أخبار عاجلة

طفولة سينمائية

في مدينة مثل مدينة اللاذقية، كل صالات السينما موجودة في المنتصف.

ولأن الشوارع تسمى بأشهر شيء بها، فسينما " دنيا " تقع في شارع سينما دنيا. تحتها بخمسين خطوة "الأهرام " ليتحول الشارع الهابط الى اليم كلسان رجل نائم. بصورة غير مفاجئة الى شارع سينما "الأهرام ". مقابلها سينما الأمير التي سميت فيما بعد بـ "الكندي " تحتهما صالتان أخريان لم أعد أذكر اسميهما ربما أو حتما "شهرزاد" لكون شهرزاد أول سينما خيالية ثم سينما يا الله بدأت ذاكرتي تخونني أيضا؟

في شارع اللاذقية المتصالب مع شارع سينما دنيا. توجد سينما اللاذقية قرب بوظة جعارة المشهورة أيضا حيث عندما أرسل رسالة لصديقتي الدكتورة أكتب على الظرف قرب سينما اللاذقية بعد بوظة جعارة.

سينما "أوغاريت " التي بنيت بعدها بكثير والتي كانت كبيرة ونظيفة في الأسابيع الأولى.

كما توجد سينما "سنانا" وسينما هوائية أخرى لا أعرف اسمها ولم أعرفه يوما، لم يكن ذلك مهما.

لكل صالة من الصالات اختصاصها وروادها. سينما اللاذقية متخصصة بالأفلام الهندية… هناك جرفنا الأدمع أنهارا واستطعنا أن ننظر لقبلات العصافير في حضارة أمهاتنا. غنيت أغاني " شاجي كابور " وتدحرجنا السلالم راقصين حتى ازرقت أجسادنا ونحن نغني "كاهي ماهي جنكليكا هي ". " و"أيابا سوكاسوكو" ظانين أننا تعلمنا الهندية   محركين رؤوسنا ولاعبين بعيوننا خارجين منها بأنوف معصورة وعيون ملتهبة.

أما سينما "الأمير" و "الاهرام" فهما المختصتان بالأفلام الأجنبية التي تصل متأخرة وكأنها تأتي مشيا على الأقدام من أمريكا وأوروبا وتبقى سينما "أوغاريت " للأفلام العربية أي المصرية حتى أن البعض يظن انه اذا تحدث بالمصرية تحدث باللغة العربية الكلاسيكية أو الفصحى كانت هناك أوقات وأيام خاصة للنساء فقط، ممنوع دخول الرجال تكتب على لائحة بخط عريض توضع على مدخر السينما، يقف قربها رجال مفتولو العضلات والشوارب لمنع الشوائب الذكورية من الدخول على وجوههم فخر خفي لكونهم حماة حريم المدينة اللواتي لم يكن باستطاعتهن الدخول بدون كل الضمانات السابقة.

في حصة النساء تصبح الصالة حماما ذا أبخرة مغبرة مليئة بكائنات تتحرك بخفة وسرعة وبصخب الأطفال الذين يركضون والرضع الذين يداعبون ويولولون والذين فجأة يصمتون عندما تضاء الشاشة وكأن على أفواههم هبطت أثداء أمهاتهم يرضعونها بينما تحلم هي أن تكون نادية لطفي أو هند رستم أو سعاد حسني وان تحب، وأن تسوق سيارة وأن يأتيها رجلها بباقة ورد ولم لا، أن تسكن في قصر مليء بالخدم والحشم وأحلام وأحلام تراودها وهي تنظر لفيلم فريد الأطرش وفريد شوقي وحش الشاشة وعبدا الحليم حافظ العندليب الأسمر وأبيه الذي فوق الشجرة.

ومع هذا، للذهاب الى السينما كنت بحاجة دائما لمن يصطحبني فالفتاة لا تدخل لوحدها حتى لو وثق بها أهلها، ثم من يضمن عندما تطفأ الأضواء  بأنها لن تهرب للقاء شاب تحت سلم ما من بناية خالية أو في حارة نائية حيث لا أحد يعرفها!

في ذاك الحين لم يكن يوجد مكان خاص بالفتيات عدا شرفات بيوتهن أو شبابيكها.. السينما ومسبح جورج أي نادي نقابة المعلمين الذي خصص وساعتين من صخوره الثمينة لهن من الساعة الثامنة الى العاشرة والنصف صيفا وصباحا. عليهن الاستيفاظ  باكراء   وارتداء ملابسهن بعجلة للخروج الأن  الرجال القابعين وراء البـاب الرئيسي يتلصصون على أجسادهن نصف العارية يحلمون بخروج حورية من البحر وقد وقع عنها ذيلها بفعل جاذبية المياه والتمني والدعوات التي حتما كانت صادقة.

لابد أن هذه الساعات الطويلة أمام الشاطيء ومراقبة أطياف النساء تشكل لأكثرهن أجمل فيلم وخاصة للعساكر الذين كانوا يملؤون مداخل السينما في أيام عطلتهم ليغذوا الحرمان بالحلم والرؤية ولماذا لا إذا استطاعوا ان يلمسوا ثوب امراة او يدها في الزحمة!!

وتبقى صالة السينما المكان الوحيد الذي يجمع في حصته العمومي، الرجال والنساء كما كورنيش البحر في أيام الصيف ولكن للأسف حتى هذه النعمة قد اختفت بهدم بعض دور السينما وبعضها الاخر لم يعد أحد يزوره سيكبر جيل دون أن يعرف سحر هذه الشاشة.. لن يدق قلبه بمغامراتها وبمراسيها ولن يصبح لديه ذكريات عنها وفيها واليها!!

آه السينما هذه الصالة المعتمة والمضيئة..

أتذكر اضطرابي في ذك الممشى المنقط بعيون صفراء تقود خطواتي المترددة على درج لا يشبه درج بيتي والذي يبدو لي طويلا وغامضا أمام نظرات الناس الفاحصة فبأي قدم علي أن أمشي لتصبح خطواتي مستقيمة ومتناغمة مع حركة ذراعي اللتين لم أكن أعرف أيضا تحريكهما فتتلاقى ذراعي اليمنى مهم ساقي اليمنى واليسرى مع اليسرى لبرهة حتى أستعيد هدوئي.

كان عدي أن أعد للعشرة ولازلت أعدها لأواجه ذلك الخوف البارد أو أي خوف آخر.

السينما هذه الصالة المضيئة والمعتمة..

أتذكر عندما ضربت موعدا مع شاب في سينما الأهرام دخلت مع صديقتي الشاهدة المحلفة التي كانت باستطاعتها الخلف على القرآن  لتحميني ! وكان هو مع صديق له جلسا وراءنا.. لم أعد أذكر اسم الفيلم كل ما أذكره هو أنه كان يشد شعري مع كل قبلة تظهر على الشاشة مؤثرا بأنها لي.

سرعان ما تتحول الشاشة الكبيرة لوجهي ولوجهه ويختفي كل الحاضرين والممثلين.. كان يشده لدرجة مؤلمة علامة على قوة القبلات العديدة التي رأيناها ولم نذقها والتي لسبب غامض منحتني الدوخة !

كنت ولا أزال متفرجة مثالية. أعيش القصة حتى الظفر كنساء سينما  " أوغاريت ".. أبكي وأضحك أتألم وأغضب وأصفق بحماس مع تصفيق الصالة عندم يأتي البطل لينقذ البطلة وأتعذب ويفسد يومي لعدم رؤيتي للنهاية السعيدة التي رجوتها !

السينما هذه الشاشة الكبيرة العالية التي تهيمن عليك وأنت بعيون صغيرة وبتاريخك الانسان تحت أقدامها محكوم عليك وباختيارك طبعا. أولا تتحرك فالذي يجلس وراءك يتأفف  بل يقاتلك ان كان رأسك أطول من عينيه أو ان نبست بكلمة لابد أن تخضع لسلطانها لسحرها تصبح شاهدا لجريمة ولا تستطيع التدخل… يأتمنونك على اسرار كبيرة " لا تستطيع البوح بها. وكل الحوادث تعبر وأنت توافق، أو ترفض ولكنك.. تخضع إلا في حالات نادرة تخرج مات منتصف الفيلم نادما على التذكرة التي دفعتها.

ما تقدمه السينما.. السينما العظيمة لا يقدر بثمن هي الفن في كل وجوهه حضارة فنون متعددة سواء شعرا، موسيقى رسما تصويرا و… و… كلا ما هناك مما لا يخفى على أي أحد عنا من تعاريف لها.

أدين لها بمشاعر.. بقهقهات عالية وببكاء وبأفكار وكلام أول رسالة حب أستلمتها كانت مقطعا من مشهد لفيلم أجنبي يقول بها الممثل لمحبوبته "بأنه سيحبها للأبد وبأن ما جمعه الله لا يفرقه انساب " وكم صدقته..

السينما وذكرياتي عنها وفيها.. لقاءاتي الغرامية، وما علمتني من طرق للتقبيل التي كنت أضيع فيها كل حاحتي وحرماني ومازالت.

السينما لم تعلمني أنا فقط بل علمت كلا منا أشياء وأشياء في وعينا وفي لاوعينا… كيف نتصرف.. كيف نأكل.. وكيف نمارس لعبة الحب. وكيف نلعب دورنا الخاص في سينما الحياة.
 
 
مرام المصري (شاعرة عربية تعيش في باريس)

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …