك منهكا . ثم كم مرة قلت لك : هذه هي قوانين القطار الصباحي والمسائي في طوكيو .
يفاجئك الركاب، أحياناً، بسلوكهم في التنافس على أماكن الجلوس. فالمزاحمة من أجل مكان ليست جريمة ، بل هي جزء من لعبة هذا الفضاء في بلاد الشمس المشرقة. لكن بشروطها وظروفها. فهي مثلاً ، وإذا كانت المحطة نقطة انطلاق أولى لقطار فارغ تماما ، تحتاج إلى الوقوف ، بصمت وأدب وقليل من النحنحة، بين العشرة الأوائل من أي طابور يترصد فوق رصيف المحطة وصول القطار وانفتاح الأبواب . ولكي تكون من هؤلاء العشرة ، عليك الوصول باكراً وقبل الآخرين إلى موقف أحد الأبواب، أو الانتظار في المكان نفسه وتأجيل الصعود إلى القطار التالي . وحتى هؤلاء العشرة لا ينجحون جميعا ، لأن هناك مثلهم على مواقف ثلاثة أبواب مجاورة. وما إن تستقر عجلات القطار وتنفتح الأبواب ، حتى ينزلق الواحد برشاقة لاعب مصارعة رومانية ليستقر في المكان، ويتنهد تنهد امرئ أنهى لتوه معركة فاصلة في تاريخ اليوم.
كم مرة قلت لك كفّ عن هذه المتعة في تأملهم وهم يتزاحمون،وكأن لا شغلَ لديك سوى التأمل والشرود . اصطياد المكان، أيها الغريب الأجنبي ، أهم مما تفكر به الآن ، إطحشْ واتكلْ على كتفيك ولا تنس الرشاقة والتهذيب في الجلوس !!.
تكون المنافسة من أجل ستين مكانا تتوزعها مقاعد طويلة على جانبي المقطورة ، ويتسع المقعد منها لثمانية أشخاص متلاصقين متراصين . والواقع أن هذه المنافسة لا تكون في رأس الجميع ، بل هي محصورة بأصحاب المسافات الطويلة ، بمن عنده ساعة وأكثر للوصول . وهؤلاء هم الغالبية العظمى حسب جميع التقديرات . ثم إن قطارات طوكيو مبنية على أساس الوقوف لا الجلوس، لأنه يستحيل تأمين المقاعد لهذا الكم المليوني المتنقل من وإلى الشركات.
لكل ياباني يسكن هذه المدينة، التي لا أعرف أين تبدأ وأين تنتهي، حكاية يومية مع القطار، في الصباح وفي المساء ، في الذهاب وفي الإياب ، أي في ساعات الازدحام ، أو في ساعات القيامة على حد تعبير صاحبنا : قيامة الصباح وقيامة المساء. والقطار هو وسيلة النقل الوحيدة لأغلب الموظفين، ومحظوظ الوالدين من كان عنده نصف ساعة أو أربعين دقيقة للوصول إلى عمله. على أية حال، لا أمل لك قطعا في الجلوس ، إن لم تكن من زبائن إحدى محطات الانطلاق . لكن لا تيأس ، فتلاصق الواقفين بعضهم ببعض، لشدة الازدحام ، يكاد يشبه الجلوس . الواحد يسند الآخر : يتساندون ثم يتكاتفون ولذا يمكنك ، دون مبالغة ، أن تغفو على كتف الجار قليلا . في البداية قد يكون الأمر صعباً، لكن ستعتاده مع الوقت ومرور الأيام.
في هذا الجو من التلاصق الإجباري، تنتشر، أو تتفشى (خذ أي فعل تشاء) ظاهرة التحرش الجنسي من جميع الجهات: من الخلف، من الأمام، عن اليمين، عن اليسار، من أي جانب كان . وليس هناك من امرأة تعيش في طوكيو، وتستخدم القطار، لم تتذوق طعم التحرش. أحياناً، ولشدة الازدحام، يكون «التحرش» بلا قصد ويفهم الطرفان ذلك، فتصمت المرأة إلى أن تتاح لها الزحزحة قليلا من المكان إذا كانت غير موافقة. ولكن هذه الزحزحة التي يحدثها تباطؤ القطار المفاجئ أو الانعطاف السريع قد تؤدي بها إلى حضن رجل آخر، وهذا ما يحدث غالباً فيتابعها الأول بنظرٍ فيه شيء من العتب. وأحيانا يكون التحرش مقصوداً، عندها إما أن يصمت الطرفان بحجة الازدحام ولا حول ولا قوة، أو يعترض أحدهما ، وغالبا ما تكون المرأة، بحركة ما وبشكلٍ لطيف. فإن لم يفهم الآخر بهذه الطريقة غير المباشرة، يأتيه الصوت مباشرة: «شويي شويي شوهادا». لكن غالباً ما يكون التحرش، في مثل هذه الظروف، بين المقصود وغير المقصود، يعني خليطاً غير واضح الحدود : قد يبدأ بلا قصد وينتهي مقصوداً أو العكس. والمرء على ما يبدو، ذكراً أو أنثى، يستمرئُ هذا النوع من التحرش لأنه بلا هوية ولا يمكن تقريع الذات أخلاقيا بوضوح، كما لا يمكن القبض على المتحرش أو المتحرشة بالجرم المشهود.
نعم، نعم المتحرشات كثيرات وبينهن محترفات يتعمدن الالتصاق بنوع معين، محترم وخجولٍ، من الرجال لابتزازهم فور النزول من القطار: ادفع بالتي هي أحسن أو الشرطة والفضيحة. وكاد صاحبكم أن يقع مرة ضحية إحدى هؤلاء المحترفات، ولو حدث ولا فلوس لديه يدفعها، وشحطتْه أمام الجميع إلى الشرطة، لسُحبت منه الإقامة وطرد من هذا الأرخبيل بصفته أجنبياً اعتدى على الحرمات، لكنه انتبه إلى أنّ الأمر زاد، وللأسف، عن حده فأسرع للاستدارة وألصق الظهر بالظهر، تاركا المجال شيئا فشيئا لرجلٍ آخر كان يراقب على ما يبدو، وينتظر زحزحة ما للالتصاق بها ومن أي جانب. ثم ما إن وصل حتى بدأ، على عادة المتحرشين في هذه الظروف، ينظر إلى سقف القطار متنحنحاً متظاهراً أنه، إذ يحرك هكذا أو هكذا، لا يفعل شيئاً سوى التأفف من الازدحام، غير أن احمرار الوجه والتعرق سرعان ما يفضحان الموقف كاملا. ويبدو أن صاحبتنا لم تسهب في حركاتها كثيرا إلا قبيل وصول القطار إلى المحطة بقليل، حيث تفتح الأبواب وينكشف الأمر، فتصرخ في وجهه وتبدأ الفضيحة.
لكن يبدو أيضاً أن هذا النوع من التحرش الغامض، يشكل بالنسبة لموظفٍ مأخوذٍ، أو موظفةٍ مأخوذةٍ، بالعمل طوال اليوم، فرصة ليست سيئة للتخلص من كآبة ضغوط العمل. ليست سيئة أبداً إذا ما قيست بندرة فرص الاحتكاك الجسدي لدى هذا الموظف أو تلك الموظفة. أضف إلى أنها تأتي في وقتٍ مقتول، أي خارج الوقت الرسمي المحسوب ضمن الدوام. ثم إنها لا تكلف سوى القليل من الصبر والصمت، وفي كل مرة حضن جديد. ولأن التحرش أصبح ظاهرة صباحية ومسائية، وصارت تكلف وقتا وأعصاباً ومالاً ولا يمكن ضبطها أو حلها، فإن جميع شركات السكك الحديدية بطوكيو اتخذت قرارا بتخصيص عربة أو مقطورة مستقلة للنساء في ساعات الازدحام. ومع ذلك، فإن النساء لا يصعدن جميعا هناك، لأن هذه المقطورة غالباً ما تكون في آخر القطار، المكون من خمس عشرة أخرى، والصعود فيها يعني إمكانية التأخر عن مكان العمل أو عن البيت، أو إمكانية إضاعة تلك الفرصة. هكذا تفضل غالبيتهن تحمل غلاظات الذكور على إمكانية التأخر أو غيرها، وبالتالي ركوب أية عربة تناسبهن.
أقسى ما يفاجئك في هذا التلاطم البشري داخلَ القطار هو الصمت، ولاشيء غيره. إنه البديل الإجباري عن أي احتجاج متوقع أو اعتراض مفترض، إذ لا معنى للاحتجاج أو الاعتراض على قدر مماثل محتوم. صمتٌ متكلم وأكاد أسمعُ نبرته فوق جميع الوجوه على شكل جدية وتقطيب. حتى أنت الريفي البسيط الضاحك على طول الخط ، بعد كل هذه السنين من الغربة في المدن الكبرى، سرعان ما يمتلئ وجهك بالصمت والتقطيب حالما تصعد القطار. لعل التقطيب كلمة خفيفة، أو واضحة، للتعبير عن تحولات الوجوه في مثل هذه الظروف. وربما يحتاج المرء إلى كثير من الكلمات المشابهة لمتابعة الوجه في تنقلاته بين هذه الملامح. يصير الوجه جداراً فولاذياً، غير مقروء أبداً، غير مؤكد أبداً أنه الوجه الذي كان لك قبل الصعود. وجه غامضٌ، مبهمٌ، متوترٌ، مستنفرٌ وكأن صاحبه على مشارف معركة مع أي واحدٍ من الركاب؛ أو وجهٌ حياديٌّ ومشغولٌ بنفسه إلى حدّ إلغاءِ كلّ من يحيط بكَ من الجالسين أو الواقفين. أيُّ استرخاء في الملامح، أو أيّ خرقٍ في هذا الجدار المصنوع للتو، قد يورط صاحبه في شيء ما: في حديثٍ لا تُعرف نهايته، في الإجابة عن استفسارٍ ما، في تحرشٍ من نوع آخر. وكثيراً ما تورّط صاحبكم في مطبّ الاسترخاء، وخرقت ملامح وجهه «الفولاذي» ابتسامات متتالية عابرة، فكانت النتيجة مراراً هي نفسها : من أين أنت، وماذا تعمل هنا، وهل تحبّ هذه البلاد، وكيف بلادكم، وماذا تأكلون وتشربون، إلى آخر الاسطوانة.
اقفلْ أبوابَ وجهك جيداً في المدن، صغرى كانت أم كبرى، في المطارات، في محطات القطار، في الكراجات المحلية والإقليمية والدولية، في المطاعم والمقاهي حيث تكون وحيداً، قطّب الجبينَ واعبس عبوساً لا ثغرة فيه. توترْ بمقدار ما تستطيع. إياك والاسترخاء، فهناك قطعاً من يترصد ابتسامة تعلو ملامحك ليتخذها سلّما إلى مفاصلك، أو إلى جيوبك، فاللصوص يعرفون أن المسترخي أرضٌ سائبة. وهناك قطعاً من يخطط لرفع الكلفة بينك وبينه، ومباشرةِ حديثٍ قد يؤدي إلى صداقة يترتب عليها الغدر أو الوفاء. ولعله من الأفضل أن ترتدي نظاراتٍ سوداء فاحمة إذا كانت عيناك كعيني صاحبك، واضحتين، صريحتين، وتفضحان ملامحك البريئة، الضاحكة مهما عبست وقطبت.
وكثيراً ما أجبر صاحبكم، بعد ساعة أو ساعتين من التقطيب في مثل هذه الأماكن والأجواء، على الدخول إلى أقرب مرحاض، لا ليقضي حاجة وحسب، بل، ليستعيد بالأحرى بعض ملامحه الساخرة، حيث يقوم بتجريب أشكال وأشكال من التكشير وبحلقة العينين، وفتح الفم، ومد اللسان، وتمثيل الصراخ والزعيق والقهقة.
منذ متى يبدأ الوجه ارتداء هذه الأقنعة، لكن هل هي أقنعة. هل يولد الوجه عابساً ومقطبا، جدياً متوثباُ، حياديا لا علاقة له بالرحم التي هبط منها لتوه. لماذا يلبس الوجه هذه الملامح القاسية، إلى حد الاعتداء، حالما تكون في محيط لا ذنبَ له سوى أنه غريبٌ ومجهول بالنسبة إليك. ثم لماذا دهشة واستغراب الآخرين الذين لا تعرفهم عندما تعلو وجهك ابتسامة. من منكم لم يستغرب مرة، ابتسامة من يجلس وحيداً، أو من يعبر وحيداً: « ما له الأخ عم يضحك لحالو،شو مصييف، الله يساعدو». لماذا يُستسهل الإنسان السعيد، ويستخفّ به، ويُستوطى حائطه.
تفاجئك القطارات بألوانها: الأحمر ، الأصفر ، البرتقالي ، الزهري ، الفضي ، البيج ، الأخضر ، الأخضر الفاتح ، البنفسجي … مهرجان ألوان متنقل على طول المدينة وعرضها ، فوقاً وتحتاً ، يوميا من الخامسة صباحاً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل ، وذلك منذ ما يزيد على نصف قرن وأكثر ، أي منذ أن قرر أولاد الشمس المشرقة استبدال الطنابير بالقطارات في مدينتهم الكبرى . مهرجان ألوان يذكرني بلوحات الصديق جبر علوان ومعارضه ، ويذكرني أكثر ، إذا لم تخني الذاكرة ، بأن جبراً تعلم الرسم أول ما تعلمه بالفحم على واجهات قطار ببغداد . وهذه الألوان ليست بلا معنى ، فهي إذا شئت دليلك إلى خط سيرك ، لاسيما إذا كنت من غير الضالعين باللغة اليابانية واسم المحطة غير مكتوب بالأحرف اللاتينية . إذا حدث وأخطأت باسم الخط ، فاللون يعيدك إلى الصواب . ألوان قطاراتِ خطوطك تحفظها عيناك ، فإن سهتِ الذاكرة فالعينان تنبهان . لكن إذا كنتَ أجنبياً عالمكشوف ، كصاحبك ، وذا شاربين كثين عالمكشوف ،كصاحبك ، وكانت عيناك لا تجيدان قراءة الألوان وتمييزها عن بعضها ، فانتظر أن تضيع مراراً ، وتقف على رصيف المحطة قلقاً ، متوتراً أصفر الوجه مرتبك الأطراف ، دون أن تلفت انتباه أحدٍ ، إذ لا وقت لأحدٍ للالتفات . تذوقتها في بداية إقامتي اليابانية مراتٍ ومراتٍ ، وكان الأخضر والأخضر الفاتح هما السبب عدة مرات : الأخضر الفاتح يقودني إلى البيت ، أما الأخضر العادي فيأخذني بالعكس . وأذاقني إياها أيضاً البرتقالي والأصفر والأزرق الغامق أكثر من مرة . ولذلك ، عقدت العزم على حفظ أسماء محطاتي الأربعين في جميع الاتجاهات ، بما فيها محطات التبديل، باليابانية قبل اللاتينية ، والإقلاع عن الاعتماد الكلي على الألوان في الخروج والدخول . ولذلك أيضاً ، تغيرت علاقتي بهذه الألوان سلبا وإيجاباً وحياداً داخل اليابان وخارجها. كما عقدتُ العزم على الإصغاء إلى كلّ ما يذيعه من إرشادات معاون السائق في قمرته بآخر القطار. أذكر أنني، وفي بداياتي، كنت أنزعج من كثرة هذه الإرشادات وتكرارها وأعتبرها استغباءً للركاب واعتبارهم أطفالاً لا يعرفون أين ينزلون ولا أين يغيرون. لكن اليوم ، وبعدما صرت أفهمها جيدا، وأعي ضرورتها القصوى لمستخدمي القطار يوميا، صرتُ أنتظر سماعها كجزء لازم من رحلتي، ولاسيما إذا كان المعاون من الجنس اللطيف. لأن شركات السكك الحديدية، فتحت في السنوات الأخيرة أبواب هذا القطاع أمام النساء بعدما كان حكراً على الرجال.
و تفاجئك تلك الألوان نفسها أيضاً على أرضية مداخل المستشفيات ، والإدارات والمحلات ، الكبرى ، وانطلاقاً من مكتب الاستعلامات ، ولا دليلَ هناك غيرها : كلّ لون يأخذك إلى قسم داخل المشفى . تكتشفُ هنا ، فائدة اللون حقاً ، إذ يقودك إلى طبيبك المختص بأسرع مما قد يقوم به جنّ أو بشر لأنّ كليهما خطاء . تشعر أن اللون ، وهو يرافقك في وحدتك من طابق إلى آخر ومن ممر إلى ممر ، شيء سرعان ما تألفه وتحبه وتود أن يخرج معك من المشفى بعد الانتهاء ، وسرعان ما تنسى مواقفك من ألوان القطارات إذا كنتَ ملدوغاً .
تفاجئك المدينة ، وأينما كنت ، بالكثافة : كثافة بشر وأبنية ومحلات ومحطات وقطارات ، وكثافة سلوك حضاري راقٍ أين منه سلوك ابن باريس أو لندن أو نيويورك أو ابن القرية الذي كنته أو الذي أنا هو الآن أو أو…. ولذلك اعتقدتُ في البداية أن الحي الذي أقطنه هو مركز العاصمة بينما هو جغرافياً على أطرافها الغربية ، أو في ضواحيها . كلّ ما تحتاجه متوفر فيه، من أعقد وأحدث وأغلى إلى أبسط وأرخص المنتجات الغذائية والصناعية اليابانية والغربية وسواها . لذلك كنت وما زلت ، وبسبب بنيتي الفكرية التوحيدية المركزية ، كلما وصلت إلى حي ولمست هذه الكثافة، وهذه الوفرة للأشياء، وهذه النظافة، أقول لنفسي هنا مركز المدينة ، وكلما نزلت في محطة أقول هذه هي المحطة الرئيسية ، فآخذ الكاميرا وأبدأ التقاط الصور للأشياء والآخرين ، ظناً مني بأنني وصلت إلى لقطة من لقطات العمر، ثم أكتشف أنها واحدة من مئات المحطات المنتشرة في المدينة . ذلكم هو جزء من فلسفة العقل الياباني : إلغاء المركز كمفهوم وكواقع ، وإشباع السوق بكلّ ما يحتاجه الفرد أينما حلّ وسكن ، لا وجودَ لمركز إذا ابتعدت عنه فأنت بعيد من كل ّشيء ؛ أحياء المدينة جميعها مركز حتى لا يغار مركز من مركز، والمدن اليابانية جميعها طوكيو حتى لا تغار مدينة من طوكيو ، أي كلّ منها موجز بسيط عن العاصمة حتى لا يغار أولادها من أولاد العاصمة، واليابان كلها موجز بسيط عن العالم المتقدم حتى لا يغار أبناؤها من أبناء العالم المتقدم ، عالم صغير يحلّ فيه العالم الأكبر . وهذه هي الفلسفة التي دوخت الغرب وشوّشت مفهومه المركزي للعالم والأشياء ، وسيدفع الثمن غاليا إن لم يسرع ويستفد من الثقافة اليابانية في التخلي عن هذه « الأنانية» المركزوية ، واستبدالها بـ«نحن» العمومية الغامضة الواضحة مع ذلك . أقول هذا وأنا مقتنع بأن خلاصنا، نحن العرب، من تخلفنا اليوم يكمن في نسخ تلك التجربة الحضارية الغربية كما عاشت وتطورت واكتملت وأصبحت مؤهلة لاستقدام النموذج الياباني . لأننا نحن والغرب ، في نهاية التحليل وفي أوله ، من دم معرفي واحد . وحذار من تقليدنا للتجربة اليابانية، كما يدعو إلى ذلك بعض المثقفين العرب ، قبل المرور بالمسار الغربي ، وإلا سنكون كمن يقفز إلى هاوية لا قرار لها ولا قعر.
والواقع هو أن هذه الفلسفة في التجاور والتعايش ، وانعدام المركز وعدم إلغاء شيء على حساب شيء آخر، تكاد تنسحب على جميع مناحي الحياة في طوكيو. فداخل البيت ، أو المطعم ، يمكنك الجلوس أرضا على طرحة وراء طاولة خفيضة في الركن الياباني ، كما يمكنك الجلوس على كرسي وراء طاولة عادية في الركن الغربي ، كما يمكنك تناول طعامك واقفا على الكونتوار إذا كنت من المستعجلين. لكن الغريب هو أنك قلما تقع على ياباني يأكل سندويشته أو ما بيده من طعام ماشياً . هذه الفلسفة هي أكثر ما يدهش الأجنبي ويقفز إلى عينيه . حتى الياباني القادم من محافظات أخرى ليس بعيدا من هذه الدهشة ، وحتى ابن طوكيو الخمسيني وما فوق ، يعبر لك عن دهشته أمام هذه الخلطة العجيبة التي اجتاحت، ولا تزال تجتاح «عاصمة الشرق» طوكيو. تشعر أحياناً أن طوكيو نفسها، كفضاء ، كمكان ، لا تفهم ، لا تستوعب ما جرى وما يجري لها: فجأة تولدُ على هيئة غابةٍ من اسمنت تخترقها شبكات سكك حديدية لا نظير لها في العالم ، فجأة وخلال مئة سنة أو أقل، تتحول بعد مئات السنين من الخدمة في حقول الرز ، وفي غابات طبيعية ذات جمال مذهل، إلى مرتع للإسمنت والإسفلت والقطارات، وفجأة يتحول سكانها من مزارعين وفلاحين إلى موظفين في شركات أخذت على عاتقها أكل الأخضر، والأخضر فقط ، للحاق بأوروبا وتجاوزها. وأخيراً، من تبقى من مزارعيها،على الأطراف ، يجد نفسه مجبراً على زراعة الإسفلت، أعني تعبيد بعض ما لديه من الأرض لاستثماره كمرآب مكشوف لسيارات سكان الأبنية الشعبية الجديدة. لأن مردود المحاصيل الزراعية لم يعد كافيا لتغطية مصاريف الحياة ، أو لإقناع الصبايا بالزواج من المزارعين الشباب، على قلة هؤلاء وتناقص أعدادهم سنة بعد أخرى.
تفاجئك المدينة بتنوع واختلاف هندسة أبنيتها : جميع مدارس الهندسة المعمارية العالمية ، بما فيها اليابانية ، منذ مائة سنة وحتى اليوم تتجاور وتتعايش في الحارات والأحياء ، وذلك خلافاً لأعراف تنظيم المدن الغربية ذات الهوية المعمارية شبه الموحدة . هناك، إذا شئتَ، نوع من «الفوضى» لا يمكن لأحد أن يفهمه أو يبرره إلا عقل براغماتي من نوع خاص، إذ قلما تتجاور ثلاث بنايات ذات تصميم هندسي واحد، أو تترتب في صفٍّ واحد. ربما طبيعة المكان وراء الموضوع، وربما ذهنية سكان المكان. على أية حال، تنوع سيدهش من تعلمت عيناه، أو ذهنه، على الأبنية المصفوفة المترتبة داخل مدينة ما. لذلك لا تملّ عينا صاحبكم من قراءة هذه الكتل الإسمنتية التي تتشكل منها طوكيو عندما يعبرها قطاره في اتجاهات ثلاث ذهاباً إلى العمل وعودة منه. ولا يملّ هذا المشهدَ نفسه بالتحديد، عندما يترجلُ من القطار ويقرر العودة إلى البيت سيراً على قدمين لا صديق لهما، في الأزمات، غير الشوارع والأزقة والطرقات. ساعة،ساعتان،أو ثلاث قد تمتد إلى خمس ساعات، وحيداً لا يكلّ من السير في الشوارع بين هذه الغابة من الأبنية.
هناك شيء من البساطة والسطحية في تحضر المدينة : رغبة شديدة في المحافظة على الماضي، ورغبة شديدة أخرى في استقبال الحداثة والحديث، والجميع يريد منطقَ لا غالب ولا مغلوب. من هنا هذا المزيج المعماري العجيب. هكذا ستجد حارة من ناطحات سحاب حديثة جداً مجهزة بأسرع المصاعد في العالم ، تشاهدها من الخارج في نزولها وصعودها كأنها سرافيس وتكاسي تجوب شوارع مدينة من زجاج ، ناطحات سحاب تغلي بالحياة على مدار الساعة وكأن لا وقت لديها للنوم أو الراحة ، وإلى جانبها في الجهة الثانية من الشارع حارة من البيوت اليابانية ذات الطراز القديم، التي ربما يكون بعضها قد نجا من حرائق حرب أو زلزال، ويعود إلى خمسينات القرن العشرين، مبنيٌّ من الخشب، وديعٌ ، هادئٌ ، تلفه ألوان الماضي بدكنتها ، بطيء الحركة، كسول المنظر، بالكاد نلمح بعض ساكنيه ،تحيط به تلك الحديقة التقليدية المعروفة بشجيراتها وحجارتها الكبرى، حيث قد تقع العين أحياناً على عجوز بلباسها التقليدي وهي تسقي هذا الأصيص أو تلك الحجارة. وهناك بيوت، وما أكثرها، تطلّ أبوابها الرئيسية مباشرة، بلا أي فاصل أو رصيف، على شارع رئيسي تمرّ فيه جميع أنواع السيارات بسرعة، مهما تدنت، تشكل خطراً صريحا على ساكنيها أثناء خروجهم ودخولهم ، هذا عدا عن لعنة الضجيج . كما ستجد بناء بلدية ما بعد حديث ، يقوم على فلسفة الفراغات والواجهات الزجاجية الكبيرة ، في حارة من المساكن الشعبية القائمة على فلسفة استخدام كل جزء من البيت ، يعني البيت بحدوده الدنيا بلا ديكور ، أو زينة ، أو شيء من هذا القبيل غير مرشح للاستخدام . وفي مثل هذه الحارة يعيش صاحبكم، يكتب ويترجم، يهذي مع نفسه، يتابعكم ويقرأ قصائدكم ونصوصكم على الشاشات البيضاء من حين إلى حين .
1 ــ جزء من كتاب بهذا العنوان.
 

مُحمد عُضيمة
كاتب ومترجم من سورية يقيم في طوكيو

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …